مشاهدة النسخة كاملة : رسائل إلى ميلينا
حسن علي
31-10-2007, 08:27 AM
"كتابة الرسائل .. تعني أن تعري نفسكَ أمام الأشباح ، و هو شيء لطالما كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر. كتابة القُبل فيها لا يعني أنها ستصل إلى مكانها المقصود ، بينما على العكس ، يتخطفها الأشباح على طول الطريق."
(كافكا إلى ميلينا)
Franz Kafka : Letters to Milena
Translatedy by : Tani and James Stern
1953
Corgi Books
حسن علي
31-10-2007, 09:37 AM
http://perso.orange.fr/maurice.villard/images/kafka.jpg
فرانز كافكا ، ولد في براغ عام 1883 في عائلة يهودية محافظة. حصل على دكتوراة في القانون ، لكنه مارس مهنته لفترة قصيرة من الزمن، فضل التأمل في الكون ، حتى و لو كلف ذلك حياته.
سنين العزلة و الخصوصية كسرت صحته ليتداعى بمرض السل الذي خطف حياته عام 1924 و هو في عمر الواحد و الأربعين.
كان يخشى الزواج على الرغم من أنه تعرف على عدد من الفتيات ، و أرتبط بفيليس صديقته بخطبة فسخها مرتين. كان يخشى تعارض الزواج مع ميوله الأدبية
"سأكون زوجًا غير صالح ، يخونك كل ليلة مع كتاباته"
خلال سنوات حياته ، نشر كافكا بعض من المؤلفات و القصص القصيرة مثل قصته الشهيرة المسخ. و أقتصرت معظم كتاباته على المذكرات.
النصيب الأكبر من روايته الأنجح مثل : القصر و المحاكمة ، نشرها صديقه اليهودي ماكس برود -و الذي عهد له بوصية حرق جميع أعماله- بعد وفاته ليغدو ملمحًا مهمًا في تاريخ الكتابة في القرن العشرين.
http://www.divokevino.cz/2106/img/jes01.jpg
ميلينا المتزوجة ، ميلينا الجميلة ذات الأربع و العشرين و التي تفيض بكامل الأنوثة ، كانت المختلفة من بين جميع صديقاته. و رسائل كافكا مع ميلينا كانت مختلفة و لا تشبه رسائله مع أحد. كانت الأجمل ، لأن ميلينا كانت أكثرهن فهمًا له ، فكان يشعر بالإرتياح و الحرية معها.
هي الحب العاصف
"ميلينا ، أي اسم غني و كثيف ، غني ، ممتلئ ، مفعم لإبى درجة يشق عليّ حمله"
ميلينا ، كفتاة مثقفة مهتمة بالأدب و الموسيقى و الفن. متحررة و شغوفة بالتجارب و المغامرات.
على الرغم من أنها متزوجة من يهودي كان يسيء معاملتها ، ألا أن كافكا لا يراها إمرأة. كان دائمًا يراها كفتاة.
"بالنسبة إليّ ، لست إمرأة بل فتاة شابة ، لم أعرف في حياتي فتاة أشد صبا منك"
كانت البداية بينهما بأن ترجمت ميلينا قصص كافكا إلى التشيكية. لتبدأ مراسلاتهما كتابيًا ، ثم إلتقائهما في فيينا عام 1920 لأربعة أيام ، كانت الأفضل في حياة كافكا بأسرها ، فقد أختفى فيها مرضه ، و أنقشع ضباب خوفه.
"اليوم الأول كان يوم الشك ، و الثاني يوم اليقين العظيم ، و الثالث الندم ، و الرابع الأفضل"
عندما رجع إلى براغ و هو ثملٌ بميلينا راح يمطرها بوابل من الرسائل ، كان ممتلئًا بها. و ميلينا لا تستطيع التخلي عن زوجها.
كانت خائفة و مترددة و لا تملك قرارًا يدفعها. كانت تصفه برجل لا يملك ملجاءً يذوي إليه غيرها ، و لا تنتبه إلى أنه أصبح ملجأها الوحيد أيضًا. على رغم كل خوفه كانت رغبته فوق كل شئ أن يلقي برأسه فوق ركبتها الأبدية كلها.
أنقطعت المراسلات بينهما ، و حرص على أن يتجنب لقاؤها و لو مصادفة. فقدان ميلينا كان يعني الموت. أوصى صديقه بأن يتحدث عنه أمامها كما لو أنه ميت.
في النهاية ، ألتقاها ليعطيها مذكراته من أجل أن تحتفظ بها ، و كانت أجزل هبة يمكن أن يهديها شخص منعزل ككافكا.
* كافكا : مأسأته و أعماله ، د. مجدي وهبة ، دار المستقبل بالفجالة 1982
* كافكا في النقد العربي ، إبراهيم وطفي ، دار الحصاد 2006
حسن علي
31-10-2007, 10:15 AM
ميران – انترمياس
بنسيون أوتبورغ
عزيزتي ميلينا ،
كتبت لك ملاحظة من براغ ، و بعدها من ميران. لم أحصل على جواب. في الحقيقة الملاحظات لا تحتاج إلى جوابٍ عاجل ، فإذا كان صمتكِ لا يعني سوى إشارة إلى محافظة نسبية - و هذه عادةً ما تعبر عن نفسها في شعورًا بالنفور من الكتابة- فأنا راض تمامًا.
لكنه من الممكن –و لهذا أنا أكتب هذه الرسالة- أن أكون قد أهنتكِ بطريقة ما في ملاحظاتي (يا لها من يدٍ خرقاء التي أملك ، تعاكس كل نواياي ، لا بد أنها كذلك) أو لربما في الحقيقة أسوأ من ذلك ، بأن تكون اللحظة التي تأخذين فيها أنفاسكِ من الذي كنتِ قد كتبته ، قد ولت مجددًا و مرة أخرى وقتًا سيء يجيئكِ.
للاحتمال الأول ، لا أملك شيء لقوله ، إذ أنه من المستبعد لي ، و كل شيء آخر هو أقرب. حول الاحتمال الآخر ، لن أنصح –و كيف لي أن أفعل- لكن ببساطة أسأل : لما لا تخرجين من فيينا لبعض الوقت؟ بعد كل شيء ، أنتِ غير عديمة المأوى مثل الآخرين.
أليست رحلة قصيرة إلى بوهيما قد تعطيك بعض النشاط ؟ و ما إذا كنتِ -لسبب لا أعرفه- لا ترغبين بالذهاب إلى بوهيما ، فلما لا تذهبين إلى مكانٍ آخر ، ربما تكون ميران. هل تعرفينها ؟
لذا أتوقع إحدى الأمرين ، إما أن تستمرين في صمتكِ و الذي يعني "لا تقلق أنا بخير". أو لربما بعض الأسطر.
ألطف تحياتي
كافكا
لقد حصل لي أنني لا أتمكن من تذكر تفاصيل وجهكِ الدقيقة. فقط كيف خرجتِ من بين طاولات المقهى ، شكلكِ الخارجي ، فستانكِ ، هذه الأشياء أملك تذكرها.
مجنون
31-10-2007, 04:58 PM
مسكين المبدع داخل الصندوق.
شكرا حسن لهذه الرسائل.
رقعة بياض
31-10-2007, 07:54 PM
أكثر ما يؤلم , الفاجعة المرسومة لكل قلب!؟
حسن علي
02-11-2007, 01:00 AM
الصديق مجنون ؛
كابوسية كافكا ، جاءت كحصاد لهواجسه و أشباح والده ، و عمله الرتيب ، و مخاوف سقوطه في دوامة تبتلعه بعيدًا عن عشقه الأدبي.
ترجمة الرسائل تستهلك جهدًا كبير مني ، إذ تحتاج أن أتشبع منها عدة مرات قبل أن أكتبها. و حتى عند كتابتي الترجمة ، أحتاج مراجعتها عدة مرات (مع أنها ستظهر بأخطاء عديدة دون شك).
سأحاول بقدر إستطاعتي نشر الرسائل تباعًا.
سرني مرورك
Corazon mia
02-11-2007, 09:07 AM
متابع أول
يفتك ُ بي هذا الكافكا ..
و أنت أيضا ..
حسن علي
03-11-2007, 11:40 AM
رقعة بياض ؛
تتشابه علينا الخيبات ، إلى درجة الإسقاط. من يا ترى يكتبها بعناوين الألم ؟
لكل قلب ، نصيبٌ و موعد ، و أمرٌ يمرر الصفحات
الفشل هي خطة مشتركة يتأمر بها قلبين يا رقعة
سرني مروركِ
حسن علي
03-11-2007, 11:46 AM
الصديق علي ؛
مع كافكا ، أنا أنظر في المرآة ..
كن بالقرب دومًا ، فما زال كافكا يكتب رسائله لميلينا الجميلة
حسن علي
04-11-2007, 05:21 PM
العزيزة ميلينا ،
أنتِ تكدحين في الترجمة وسط أجواء فيينا الكئيبة، و هذا ـ إلى حد ما ـ محرج بالنسبة لي.
ربما تكونين تسلمتِ رسالة من وولف (1)، راسلني بشأن هذا منذ زمن. هناك قصة قصيرة بعنوان "القاتل"، يقال بأنها قد أُعلنت في قائمة فهرسية، لم أكن كاتبها ـ هناك سوء فهم ـ لكن بما أنه يفترض أنها الأفضل، قد أكون كذلك بعد كل شيء.
بالرجوع إلى رسالتك السابقة، و ما قبلها ، يبدو لي أن عدم الراحة و القلق قد رحلا عنكِ نهائيًا و بشكلٍ أفضل، قد ينطبق الأمر ذاته على زوجكِ أيضًا، فكم أتمنى ذلك لكما.
أتذكر في عصر يوم أحد منذ سنين بعيدة ، كنت أدبُّ و ببطء عبر فرانزينسكوي ، ملتصقًا بحيطان المنازل عندما تقاطعتُ في طريقي مع زوجكِ الذي أتى نحوي وهو يبدو في حالٍ غير جيدة ، نحن الاثنان خبراء في صداع الرأس، لكن كُلا منا على طريقته.
لا أذكر الآن ، ما إذا كنا بعدها قد مشينا جنبًا إلى جنب، أو تجاوزنا في عبورنا الآخر، لا يبدو الفرق بين الاحتمالين كبيرًا.
لكن هذا كله في الماضي، و يجب أن يبقى في عمق الماضي.
أليس من المريح أن تكون في وطنك ؟
ألطف التحايا
صديقكِ كافكا
__________________
(1) كارت وولف : ناشر مؤلفات كافكا
"كتابة الرسائل .. تعني أن تعري نفسكَ أمام الأشباح ، و هو شيء لطالما كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر. كتابة القُبل فيها لا يعني أنها ستصل إلى مكانها المقصود ، بينما على العكس ، يتخطفها الأشباح على طول الطريق."
(كافكا إلى ميلينا)
الأشباح الإلكترونية مختلفة, تحمل أنباء عطب الرسالة و استلامها, حتى و إن كان المستلم مجرد مخترق !
بيد أن التكنلوجيا لا تحمل بصماتنا, ولا حلاوة خطوطنا, ولا تحتاج لأن تكون معطرة بأكثر ما ينال إعجابنا.
رسائل كافكا/ كانت أكثر مصداقية و هو يتحمل الجهد لتصل و يتحمل الوجع و هو يوقع في آخرها :
صديقكِ كافكا
اِشْتِبَاه
07-11-2007, 09:35 PM
" ترجمة الرسائل تستهلك جهدًا كبير مني...... "
ونحن نستهلك مايشبه جهدك /انتظارًا وشوقا ..:be:
حسن علي
لاأخفيك رغبة تنمو فيَ مُذ دخلتُ الصرح
أفكر أصير شي واخلّيك المترجم الوحيد لي ..
لاعليك حسن :wf:
مازلنا في انتظاررسائلك / كافكا لميلينا
حسن علي
08-11-2007, 04:43 PM
نبع ؛
الرسائل الي تستغرق أيامًا و ربما أسابيع لتصل .. هي الرسائل التي ندفع في كتابتها أكثر من الحبر الذي نمزج دمنا فيه ..
هل تختلف الرسائل الالكترونية كثيرًا عن تلك الرسائل ؟ هل هي الثواني التي يستغرقها وصول النص من صندوقي إلى صندوق الآخر ؟ هل هي ما تمنع الأشباح من تخاطف الكلمات على طول الطريق ؟
ماذا تمثل تكتكة الأزرار سوى ضجيج آخر يزعج أرواحنا ، ويفقدها السكينة ؟
مع كل المتشابهات التي تتماهى بها الرسائل المخطوطة و الالكترونية ، تبقى الأولى أصعب ميكانيكًا في كتابتها و ................. التخلص منها ..
تحياتي
حسن علي
08-11-2007, 04:57 PM
العزيز إشتباه ؛
و إن شئتِ تكونين عزيزة .. :an:
كثيرٌ من الجمال أنت ( َ ) ( ِ ) .. و زاهرًا هو حضورك
الجمال هو ما أحتاج أن أدسه في قلبي الآن ، و لا تبدو الرسائل بعيدة عن فعل ذلك ..
سأكون حاضرًا و مستعدًا بأن أكون القارئ و المترجم الوحيد ، متى ما تشيأت ( َ ) ( ِ ) :wf:
سأنهي إمتحاني و آتي :rflow:
حسن علي
16-11-2007, 04:54 PM
شكر خاص لغادة
:wf:
حسن علي
16-11-2007, 04:55 PM
العزيزة ميلينا ،
الآن، المطر الذي أستمر في هطوله يومين و ليلة قد توقف، و رغم أن ذلك سيكون للوقت الحاضر فقط، لكنها مناسبة تستحق الاحتفال، و هذا ما أفعله بالكتابة إليكِ.
في واقع الأمر، و على الرغم من أن المطر يمكن احتماله لغريب هنا منذ فترة قصيرة – بالكاد يكون غريبا- لكنه منعشُ للقلب.
أنتِ أيضًا، إن كان انطباعي عنكِ صحيحًا ـ اجتماع قصير ، مَعْزُول، و نصف صامت لا يمكن أن يكون منهكًا ليطفو في ذاكرة أحد ـ قد استمتعت كونكِ غريبة في فيينا ، على الرغم من خفوت ذلك بسبب الظروف العامة ، لكن ألا تستمتعين بالغربة في حد ذاتها ؟ (و إن كانت تلك إشارة سيئة لا ينبغي حدوثها).
أعيش هنا بشكلٍ يولي إهتمامًا لذلك الجسد الذي بالكاد يستطيع النهوض، شرفة غرفتي تشرف في أسفلها على حديقة محاطة بشجيرات مزهرة و شديدة النمو (النباتات هنا في منتهى الغرابة ، ففي حين يُجمّد طقس براغ البركة فعليًا، تتفتح الأزهار ببطء أمام شرفتي)، و في نفس الوقت تقوم السحالي و الطيور بالتعرض إلى أشعة الشمس بجسدها كاملاً - أو بالأحرى إلى السماء الملبدة بالغيوم حتى أعماقها ، إذ شارف أسبوع على ذاك- و أزواجًا غير منسجمة مع بعضها البعض كذلك. كم أتمنى كثيرًا لو تكونين في ميران. مؤخرًا كتبتِ عن كونكِ لا تستطيعين التنفس ؛ في هذا صورة الكلمة و معناها متقاربين ، و في ميران يمكن لكليهما أن يكونا أخف وطئًا.
ألطف التحايا
صديقكِ ف.كافكا
السحالي , و التجمد و الطيور , و أمور غير منسجمة أيضاً
و المكان يمنحه كل ذاك التناقض جمالاً آخاذاً يتصاعد كل يوم ..
فعلاً : كن جميلاً ترى الوجود جميلا
هذا ما منحته ميلينا لـ كافكا.
شكرا للمترجم :)
حسن علي
08-12-2007, 11:00 PM
إذن هي الرئة!
طوال اليوم كنت أقلب الأمر في رأسي ، و لم أجد شيئًا غير ذلك. هذا لا يعني بالطبع أنني قلق بسبب المرض، و لنأمل – و تلميحاتك في هذا الصدد تقترح ذلك- أنه يستحضر ذاته بلطف في حالتك. و حتى حين يكون مرض الرئة خطرا - نصف سكان أوروبا الشرقية يملكون رئات لا تعمل - و هذا ما عرفته من تجربتي الشخصية خلال ثلاثة أعوام ، فقد وجدت نفسي في حال جيدة أكثر منها سيئة.
معي ، بدأ الأمر بنزفٍ شديد في منتصف أحدى الليالي قبل ثلاث سنوات. نهضت متحفزًا كأي شخص يدركه أمرٌ طارئ و جديد –بدلا من التمدد كما صرت أفعل ذلك لاحقًا بناءً على أوامر الطبيب- مصحوبًا ببعض القلق بالتأكيد.. سرتُ إلى النافذة، ملتُ لأسفلها، اتجهتُ إلى مغسلة الأيدي، درتُ حول محيط الغرفة، جلستُ على طرف السرير، و الدماء حاضرة في كل الأوقات. و على الرغم من ذلك ، لم أكن غير سعيد بشأن هذا الأمر على الأقل ، هذا لأنني قد عرفت لسبب ما و بشكلٍ مؤكد، أنه و بعد ثلاث أو أربع سنوات من عدم النوم – في حال توقف النزيف- سوف أحضى بالنوم للمرة الأولى.
في الصباح (و كنت حينها أقطن في شقة في شونبورن باليس) ، جاءتني الخادمة - و هي بالمناسبة مطيعة و تكاد تكون ناكرة لذاتها و رغم ذلك كله هي فتاة واقعية- و عندما رأت الدماء قالت : "Pane doktore, a Vámi dlouho nepotrvá!" – "أيها الدكتور، لن تعيش طويلاً !" ، لكنني مع ذلك شعرت أنني أفضل من المعتاد. ذهبت إلى المكتب ، و لم أعرج على الطبيب إلا بعد الظهيرة.
على كل حال ، بقية القصة ليست بذات الأهمية.
ما أردت قوله : أن مرضكِ ليس هو ما أصابني بالقلق، خصوصًا و أنا أستمر في مقاطعة نفسي و ثرثرة ذاكرتي ، لأستكشف النقاء الريفي الكامن تحت الطيبة، و أقرر: كلا ، أنتِ لستِ مريضة، الأمر لا يعدو كونه إشارة تنبيه لكنه ليس مرض الرئة.
إذن هذا ليس الأمر الذي أقلقني ، بل هي فكرة ما تتبعه من إزعاج. حتى أنني في هذه اللحظة سوف أتجاهل كل شيء آخر في رسالتكِ مثل : ليست مسكوكة، الشاي و التفاح، يوميًا من الثانية إلى الثامنة .. هذه أشياء لا يمكن أن أفهمها ؛ و لكن في ظروفٍ أخرى ، سيمكنني ذلك لو قيلت ذات مرة في حوارٍ شفهي. لهذا سوف أتجاهل هذه الأشياء – و إن كنت سأفعل ذلك في الرسالة فقط لأن هذه الأمور لا يمكن للمرء نسيانها- و سأفكر فقط في التفسير الذي وجدته في الوقت الذي كنت فيه مريضًا، و الذي يناسب كثيرٌ من الحالات. ما حصل ، أن الدماغ لم يستطع أن يكابد القلق و المعاناة التي تملؤه ، إذ قال: "أني أستسلم ؛ و لكن يجب أن يوجد من يهتم بتدبير الأمر برمته، حينها سيريحني من تحمل بعض العبء، و هكذا ستمضي الأمور على شكل حسن حتى حين". عندها تكلمت الرئة على الرغم من أنها لا تملك الكثير لتخسره على كل حال. هذه الأحاديث التي أستمرت بين الرئة و الدماغ دون علمي كانت في منتهى الفظاعة.
و ماذا تملكين عمله الآن؟ قد يكون الأمر في ذاته غير مهم إذا كنتِ قد أُعطيتِ القليل من الإنتباه. لكن أي شخص مولع بكِ يجب أن يدرك أنكِ لا تحتاجين إلا لقليل من العناية. لهذا كل الأمور الأخرى عدا ذلك يمكن أن تأتي لاحقًا. ألا يمكن أن يكون في ذلك شيء من التعزية ؟
كما كنتُ أقول ، كلا ، أنا لست في مزاجٍ للمزاح، و لا أشعر إطلاقًا بالبهجة و لن أفعل حتى تكتبي لي و تخبريني كيف ستعيدين تنظيم حياتكِ على نحوِ صحيٍ أكثر. لن أسألكِ مغادرة فيينا بعضًا من الوقت بعد رسالتكِ الأخيرة - إذ أنني أتفهم ذلك - لكن هناك بعض المناطق الجميلة بالقرب من فيينا، و العديد من الفرص للأمور التي تهتمين بها.
لن أكتب أكثر هذا اليوم، إذ لا يبدو أن هناك أمرٌ ذي أهمية للتحدث عنه. كل شيء آخر ، يمكن تأجيله للغد ، و هذا يشمل الشكر للمخطوطة التي لامستني و جعلتني أشعر بالخجل و الحزن و البهجة.
كلا ، هنالك شيء آخر: إذا ضيعتِ الكثيرـ كدقيقة من نومكِ بالسهر على الترجمة ـ فهذا من شأنه أن يسلط عليّ اللعنة ؛ فإذا أتى يوم القيامة، لن يأتي التحقيق استفهاميا، لكنه سيأتي ببساطة جملة تقريرية: لقد حرمها من النوم. و على هذا ، سأجد نفسي مذنبًا على الفور، لذا أنا أحارب من أجل نفسي عندما أطلب منكِ أن لا تفعلي ذلك بعد الآن.
صديقكِ فرانز ك.
همس2007
17-12-2007, 12:13 AM
ممتنة لهذا الورق الذي يتسع صدره لحبنا ورغباتنا وثوراتنا العارمة عليه عندما لاتأتي كما نهوى ,فنمزقه دون رحمة.
وممتنة لرسائل كافكا التي سلكت طريقها بحذر لتكون ترجمة فريدة منك ياأخي حسن
أمنياتي لك
همس 2007
:054::054:
حسن علي
17-01-2008, 12:15 AM
همس القريبة دومًا
ممتن لهذا الحضور ، و أتوجس من هذه المقاربة العميقة في إدراكك للورق و المشاعر المخبؤة فيها ..
الترجمة شيء ممتع ..
"إن كل ما كتبته في حياتي انما هو نتاج الوحدة " هكذا دسها كافكا في يومياته ..
و هكذا أعايش معه نفس الغرق ..
كوني في الخير
Corazon mia
19-01-2008, 08:41 PM
أنا لا أقرا في ترجمتك َ شيئا ً من المتعة ..و كأنني أتحسسك تبحث عن أكثرها علاقة بالألم و الفراق و الصد ..
هذه الصفحة اتجنب دخولها و أنا في حالة سعادة .. تخيفني عباراتها
ينبعث منها رائحة العزلة
.
.
دمت جميلا
حسن علي
28-01-2008, 06:05 PM
يا عزيزي يا علي ، دعها تكون كما هي في هذا المقطع :
" عندما لا أكتبُ أكونُ متعبٌ، حزينٌ، و مثقل. عندما أكتبُ يمزقني الخوف و القلق ..
يبدو كلانا وكأنه يرتجي العطف من الآخر، أنا منكِ ( و على هذا يمكنني أن أختبئ ) و أنتِ مني ..
لكن، في الحقيقة يبدو كونه أفظع تناقض ممكنا. "
أنتظر بقية الرسائل .. إن كانت متاحاً لنا أن نسأل الإتاحة.
أزهار بريه
28-02-2008, 12:44 AM
"كتابة الرسائل .. تعني أن تعري نفسكَ أمام الأشباح ، و هو شيء لطالما كانوا ينتظرونه بفارغ الصبر. كتابة القُبل فيها لا يعني أنها ستصل إلى مكانها المقصود ، بينما على العكس ، يتخطفها الأشباح على طول الطريق."
(كافكا إلى ميلينا)
Franz Kafka : Letters to Milena
Translatedy by : Tani and James Stern
1953
Corgi Books
يتخطفني أحد الْأشباح مذ بدأتَ في كتابة هذا ..
ولأنّي أطيلُ البقاء هنا ، قد يحدث أنّي شبح ٌ آخر ينتظر بفارغ الصبر ، رسالة لا تخشى عُريّها
..
عُد بكَ جميلاً ..فَـ لقارئيكَ طرفُ الخيط :rflow:
ياسر آل حسن
19-06-2008, 02:22 PM
كلا ، هنالك شيء آخر: إذا ضيعتِ الكثيرـ كدقيقة من نومكِ بالسهر على الترجمة ـ فهذا من شأنه أن يسلط عليّ اللعنة ؛ فإذا أتى يوم القيامة، لن يأتي التحقيق استفهاميا، لكنه سيأتي ببساطة جملة تقريرية: لقد حرمها من النوم. و على هذا ، سأجد نفسي مذنبًا على الفور، لذا أنا أحارب من أجل نفسي عندما أطلب منكِ أن لا تفعلي ذلك بعد الآن.
صديقكِ فرانز ك.
اعلم بمشغوليتك حسن ولذا فموضوع الترجمة أمر مفروغ منه في عدم تمكنك مواصلته :) ولذا لن أسألك هل من مزيد ؟
مع كل سوداوية النصوص التي قرأتها هنا وجدت هذا المقطع الجميل
شيء ما جذبني إليه
حس فكاهي بين ثنياته .... هكذا شعرت
حسن علي
24-11-2008, 03:28 PM
لمن مر من هنا :rflow:
و شكرًا ياسر على المرور الجميل
قرأت لأحد النقاد ذات مرة ، بأن القراء الألمان يقرأون لكافكا على أساس أنه أدب فكاهي ، و يستغربون جميع تلك النظرات التي تنظر لكتاباته على أنها كابوسيات ، كما ننظر لها في العالم العربي.
ربما هي ذات الروح المتشائمة التي نملكها ، فتحيل كل ما نراه أسودًا ..
لك كل الود
حسن علي
24-11-2008, 03:34 PM
العزيزة فراو ميلينا ،
اليوم أرغب بالكتابة لكِ عن كل الأشياء الأخرى، لكن هذا لن يجدي نفعًا .
ليس لأنني آخذ الأمر على محمل الجدية –إذ ستكون كتابتي بطريقة مختلفة إن فعلت- لكن في وقتِ ما يجب أن يكون هناك كرسي خشبي مجهزًا لكِ في مكان ما بالحديقة، يمتد نصفه في الظل، و عشر زجاجات من الحليب في متناول يديكِ. قد يحدث الأمر ذاته في فيينا، خصوصًا و نحن في فصل الصيف، لكن بشرط أن لا يتملكك شيئًا من الجوع و عدم الراحة. هل يمكن ذلك ؟ و هل يمكن لأحد أن يجعل ذلك ممكنًا؟ و ماذا يقول الطبيب في هذا الشأن ؟
عندما أخرجت مسودة النص من الظرف الضخم كنت قد شعرت بما يشبه خيبة الأمل. قد كان أنتِ من وددتُ سماعه، و ليست ذلك الصوت المألوف جدًا و الخارج من أعماق التابوت القديم. أعني ، لما أصبح ذلك حائلاً بيننا ؟ و عندها أتذكر في الآن ذاته، أنه أيضًا كان قد أصبح وسيطًا في علاقتنا.
ما هو أهم، أنه من المبهم لي أن تأخذين على عاتقك أمر هذا المخاض العظيم، و عليه أنا متأثر من أعماقي لهذا الإخلاص التام، جملة بجملة، إخلاصًا على قدر ما لم أتصوره في اللغة التشيكية يكون تشكيكي الضئيل في مؤهلاتك الطبيعية الجميلة لفعل ذلك. هل يمكن للألمانية و التشيكية أن تكونا على هذا القدر من التقارب ؟
على كل حال ، يمكن أن يكون الأمر هكذا؛ أما هذه القصة السيئة من أعماقها فيمكنني أن أثبت لكِ عزيزتي فراو ميلينا ذلك ، بتتبعها سطرًا بسطر و بسهولة بالغة. ما عدا أنني إن فعلت، سيتملكني الاشمئزاز على قدرٍ بالغ أكثر من الدليل نفسه. بالطبع ، حقيقة أن القصة تعجبكِ يعطيها بعض القيمة، لكن هذا من شأنه أن يحجب صورة العالم عني. لا أرغب بالحديث أكثر من هذا حول القصة ، فسوف تحصلين على "طبيب البلدة" من وولف ، إذ أنني قد راسلته بشأنها.
بكل تأكيد أستطيع فهم التشيكية، و قد سألتكِ عدة مرات لما لا تكتبين لي بها. أنا لا ألمح إلى أنكِ لا تجيدين الألمانية، ففي معظم الأحيان تجيدينها لدرجة مدهشة، و إن حصل أنكِ لم تفعلي ذلك مرة، فسوف تنحني أمامكِ لتتقنيها، و هذا بالذات ما يدعو للغبطة، لأنه شيء لا يتمكن الألماني من توقعه في لغته، إذ لا يجرؤ على الكتابة بكل هذه الحميمية.
لكني أريد القراءة لكِ باللغة التشيكية، لأنها جزءًا منكِ، لأن فيها فقط تكمن ميلينا الحقيقية (و ترجماتك تؤكد ذلك)، و لكن هنا فقط أجد المرأة من فيينا، أو التي تجهز نفسها للقدوم إلى فيينا.
لذا حدثيني بالتشيكية رجاءًا. و على هذا ، أرسلي القصص المسلسلة التي ذكرتها لي سابقًا و حتى لو كانت رديئة، فقد شققتِ الطريق في قصتي الرديئة، إلى حدٍ لا أعرفه. أعتقد أنني بإمكاني أن أفعل ذلك أيضًا؛ لكن إذ لم أستطع سأظل محتفظًا بأفضل ما في الأحكام المسبقة.
و عندما تسأليني عن خطوبتي، فلقد خطبتُ مرتين (ثلاث على الأصح ، منها مرتين لنفس الفتاة) و تمكنت من الانفصال في الثلاث مرات قبل الزواج ببضع أيام. العلاقة الأولى قد انتهت نهائيًا (و قد سمعت أنها أتمت زواج جديد و رزقت بطفل)، و الثانية ما زالت على قيد الحياة بدون أي أمل يلوحُ بالزواج، لذا هي فعليًا ليست حية أو بعبارة أخرى تعيش في عالمٍ منفصل على حساب حياة البشر.
بشكل عام قد وجدت أنه في هذه الحالة، و في عدد من الحالات الأخرى، ربما كان الرجال يعانون أكثر، أو إذا أردنا أن ننظر لها بمثل هذا المنظور، فهم لديهم قابلية أقل للمقاومة و الصمود، بينما النساء دائمًا ما يعانون ببراءة و واقعًا ليس بالإحساس بأنهم "غير مخطئين"، و التي في واقع الحال تؤدي إلى كونهم "ليسوا على خطأ". لكن لا فائدة من الإشارة إلى مثل هذه الأشياء.
هذا مثل أن يحاول أحدهم رمي شمعدان ليحطمه في الجحيم. أولاً لن يحدث شيء، و ثانيًا لو حدث أمرًا ما، فسرعان ما سيحترق المرء في اللهيب الخارج من الجحيم، و التي ستستمر ملتهبة بكل مجدها. لذا على الفرد أن يعالج الأمر بشكلٍ مختلف.
بادئ ذي بدء، تمددي في الحديقة، و أستخلصي من هذا المرض (اللا حقيقي) ما تتمكنيه من الجمال، ففيه الكثير.
بصدق
فرانز ك.
يا الله ..
ما ألذ صناديق البريد ( الجوي-البحري- البري) ما آجملها رسائلهم المكتوبة بخط اليد و المعطرة و المهندمة و التي تحتاج إلى بعض المجهود لتصل إلى الطرف الآخر المنتقى ( بعناية ) ..
ال إي ميل خالٍ من ال سكر :) من حلاوة لم نذقها لكننا نستشفها ب حلم :)
حسن علي..
نحتاج ل جرعات ممن رسائلها دورياً :)
شكراً لك
عبدالله آل دعبل
28-05-2010, 01:46 PM
أرفعُهُ ليكون قريبًا
قرأتُ الرّسالة الأولى وتعثّرتُ بجمال الثّانية فلم أُكمل .. وسأُكمِلُ فيما بعد
فقد أعياني الإرهاق ..
ربّما عِشتُ من خلالِ السّطور التي كتبتها شيئًا من مُعاناتِه , ربّما رسائلٌ كهذْه لا يُجيدُها إلاّ المحروم من يشعُرُ أنّهُ قابَ قوسينِ أو أدنى من الرّمقِ الأخير
فتراهُ يكتُبُ بكلّ ما أُوتيَ من قلبٍ وروح, وشريانٍ ووريد
كن بخيرٍ حسن علي ولك على هذا الجمال
;fl;
حسن علي
31-05-2010, 04:34 PM
الكريمة نبع ..
و العزيز عبدالله ..
شكرًا على هذا المرور ، و أعدكما أن أذكر نفسي بالرجوع هنا مجددًا .
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir