المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : هذه الألقاب ... من أين جاءت ؟


يوسف آل ابريه
25-11-2008, 01:15 AM
تحية طيبة

كثيراً ما تطلق على بعض الشخصيات ألقاباً , بعضها يدل على الثناء , وبعضها

الآخر يدل على الذمّ , وأكثر هذه الألقاب قد جاءت بسبب قول قاله صاحبه

أو حادثة وقعت له , أو غير ذلك , وغدا اللقب الطارئ طاغياً على الاسم

الأصلي للشخصية ..

لذا نفتح هذه الصفحة المتواضعة لمعرفة مناسبة بعض الألقاب على أصحابها ,

فمن لديه أية معرفة عن أي لقب فليتفضّل مشكوراً في وضعه لنستفيد جميعاً ,

وسوف أبدأ ( بالمتنبي ) كنافذة للدخول إلى الموضوع :

أبو الطيب المتنبي الشاعر الأشهر الذي ملأ الدنيا وشغل الناس , واسمه

أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي ..

أُطلق عليه لقب ( المتنبي ) وعرف به , وقيل في سبب تسميته به عدة أقوال

نذكر أهمها :

1 ) القول الأول : سمّي بالمتنبي لأنه كما قيل ادّعى النبوة في بادية السماوة ,

وحبس لذلك طويلاً , واستتيب وأطلق سراحه , وكان مما قرأه في البوادي

كما يزعمون كلاماً ذكر أنه قرآناً أُنزل عليه , ومن ذلك قوله :

" والنجم السيّار , والفلك الدوّار , والليل والنهار , إنّ الكافر لفي أخطار ,

امض على سنتك , واقف أثر من كان قبلك من المرسلين , فإنّ الله قامع

بك زيغ من ألحد في الدين وضلّ عن السبيل "

ولكن المتنبي إذا جلس في مجلس سيف الدولة وأخبروه عن هذا الكلام أنكره وجحده ..

وفي رأيي إن هذا القول ضعيف وسخيف , وما السجعات التي نسبت إليه إلا دليل قاطع

على تهافت هذا القول .

2 ) القول الثاني : قيل إنّ منشأ هذا اللقب هو منشأ أدبي يشير إلى المكانة التي تبوأها

في عالم الشعر , حتى قال بعضهم فيه :

" هو في شعره نبي , ولكن ظهرت معجزاته في المعاني "

ولعل أبا العلاء المعري من المؤمنين بهذا القول , إذ هو يؤمن بأنه نبي في الشعر

واعجازه لا غير , حتى أنه سمّى كتاباً له في شرح شعر المتنبي وديوانه وسماه

( معجز أحمد ) ويقصد المتنبي ..

3 ) القول الثالث : وهو رأي معاصر المتنبي ( أبو الفتح ابن جني ) الذي يقول :

سمّي المتنبي بذلك , لأنه شبه نفسه في بيتين من الشعر بالمسيح بين اليهود ,

وبصالح النبي في ثمود , والبيتان هما :

أنا في أمة تداركها الله *** غريب كصالح في ثمود

ما مقامي بأرض نخلة إلا *** كمقام المسيح بين اليهود


تحياتي

(...)
25-11-2008, 04:58 AM
وهناك قول على الأرجح انه غير مشهور لكونك لم تورده أستاذ يوسف

وهو انه كان يتنبأ بالحوادث قبل وقوعها..
وليس لدي مثال لحادثة ولا مصدر.. http://www.al-maistro.com/bandar/images/smilies/smii5.gif

ولكني قرأت ذلك في مكان ماhttp://www.al-maistro.com/bandar/images/smilies/icNew43.gif


...

يوسف آل ابريه
25-11-2008, 02:12 PM
العزيزة ( سما )
شكراً لمرورك الرائع ومشاركتك الفعّالة وإضافتك للرأي
كوني بالقرب دائماً , فمثلك من يثري الموضوع ويجعله ذا قيمة عالية

شكراً من الأعماق

يوسف آل ابريه
25-11-2008, 03:10 PM
( الوأواء الدمشقي )
بين يديّ ديوان أبو الفرج محمد بن أحمد الغسّاني المشهور بالوأواء الدمشقي
بتحقيق الدكتور " سامي الدهان " والذي استعنت به في كتابة هذه السطور ..
يروي الثعالبي في يتيمة الدهر نقلاً عن الخوارزمي أن لقب ( الوأواء ) علق به
لأنه كان منادياً في دار البطيخ بدمشق ينادي على الفواكه , وذكر القفطي أن الوأواء
كان في أول أمره أحد العامة , وكان جابياً في فندق يتولى بيع الفاكهة ويجتني أثمارها
( والوأوأة ) في اللغة هي صياح ابن آوى أو صياح الكلب كما أثبت ذلك صاحب
تاج العروس وصاحب الأساس ...
طرق الوأواء من أغراض الشعر " الغزل والخمر وشعر الطبيعة والمديح "
أما الغزل فأكثر ديوانه , لأنه كان حياته كلها , فهو أبداً مشوق إلى لقاء الحبيب
يستدعيه ويقربه , ويريده في كل بيت من أبيات الغزل ..
أما الخمر فهو لا يتسلّى في هجره ووصاله إلا بها , فيصفها ويكثر من وصفها ,
يحثه على شربها عاملان ( الحب والطبيعة ) يحتسيها صافية أو ممزوجة ,
والخمر عنده تجري مجاري الروح في الأعضاء , فهي كالهواء في لطفها ..
أما شعر الطبيعة فهو شاعر مكثر في وصفها وقد رسمها رسماً حسياً ..
أما المديح فهو قليل معدود خصّه بسيف الدولة والشريف العقيقي , وما دام أنه
مدح سيف الدولة فمن المقطوع به أنه عاصر كبار شعراء العربية كالمتنبي والصنوبري
وأبي فراس الحمداني وغيرهم ..
ولعل المتتبع لقصائد الشاعر في ديوانه يجده على صورة شاب مرح يدعو إلى الطرب
والشرب واللذاذات والشهوات , ويقضي لياليه العامرة بالورد والخمر والنساء حتى الصباح
ويقبّل حتى الفجر الخدّ والنحر , فهو إذاً لا يبالي بالدين فعنده " تقبيل وجنة فتى
والركن سيّان " وصلاته وسجوده يختلفان عما فرض الدين :
سأطيل السجود في قبلة *** الكأس بتسبيح ألسن العيدان
كم صلاة على فتى مات سكراً *** قد أُقيمت فينا بغير أذان
والحج عنده ( حجة للفراق ) والصوم عنده صوم عن المحبوب , والإفطار إفطار
على القبل , وهو يعترف أنه خسر دنياه وآخرته , ولم يثنه نصح الناصحين :
فقلتُ : يا من خسرت آخرتي *** فيه ولم يغن عني اللوم
وله نظرة في الحياة تشبه نظرة أبي نواس في اغتنام غفلة الليالي قبل بادرة الحمام
والاستفادة من عاجل السرور , وهو لا ينفك يدعو إلى الشراب والخمرة , ولقد كانت
عيشته عيشة خليع , إذ استوت عنده النساء والغلمان وكان ديدنه في قوله :
نِلْ من اللذات ما تبغيه والله غفور
فائدة : لم يشتهر شعر الوأواء في عصور الأدب العربي كما اشتهر غيره من فحولة
العصر الحمداني كالمتنبي وأبي فراس , اللهم غير محاولات خجولة ذكرته ,
فقد ذكره أبو هلال العسكري في حدود القرن الرابع واستحسن شعره , وفي القرن
الخامس عرّفه الباخرزي , وفي القرن السادس ذكره الراغب الأصبهاني وابن الشجري
وفي القرن السابع ذكره ياقوت وسبط ابن الجوزي , وفي القرن الثامن ذكره ابن منظور
المصري والوطواط , وفي القرن التاسع ذكره الغزولي وابن تعزي بردي والأبشيهي
ثم أخذ نجمه في الأفول حين مطلع القرن العاشر , فلم يلق في الشرق ما لقي أقرانه
حتى جاء ( الغربيون ) في القرن التاسع عشر مسلّطين الضوء عليه وبيان مكانته
الشعرية بدراسات مستفيضة ..
ملاحظة : نسبت قصائد كثيرة للوأواء الدمشقي لشعراء آخرين ولعل من أبرزهم
يزيد بن معاوية الملعون , ولعل قصيدته المشهورة :
نالت على يدها ما لم تنله يدي *** نقشاً على معصم أوهت به جلدي
من أبرز القصائد المشهورة إليه , فقد نسبت إلى ما يقارب الستين شاعراً , ويأتي
في طليعة هؤلاء يزيد بن معاوية الملعون , مع العلم أن محقق ديوان يزيد كان
متنبّهاً أثناء التحقيق فجعلها في القسم المنسوب إلى يزيد مشيراً في الهامش إلى
أن نسبتها إلى الوأواء أقرب وأصح , ولا داعي لذكر الأدلة في صحة ذلك لئلا
يطول بنا المقام ..
وقبل أن نختم الحديث عنه نورد بعضاً من قصائده ..
يقول :
قالت : وقد فتكت فينا لواحظها *** كم ذا أما لقتيل الحبّ من قود
وأمطرت لؤلؤاً من نرجس وسقت *** ورداً وعضّت على العنّاب بالبرد
إنسيّة لو رأتها الشمس ما طلعت *** من بعد رؤيتها يوماً على أحد
كأنما بين غابات الجفون لها *** أُسدُ الحِمام مُقيمات على الرصد
وقال :
جلّت محاسنه عن كلّ تشبيه *** وجُلّ عن مُشبهٍ في الحسن يحكيه
انظر إلى وجهه واستغن عن صفتي *** سبحان خالقه , سبحان باريه
النرجس الغضّ من أجفان مقلته *** والورد من خدّه والدّرّ من فيه
دعا بألحاظه قلبي إلى تلفي *** فجاءه مسرعاً , طوعاً يلبّيه
وقال :
ولمّا غدا ورد الخدود بنفسجاً *** وراح عقيق الخدّ في الدمع ينهمي
تصدّت لنا , والبين عنّا يصدّها *** بإقبال ودّ , دون إعراض لُوّم
وقد حُلّيت أجفانها من دموعها *** كما حُلّيت ليلاً سماءٌ بأنجم
فقلت : لأصحابٍ عليّ أعزة *** يعزّ علينا ما بكم , من تألّم
خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني *** رأيت بعيني في أناملها دمي
وقال :
يُدافع زهو التيه أعطاف دلّها *** فتحسبها نشوى وما شربت خمرا
وتُظهر لي من تحت أزرار جيبها *** إذا ما بدت من كلّ ناحية بدرا


تحيات

ماجد أحمد
25-11-2008, 10:08 PM
*·~-.¸¸,.-~*تسلم أستاذي أبو أحمد على هذه المعلومات الثرية جدا و التي تأثر في العقول و أنا أبدي رأيي بصراحة .................تعجبني مواضيعك المتنوعة و المفيدة للكبار و الصغار أيضا*·~-.¸¸,.-~*

سلطان اليباب
25-11-2008, 10:25 PM
وأواء ... لأول مرة أسمع عنه !

متابع : )

يوسف آل ابريه
26-11-2008, 12:27 PM
عزيزي ( ماجد أحمد )

أهلاً وسهلاً بك

أشكرك على كلمتك الطيبة والتي أرجو أن أكون جديراً بها


تحياتي

يوسف آل ابريه
26-11-2008, 12:29 PM
العزيز ( فاضل )

الوأواء له ديوان ضخم مطبوع وهو عندي

فإذا أردت قراءته فعلى الرحب والسعة


تحياتي

يوسف آل ابريه
26-11-2008, 12:44 PM
( الحيص بيص )

الحيص بيص هو شهاب الدين أبو الفوارس سعد بن محمد , من كبار الشعراء المجيدين

فقيه وأديب من أعلم الناس بأخبار العرب ولغاتهم وأشعارهم , جزل الألفاظ , متين

التركيب , عالي النفس ..

كان يلبس زيّ أمراء البادية , ويتقلّد سيفاً , ولا ينطق بغير العربية الفصحى ..

توفي سنة " 574 " للهجرة , ودفن بمقابر قريش ببغداد , وكان عمره آنذاك

" 82 " سنة ..

وقيل إنه كان يزعم أنه من بني تميم , فسئل أبوه عن ذلك , فقال : ما سمعته إلا منه ..

( والحيص بيص ) له ديوان شعر مطبوع , ومن أبياته المشهورة تلك الأبيات التي

قالها في غدر الأمويين بالعلويين :

ملكنا فكان العفو منّا سجيّة *** فلمّا ملكتم سال بالدم أبطح

وحلّلتم قتل الأسارى وطالما *** غدونا عن الأسرى نعفّ ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا *** وكل إناء بالذي فيه ينضح

لقّب " بالحيص بيص " لأنه رأى الناس مرة في حركة مزعجة , وأمر شديد ,

فقال : ما للناس في حيص بيص ؟ أي في شدّة واختلاط , فغلبت عليه هذه الكلمة ,

وصارت لقباً عليه ..

ومن غريب ما يذكر عنه , أنه سمّى ابنه ( هَرَج مَرَج ) وسمّى ابنته ( دَخَل خَرَج )

نكتفي بهذه النبذة الموجزة التي دخلنا بها , لنخرج , لنعود بعون الله إلى لقب آخر


تحياتي

أحمد علي
28-11-2008, 08:33 AM
يعطيك ربي ألف عافية عزيزي الأستاذ " أبو أحمد " وصباح جميل وألق
رائع بهذا الكم الهائل من المعلومات الثرية والتاريخ التليد لشخصيات
لا يوجد لها مثيل في عصرنا الحاضر ، شخصيات قلّ أن تشاهد أقرانًا لها
سواء في التميّز أو غرائب الأمور ، تسلسل جميل في تتبع المعلومة
وإتحافنا بها بكل شفافية وأريحية ...،
مــتـــــــــــــــــابــع بــــشـــوق ولــهــــفـــة................

تحياتي

يوسف آل ابريه
28-11-2008, 04:02 PM
عزيزنا الغالي ( أبو حسين )
لك أيها الرائع شكري وتقديري لكل ما تجود به من معلومات وإضافات وتشجيع
بوركت أيها الجميل

يوسف آل ابريه
28-11-2008, 04:13 PM
( الخبز أرزّي )
الخبز أرزّي هو أبو القاسم نصر بن أحمد بن مأمون البصري
المتوفّى سنة " 326 " للهجرة , شاعر مشهور , كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب ,
لقّب " بالخبز أرزّي " لأنه كان يخبز الأرز بمربد البصرة ...
كان ينشد أشعاره المقصودة على الغزل , وكان الناس يزدحمون عليه ويتطرفون
بسماع شعره , ويتعجبون من حاله وأمره , وكان الناس يتناوبون دكّانه ليسمعوا
أشعاره , ومن شعره الجميل :

رأيت الهلال ووجه الحبيب *** فكانا هلالين عند الفطر
فلم أدر من حيرتي فيهما *** هلال الدجى من هلال البشر
ولولا التورّد في الوجنتين *** وما راعني من سواد الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب *** وكنت أظن الحبيب القمر

تحياتي

زهدي
28-11-2008, 07:54 PM
بحرٌ هو الأدب العربي ،

أذكر أنّ لعمر فروخ مؤلف ضخم بخمسة مجلدات أو أكثر - لا أذكر بالضبظ- تناول تاريخ الأدب العربي ، عكفتُ عليه قراءةً في جامعة الملك عبد العزيز ولكني للأسف تخرجتُ ولم أستطع إكماله ..

مشروعه جدير بالقراءة .. كمشروعك أستاذ يوسف ..



كل الود أيها الجميل .

يوسف آل ابريه
28-11-2008, 09:34 PM
عزيزي ( زهدي )

شكراً لاطلالتك الرائعة وإضافتك الجميلة حول كتاب عمر فروخ

أعدك أن أسلّط الضوء حول الشاعر الذي ذكرته لي في هذه الصفحة


تحياتي وودي

يوسف آل ابريه
28-11-2008, 10:31 PM
( ديك الجن )

هو عبد السلام بن رغبان بن حبيب بن يزيد بن تميم الكلبي الحمصي ,

من أبرز شعراء العصر العباسي . ولد بحمص وبها توفى ..

ويعد ديك الجن في طليعة شعراء القرن الثالث الهجري ومن أبرزهم في " الرثاء "

ولم يجاره في مدح آل البيت ( ع ) ورثائهم سوى السيد الحميري ..

وهو شاعر مطبوع لا تجد صنعة في منظومه , ولا تعثر بتكلف في رصف كلمه ,

وأظهر ميزة في شعره إشراقة المطالع وجزالة اللفظ وعذوبته وتدفق العاطفة وحرقة

اللوعة مع متانة السبك وسلامة اللغة ..

يذكر المؤرخون أن أبا نواس الشاعر عندما اجتاز بحمص قاصداً مصر سمِع ديك الجن

بوصوله فاستخفى منه خوفاً أن يظهر لأبي نواس أنه قاصر بالنسبة إليه , فقصده

أبو نواس في داره فطرق الباب واستأذن عليه , فقالت الجارية : ليس هو هنا ,

فعرف مقصده , فقال لها : قولي له : اخرج فقد فتنت أهل العراق بقولك :

مورّدة من كفّ ظبي كأنما *** تناولها من خدّه فأدارها

فلما سمع ديك الجن خرج إليه واجتمع به وأضافه ..

ذكر هذه القصة صاحب أعيان الشيعة في جزئه الثامن والثلاثين ..

وذكر الدميري في كتابه الرائع " حياة الحيوان " في جزئه الأول أن دعبل الخزاعي

قصد دار ديك الجن فكتم نفسه عنه خوفاً من قوارصه , فقال دعبل : ما له يستتر

وهو أشعر الجن والإنس , أليس هو القائل :

بها غير معدولٍ فداو خمارها *** وصلّ بعشيّات الغبوق ابتكارها

ونل من عظيم الوزر كل عظيمة ** إذا ذكرت خاف الحفيظان نارها

فظهر إليه واعتذر له وأحسن نزوله ..

ويعد ديك الجن من أبرز الشعراء الذين تخرّج أبو تمام على شعرهم ..

وفي حياة ديك الجن قصة أليمة فجّرت شاعريته الحزينة المفجوعة وهي قصة

عشقه لجارية نصرانية من أهل حمص , حملها على الإسلام ثم تزوّجها وشبّب بها

كثيراً في شعره , ثم ما لبث أهل الوشاية أن أوقعوا بين الزوجين , وأوهموا

ديك الجن أن زوجته تحب رجلاً سواه , فقتلها ديك الجن في ثورة شكّه وغضبه ,

وحين ظهرت له براءتها راح يرثيها بأروع المراثي وأصدقها , وكان في رثائه غزِلاً

صادق الصبابة , ومن رثائه قوله :

يا طلعة طلع الحِمام عليها *** وجنى لها ثمر الردى بيديها

روّيت من دمها الثرى ولطالما *** روّى الهوى شفتيّ من شفتيها

قد بات سيفي في مجال وشاحها *** ومدامعي تجري على خدّيها

فوحقّ نعليها وما وطئ الحصى *** شيء أعزّ عليه من نعليها

ما كان قتليها لأني لم أكن *** أبكي إذا سقط الذباب عليها

لكن ظننت على العيون بحسنها *** وأنفت من نظر الحسود إليها

وهناك رواية أوردها العاملي في كشكوله حول ديك الجن وهي إلى الخيال أقرب

منها إلى الحقيقة فبهارج الصنعة والانتحال فيها ظاهرة , ومفادها أن ديك الجن

كان له جارية وغلام قد بلغا في الحسن أعلى الدرجات وكان مشغوفاً بحبهما فوجدهما

في بعض الأيام مختلطين تحت إزار واحد فقتلهما وأحرق جسديهما وأخذ رمادهما

وخلط به شيئاً من التراب وصنع منه كوزين للخمر وكان يحضرهما في مجلس الشراب

ويضع أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله , فتارة يقبّل الكوز المتخذ من رماد الجارية

وتارة يقبّل الكوز المتخذ من رماد الغلام ...

وقد علّق السيد محسن الأمين على هذه الرواية في كتابه أعيان الشيعة بقوله :

" ما تقدّم , الظاهر أنه مكذوب عليه فمثله فيما تقدّم من عقله الوافر وسيرته

الحسنة لا يمكن أن يصدر منه هذا السخف "

ولا يفوتنا أن نشير إلى نقطة مهمة حول ديك الجن وهي تهمة انتسابه بالشعوبية

تلك التهمة التي لصقت بكبار الشعراء من الشيعة كأبي نواس ودعبل الخزاعي

وابن الرومي , وهي تهمة باطلة لا تقوم على أساس صحيح , ولعلنا سنستعرضها

في موضوع مستقل لأهميتها التاريخية والأدبية لاحقاً

يتبع

يوسف آل ابريه
28-11-2008, 11:02 PM
مواصلة الحديث حول الشاعر ( ديك الجن )

لديك الجن مراث كثيرة في الإمام علي والإمام الحسين عليهما السلام , ومن ذلك

بائيته المشهورة في الإمام أمير المؤمنين عليه السلام والتي مطلعها :

يا عين لا للغضا ولا الكتُب *** بكا الرزايا سوى بُكا الطرب

وله أيضاً الرائية المشهورة التي يقول فيها :

أصبحت جمّ بلابل الصدر *** وأبيت منطوياً على الجمر

إن بحتُ يوماً طُلّ فيه دمي *** ولئن كتمت يضقْ به صدري

ممّا جناه على أبي حسنٍ *** ....... وصاحبه أبو .........

وله القصيدة المشهورة في الإمام الحسين عليه السلام وهي :

جاؤوا برأسك يابن بنت محمد *** مترمّلاً بدمائه , ترميلا

قتلوك عطشاناً , ولمّا يرقبوا *** في قتلك التنزيل , والتأويلا

ويكبّرون بأن قتلت , وإنما *** قتلوا بك التكبير , والتهليلا

والمتصفّح لقصائد الديوان يجد أن الشاعر يتغنّى أيضاً في بعض قصائده بالخمر ,

وأخرى يتغزل فيها بالمذكر ...

الحديث عن ديك الجن شائك وطويل وذو شجون لدى نكتفي بهذه الإطلالة ومن أراد

الإستزادة فليراجع ديوانه بتحقيق ( أحمد مطلوب وعبد الله الجبوري )

طبعاً , هناك تحقيقات أخرى للديوان غير التحقيق الذي ذكرناه ...

وقبل أن نختم مداخلتنا نسلّط الضوء على السبب في تلقيبه ( بديك الجن )

وردت عدّة أقوال حول هذا اللقب , نذكر أهمها :

1 ) يقول الشيخ محمد السماوي بأن هذا اللقب قد جاءه لقصيدة قالها في رثاء

" ديك عمير " وكان هذا قد ذبحه وعمل عليه دعوة , والقصيدة هي :

دعانا أبو عمرو عمير بن جعفرٍ *** على لحم ديكٍ دعوة بعد موعد

فقدّم ديكاً عدّ دهراً , ذَمَلّقاً *** مؤنس أبيات , مؤذن مسجد

يحدّثنا عن قوم هود وصالح *** وأغرب من لاقاه عمرو بن مرثد

وقال لقد سبّحت دهراً مهلّلاً *** وأسهرت بالتأذين أعين هُجّد

2 ) يقول الزبيدي في تاج العروس : الديك في كلام أهل اليمن الرجل المشفق الرؤوف

ومنه سمّي الديك ديكاً , وقال أيضاً والديك هو الربيع في كلامهم كأنه لتلون نباته ,

فيكون على التشبيه بالديك ..

3 ) يقول الدميري في كتابه حياة الحيوان :

ديك الجن : دويبة توجد في البساتين إذا ألقيت في خمر عتيق حتى تموت وتترك

في محارة وتسدّ رأسها وتدفن في وسط الدار فإنه لا يرى فيها شيء من الأرضة ,

ولعل هذا الرأي هو من الآراء الوجيهة وذلك لكثرة خروج الشاعر إلى البساتين

ومعاقرة الخمر كما يؤكّده محققي الديوان ..

4 ) يقول الأستاذ خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام :

سمّي بديك الجن لأن عينيه كانتا خضراوين , وهذا رأي وجيه وحسن وإليه نميل



تحياتي

سنابسي الهوى
28-11-2008, 11:15 PM
أبو أحمد


الموضوع جداً مثري للصفحات والتجول فيه ممتع


لفت انتباهي حيص بيص وذكرني بمسلسل صح النوم ( فطوم حيص بيص)

والاشاره للمتنبي كانت جداً ملفته وموجهه لرفع الزيف الذي امتد على طول الزمان


تحياتي

يوسف آل ابريه
29-11-2008, 01:53 PM
عزيزي ( سنابسي الهوى )
شكراً لمرورك وتجوّلك الذي عطّر صفحتنا
وما دامك ذكرت مسلسل ( صح النوم )
فهذا دليل على أنك مثلنا ( إمغبّر ) لكون المسلسل قديم

تحياتي

يوسف آل ابريه
29-11-2008, 01:54 PM
عزيزي ( سنابسي الهوى )
شكراً لمرورك وتجوّلك الذي عطّر صفحتنا
وما دامك ذكرت مسلسل ( صح النوم )
فهذا دليل على أنك مثلنا ( إمغبّر ) لكون المسلسل قديم

تحياتي

يوسف آل ابريه
29-11-2008, 02:28 PM
كما وعدتك يا زهدي , ها أنا أفي بوعدي لأتحدث عن ( كشاجم )
كشاجم هو أبو الفتح محمود بن محمد بن الحسين بن سندي بن شاهك الرملي ,
والرملي نسبة إلى ( الرملة ) بفلسطين ...
نابغة من رجالات الأمة , وعبقري من عباقرتها , كان لا يجارى ولا يبارى ,
فكان شاعراً متكلّماً منجّماً منطقياً محدّثاً محقّقاً مدقّقاً مجادلاً جواداً , فهو جمّاع الفضائل
وإنما لقّب نفسه ( بكشاجم ) إشارة بكل حرف منها إلى علم من العلوم التي برع فيها ,
فبالكاف إلى أنه كاتب , وبالشين إلى أنه شاعر , وبالألف إلى أدبه أو إنشاده ,
وبالجيم إلى نبوغه في الجدل أو جوده , وبالميم إلى أنه متكلّم أو منطقي أو منجم ,
ولما ولع في الطب وبرع فيه زاد على ذلك حرف الطاء , فقيل ( طكشاجم )
إلا أنه لم يشتهر به ...
كان كشاجم الشاعر قدوة في الأدب وأسوة في الشعر حتى أن الرفاء السري الشاعر
المفلق على تقدّمه في فنون الشعر كان مغرى بنسخ ديوانه , وكان في طريقه يذهب
وعلى قالبه يضرب ..
عرف كشاجم بلين الجانب وسجاحة الخلائق وحسن الأدب وسلامة النّفس وقداسة النَفس
وطيب السريرة , كان مترفعاً بنفسه عن الرتبة والمناصب وولوج أبواب الملوك ,
وكان يرى التقمّص بالرئاسة من مرديات النفس , فيقول :

رأيت الرئاسة مقرونة *** بلبس التكبّر والنخوه
وكان يحذر أولياءه من التصدي لوظيفة من شؤون الملك والمملكة ,
ولكشاجم قصائد كثيرة ضمّنها بغرر الحكم ودرر الكلم , ومن حكمياته :

ليس خلقٌ إلا وفيه إذا ما *** وقع الفحص عنه خير وشرُّ
حكمة الصانع المدبّر أن لا *** شيء إلا وفيه نفع وضرُّ
أما عقيدته , فكان إمامياً صادق التشيع , موالياً لأهل بيت الوحي , متفانياً في ولائهم
ويجد القارئ لشعره مصاديق ذلك من تهالك في ولاء آل الله , وبثّه الدعوة إليهم
بالحجج القوية , والتفجّع في مصابهم والذبّ عنهم والنيل من أعدائهم ..
وكان من مصاديق الآية الكريمة ( يخرج الحيّ من الميت ) فإن نصب جدّه
" السندي بن شاهك " عداءه لأهل البيت وضغظه واضطهاده للإمام الكاظم ( ع )
مما سار به الركبان وسوّد به صحيفة تاريخه , إلا أن حفيده هذا ( كشاجم )
قد باينه في جميع نزعاته الشيطانية , فهو من شعراء أهل البيت المجاهرين بولائهم
الذابين عنهم , ومن نماذج شعره في المذهب , قوله :

بكاءٌ وقلّ غناء البكاء *** على رزء ذريّة الأنبياء
أعاذلتي إن برد التقى *** كسانيه حبي لأهل الكساء
سفينة نوح فمن يعتلق *** بحبهم , يعتلق بالنجاء
وقال أيضاً :

زعموا أنّ من أحبّ علياً *** ظلّ للفقر لابساً جلبابا
كذبوا من أحبّه من فقير *** يتحلّى من الغنى أثوابا
حرّفوا منطق الوصيّ بمعنى *** خالفوا إذ تأوّلوه الصوابا
إنما قال : ارفضوا عنكم الد ... .. نيا إذا كنتم لنا أحبابا
وله قصيدة حول عيد الغدير وهي طويلة

إلى هنا وأكتفي بهذا القدر البسيط حول الشاعر مع ملاحظة أنني اعتمدت في هذه
النبذة الموجزة على كتاب ( الغدير ) للعلامة عبد الحسين الأميني " الجزء الرابع "
فمن أراد الإستزادة فليرجع إليه ...


تحياتي

أبو فاضل
29-11-2008, 11:10 PM
أستاذنا القدير : أبو أحمد

كنت أتساءل عن التسميات التي تطلق على الشعراء منذ فترة ..

وما أحسبك إلا سادّ جوعتي ولهفتي لهذا الأمر ،، أبا أحمد .. إنني بالقرب .

يوسف آل ابريه
30-11-2008, 12:35 AM
عزيزي ( أبو فاضل )
أهلاً وسهلاً بك , وأرجو أن يطيب لك المكان بين أهلك وأخوانك
أحمد الله تعالى أنني حققت بعض ما تشتهيه وتطلبه ,
فكن بالقرب أيها الغالي

يوسف آل ابريه
30-11-2008, 01:34 AM
( ابن لَنْكك البصري )
هو محمد بن محمد بن جعفر يكنى أبا الحسن وقيل أبا الحسين , ويلقّب
بابن ( لَنْكك ) بفتح اللام وسكون النون وكافين متواليين ...
وهو من شعراء القرن الرابع الهجري .. إنه شاعر ذاتي عاش بمواهب جيدة ,
ولكنه لم يحسن الإفادة منها في حين يرى من هم دونه قد وصلوا إلى مراكز مرموقة ,
وذلك يعود إلى قلقه وحدة إحساسه , إذ لم يكن صبوراً ولا مدارياً لمجتمعه , فهو
دائم الاستهزاء بتقاليده وأعرافه ..
هذا الإحساس الحاد والثورة الملتهبة والتمرّد العنيف الذي عاشه ابن لنكك كان يصبّ
غضبه على الزمان والحياة والدهر , والحق يقال أن تلك الأشياء لا يعنيها ,
والذي كان يعنيه هو المجتمع والنظام والتقاليد ..
ربما كان ابن لنكك مثالياً , ولربما كان مغالياً , لكنه كان صادقاً في إحساسه
وفي تعبيره , ولذا كان قلقه وضيقه بالحياة ينعكس في شعره بهذه المقطوعات القصيرة
المركزة النافذة , فهو " إذا قال البيت والبيتين والثلاثة أغرب بما جلب , وأبدع
في ما وضع "
كانت له محاورات ومجادلات مع أدباء عصره حول قضايا كثيرة في اللغة والأدب
وله أهاجي عديدة , لا سيما في ( أبي رياش ) الذي كان يطعن على أبي نواس
وأبي تمام , لأن ابن لنكك كان يحب شعرهما ويميل إليه ..
ولابن لنكك موقف حاسم حول مسألة " العلم والجهل " فهو يرى أن العلم والأدب
لا يسودان بالمرء إنما الدجل والنفاق هما اللذان يوصلانه إلى ما يريد , فيقول :

يا طالباً بالعلم حظّاً مُسعِدا *** في ذا الزمان رأيت رأي مُخرنق
إنفاق علمٍ في زمان جهالة *** ترجو ودهر عمى وسخفٍ مُطبق
أو ما رأيت ملوك عصرك أصبحوا ** *** يتجمّلون بكل قاضٍ أحمق
لا تلق أشباه الحمير بحكمة **** موّه عليهم ما قدرت ومخرق
لقد كان شاعرنا طموحاً ولكنه لم يكن موفقاً بالرغم من أنه كان يحمل أسباب الوصول
إلى غايته سوى الهدوء والتفكير المتأمل ..
كان قلقاً سريع الغضب , لذا كان يثور لأدنى سبب ولأبسط الأشياء , ومثل هذا الخلق
يترك صاحبه تعباً في صراع مستمر وفي ندم متواصل ..
كان ابن لنكك من الذين زاروا بغداد يوم كان صوت المتنبي فيها عالياً , ولكنه
لم يطب له المقام فيها , فهجا المتنبي وأهل زمانه , قائلاً :

قولا لأهل زمان لا خلاق لهم *** ضلّوا عن الرشد من جهل بهم وعموا
أعطيتم " المتنبي " فوق منيته *** فزوّجوهُ برغمٍ أمهاتكم
لكنّ بغداد جاد الغيث ساكنها *** نعالهم في قفا السقاء تزدحم
كان ابن لنكك ذا فضل ومنزلة كبيرة , لكنه كان شديد التواضع , فصديقه الحميم
( الخبز أرزّي ) كان يبيع الخبز بدكانه بمربد البصرة وكان يقصده على ارتفاع مقداره
ولعل ما توفر لدينا من شعر ابن لنكك يعطينا صورة شاعر " متمرد " غاضب رافض
لأوضاع عصره وتقاليده ... كان ذاتياً شديد الحب لذاته , شديد الاعتداد بها ,,
وكان قلقاً عظيم الاضطراب حاداً في تعامله مع الأشياء , فانعكس هذا القلق على
شعره فأحاله إلى مقطوعات قصيرة لم يكن يصبر فيه على القصائد الطوال , لأن الشعر
عنده تعبيراً عن أحاسيسه وحالاته ...
تأمله هنا , وهو يهجو أبا رياش والقضاة والحياة :
لا تخدعنك اللحى ولا الصور *** تسعة أعشار من ترى بقر
تراهم كالسحاب , منتشراً *** وليس فيه لطالب مطر
وتأمله وهو يتحدث ساخطاً وناقماً :
إن أصبحت هممي في الأفق عالية *** فإن حظي ببطن الأرض ملتصق
بل إن نظرته السوداء للحياة جعلته يميل إلى الوحدة , لأنه لا يرى جدوى من الخروج
والناس , فيقول :
مضى الأحرار وانقرضوا وبادوا *** وخلّفني الزمان على علوج
وقالوا : قد لزمت البيت جداً *** فقلت : لفقد فائدة الخروج
فمن ألقى إذا أبصرت فيهم *** قروداً راكبين على سروج
ويرفع صوته ساخراً , فيقول :
لعنتم جميعاً من وجوه بليدة *** تكنّفهم جهل ولؤم , فأفرطا
وإنّ زماناً أنتم رؤساؤه *** لأهلٌ لأن يُخرا عليه ويضرضا
فائدة : أنصح من يقرأ موضوعنا هذا حول " ابن لنكك البصري " أن يعثر على
ديوانه الصغير والذي حققه الدكتور " زهير غازي زاهد " فهو فعلاً نادرة من نوادر
الدنيا , وهو بحق نموذجاً للشعر الحقيقي , فالمتجوّل بين أوراقه لا يخرج
إلا وهو مستفيد , ولعله سيجد فيه مقطوعات غريبة من نوعها قد غضضنا الطرف
عن إيرادها " هنا " لأن لكل مقام مقال ..
وقبل نهاية المطاف نعرّج على لقبه , فنقول :
إنّ لفظة ( لنكك ) هي لفظ أعجمي معناه بالعربي " أعيرج " تصغير أعرج
لأن كلمة " لنك " معناها أعرج , وعادة العجم إذا صغّروا اسماً ألحقوا في آخره
كافاً , هذا ما قاله صاحب وفيات الأعيان " ابن خلكان "
وقبل أن نختم حديثنا عن ابن لنكك نضع هذه الأبيات المشهوة له , والتي تتناقلها
الألسن بدون معرفة صاحبها , وهي :
يعيب الناس كلّهم الزمانا *** وما لزماننا عيب سوانا
نعيب زماننا , والعيب فينا *** ولو نطق الزمان إذن هجانا
ذئاب كلّنا في زِيّ ناسٍ *** فسبحان الذي فيه برانا
يعاف الذئب يأكل لحم ذئب *** ويأكل بعضنا بعضاً عيانا

تحياتي

سنابسي الهوى
30-11-2008, 06:14 AM
يعيب الناس كلّهم الزمانا *** وما لزماننا عيب سوانا
نعيب زماننا , والعيب فينا *** ولو نطق الزمان إذن هجانا
ذئاب كلّنا في زِيّ ناسٍ *** فسبحان الذي فيه برانا
يعاف الذئب يأكل لحم ذئب *** ويأكل بعضنا بعضاً عيانا


مشكور على هذا المجهود يبو أحمد

الأبيات في الأعلى أحفظها من الصغر ولا أعلم من قائلها

وجئت اليوم تفصح عن صاحبها


بصماتك خالدةٌ

يوسف آل ابريه
30-11-2008, 12:33 PM
سنابسي الهوى
شكراً لمرورك الجميل وبوحك الرائع
وحرفك المشجّع دئماً

تحياتي

يوسف آل ابريه
30-11-2008, 12:59 PM
( الملاّح التائه )
هو لقب للمهندس والشاعر المصري الكبير علي محمود طه , المولود في مدينة المنصورة
تعلّم في الكتّاب مبادئ القراءة والكتابة والحساب , كما حفظ القرآن الكريم , ثم درس
بالمنصورة المرحلة الإبتدائية والتحق بمدرسة الفنون التطبيقية في القاهرة , حيث تخرّج
فيها حاملاً شهادة تؤهله لمزاولة هندسة المباني , وعلى الرغم من دراسته العلمية
كانت الدراسة الأدبية تستهويه كثيراً , فقرأ في دواوين الشعر ومختارات الأدب ما عمق
ثقافته العربية ..
تدرّج في السلك الوظيفي حتى أصبح وكيلاً لدار الكتب المصرية ..
يعدّ علي محمود طه ثمرة من ثمار المدرسة الحديثة في الشعر المعاصر التي غرس
بذرتها " خليل مطران وعبد الرحمن شكري , كما كان متأثراً بشعراء المهجر
وبالرومانسيين الفرنسيين خاصة بودلير وفيرلين ..
لقّب ( بالشاعر الملاًح ) لإصداره أول ديوان شعري كان يحمل اسم " الملاّح التائه "
وعلي محمود طه شاعر مكثر , أصدر سبعة دواوين , وهي :
( ليالي الملاّح التائه ـ أرواح شاردة ـ زهر وخمر ـ أرواح وأشباح ـ شرق وغرب ـ
الشرق العائد ـ أغنيات الرياح الأربع )
وقد نالت قصائده " الجندول وفلسطين وكليوباترة شهرة واسعة , ومن أرق شعره , قوله :

تسائلني : وهل أحببت مثلي *** وكم معشوقة لك أو خليله ؟
فقلت لها وقد همّت بكأسٍ *** إلى شفتيّ راحتها النحيله
نسيتُ وما أرى أحببت يوماً *** كحبّك , لا , ولم أعرف سبيله
ثم قصيدته " القمر العاشق " ومنها قوله :

إذا ما طاف بالشرفة *** ضوء القمر المضنى
ورفّ عليك , مثل *** الحلم أو أشراقة المعنى
وأنت على فراش *** الطهر كالزنبقة الوسنى
فضُمّي جسمك العاري *** وصوني ذلك الحسنا
هذا فضلاً عن قصيدته " الجندول " ومطلعها :

أين من عينيّ هاتيك المجالي *** يا عروس البحر يا حلم الخيال

تحياتي

يوسف آل ابريه
01-12-2008, 02:12 AM
شاعر ( الفكاهة والبؤس ) بل ( الصعلوك الساخر )
هو الشاعر المصري عبد الحميد الديب من شعراء الصعاليك المعاصرين
كان عبد الحميد الديب صوتاً شعرياً متميزاً , انفرد بسماته وخصائصه المتفردة
صنعت منه أصدق شاعر صعلوك عبّر عن حياة الصعاليك وأحزانهم وأحاسيسهم
من خلال تجاربه المريرة ..
وإذا كان تعريف الصعلكة هو تلك الروح المتمردة التي منحها التمرد شجاعة خارقة
وقدرة أسطورية , فإن عبد الحميد الديب رحمه الله واحد من هؤلاء الصعاليك الذي
تأخّر به الزمان , كأنه يعيد صورة الشعراء الصعاليك القدامى :
( تأبط شراً , والسليك بن السلكة , والشنفرى , وعروة بن الورد )
ويرى الأستاذ فاروق شوشة أن عبد الحميد الديب هو أقرب إلى النموذج الثوري
اللامنتمي , أو الثوري الفوضوي , الذي يرى سعادته في الهجوم الدائم , والنقد اللاذع
إن الحديث عن عبد الحميد الديب صعب مستصعب كحياته الغريبة والمؤلمة , ولكون
الكثير منا من لم يسمع به أو يقرأ له , فسأتناوله بدون ترتيب كفوضويته الجميلة
عاش عبد الحميد الديب ومات فقيراً معدماً لا يملك ما يقيم أوده أو يجعله حياً ,
فقد كان حياً , لكن من الأموات , فكان مشرداً بلا بيت أو مأوى أو طعام أو شراب
وكان عارياً لا يملك إلا ثياباً رثة بالية , وكان دائم التسكع على الأرصفة وعلى
المقاهي , فكان دائم الشكوى , ساخطاً على كل الواقع , وعلى كل الناس ,
ساخطاً على الحكام والمحكومين , فكان يرى أنه جوهرة ثمينة في خضم الوحل
والتجاهل والسقوط المزري في بئر الحرمان , فعاش معدماً , ومات معدماً , فكان
الحزن صديقه وظله وتوأمه , وكان شعره مرآة يعكس فيها معاناته وأساه , وكثيراً
ما نجد شعره يزخر بهذه الملامح الحزينة التي تعصر قلب القارئ من الحزن والأسى ,
فيقول :
دعي الشكوى وهات الكأس نسكر
ودعك من الزمان إذا تنكّر
وهام بي الأسى والحزن حتى
كأني عبلة والحزن عنتر
كأني حائط كتبوا عليه
هنا أيها المزنوة " طرطر "
لعمري ما لانت قناتي
لدهر ( ....... ) أم الدهر أحمر
ومن شدة الحزن نجد الشاعر الصعلوك عبد الحميد الديب يتمرد على العرف والتقاليد ,
فيدعو في استخفاف وسخرية إلى العربدة والمجون , فيقول :
هات المدام , فدين الله تيسير
فأسعد الناي , مخمور ومخدور
هات المدام ولا تعرض بمتربتي
مهما غلا العيش لم تغل القوارير
ويمكننا أن نضع يدنا على عقدة الفقر في نفس عبد الحميد الديب تلك العقدة التي
ولدت لديه نتيجة إحساسه بالفقر والتي تدفعه إلى أن يعمل على تعويض ذلك الشعور
بالنقص إلى إظهار غنى نفسه وثراء عبقريته وتفرد موهبته والتعالي عن الناس
مما يقوده في أحيان كثيرة إلى المبالغة في الاعتداد بنفسه وفنه , حتى أنه يحرص
على الحفاظ على حياته لكيلا يحرم الإنسانية من عبقريته وموهبته الفريدة , فيقول :
أجرّد للدنيا نشاطي وهمتي
فتنفحني الدنيا شقاء مجددا
تسوّل لي نفسي المنون لأنني
أري خير ما ينجي من العالم الردى
فأمسك ضنا بالشباب وبالحجى
وأبقي على عمري فلا ينتهي سدى
ويطلق الشاعر البائس صرخات التمرد والسخط بفعل اليأس ضد المجتمع , فيقول :
بكم يباع غباء الناس في بلد
لا نافعي فيه علمي ولا أدبي
القابضون على أسباب نعمته
من آكلي العرض أو من آكلي الذهب
لقد كان الديب شاعراً محروماً من كل مظاهر الحياة بكل ما لهذه الكلمة من معاني
فقد كان هدفاً لسخرية الناس فيجعلون منه مسلاتهم وضحكتهم التي ينسون عندها
همومهم ومتاعبهم , وأحس الديب بالأسى والمرارة وهو يرى نفسه محروماً من أبسط
حقوقه ومن مظاهر الحياة وأدنى مطالبها برغم عبقريته وفنه , فانطلق يصب صواعق
سخطه وغضبه على المجتمع الذي ظلمه , والحكام الذين أهدروا عبقريته وإنسانيته
فأخذ الديب يطلق صرخاته اليائسة الحزينة ويضمنها أبعاد محنته ومأساة حياته ,
وأصاب شواظ غضبه أصدقاءه وأهله وأعداءه , ثم كانت ذروة غضبه على السلطة
الحاكمة , فقد رسم لنا الديب بريشته الخلاقة مأساة بؤسه في لوحات حية نابضة
بالصدق والحرارة ...
كان الديب يحلو له أن يقضي سهراته ولياليه في مقهى الفيشاوي بحي الحسين
العاطر بعبق التاريخ وكان ملتقى الأدباء في تلك الحقبة من الثلاثينيات , وكان
أصدقاؤه حينما يلتقون به في ذلك المقهى يحاولون إثارته , فيتنذرون عليه وعلى محنته
وملابسه الرثة , فتزداد مرارة الديب لذلك , فكان يشعر بأن الناس قد أجمعوا أمرهم
على حربه ومناجزته , لكي يخفون نور عبقريته كلما حاول إظهاره
كان الديب ساخطاً على السلطة التي كانت سبباً في شقائه , فيقول :
سلوا عني الجلا د كم هدّ صوته
بناء تجاليدي ولا أتظلّم
سلوا عني السجن الرهيب كم انبرى
بمعلقة مني رفات وأعظم
رحل الديب بعد أن أفناه البؤس وأنهكه التسكع والجوع والحرمان , ولقد سأله
أحد معارفه ذات يوم , عندما سمع أنه سيستلم وظيفة , قائلاً :
كيف أنت والدنيا اليوم ؟ فأجاب الديب في تهكم لاذع :
يقولون أنها ابتسمت لي !
فقال الرجل : إذا أقبلت عليك الدنيا فما شعورك فيها ؟
فقال الديب في آهة حزينة : أؤكد لك أن الشقاء سيلازمني , لأنني أؤمن بأبياتي
التي أقول فيها :
بيني وبين الغنى خصام
وفرقة مالها التآم
فإن تدانى إليّ يوماً
لردّه عني الحمام
رحم الله الديب , ونسأل المولى أن يعوضه خسارة الدنيا بنعيم الآخرة
ملاحظة : قد يسألني القارئ لماذا لقب الديب بشاعر البؤس وبالصعلوك الساخر ؟
فأقول : إن ما ذكرناه عن حياته لخير شاهد لإطلاق اللقبين عليه ...
لعلي أعود إليه غداً , فالحديث عنه ممتع وشيق

يوسف آل ابريه
01-12-2008, 01:34 PM
نواصل حديثنا عن الشاعر الصعلوك ( عبد الحميد الديب ) وسوف أكتفي في هذه
المداخلة بنماذج من شعره ...
يقول للهازئين به :

يا أمة جهلتني وهي عالمة
أن الكواكب من نوري وإشراقي
أعيش فيكم بلا أهل , ولا وطن
كعيش منتجع المعروف أفّاق
وليس لي من حبيب في ربوعكم
إلا الحبيبين : أقلامي وأوراقي
ريشت لغدري سهام من نميمتكم
فصارعتني ومالي دونها واق
وكنت نوح سفين أُرسلت حرماً
للعالمين فجازوني , بإغراقي
لم أدر ماذا طعمتم في موائدكم
لحم الذبيحة أم لحمي وأخلاقي
ويقول في وصف بؤسه وشقائه :
أفي حجرتي يا رب أم أنا في لحدي
ألا شدّ ما ألقى من الزمن الوغد
وهل أنا حيّ أم قضيت , وهذه
إهابة إسرافيل تبعثني وحدي
لكم كنت أرجو حجرة , فأصبتها
بناء قديم العهد أضيق من جدي
تراني بها كل الأثاث , فمعطفي
فراش لنومي أو وقاء من البرد
وأما وساداتي بها , فجرائد
تجدد إذ تبلى على حجر صلد
تساكنني فيها الأفاعي جريئة
وفي جوها الأمراض تفتك أو تعدي
أرى النمل يخشى الناس إلا بأرضها
فأرجله أمضى من الصارم الهندي
تحمّلت فيها صبر أيوب في الضنا
وذقت هزال الجوع أكثر من غندي
ويقول في قصيدته ( موت الشيطان ) :
كل شيء أشهد الله عليّا
فرّت الدنيا جميعاً من يديّا
لا تقل لي كيف تحيا سادراً
أنا ميْت بين قومي لست حيّا
سرّ هذا البؤس أني شاعر
قد أفاد الدهر مني عبقريا
عندما كنت بحاني شارباً
كنت أصغى للمصلى يتهيّا
رنّة التكبير في سمعي محت
رنّة الكأس وأودت بالحميّا
والمصلّون لدى تسبيحهم
صيّروا الندمان في عيني نِسِيا
مظهر التسبيح والتقوى بهم
قد سقاني الكأس إيماناً سريّا
ويقول في قصيدته ( بين السكر والصحو ) :
يقولون سكّير فهل شربوا كأسي ؟
وهل شربوا البلوى كما شربت نفسي
سمت بي غداة العمر نفس أبيّة
فأوسعها دهري من الهم والبؤس
مضى الشعب عني غافلاً , فجزيته
على حسّه الغافي بمختبل الحسّ
وإن أصح ألفيت الحياة مجانة
بها مأتمي الباكي يقوم على رأسي
فسكري صحو في بلاد أرى بها
حياتي لم تنجح على الطهر والرجس
وأخيراً نختم بأبياته المشهورة والتي كانت توقيعاً لأخينا العزيز ( أبي حسين )
إنّ حظّي كدقيق فوق شوك نثروه
ثمّ قالوا لحفاة يوم ريح : اجمعوه
صعب الأمر عليهم , قال قوم اتركوه
إنّ من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه

فهل يا أبا حسين كنت عارفاً بأن الأبيات هي لعبد الحميد الديب ؟

فائدة : من أراد الإستزادة عن حياة الشاعر وشعره , فليراجع
كتاب ( الصعلوك الساخر وشعره المجهول ) للكاتب محمد رضوان
وكتاب ( االنصوص المحرمة للشعراء العرب ) للكاتب والشاعر محمد ثابت

تحياتي

يوسف آل ابريه
02-12-2008, 01:06 AM
( السنبسي )
طبعاً ليس المقصود شاعرنا ياسر المطوع " أبو صادق " ولا سنابسي الهوى ,
وإنما المقصود هو :
أبو عبد الله محمد بن خليفة بن الحسين السنبسي الهيثي الحلي , ممن برع في الشعر
نظماً وتأليفاً ..
قصد شاعرنا السنبسي أمير الحلة وهو يومئذ سيف الدولة " صدقة بن منصور "
وأسنى الأمير جوائزه , وصار كبير شعرائه ومقدمهم , وأصبح شاعراً مشهوراً
بين أهل الفضل والأدب ..
قال عنه العماد الأصفهاني : كان السنبسي مسبوك النقد , جيّد الشعر سديد البديهة ..
وقال عنه ابن المارستانية في كتابه " ديوان الإسلام " :
كان السنبسي شاعراً مجوّداً مغزلاً مليح الكلام , حسن النظام لألفاظه حلاوة وعليها
من جودة النسج طلاوة , وصّاف الديار الدوارس مولع بذكر الإبل والقفار والسباسب
خبير بأخبار العرب وأشعارها , بصير بأيامها وآثارها ...
وهذه شواهد شعرية للسنبسي نضعها لتكون أمام القارئ , وهي :
1 ) قال من خمرية :
قم فاسقنيها على صوت النواعير *** حمراء تشرق في ظلماء ديجور
كانت سراج أناس يهتدون بها *** في أول الدهر قبل النار والنور
فأصبحت بعدما أفنى , ذبالتها *** مرّ السنين , وتكرار الأعاصير
تهتزّ في الكأس من ضعف ومن كبر *** كأنها قبس , في كفّ مقرور
2 ) وله من خمرية رائعة , قوله :
أقول لصاحب نبّهت وهناً *** ونوم العين أكثره غرار
لعلك , إن تعللنا بخمر *** فأيام السرور بها قصار
فقام يذود باقي النوم عنه *** وفي أجفان مقلته انكسار
وجاء بها كماء التبر صرفاً *** على أرجائها زبد صغار
فلم أرى قبل منظرها لجيناً *** رقي السبك أخلصه النضار
ومال بها إليّ وقد حساها *** وفي وجناته منها احمرار
فما أدري وقد فكرت فيها *** أنار في الزجاجة أم عقار
لكلهما , ضياء واشتعال *** تطاير عن جوانبه الشرار
سوى أني وجدت لها نسيماً *** كنشر الروض باكره القطار
3 ) وقال أيضاً :
قامت تنبهني والنجم لم يغر *** بيضاء تخطر في مرط على خصر
فقلت لما بدت والكأس في يدها *** هل يجمع الليل بين الشمس والقمر
4 ) وله في الغزل :
يا قاتلي كمداً بسحر كلامه *** ومعذّبي أبداً بطول غرامه
ألا وصلت على الصبابة مدنفاً *** وصل الغرام سقامه بسقامه
يهوي الرقاد لعل طيفك يلتقي *** بخياله , فيراك عند منامه
5 ) وقال رحمه الله في الدعاء :
أيا رب إن كنت الجدير بجفوة *** فأنت بإحسان , إليّ جدير

وإن تك عن شكري غنياً وطاعتي *** فإني إلى الغفران منك فقير
وفي الختام نعرّج على تلقيبه ( بالسنبسي ) لنقول : إنه نسبة إلى بني سنبس
بكسر السين وإسكان النون , وهم " بطن من طي "
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن هناك شعراء كثر ينتسبون إلى هذا البطن من طي ,
ولعل أبرزهم الشاعر الشهير صفي الدين أبو الفضل عبد العزيز بن سرايا
بن أبي القاسم السنبسي الطائي الحلي ...
ملاحظة : اعتمدت في كتابة هذه السطور عن الشاعر على كتاب ( البابليات )
للشيخ والشاعر الكبير محمد اليعقوبي " الجزء الأول "

تحياتي

أبو فاضل
02-12-2008, 12:35 PM
دعي الشكوى وهات الكأس نسكر
ودعك من الزمان إذا تنكّر
وهام بي الأسى والحزن حتى
كأني عبلة والحزن عنتر

أستاذي العزيز

لا أزال عطشاناً ظمئ الحشا وأريد المزيد

أستاذي العزيز

زد وواصل في العطاء .. فأنا لك من القرّاء

يوسف آل ابريه
02-12-2008, 02:08 PM
عزيزي الغالي ( أبو فاضل )
شكراً جزيلاً لتشجيعك الجميل , وثنائك الرائع
لذا سأواصل في هذه الصفحة , وهذا المنتدى
الذي يخطو خطواته بكل جدّية وهمّة ...

تحياتي

يوسف آل ابريه
02-12-2008, 02:39 PM
( سلم الخاسر )
هو سلم بن عمرو بن حماد , من شعراء القرن الثاني للهجرة ,
قيل في سبب تلقيبه ( الخاسر ) : أنه كان مضياعاً لماله متلافاً ,
وهو مولى تيم عشيرة الخليفة أبي بكر , وكانت نشأته في البصرة ..
وسَلْم الخاسر من شعراء العصر العباسي الأول , ذلك العصر الذي بلغت فيه
الدولة ذروة تفوقها الحضاري والسياسي ..
تتلمذ سَلْم الخاسر على الشاعر بشار بن برد , وروى عنه شعره , وتأثر بمذهبه الفني ,
وتروي المصادر أنه لما قال أستاذه بشار بيته الشهير :

من راقب الناس لم يظفر بحاجته *** وفاز بالطيّبات الفاتك اللهجُ
أخذ سلم الخاسر هذا المعنى , وجاء به أجود لفظاً من أستاذه , فقال :

من راقب الناس مات غمّاً *** وفاز باللذة الجسور
فاشتهر بيت سلم الخاسر , ولم يشتهر بيت بشار ..
اختص سلم الخاسر بمدح خلفاء بني العباس , وبخاصة موسى المهدي والهادي
والرشيد , كما مدح البرامكة , ومن شعره قوله في يحي بن خالد :

بلوت الناس من عجم وعرب *** فما أحد يسير كما تسير
فكلّ الأمر من قولٍ وفعلٍ *** إذا علقت يداك به صغير
وفي كفّيك , مدرجة المنايا *** ومن جدواهما الغيث المطير
وقد تخاصم سلم الخاسر وشاعر الزهد أبو العتاهية , وثارت بين الشاعرين الأهاجي
فقال أبو العتاهية يهجو سلماً :
تعالى الله يا سلم بن عمرو *** أذلّ الحرص أعناق الرجال
هبِ الدنيا تصير إليك عفواً *** أليس مصير ذلك للزوال ؟
ويردّ سلم الخاسر على أبي العتاهية هجاءه , فيقول :
ما أقبح التزهيد من واعظ *** يُزهّد الناس , ولا يزهد
لو كان في تزهيده صادقاً *** أضحى وأمسى بيته المسجد
ويبدو أن المجون الذي اتصف به سلم الخاسر , إنما كان في شبابه , ثم ما لبث
أن استقام خلقه حين بلغ مبلغ الشيوخ ...
على أن أبرز ما اتصفت به شخصية سلم الخاسر : الكرم والسخاء والميل إلى الدعابة ,
هذا إلى ثقافة شعرية واسعة , فكان من أعرف الناس بأشعار الجاهلية , كما كان
من أكثر الأدباء خبرة بشعر أستاذه بشار بن برد , حتى روي أنه قال عن بشار :
" إني لأروي له تسعة آلاف بيت ما يعرف أحد غيري منها شيئاً "
وقد روت المصادر له أبياتاً في مدح الخليفة العباسي المهدي جرت على " التفعيلة "

موسى المطر , غيث بكر *** ثمّ انهمر , لمّا اغتفر
ثمّ غفر , لمّا قدر *** ثمّ اقتصر عدل السير
باقي الأثر , خير البشر *** فرعُ مضر , بدرٌ بدر
وهو بهذا الشكل الشعري عدّ من الشعراء المجددين وزناً وقافية ..


تحياتي

يوسف آل ابريه
03-12-2008, 03:05 AM
( مسكين الدارمي )
هو ربيعة بن عامر التميمي , شاعر عراقي فحل , لقّب " مسكيناً " لأبيات قال فيها :
أنا مسكين لمن أنكرني *** ولمن يعرفني , جد نطق
لا أبيع الناس عرضي إنني *** لو أبيع النسا عرضي لنفق
وبعد أن مضت عليه الكلمة , قال :
وسمّيت مسكيناً وكانت لحاجة *** وإني لمسكين إلى الله راغب
وكان مسكين الدارمي شاعراً مجيداً وسيّداً شريفاً , ولقد كانت بينه وبين الفرزدق
مهاجاة , وذلك أنه لما هلك زياد بن أبيه رثاه مسكين الدارمي , فقال :
رأيت زيادة الإسلام ولّت *** جهاراً حين فارقها زياد
فبلغ ذلك الفرزدق , فقال :
أمسكين أبكى الله عينيك إنما *** جرى في ضلال دمعها فتحدرا
أتبكي امرءاً من آل ميسان كافراً *** ككسرى على عداته أو كقيصرا
فقال مسكين الدارمي :
ألا أيها المرء الذي لست قائماً *** ولا قاعداً في القوم إلا انبرى ليا
فجئني بعم مثل عمي أو أبٍ *** كمثل أبي أو خال صدق كخاليا
فتدخل بينهما شيوخ بني عبد الله وبني مجاشع فتكافّا ..
وقال الفرزدق : نجوت من ثلاثة أشياء لا أخاف بعدها شيئاً , نجوت من زياد حين
طلبني , ونجوت من ابني رميلة وقد نذرا دمي ,وما فاتهما أحد طلباه , ونجوت
من مهاجاة مسكين الدارمي , لأنه لو هجاني اضطرني أن أهدم شطر حسبي ,
لأنه من بحبوحة نسبي وأشراف عشيرتي , فكان جرير حينئذ ينتصف مني بيدي ولساني ..
تذكر كتب الأدب أن تاجراً قدم المدينة المنورة يحمل خمراً سوداً ليبيعها , فكسدت بضاعته
فقيل له : ما ينفقها لك إلا مسكين الدارمي , وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين
بالظرف والخلاعة , فقصده فوجده قد تزهّد في المسجد , فأتاه وقصّ عليه القصة ,
فقال : وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال ؟
فقال له التاجر : أنا رجل غريب , وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل , وتضرّع إليه ,
فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول , وعمل هذين البيتين الجميلين المشهورين , وهما :
قل للمليحة في الخمار الأسود *** ماذا صنعت بناسك متعبّد
قد كان شمّر للصلاة ثيابه *** حتى وقفت له بباب المسجد
فشاع بين الناس أن مسكيناً الدارمي قد رجع إلى ما كان عليه , وقد أحبّ واحدة
ذات خمار أسود , فلم يبق في المدينة ظريفة إلا وطلبت خماراً أسود , فباع التاجر
الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه , لكثرة رغباتهم فيه , فلما فرغ منه عاد
مسكين إلى تعبده وانقطاعه ...
والشيء بالشيء يذكر , فإن للشاعر الكبير ( ابن معصوم ) رحمه الله تعالى
أبياتاً على غرار أبيات مسكين الدارمي , يقول فيها :
قل للمليحة في القباء الأطلس *** أفسدت عقل أخي التقى المتقدّس
أو ما كفاك لباسُ حسنك والبها *** حتى برزت لنا بأبهى ملبس
أخجلت ولدان الجِنان وحورها *** وخطرت من أثوابها في سندس
إن كان لا يرضيك , إلا فتنتي *** فرضاكِ فرضٌ , يا حياة الأنفس
هذا محبّك , ناصباً أحشاءه *** غرضاً لأسهم مقلتيك فقرطسي
وأذكر كذلك بيتين غنّاهما الفنان العراقي ( فؤاد سالم ) وهما على غرار أبيات
مسكين الدارمي , وهما :
قل للمليحة في الخمار الأزرق *** بالله رفقاً واشفقي وترفّقي
إن المحبّ إذا جفاه حبيبه *** هاجت به زفرات كلّ تشوّقي
نعود إلى مسكين الدارمي , لنضع بعضاً من شعره , كقوله في هذه الرائعة :
ألا أيها الغائر المستشيط , علام تغار إذا لم تغر ؟
فما خير عرس إذا خفتها , و ما ضير بيت إذا لم يزر ؟
تغار على الناس أن ينظروا , وهل يفتن الصالحات النظر
فإني سأخلي لها بينها , فتحفظ في نفسها , أو تذر
إذا الله لم يعطه ودّها , فلن يعطي الودّ سوط مُمر
ومن شعره المتداول هذا البيت المشهور :
أخاك أخاك إن من لا أخاً له *** كساع إلى الهيجا بغير سلاح
ومن جيّد شعره , قوله :
ولست إذا ما سرّني الدهر ضاحكاً *** ولا خاشعاً ما عشت من حادث الدهر
ولا جاعلاً عرضي لمالي وقاية *** ولكن أقي عرضي , فيحرزه وفري
أعفّ لدي عسري , وأبدي تجمّلاً *** ولا خير في من لا يعفّ لدى العسر
وإني لأستحي , إذا كنت معسراً *** صديقي وإخواني بأن يعلموا فقري
ومن أحسن ما قاله مسكين الدارمي قصيدته التي يقول فيها :
اتّقِ الأحمق أن تصحبه *** إنما الأحمق كالثوب الخلق
كلما رقّعت , منه جانباً *** حرّكته الريح وهناً فانخرق
أو كصدعٍ في زجاج فاحش *** هل ترى صدع زجاج يتّفق
وإذا جالسته , في مجلس *** أفسد المجلس منه بالخَرَق
جمع شعره في ديوان وطبع في بغداد ...

تحياتي

سلطان اليباب
03-12-2008, 09:43 PM
سوري ع التأخير بس المرض و الزحمة و هيك ...

أبو أحمد في الخبز أرزي قوله:

رأيت الهلال ووجه الحبيب *** فكانا هلالين عند الفطر

أعتقد أنها " عند النظر " و هي أقرب في رأيي للصحة، هذا البيت من الأبيات القليلة التي أحفظها في ذاكرتي منذ أيام الجامعة و النقل عن المستطرف في كل أمر مستظرف .

نكمل الموضوع بعد المداخلة

يوسف آل ابريه
04-12-2008, 12:20 AM
عزيزي ( فاضل )

لقد رجعت للمصدر الذي نقلت منه , فتبيّن لي صواب ما ذكرته " عند النظر "

أظنّ أن نظري خانني عند الكتابة ...

شكراً للتوضيح والمتابعة

يوسف آل ابريه
04-12-2008, 02:31 AM
( أبو الشمقمق )

هو أبو محمد مروان بن محمد , من موالي بني أمية , ولد ونشأ في البصرة ,

ولكنه أقام ومات في بغداد ...

سلك أبو الشمقمق طريقاً معاكساً لشعراء عصره , عادلاً عن الخاصة إلى العامة ,

فكان دار الخلافة مقصد الشعراء , وكان الشعراء مقصده ...

عاش حياته في هجرة دائمة من الفقر وإليه , فجاء شعره ساخراً , ساخطاً وموجعاً ..

التقى في حياته عدداً من شعراء عصره , كبشار بن برد , ومروان بن أبي حفصة ,

ومسلم بن الوليد , وأبي العتاهية , وأبي نواس وغيرهم , وكان يرى له حقاً مشروعاً

في أية جائزة ينالها أحدهم , كما كان يفرض جزية على بعضهم الآخر مقابل امتناعه

عن هجائهم , مثلما فعل مع بشار بن برد ...

لمّا أسنّ عاد إلى بغداد بعد رحلة , فقيراً كما رحل , كسيراً محبطاً , لا يقبل عليه

أحد خشية لسانه الخبيث , وطبعه الجافي , وأمضى بقية حياته يتجرّع الفاقة والبؤس ..

أبو الشمقمق شخصية متمردة وموهبة ثائرة تتآكلها الحاجة , صبّتا في قالب شاعر

حجب عنه الحظ وجهه , فحرمه الحرية ولادة , والجمال شاباً , والغنى رجلاً ,

فإذا به بركان شمقمقٌ يرفض أرضه ويلفظ بؤسه , رامياً كل من يقاربه بحممه اللاذعة

عاش أبو الشمقمق ومات وهو عاجز عن المجاهرة بأصله , مبعداً عن القصور ,

وهو شاعر سهل , قصير النفس , ليس له في الغزل أبيات , ولم يعتمد الوصف

كغرض مستقل ...

اشتهر أبو الشمقمق بأهاجيه , ولعل شاعراً معاصراً له لم يبلغ في إقذاعه ما بلغه ,

إذ ملأ أهاجيه بالفحش والألفاظ البذيئة , حتى خشيه الشعراء الخبثاء أمثال بشار ...

امتاز شعره بروح شعبية قوية , فهو يصدره عفو الخاطر ترجمة لانفعال آني دون

تكلّف أو تملّق , إنه لا يكثرت للجزالة والرصانة والمحسنات البديعية التي شاعت

في عصره , لذا جاء شعره واضحاً بسيطاً , سلساً مليئاً بالألفاظ العامية والمولّدة

أو المعربة من الفارسية , حتى أنه اتهم بالركاكة ...

وردت شهادات كثيرة في حقّه , نذكر منها شاهدين للتوضيح , لا الحصر :

1 ) قال عنه ابن المعتز : شعر أبي الشمقمق كله نوادر

2 ) قال عنه غرنباوم : إنّ أبا الشمقمق كان شاعراً عظيم الموهبة , جنى عليه

الإخفاق المتّصل , فأثّر في عملية نموّه الفني ..

أما رأينا المتواضع , فنقول : إنّ أبا الشمقمق مع ثلة من رهطه فقد شكّلوا

" مدرسة شعبية كان لها مريدوها وطالبوها "

ولعل المتصفّح للديوان الشمقمقي يجد أن الغرض البارز فيه , هو غرض ( الهجاء )

وقد امتاز هجاؤه بالسخرية المدهشة , وروح الفكاهة , والفحش والإقذاع ..

أما أخباره ونوادره , فحدّث عنها ولا حرج , وسنكتفي بهذه النوادر الثلاث :

1 ) خبره مع شويعر : أنشد رجل أبا الشمقمق شعراً له , وقال : كيف ترى ؟

قال " جيّد " , قال : " أنا قلته في المخرج " , فأجابه أبو الشمقمق :

" رائحة ذلك منه " ..

2 ) خبره مع بشار بن برد : كان بشار بن برد يعطي أبا الشمقمق في كل سنة

مئتي درهم , فأتاه مرّة فقال له : " هلم الجزية يا أبا معاذ " فقال :

" ويحك , أية جزية هي ؟ " قال : " هو ما تسمع " فقال بشار له ممازحاً :

" أأنت أفصح مني ؟ " قال : " لا " . قال : " فاعلم ؟ " قال : " لا "

قال : " فأشعر ؟" قال : " لا " . قال : " فلم أعطيك ؟ " قال : " لئلا أهجوك "

فقال : " إن هجوتني هجوتك " . قال أبو الشمقمق أو كذا هو , اسمع :

إنّي إذا ما شاعرٌ هجانيه *** ولجّ في القول له لِسانيه

أدخلتُ في است أمّه علانيه *** بشار يا بشار ..............

أراد أن يقول : " يابن الزانية " , فأمسك بشار فاه , وقال : " أراد والله أن يشتمني "

ثم دفع إليه مئتي درهم , وقال : " لا يسمعنّ هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق "

3 ) خبره مع مروان بن أبي حفصة : يروى أن المهدي العباسي فرّق على الشعراء

جوائز , فأعطى مروان ثلاثين ألفاً , فجاءه أبو الشمقمق فقال له : أجزني من الجائزة

فقال له : أنا وأنت نأخذ ولا نعطي . قال : فاسمع مني بيتين . فقال : هات ..

فقال أبو الشمقمق :

لحية مروان تقي عنبرا *** خالط مِسكاً خالصاً أذفرا

فما يقيمان بها ساعة *** إلا يعودان جميعاً خرا

فأمر له بدرهمين , وقيل بل عشرة دراهم , فقال له : " خذ هذه , ولا تكن راوية

للصبيان "

فائدة : لقب شاعرنا بأبي الشمقمق ومعناها الطويل , ولعل ذلك يعود لكونه عظيم الأنف

منكر المنظر , سليط اللسان , خبيث المقال , طالت سهامه كلّ من قاربه ...

ملاحظة : اعتمدنا في كتابة هذه النبذة الموجزة على ديوان أبي الشمقمق بتحقيق

( كارين صادر ) ...

إلى هنا ونكتفي , وفي المداخلة القادمة سنورد بعضاً من مقطوعاته , مع الاعتذار

إلى القارئ , فشعره مملوء بالعثرات والفحش ...

يوسف آل ابريه
04-12-2008, 03:04 AM
هذه نماذج شعرية لأبي الشمقمق , أضعها بين أيديكم :

1 ) قال يهجو أحد البخلاء :

إنّ رياح اللؤم من شُحّه *** لا يطمح الخنزير في سَلْحه

كفّاه قِفلٌ ضاع مفتاحه *** قد يئس الحدّاد من فتحه

2 ) وقال يذم بخيلاً :

لو عبر البحر بأمواجه *** في ليلة , مظلمة بارده

وملء كفّيه بها خردل *** ما سقطت من كفّه واحده

3 ) وقال يهجو سليمان بن عيسى :

إذا رزق العباد فإنّ عيسى *** لهُ رزقٌ من أستاه العباد

4 ) وقال يهجو امرأة تدعى أم حصين :

هتَفت : أمّ حصين *** ثمّ قالت : من ......؟

فتحت فرجاً رحيباً *** مثل صحراء العتيك

فيه وزٌّ , فيه بطٌّ *** فيه دُرّاجٌ , وديك

5 ) قال يهجو بشار بن برد :

سبع جوزاتٍ وتينه *** فتحوا باب المدينه

إنّ بشّار بن بردٍ *** تيس أعمى في سفينه

نكتفي بهذا القدر من الشواهد الشمقمقية , لكونها أخفّ أبياته حدّة من بقية مقطوعات

الديوان , وما ذكرته يعدّ نزيهاً أمام الذي أعرضت عن ذكره ...

يوسف آل ابريه
05-12-2008, 02:15 AM
( العكوك )
هو علي بن جبلة بن مسلم الأنباري , عاش بين سنتي " 160 ه / 213 ه "
ولد بقرب بغداد , وهو من الشعراء المكفوفين النابهين , وكان أسود .. أبرص ,
مما جعل الناس تنفر منه لعيوبه الخلقية ..
لقّب ( بالعكوك ) لأنه كان سميناً قصيراً مع صلابة , والعكوك في اللغة هو السمين
القصير مع صلابة وقوّة ..
وقيل : إن الأصمعي هو من لقبه بذلك بين يدي الرشيد , وذلك أن علياً دخل
على الرشيد فأنشده شعراً حسناً , فحسده الأصمعي لما رأى من إقبال الرشيد
عليه , فقال له : إيه يا عكوك , فقال له علي : في مجلس أمير المؤمنين
تلقب الناس يابن راعية الضأن العشرين , ألست من باهلة ؟
استنفذ العكوك أكثر شعره في مدح أبي دلف العجلي , فمن غرر مدائحه لأبي دلف
القصيدة التي أولها :
ذاد ورد الغيّ عن صدره *** فارعوى واللهو من وطره
وهي قصيدة طويلة , امتازت بالمعاني الجليلة , وبراعة الصياغة , والسهولة الممتنعة ,
مما حذا بها أن تحتل مكاناً مرموقاً بين قصائد المديح ..
والعكوك قد فتح باب المديح من خلال القصائد ذات البحور القصيرة , فمن ذلك
" بائيته " الرائعة في مدح حميد الطوسي :
حميدٌ مفزع الأمة في الشرق وفي الغرب
كأنّ الناس جسمٌ , وهو منه موضع القلب
وقيل إنّ أبا تمام كان يستمع إلى هذه القصيدة من بعض رواة الشعر , فما أن وصل
المنشد إلى قول العكوك :
وردّ البيضَ والبيضَ إلى الأغماد والحجب
اهتزّ أبو تمام من مفرقه إلى قدمه , وهو يقول " أحسن , والله لوددت أن هذا البيت
لي بثلاث قصائد من شعري يتخيّرها وينتحلها مكانه "
ولما مات حميد الطوسي رثاه العكوك بعينية تعتبر من عيون شعر الرثاء , بحيث
عاش على معانيها الكثير من فحول الشعراء كالمتني والبحتري , بل إن البحتري
سلخ معانيها وضمّنها مرثيتين له في أبي سعيد الثغري الذي كان أول عظيم مدحه
البحتري ...
إنّ العكوك يبدأ مرثيته بأبيات من الحكمة ويستهلها بهذا البيت النفيس :
أللدهر تبكي أم على الدهر تجزع *** وما صاحب الأيام إلا مفجّع
ويمضي العكوك مصوّراً حزنه في ثوب قول من الحكمة :
ولو سهُلت عنك الأسى كان في الأسى *** عزاءُ مُعزّ للبيب , ومقنع
تعزّ بما عزّيت غيرك , إنها *** سهام المنايا حائمات ووقّع
ويمضي العكوك فيصور كيف اصطرع الحمام الحمام , وكيف أصابت المنية أختها ,
فالحمام الأول هو حميد , والثاني هو الموت , وكذلك المنيتان , واحدة منهما حميد ,
والثانية هي المنية الحقيقية , فيقول :
حِمامٌ رماه من مواضع أمّنه *** حِمامٌ , كذاك الخطب بالخطب يقرع
وليس بغروٍ أن تصيب منيّة *** حمى أختها , أو أن يذِلّ الممنّع
إلى آخر القصيدة وهي من القصائد الطوال ...
وللعكوك قصائد في الهجاء , ولكنها قليلة بالنسبة لبقية الأغراض الأخرى التي طرقها ,
أما الغزل , فإن العكوك إذا قال في الغزل رقّ شعره , حتى يكاد يتناهى من الرقة ,
وهو في بعض غزله يلهو باللفظ ويعبث بالمعنى , ومن أبياته الغزلية , قوله :

بأبي من زارني مُكتتماً *** خائفاً من كل شيء جَزِعا
زائرٌ نمّ عليه حسنه *** كيف يخفي الليل بدراً طلعا
ويقع العكوك في حب جارية اسمها ( شكلة ) ويلح في غرامها , فيشكو حاله
في أبيات من الغزل الرقيق , يقول العكوك مضمناً غزله معاني غريبة على العشاق :

إنّي ليقنعني تعهّد شكلةٍ *** إن حال دون لقاء شكلةَ حائل
ويزيدني كلفاً بها هجرانها *** ويسرّني عنها الحديث الباطل
وإذا تكلّم عاذل في حبّها *** أغرى الفؤاد بها ورقّ العاذل
وللعكوك قصائد في وصف الخمر بلغ بها درجة من الإجادة والبراعة بحيث يعجز
عن محاكاته فيها الكثير من الشعراء المبصرين , ولعل أبا نواس سيد شعراء الخمر
لم يجر على لسانه مثل هذه الصورة التي انفرد بها الشاعر العكوك حين قال :

ترى فوقها نَمَشاً للمزاج *** تباذير لا يتّصلن اتصالا
كوجه العروس إذا خُطّطت *** على كل ناحية منه خالا
وفي وصف الخمر وأثرها ووصف معاقر كؤوسها يقول العكوك الأعمى عامداً إلى
الظرف ودقة المعالجة والإبداع :

دع الدنيا , فللدنيا أُناسٌ *** ألذّ العيش إبريقٌ وطاس
وصافية لها في الرأس لين *** ولكن في النفوس لها شماس
كأنّ يد النديم تُدير منها *** شعاعاً لا يحيط عليه كاس
معتّقة إذا مُزجت أضاءت *** فأمكن قابساً منها اقتباس
تخال بعين شاربها نُعاساً *** وليس سوى المدام به نعاس
لا شك أن الشاعر قدّم لنا أكثر من صورة سوية , وأكثر من تشبيه جديد ,
كم هو ظريف ذلك التشبيه الذي ضمنه هذا البيت :

كأنّ يد النديم تُدير منها *** شعاعاً لا يُحيط عليه كاس
أليس هو نفسه المعنى الذي أخذه منه الشاعر الكبير " ابن المعتز " حين قال :

تُخفي الزجاجة لونها وكأنها *** في الكفّ قائمة بغير إناء
ثم جاء شاعر العربية " المتنبي " فأخذ نفس الصورة وصاغها في أحد أبيات
قصيدته وهو يصف مغاني شعب بوان , فقال :

لها ثمرٌ تشير إليك منه *** بأشربة وقفن بلا أواني
ومهما طال القول في علي بن جبلة العكوك , فإنه واحد من ألمع شعراء
مرحلة التفاعل الشعري ونجم من نجوم التجديد في معاني القصيدة ومبناها ,
ولعله أكثر شعراء عصره استعمالاً للبحور القصار بنجاح في مواطن يحسن
فيها استعمال البحور الطوال , وهو شاعر طيّب النّفس , صادق الحس , مجيد
في الوصف , مجدد فيما قدّم من صور , عاش بعض الشعراء الكبار من
بعده عيالاً عليه ..
قيل إنّ المأمون العباسي هو الذي قتله حين بالغ في مدح أبي دلف وحميد
الطوسي وخلع عليهما صفات الله تعالى , ومن هذا قصيدته في أبي دلف :

إنما الدنيا أبو دُلفٍ *** بين مغزاه , ومحتضرِه
فإذا ولّى أبو دلفٍ *** ولّت الدنيا على أثره
صاغك الله أبا دلفٍ *** صبغة في الخلق من خِيره
نكتفي بهذه النبذة الموجزة عن الشاعر العكوك , وسوف ندرج في المداخلة القادمة
قصيدته المعروفة باسم " الدعدعية " أو " اليتيمة " لأهميتها وروعتها

يوسف آل ابريه
05-12-2008, 03:15 AM
القصيدة ( اليتيمة ) كما يعرّفها بعض الأدباء , أو ( الدعدعية ) كما يعرّفها آخرون
على اعتبار أنها قيلت فيمن اسمها " دعد " وهي قصيدة طويلة جمعت بين الغزل
وبين وصف المرأة وصفاً أتى على كل جزء من أجزاء جسمها , بحيث لم يتحرّج
شاعرنا العكوك عن ذكر مواطن العفة منها , وهي من القصائد الجميلة التي حفظتها
للشاعر منذ سنوات , وتبدأ القصيدة بمناجاة الأطلال , ولكن في ثوب من ألفاظ الحضر
في نطاق من الصور التي مزجت البداوة والعصرية , فقال :

هل بالطلول لسائل ردُّ *** أم هل لها بتكلّم عهدُ
درس الجديد جديد معهدها *** وكأنما هي ريطة جَرْدُ
من طول ما تبكي الغيوم على *** عرصاتها ويقهقه الرعدُ
وتلت شآميّة , يمانية *** لها بمور ترابها شردُ
يغدو فيسري نسجه هدباً *** واهي العُرى ويثيره الرعدُ
وكست بواطنها ظواهرها *** نوراً , كأنّ زهاءه بُردُ
فوقفت أسألها وليس لها *** إلا المها , ونقانق رُبدُ
فتناثرت درر الشؤون على *** خدّي , كما يتناثر العقدُ
وينتقل العكوك من حديث الغزل إلى رسم صورة لصاحبته دعد , فيصف أجزاء جسمها
في دقة متناهية لا يستطيع المرء أن يحجب إعجابه حيالها ـ رغم خروجه على
حدود الذوق في بعضها ـ نظراً لأن الشاعر أعمى لا يبصر , فلنستعرض بعض هذه
الصور وليس كلها :

لهفي على دعد وما خلقت *** إلا لطول بليتي دعدُ
بيضاء قد لبس الأديم , أديمُ الحسن , فهو لجلدها جلد
ويزين فوديها إذا حسرت *** صافي الغدائر فاحم جعد
فالوجه مثل الصبح مبيضٌ *** والشعر مثل الليل مسودُ
ضدّان لما استجمعا حسُنا *** والضدّ يظهر حسنه الضدُّ
وجبينها صلْتٌ , وحاجبها *** شحْت المحطّ أزجّ ممتدُّ
فكأنها وسنان , إذ نظرت *** أو مدنفٌ لما يفِق بعدُ
بفتور عين , ما بها رمدٌ *** وبها تُداوى الأعين الرمدُ
وتريك عرنيناً , به شممٌ *** وتريك خدّاً لونه الورد
وتُحيل مسواك الأراك على *** رتل كأنّ رُضابه الشهدُ
وكأنما , سُقيت ترائبها *** والنحر ماء الورد إذ يبدو
واشتدّ من أعضائها قصبٌ *** فَعْمٌ , زهتهُ مرافقٌ دردُ
ولها بنان , لو أردت له *** عقداً بكفّك , أمكن العقدُ
وبصدرها حقّان , خلتهما *** كافورتين , علاهما نَدُّ
ويمضي الوصف في بقية الجسم , ولكننا نكتفي بهذا القدر لكي نتابع الشاعر
في العودة إلى مجال الغزل الذي يوشيه مرة أخرى بسمات من الرقة التي تبدو
غريبة في مجال غزل مادي صارخ مخيف , ولكنها طبيعة علي بن جبلة العكوك
السيّالة , وملكته الخصبة المستجيبة التي تستطيع أن تتحول من أقصى اليمين
إلى أقصى اليسار في لمحة كأنها طرفة عين , فيقول :

يا من لو اكتحل القبيح بحسنها *** لغدا , وليس لحسنه نِدُّ
إنْ لم يكن وصلٌ لديك لنا *** يشفي الصبابة , فليكن وعدُ
قد كان أورق وصلكم زمناً *** فذوى الوصال وأورق الصدُّ
لله أشواقي , إذا نزحت *** دارٌ بها , ونأى بكم بُعدُ
إن تتهمي , فتِهامة وطني *** أو تنجدي , إنّ الهوى نجدُ
وزعمتِ أنك تُضمرين لنا *** ودّاً , فهلاً ينفعُ الودُّ
وإذا المحبّ شكا الصدود ولم *** يُعطف عليه , فقتله عمدُ
إلى هنا ونكتفي

Corazon mia
05-12-2008, 11:14 AM
أستاذي يوسف

يعني ببساطة كل يوم تقول ( إلى هنا و تكفي )

.
.

ترى هالصفحة تؤنس الروح و اللغة

لكن هذا البيت ما عرفت أقراه إلا وهو بكسره عروضيا .. عندك حل ؟!!

وتلت شآميّة , يمانية *** لها بمور ترابها شردُ

مودتي

يوسف آل ابريه
05-12-2008, 04:40 PM
عزيزي الغالي ( علي عبد الله )
نوّرت الصفحة بطلّتك البهيّة ...
كنت أقصد بقولي ( إلى هنا ونكتفي ) حول الشاعر الذي كنت بصدد الحديث عنه ...
عزيزي ( علي ) :
للأمانة العلمية وجدت القصيدة الدعدعية تنسب لشاعرين آخرين غير شاعرنا العكوك
وهما ( أبو الشيص الخزاعي , ودوقلة المنبجي ) وهناك قصة لهذه القصيدة ترويها
كتب الأدب , وهي : إنّ القصيدة قد قيلت في فتاة اسمها " دعد " وكانت هذه
الفتاة إبنة أحد زعماء القوم , وكانت شاعرة , وظلت ترفض الزواج من كل من
يتقدّم لخطبتها , بحجة أنها لن تتزوّج إلا من هو أشعر منها , فنظم شاعر ( تهامي )
هذه القصيدة التي سميت لاحقاً " باليتيمة " وبينما كان في طريقه إلى نجد كي يسمع
" دعد " ما قاله من شعر فيها , استضافه أحد ممن مرت ناقته بمكانهم , فقصّ
عليه حكايته وأنشد قصيدته , فما كان من الرجل إلا وأن قتل هذا الشاعر وأخذ
القصيدة منه , متوجهاً بها إلى دعد , وحين قرأها أمامها وجدت أن أحد أبياتها
يدل قائله أنه من ( تهامة ) وهو قوله الرائع :

وإنّ تتهمي , فتهامة وطني *** أو تنجدي , إنّ الهوى نجد
فما كان منها إلا أن صرخت في وجهه , وقالت " هذا قاتل بعلي " فقبض عليه
قومها وأخذوا منه اعترافاً بجريمته ...
وسميت القصيدة باليتيمة لأنها كما يقولون واحدة لا ثاني لها , فالذي قالها لم يقل
غيرها , ولا يعرف من هو قائلها , وقد قال القدامى والمحدثون أنها من أجود وأروع
ما جاء في الشعر العربي , بل ذهب البعض منهم للقول بأن سبب تسميتها باليتيمة
يعود لجودتها التي تجعلها وحيدة في الروعة بحيث لا تشابهها في مجالها أي قصيدة ...
على العموم , فإن أكثر المصادر الأدبية تنسب القصيدة الدعدعية إلى شاعرنا العكوك
والقصيدة من بحر الكامل , وقد استخدم الشاعر العروضة الحذّاء " فَعِلُنْ "
والضرب الأحدّ المضمر " فَعْلُنْ "
أما البيت الذي ذكرته فقد استوقفني كما استوقفك , ولجمال مرورك أخذت أبحث عنه
فوجدته في بعض المصادر التي عثرت عليها , هكذا :

وتلثّ سارية وغادية *** ويكرّ نحس خلفه سعد
وهو هنا موزون ...
وبما أنك سألتني عن الحل , فأقول لعله , هكذا :

تلقاء شاميةٍ , يمانيةٍ *** لهما بمور ترابها سرد
والله أعلم ...
عزيزي ( علي ) :
إنّ القصيدة طويلة جدً , وهذه بعض أبياتها التي غضضت الطرف عنها في مداخلتنا
السابقة :

وبخصرها هيَفٌ يزيّنه *** فإذا تنوء يكاد ينقدّ
والتف فخداها وفوقهما *** كفل يجاذب خصرها نهد
فقيامها مثنى إذا نهضت *** من ثقله , وقعودها فرد
والساق خرعبة منعّمة *** عَبِلت فطوق الحجل منسدّ
والكعب أدرم لا يبين له *** حجم , وليس لرأسه حدّ
ومشت على قدمين خصّرتا *** وألينتا , فتكامل القدّ
ما عابها طول ولا قصر *** في خلقها , فقوامها قصد


تحياتي

يوسف آل ابريه
06-12-2008, 04:16 PM
( صرّ دُر )
هو أبو منصور علي بن الحسين بن الفضل , أحد نجباء عصره جمع بين جودة السبك
وحسن المعنى , وعلى شعره طلاوة رائعة وبهجة فائقة ...
قيل له " صردر " لأن أباه كان يلقب " بصربعر " لشحه , فلما نبغ ولده المذكور
وأجاد في الشعر قيل له " صردر " وقد هجاه أحد شعراء عصره وهو أبو جعفر
مسعود المعروف بالبياضي , فقال :

لئن لقب الناس قدماً أباك *** وسمّوه من شحه صرّ بعرا
فإنك تنثر , ما صرّه *** عقوقاً له وتسميه شعرا
قال ابن خلكان : لعمري ما أنصفه هذا الهاجي , فإن شعره نادر , وإنما العدو
لا يبالي ما يقول ...
وكانت وفاة " صردر " في سنة خمس وستين وأربع مئة للهجرة , وكان سبب
موته أنه تردّى في حفرة حفرت للأسد في قرية بطريق خراسان ...
ومن لطيف شعره قوله في الشيب :

لم أبكِ إن رحل الشباب وإنما *** أبكي لأن يتقارب الميعاد
شعر الفتى أوراقه فإذا ذوى *** جفّت على آثاره الأعواد
وله في جارية سوداء وهو من المعاني الحسنة :

علّقتها سوداء مصقولة *** سواد قلبي صفة فيها
ما انكسف البدر على تمّه *** ونوره , إلا ليحكيها
لأجلها الأزمان أوقاتها *** مؤرّخات , بلياليها
وهو القائل :
جلسة في الجحيم أحرى وأولى *** من نعيم يفضي إلى تدنيس
ففراراً من المذلة في آدم *** كان العصيان في إبليس
وقال :
ومن شرف الحبّ أن الرجال *** تشري أذاه بألبابها
وما أنصفت مهجة تشتكي *** هواها إلى غير أحبابها
وفي السرب مثرية بالجمال *** تقسّمه بين أترابها
فللبدر , ما فوق أزرارها *** وللغصن ما تحت جلبابها
وهو القائل :

بدا ضاحكاً لا لأحظى بما **** تسرّ به النفس من بشره
ولكن رأى وجهه مقمراً **** فأبدى كواكب من ثغره
وهو القائل :

أيبيضّ فرعي والهوى في جوانحي *** كأنّ الهوى يا قلب مسكنه راسي
كأنّ الرقى مما عدمت شفاءها *** تعلّمها الراقون من بعد وسواسي
فما في الهوى مرعى يطيب لذائق *** ولا مورد عذب يلذّ به حاس
مددت يداً نحو الطبيب , فردّها *** إلى النحر واستغنى بأخبار أنفاسي
وهو القائل :

أبينا أن نطيعكم أبينا *** فلا تهدوا نصيحتكم إلينا
ركبنا في الهوى خطراً , فأمالنا ما قد كسبنا أو علينا
فما تسآلكم عن كل صبّ *** كأن لكم على العشاق دَينا
وأخيراً نورد أبياته الخالدة في الإمام الحسين عليه السلام :

تسائل عن ثمامات بحزوى *** ووادي الرمل يعلم من عنينا
وقد كشف الغطاء فما نبالي *** أصرّحنا بحبّك , أم كنينا
ألا لله طيف منك يسري *** يجوب مهامهاً , بيناً فبينا
فأمسينا , كأنا ما افترقنا *** وأصبحنا , كأنا ما التقينا
لقد خدع الخيال فؤاد صبّ *** رآه على هوى الأحباب هينا
كما فعلت بنو كوفان لمّا *** إلى كوفانهم طلبوا حسينا
فبينا عاهدوه على التوافي *** إذا هم نابذوه عدى وبينا
وأسمعهم مواعظه فقالوا *** سمعنا يا حسين وقد عصينا
فألفوا قوله حقاً , وصدقاً *** وألفى قولهم كذباً , ومينا
وتسبى المحصنات إلى يزيد *** كأنّ له على المختار دينا

تحياتي

الأميري
06-12-2008, 05:47 PM
أستاذنا العزيز: يوسف آل ابريه
يحق والله لهذا المنتدى أن يفخر بوجودك فيه فأنت فعلاً أديب يُشار إليه بالبنان
موضوعاتك ومشاركاتك دومًا غنية بالفكرة والمعلومة
وما هذا الموضوع وهذا الجهد العظيم إلا دليل على الثراء الأدبي والعلمي الذي تمتلكه أيها الفذ
بورِكتَ وبورك مسعاك ولا حرمنا الله من عطاءك


خذها مني قبلة على جبينك .. وانتظرني فلي عودة مرة أخرى
أخوك/ الأميري

الأميري
06-12-2008, 07:03 PM
تواصلاً مع الأستاذ يوسف وتقديرًا لجهوده .. أودُّ أن يقبلني مرافقًا معه في مشواره في هذا الموضوع .. وأبدأ بهذه المشاركة:

الشاب الظريف
هو شمس الدين محمد بن عفيف الدين سليمان بن شمس الدين علي بن عبدالله بن علي التلمساني ، عُرِف بـ (ابن العفيف) نسبة إلى والده عفيف الدين ولكنه اشتهر بلقب (الشاب الظريف) لرقةٍ في شعره مع طرافةٍ وظُرف.
وُلِد الشاب الظريف في القاهرة سنة 661هـ ، ثم انتقل مع أبيه إلى دمشق ، وهناك توفاه الله شابًا لم يتجاوز الثلاثين من عمره ، وكانت وفاته سنة 688هـ ، ودُفِن في مقابر الصوفية.
وَرِثَ الشاب الظريف الشعر عن والده الشاعر الكبير عفيف الدين التلمساني ، وبرع فيه حتى فاق أترابه ، وكان لأهل عصره افتنان بشعره وظرفه ، فتباروا في الثناء عليه وعلى شاعريته ، وفيه يقول المؤرّخ والبحّاثة ابن تغري بردي -صاحب كتاب النجوم الزاهرة- : (كان شابًا فاضلاً ظريفًا ، وشعره في غاية الحسن والجودة ، وديوان شعره مشهور بين أيدي الناس).
امتلأ شعره بكثير من المحسنات البديعية والمصطلحات الفقهية والصوفية والمنطقية والتي تدل على سعة اطلاعه وثقافته الواسعة والمتنوعة.
اشتهر الشاب الظريف بحسن خطه ، حتى أنه كتب ديوانه بخط يده ، وقد طُبِع هذا الديوان مرارًا في أكثر من دولة عربية.
كان الشاب الظريف هو الابن الوحيد لدى والده لذا فقد كان نبأ موته فاجعة أليمة على أبيه الذي رثاه بعدة قصائد تفيض بالأسى والحزن ومنها قوله:

أين البنان التي إذا كـتـبـتْ..............وعاين الناسُ خطّها سجدوا
أين الثنايا التي إذا ابتسمتْ..............أو نـطـقـتْ لاحَ لؤلؤٌ نَـضِدُ
ما فـقدتك الأقران يا ولدي..............وإنـمـا شمـس أفـقِـهمْ فقدوا
ولقد اخترنا لكم من شعره الأبيات التالية:
1) قوله يمدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
أرضُ الأحبةِ من سفحٍ ومن كُثُبِ..........سقــاكِ منــهمــرُ الأنواءِ من كَـثَبِ
إنْ كان أحسنُ ما في الشعرِ أكذبه..........فحسنُ شعري فيهم غيرُ ذي كذبِ
حيّاكِ يا تربة الهادي الشفيع حَــيًا..........بمنطــق الرعد بادٍ من فم السُّحبِ
تحدوا النــيــاقُ كِرامٌ نحو تربــتهِ.........فتملأ الأرضَ من نُجبٍ ومن نُحِبِ
يــا خير ساعٍ بباعٍ لا يُــردّ ويـــا..........أجــلّ داعٍ مـطاعٍ طاهـرِ الحســبِ
ما كان يرضى لك الرحمن منزلةً..........يا أشرف الخلقِ إلاّ أشرف الرتبِ
لي من ذنــوبي ذنبٌ وافِرٌ فـعسى..........شفـاعـةٌ مـنك تنـجـيـني من اللهـبِ
جعـلتُ حــبك لي ذخـرًا ومعتـمدًا..........فـكان لي ناظـرًا من ناظر النـوبِ
وقد دعـوتـك أرجو منـك مكـرمةً..........حاشاك حاشاك أن تُدعى فلم تُجِبِ

وقوله:
ومـالـيَ من وجهٍ ولا مـن وسـيـلـةٍ..........سِوى أنّ قلبي في المحبةِ مُخلِصُ
إذا صحّ منك القرب يا خيرَ مرسلٍ..........على أيّ شيءٍ بعـد ذلك أحـرصُ

2) قصيدته الشهيرة والتي منها قوله:
لا تُـخفِ ما صنعت بـك الأشـواقُ..........واشرحْ هواكَ فكُلّنا عُـشّـاقُ
قد كان يخفى الحُبّ لولا دمعك الـ..........ـجاري ولولا قـلبك الخـفّاقُ
فعسى يُعينك من شكوت له الهوى..........في حمله فالعاشقـون رِفـاقُ
لا تـجـزعــنّ فــلسـتَ أوّلَ مُـغـرمٍ..........فتكت به الوجنات والأحداقُ
واصبر على هجر الحبيب فربّما..........عاد الوصال وللهوى أخلاقُ
يـا ربّ قـد بـعــد الـذيـن أحـبّـهـم..........عني وقد ألِـفَ الرفاقَ فـراقُ
عُـرْبٌ رأيـتُ أصحّ مـيـثـاقٍ لهـم..........أن لا يصحّ لـديـهـم مــيـثـاقُ

3) وله من قصيدة غزلية:
لو أنّ قــلـبـك لي يـرق ويـرحــم..........ما بتّ من خوفٍ الهوى أتألـمُ
ومن العجائـب أنّني والسـهـم لي..........من ناظريك وفي فؤادي أسهمُ
داريتُ أهلكَ في هواكَ وهم عِدًى..........ولأجل عـينٍ ألـفُ عينٍ تُكرمُ

أرجو أن أكون قد وُفّقت في إعطاء لمحة موجزة عن (الشاب الظريف) ، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى ديوان شعره الذي أخذنا منه هذه المادة ، والذي شرحه الدكتور صلاح الهواري بمطبعة دار الكتاب العربي.

ـــــــــــــــــــــــــــ
الأميري

يوسف آل ابريه
07-12-2008, 12:45 AM
عزيزي ( الأميري )
يقصر قلمي عن مجاراة كلمتك التي توّجتنا بها , فبارك الله فيك وفي أمثالك الخيرين ..
شكراً لإطلالتك الرائعة وجهدك الطيّب ..
إنّ سعادتي لا توصف وأنت ترافقني في مشوار هذا الموضوع الذي أرهقني إعداده
حتى يظهر بالمستوى المطلوب ..
بداية رائعة وأنت تستهلها " بالشاب الظريف " وتسليطك الضوء على اسمه
ومولده ونشأته ولقبه وشعره ..
جميلة هذه الأبيات التي مطلعها :

لا تخفِ ما صنعت بك الأشواق *** واشرح هواك فكلنا عشّاق
وهي من الأبيات التي كنت أحفظها منذ الصغر , ولكنني أجهل قائلها , فجئت اليوم
وكشفت عن حقيقة صاحبها , فشكراً لك أيها الأميري على هذه النبذة الجميلة ...
وقبل أن أختم مداخلتي أبعث لك قبلة أخوية , فخذها وهي محملة بكل الود , و :rflow:

يوسف آل ابريه
07-12-2008, 04:52 PM
( القروي )

هو الشاعر اللبناني رشيد سليم الخوري , وأحد شعراء المهجر البارزين .

عاش بالبرازيل , وكان عضواً بالرابطة الأندلسية ..

لقب بالشاعر " القروي " لحكاية ظريفة مفادها بأنّ الشاعر لدى صدور ديوانه الأول

( الرشيديات ) لم يعجب الناقد " قسطنطين الحداد " وظلّ ينتقده في الصحف ,

واصفاً الشاعر بنعوت هدفها التقليل من شأنه وشأن شعره , وذات يوم وهو يقرأ

الصحيفة متابعاً نقد الناقد له , ظلّ يقرأ إلى أن وصل إلى قوله :

" من هو هذا الشاعر ... الــ ... شاعر , جرن الكبّة ... الشاعر القروي "

وبما أن الناقد كان يحاول من خلال هذا اللقب التقليل من شأن شعره , لكن الشاعر

استهوته هذه التسمية وجذبه هذا اللقب , فأصرّ على التشبّت به , وقد كان له ما أراد ..

عاش القروي مناضلاً لعروبته وقضاياها القومية على الرغم من أنه لم يكن بجسده

داخل الوطن العربي , ولكنه عايشه بروحه ...

ظلّ الشاعر القروي في المهجر ما يقارب الخمسة والأربعين عاماً , ثم عاد إلى وطنه

الذي قضى فيه ثلاثة وعشرين سنة , وفي هذه العودة قال قصيدته المشهورة التي مطلعها :

بنت العروبة هيئي كفني *** أنا عائد لأموت في وطني

خُلعت على الشاعر كثيراً من النعوت والأوصاف , فمنهم من قال عنه بأنه :

" قدّيس الوحدة العربية " ومنهم من قال عنه بأنه " شاعر العروبة "

حتى تجاوز بعضهم فقال : بأن قصائد الشاعر في الثورة من أروع ما عرف الشعر

الحديث , بل يكاد يكون فارس هذا الميدان ...

ولا يفوتنا أن نستعرض وصية الشاعر لطرافتها وغرابتها ودلالتها على شخصيته

المزدوجة , فمن خلال هذه الوصية يتضح لنا بأن الشاعر لم يكن مسيحياً خالصاً ,

ولا مسلماً خالصاً , وذلك لأنه خلط ما بين ولائه للديانتين , فقد طلب في وصيته

أن يصلي على جثمانه شيخ وكاهن , والاقتصار على تلاوة الفاتحة والصلاة المسيحية

كما طلب أن ينصب على قبره شاهد خشبي متين في رأسه صليب وهلال متعانقان

رمزاً للديانتين الإسلامية والمسيحية , مع العلم بأن الشاعر القروي في أصل ديانته

مسيحي ...

أما هل اعتنق الديانة المسيحية قبل وفاته ؟

فالجواب الذي نكاد نطمئن إليه , هو ( لا ) ولكنه اتخذ من دين العروبة سبيلاً له في الحياة

آثاره : خلّف الشاعر مجموعة من الدواوين وهي :

الرشيديات , القرويات , الأعاصير , ديوان القروي

وله أيضاً مجموعة من الاختيارات الشعرية حول الحماسة

وهذه مجموعة من الشواهد الشعريه للقروي أضعها لتكون في متناول الأيدي :

1 ) قال في قصيدته المعنونة باسم " لنا وطن " :

لنا وطن هلاً سمعنا نحيبه *** وهلاً رأينا ضعفه وشحوبه

إذا كان حب الغير فرضاً على الفتى *** فكم هو فرض أن يُحبّ قريبه

لعينيك يا لبنان قوتي , وقوّتي *** وتعرفني غضّ الشباب رطيبه

لأنتَ حبيبي , قبل أيّ حبيبة *** وإني محبّ , لا يخون حبيبه

حملت صليبي قاصداً أرض موعدي *** فمن شاء فليحمل ورائي صليبه

2 ) ويقول في قصيدته المعنونة باسم ( الفتنة الكبرى ) :

عرتني خشية لله لمّا *** رأيت الشمس تأذن بالشروق

فلم أرفع يدي بالحمد حتى *** ذكرت بضاعتي وكساد سوقي

ولما قمت منصرفاً لشأني *** تذكّرت الصلاة على الطريق

حملت بضاعتي ألقي اتكالي *** على المولى ووعد من صديق

فلم أبصر جمال الروض حتى *** عرتني هزّة الشعر الرقيق

ولما عدت من نظم القوافي *** تذكّرت الصديق على الطريق

3) ولعل قصيدة " وقفة على الشاطئ " من أشهر قصائد الشاعر , وهي طويلة

وهذه بعض أبياتها الجميلة :

يا نسيم البحر البليل سلام *** زارك اليوم صبّك المستهام

إن تكن ما عرفتني , فلك *** العذر فقد غيّر المُحبّ السقام

أو لا تذكر الغلام رشيداً *** إنني يا نسيم , ذاك الغلام

طالما زرتني إذا انتصف *** الليل بلبنان , والأنام نيام

ورفعت الغطاء عني قليلاً *** فأحسّت , بمزحك الأقدام

وتنبّهت فاتحاً لك صدراً *** شبّ فيه إلى لقاك ضرام

ولثمت الفؤاد ثغراً لثغرٍ *** ولكم حجّب الثغور لثام

4 ) وهو القائل :

ناء عن الأوطان يفصلني *** عمّن أحبّ البرّ والبحر

في وحشة لا شيئ يؤنسني *** إلا أنا , والعود والشعر

حولي أعاجم يرطنون فما *** للضاد عند فصيحهم قدر

ناس , ولكن لا أنس بهم *** ومدينة , لكنها قفر

5 ) وهو القائل لهذين البيتين الرائعين :

أغضب صديقك تستطلع سريرته ** للسرّ نافذتان : السكر والغضب

ما صرّح الحوض عمّا في قرارته ** من راسب الطين إلا وهو مضطرب

للشواهد تتمة في المداخلة القادمة

يوسف آل ابريه
07-12-2008, 05:21 PM
تتمة موضوع الشاعر ( القروي )

إنّ المتأمل في شعر القروي يجده انفجاراً تلقائياً في بساطة الرؤيا , وسهولة العفوية ,

فشعره تنفس لوجدانه في غير تكلّف أو تصنّع , قال عنه الأديب " جورج صيدح " :

" لم تعرف العروبة مثله شاعراً أميناً على عزّتها وكرامتها , ثابتاً على مبادئها "

وهذه شواهد أخرى نضعها للشاعر :

1 ) قال في غربته والحسرة تخنقه :

سفرٌ نهايته سفرْ *** مثل النسيم بلا مقرْ

حتّام أبقى حائراً *** حول البسيطة كالقمرْ

أصطاد أطيار السعادة *** وهي من وجهي تفرْ

أيوب سلّم صولجانك *** لست أعظم من صبرْ

لو ذقت يوماً ما أذوق ** * لكنت أول من كفرْ

ويزيد في الطنبور أني *** بين ناس .... كالبقرْ

لا يفهمون من الحياة *** سوى البطالة والبطرْ

حتى عبيد البر قد سخروا *** بنا مع من سخرْ

وطني ويالك موطناً *** قد مزّقته يد الغيرْ

2 ) وقال في قصيدته المعنونة باسم ( الصفح ) :

تحيّر بي عدوي إذ تجنّى *** عليّ فما سألت عن التجنّي

يبالغ في الخصام وفي التجافي *** فأُغرق في الأناة وفي التأني

أودّ حياته , ويودّ موتي *** وكم بين التمني , والتمني

إلى أن ضا ق بالبغضاء ذرعاً *** وحسّن ظنّه بي حسن ظنّي

عدوي ليس هذا الشهد شهدي *** ولا المنّ الذي استحليت مني

فلي أمّ حنون أرضعتني *** لبان الحب من صدرٍ أحنّ

سقاني حبّها فوق احتياجي *** ففاض على الورى ما فاض مني

3 ) وله القصيدة المشهورة والتي منها :

لحدّ الركبتين تشمّرينا *** بربك أيّ نهر , تعبرينا

هوى عرش الجمال من المحيا *** إلى الأقدام فاستهوى العيونا

تظنين الرجال بلا شعور *** لأنك , ربما لا تشعرينا

4 ) وهذه قصيدته حول المولد النبوي :

عيد البرية , عيد المولد النبوي *** في المشرقين له , والمغربين دوي

عيد النبي ابن عبد الله من طلعت *** شمس الهداية من قرآنه العلوي

بدا من القفر نوراً للورى وهدى *** يا للتمدن , عمً الكون من بدوي

يا فاتح الأرض ميداناً لقوّته *** صارت بلادك ميداناً , لكل قوي

يا قوم , هذا مسيحي يخبّركم *** لا يُنهض الشرق إلا حبّنا الأخوي

فإن ذكرتم رسول الله مكرمة *** فبلّغوه سلام : الشاعر القروي


رحمك الله أيها الشاعر القروي

الأميري
07-12-2008, 10:36 PM
ما زلت يا أبا أحمد حائزًا قصبة السبق في هذا المضمار فلا نستطيع اللحاق بك في علو الهمة والسير الحثيث .. ولكننا نضعك نصب أعيننا دائمًا قدوةً نستمد منها العزيمة والعطاء .. فسر راشدًا ونحن من وراءك ..
ـــــــــــــــــــ
الأميري

الأميري
07-12-2008, 10:46 PM
جران العَوْد

هو عامر بن الحارث بن كلفة أو كَلَدة من بني ضبّة بن نمير بن عامر بن صعصعة ، وقد اختلف الأدباء والمؤرخون في زمانه أيّما اختلاف ، ويذكر ذلك صراحةً ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) فيقول: (هو عامر بن الحارث النميري، ولا أحد يعلم أجاهليّ هو أم إسلامي ؟) ، ومن الكُتّاب من نسبه إلى العصر الأموي كالدكتور ياسين الأيوبي في معجم شعراء لسان العرب حيث يقول عنه: (كان شاعرًا أمويًا مُعاصرًا لعبدالملك بن مروان).
عُرِف شاعرنا بلقب (جِران العَوْد) ، وكاد هذا اللقب يدرس اسمه الحقيقي شأنه في هذا شأن كثير من الشعراء الذين عُرِفوا بألقابهم ، وسبب هذه التسمية يرجع إلى قصيدةٍ حائيةٍ له يصف فيها ما لقيه من زوجتيه من سوء معاملة ، وضرب ، واضطهاد حتى وجد الحل أخيرًا في الاستعانة بسوطٍ مصنوعٍ من (جران العود) ، والعَوْد هو البعير المسن ، والجران هو باطن العنق الذي يضعه الجمل على الأرض إذا مدّ عنقه لينام ، وقد ذكر ذلك في قوله:
عَمِدتُ لعَوْد فالتحيتُ جِرانه........وللكيْسُ أمضى في الأمور وأنجحُ
خُذا حذرًا يا خِـلّـَتيَّ فإنّـني........رأيتُ جران العود قد كـاد يـصلحُويبدو أنّ هذا الاسم قد أعجبه فصار يُشير إلى نفسه بهذا اللقب في كثير من أبياته.
وجران العود شاعر وجداني ، رقيق ، شديد الرومانسية ، مرِح خفيف الروح ، يمزج الجِدّ بالهزل ، مُجيدٌ في الغزل والوصف.
ويبدو من شعره وأخباره مع زوجتيه أنّه كان ضئيل الحجم ضعيف الجسم بَيْدَ أنّه كان يلقى منهما ضربًا مبرحًا ، ويذكر ذلك بقوله:
لقد كان لي عن ضِرَّتين –عدمتني-.......وعمّا أُلاقي منهما متـزحزحُ
هما الغولُ والسعلاةُ ، حَلْقي منهما.......مخدَّش وما بين التراقي مجرَّحُويصفُ حاله مع إحداهما عندما تمسكه وتدور به في البيت وتكبّه على وجهه حتى يُغشى عليه فيقول:
تُداورني في البيت حتى تكُبّني........وعيني من نحو الهراوة تلمَحُ
وقد علّمتـني الوقذَ ثمّ تجرّني........إلى الماءِ مغشيًا عليّ أُرنّـحُكما يصف حاله ذات مرّة إذْ أتاه صديقه (ابن روق) يطلِبُ منادمته فرأى إحدى زوجتيه تضربه بشدّة وهي تصرخُ عليه بصوتٍ عالٍ كأنه مطرقة الحدّاد وهي تقرع الحديد الصلب فكاد لهول المنظر أن يتغوّط في ثيابه خوفًا ، فيقول في ذلك:
أتانا (ابن روق) يبتغي اللهو عندنا........فكاد (ابن روق) بين ثَـوْبيه يَسلَحُ
وأنقذني منها (ابن روقٍ) وصوتها........كصوت عَلاة القين صُلبٌ صُميدَحُ

ومن شعره الجميل فائيته التي يصف فيها إحدى مغامراته فيقول متغزلاً:
ذكرتُ الصبا فانهلّت العين تذرف........وراجعك الشوق الذي كنت تعرفُ
وكان فؤادي قد صحا ثمّ هاجـني........حمائـم ورق بالمديـنة هُـتّـفُ
فبـتُّ كأنّ العين أفـنانَ سِـدرةٍ........عليها سقـيطٌ من ندى الليل يُنطفُ
وفي الحي مـيـلاءُ الخمار كأنّها........مهـاةٌ بَهْـجلٍ من أُديْمٍ تعطّـفُ
شموسُ الصبا والأنس مخطوفة الحشا....فَتولُ الهوى لو كانت الدار تُسعِفُ
كأنّ ثـناياها العِـذابَ وريـقَـها.........ونشوةَ فِـيـها خالصتهنّ قرقفُويستطرد في تغزّله بها إلى أن أفصحت له عن شوقها إليه ، وواعدته عند الشط ، فيقول على لسانها:
حُمِدتَ لنا ، حتى تمنّاك بعضنا........وأنت امرؤ يعروك حمدٌ فَتُعرفُ
فموعِدُكَ الشطُّ الذي بين أهـلِنا........وأهلِكَ حتى تسمعَ الـدّيكَ يهتِفُ
وتكفيكَ آثارًا لـنا حـيثُ نلتقي........ذيولٌ نُعـفّـيها بِـهنّ ومُطْرَفُ
إلى أن يقول:
فلمّا علانا الليلُ أقـبلتُ خـفيةً........لِموعدها أعلو الإكـامَ وأظْـلِفُ
فَـبِـتـنا قعودًا والقلوب كأنّها.......قـطًا شُرّعُ الأشـراكِ ممّا تخوّفُ
علينا الندى طورًا وطورًا يَرشُّنا......رذاذٌ سرى من آخر الليل أوطـفُ
هو الخلد في الدنيا لمن يستطيعه.......وقـتلٌ لأصحاب الصبابةِ مُذعِفُ

ومن أراد الاستزادة من شعره فليرجع إلى ديوانه بشرح وتحقيق (كارين صادر) بمطبعة دار صادر ببيروت.
تقبلوا تحياتنا .. ولنا عودة مرة أخرى مع شاعر آخر .. فانتظرونا.
ـــــــــــــــ
الأميري

يوسف آل ابريه
08-12-2008, 02:10 AM
بوركت أيها " الأميري " وبوركت أياديك البيضاء ...

أخال أنني سأسلم الراية لك في هذه الصفحة وأنا مسرور ومرتاح لثقتي بما تجود به ..

أيها الأميري

أنت أمير في اختياراتك , وممتع في عرضك , وأمين في ثوتيقك ...

جميل ما ذكرته عن صاحبنا ( جران العود )...

كنت أقرأه وأضحك ...

مسكين هذا الشاعر وهو يقع فريسة بين لبوتين ...

متابع بلهفة وشوق , فزدنا رعاك الله

يوسف آل ابريه
08-12-2008, 02:39 AM
( عروة الورد )

عروة بن الورد بن زيد العبسي , من شعراء الجاهلية وفرسانها وأجوادها ,

كان أشهر صعاليك العرب قبل الإسلام , ذلك لأنه تميّز عنهم بنبله وروحه

الإنسانية العالية ..

وقد لقب " بعروة الورد " لأنه كان يجمع الفقراء فيعطيهم مما يغنمه ,

وقيل بل لقب " بعروة الصعاليك " لقوله :

لحى الله صعلوكاً إذا جنّ ليله *** مصافي المشاش آلفاً كل مجزر

يعد الغنى من دهره كل ليلة *** أصاب قراها من صديق ميسّر

ولله صعلوك صفيحة وجهه *** كضوء شهاب القابس المتنوّر

قال عبد الملك بن مروان " من زعم أن حاتماً أكرم الناس فقد ظلم عروة بن الورد "

ظلّ عروة بن الورد مقيماً في قبيلته بني عبس , فهو لم يكن من أؤلئك الصعاليك

الذين خلعتهم العشيرة , وكان عروة كبيراً في عبس ومشهوراً بين العرب

" شاعراً وفارساً كبيراً "

ومن أشهر صنائعه أنه إذا أصابت الناس سنة شديدة وتركوا في دارهم المريض والكبير

والضعيف جمع عروة هؤلاء وحنّا عليهم وأكرمهم ثم خرج بمن قوي منهم في غارة

وجعل للباقين نصيباً منها , فإذا أخصب الناس وذهبت السنة ألحق كلاً منهم بأهله

بعد أن يَقْسم له نصيبه .

ومما اشتهر به عروة بن الورد أنه لم يكن يغير على الكرماء والنبلاء الذين يتعاطفون

مع الناس , بل كانت غاراته باتجاه اللئام ممن عرفوا بالشح والبخل , ولذلك تصبح

الصعلكة عنده ضرباً من ضروب النبل الخُلُقي وصنوا الفروسية ..

يروى أن الحطيئة الشاعر المشهور قال لعمر بن الخطاب " كنّا نُقدم إقدام عنترة ,

ونأتمّ بشعر عروة بن الورد "

ويروي أهل الأخبار أن عبد الملك بن مروان كان يقول " ما يسرّني أنّ أحداً من

العرب ولدني , ممن لم يلدني , إلا عروة بن الورد , لقوله :

وإني امرؤ عافي إنائي شركة *** وأنت امرؤ عافي إنائك واحد

أتهزأ مني أن سمنتَ وأن ترى *** بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

أُقسّم جسمي في جسوم كثيرة *** وأحسو قراح الماء والماء بارد

ولعل هذه القطعة الفريدة تلخّص شخصية عروة بن الورد " الشاعر والإنسان "

إختار له الشاعر الكبير أبو تمام ست قطع في كتابه " الحماسة "

ولعروة بن الورد ديوان مطبوع

ملاحظة : أخذنا أكثر معلومات هذه النبذة عن الشاعر عروة بن الورد

من " الموسوعة العربية العالمية "


تحياتي

يوسف آل ابريه
09-12-2008, 03:28 AM
( وضّاح اليمن )
هو عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال بن واذ بن أبي جُمد , من شعراء
مدرسة الغزل الصريح المقدمين في القرن الثاني للهجرة ...
أختلف في نسبه , فبعض الروايات ترى أنه من أولاد الفرس الذين نزحوا لنصرة
سيف بن ذي يزن , ويرى آخرون أنه يمني الأصل من آل خولان من حمير ..
لقّب الشاعر " بوضّاح اليمن " لجماله ووضاءته , ويروي صاحب الأغاني
قصة في نشأة هذا اللقب وغلبته على الشاعر , فيقول :
" كان وضّاح اليمن من أجمل العرب , مات أبوه وهو طفل , فانتقلت أمه إلى أهلها
ثمّ تزوّجت رجلاً من أهلها , وشبّ وضّاح في حجر زوج أمه , فجاء عمه وجدّته
أم أبيه ومعهم جماعة من أهل بيته من حمير من آل ذي فيقان , فادّعى زوج أمه
أنه ولده , فحاكموه فيه وأقاموا البينة على أنه وُلِد على فراش إسماعيل بن عبد كلال
أبيه , فحكم به الحاكم لهم , وقد كان اجتمع الحميريون في أمره وحضر معهم ,
فلما حكم به الحاكم للحميريين مسح يده على رأسه وأعجبه جماله , وقال له :
اذهب فأنت وضّاح اليمن , لا من أتباع ذي يزن , فعلقت به هذه الكلمة منذ يومئذ
فلقّب وضّاح اليمن " ..
كان وضّاح اليمن من أجمل العرب , ويروى أنه والمقنع الكندي وأبا زيد الطائي
كانوا يردون مواسم العرب مقنعين يسترون وجوههم خوفاً من العين وحذراً من الفتنة
لجمالهم وحسنهم ..
أحبّ وضّاح اليمن امرأة من أهل اليمن , أو من بنات الفرس باليمن يقال لها ( روضة )
خطبها فامتنع قومها من تزويجه إياها , فهام بها , حتى أُصيبت بمرض الجذام
فحزن عليها ..
وقد شبّب وضّاح اليمن بكثير من نساء عصره , ووردت أسماء بعض مشاهير النساء
في شعره , لكن معظم شعره الغزلي كان في محبوبته " روضة " ..
وشعره في الغزل الحضري الحجازي على شاكلة شعر عمر بن أبي ربيعة , الذي يجعل
المرأة تتغزّل به وتهيم في حبّه , وربما كان لشعر وضّاح اليمن الذي من هذا الضرب
نوع من المصداقية , لأنه كان وسيماً وجذّاباً , ومن رقيق غزله , قوله :

حيّ التي أقصى فؤادكَ حلّتِ *** عَلِمت بأنّك عاشقٌ فأدلّتِ
وإذا رأتك تقلقلت أحشاؤها *** شوقاً إليك فأكثرت , وأقلّتِ
وإذا دخلتَ , فأغلقت أبوابها *** غَرَمَ الغيورُ حِجابها فاعتلّتِ
وإذا خرجتَ بكت عليك صبابة *** حتى تبُلّ دموعها , ما بلّتِ
إن كنت يا وضّاح زُرت فمرحباً *** رحُبت عليك بلادنا , وأطلّتِ

وهو القائل :

يا قلب ويحك لا تذهب بك الخُرُقُ *** إنّ الأُلى كنت تهواهم قد انطلقوا
ما بالهم لم يُبالوا , إذ هجرتهم *** وأنت من هجرهم قد كنت تحترقُ
قد كنتُ أشفق مما قد فجعت به *** إن كان يدفع عن ذي اللوعة الشفقُ

ولعل من أجمل قصائده الخالدة , قوله :

قالت ألا , لا تَلِجَنْ دارنا *** إنّ أبانا : رجلٌ غائر
قلتُ : فإني طالبٌ غِرّة *** منه وسيفي صارمٌ باتر
قالت فإنّ القصر من دوننا *** قلتُ : فإني فوقه ظاهر
قالت فإنّ البحر من دوننا *** قلتُ : فإني سابحٌ ماهر
قالت : فحولي إخوةٌ سبعة *** قلتُ : فإني غالبٌ قاهر
قالت : فليث رابض بيننا *** قلتُ : فإني أسدٌ عاقر
قالت : فإنّ الله من فوقنا *** قلت : فربي راحمٌ غافر
قالت : فإما كنت أعييتنا *** فأتِ إذا ما هجع السامر
( وضّاح اليمن بين الحقيقة والوهم )
هذا عنوان وضعه محقق ديوان " وضّاح اليمن " الدكتور : محمد خير البقاعي
ليردّ على الدكتور " طه حسين " وقد قال بعد العنوان ما يلي :
يشك الدكتور طه حسين ـ كعادته ـ في وجود الوضّاح شكّاً قوياً وقد بنى شكّه على
اختلاف النسّابين في اسم الوضّاح واضطراب الأخبار التي تناقلتها الرواة عنه
ويعزّز الدكتور طه حسين شكّه بقوله : " كان الغزليون كلهم أو أكثرهم مضريين
وكانت العصبية بين المضرية واليمانية قد عظم أمرها وأخذت تحدث في السياسة
العربية آثارها المنكرة المعروفة , فكانت المضرية لا تفتخر بشيء إلا حاولت اليمانية
أن تفتخر بما يعدله أو يفضله , وقد افتخرت المضرية بالغزليين من شعرائها في الإسلام
وكانت السنة المتصلة أن الغزل يمان , لأن امرأ القيس هو الذي مهّد طريقه
في الجاهلية , فلم يكن من اليسير على اليمانية أن تحتمل هذا الخذلان وأن تسلّم
للمضرية بهذا التفوّق الشعري الذي اغتصبته اغتصاباً , فلا بدّ من أن يكون لليمانية
شعراء غزليون تقفهم أمام الشعراء الغزليين من المضرية , وليس وضّاح اليمن
فيما أرجح إلا تجربة من هؤلاء الشعراء الذين كان اليمانيون يخترعونهم اختراعاً
في القرن الثاني للهجرة ليفاخروا بهم المضريين "
كما يعتمد الدكتور طه حسين في تأكيد شكه السابق على أن هذا الشعر الذي ينسبه
الرواة للوضّاح شعر ليّن مسرف في اللين , سهل مفرط في السهولة , وهو مع هذا
لا يخلو من تكلّف منكر قد يخرجه أحياناً عن أصول النحو , وهو ما لا يراه الباحث
في شعر الغزليين من شعراء القرن الأول الهجري كالأحوص والعرجي وغيرهم ..
ونحن نتفق مع الدكتور طه حسين في أن ما وصل إلينا من شعر الوضّاح على درجة
كبيرة من اللين والسهولة وهما سمتان لم يتميّز بهما القرن الأول الهجري حيث
البداوة بوعورتها وخشونة ألفاظها وعفوية صورها وبساطة تعبيرها , ما زالت تغلف
شعر ذلك العصر , وما زالت أهم ما يتميّز به النتاج الفكري له .
ولكن , أليس من الظلم للوضّاح وشعره أن نأخذه بوزر مقطوعات قصيرة من هذا الشعر
وأبيات مفردة منه تناقلتها المظان من غير أن نجد لها ضمائم تكملها ؟
ومتى كانت مثل هذه المقطوعات القصار والأبيات المفردة وهي غيض من فيض
الوضّاح بلا شك , كافية لتقييم الشاعر وإصدار الحكم عليه ؟
ثم , أليس معروفاً أن الشعراء في بعض أشعارهم دون أن نستثني أحداً منهم , سقطات
يرتكبونها وضرائر يلجؤون إليها وليونة يتعمّدونها فيخالفون بذلك ما اشتهر عنهم
من كزازة اللفظ ووعورة التراكيب وغريب العبارة ؟
إنّ لكل مقام مقال , كما يقولون .
فبشار بن برد الذي يقول :
وأنت يا سيّد الإسلام سيّدهم *** وكل دين له من أهله سند
إن فاخروك بمجد كنت أمجدهم *** وما ظلمت وأنت الماجد النجد
هو نفسه الذي يقول :
ربابة ربّة البيت ***** تصبّ الخلّ في الزيت
لها تسع دجاجات ***** وديك حسن الصوت
وهذا أبو العتاهية الذي يقول :
نغّص الموت كل لذّة عيشٍ *** يا لقومي للموت ما أحياه
عجباً : أنه إذا مات ميْت *** صدّ عنه حبيبه , وجفاه
هو نفسه القائل :
ألا يا عتبة الساعة *** أموت الساعة الساعة
والأمثلة على هذا التباين في شعر الشعراء كثيرة جداً .
فبساطة شعر الوضّاح إذن , وسهولة ألفاظه وليونتها ليست كافية لإثبات عدم وجوده
بحجة أن هذه البساطة وتلك السهولة والليونة سمات غريبة عن طبيعة الشعر والشعراء
في القرن الأول الهجري ..
ملاحظة : من أراد معرفة الردّ المتبقي حول شك الدكتور طه حسين وهي قوله
باختلاف النسابين في اسم الوضّاح , فليراجع ديوان " وضّاح اليمن "
الذي جمعه وشرحه الدكتور : محمد خير البقاعي , وبذيله
كتاب ( مأساة الشاعر وضّاح ) تأليف الدكتورين :
" أحمد حسن الزيات ومحمد بهجت الأثري "

تحياتي

يوسف آل ابريه
11-12-2008, 01:41 AM
( الرّ قيّات )

هو عبيد الله بن قيس بن شريح بن مالك , من بني عامر بن لؤي , من شعراء

السياسة والغزل في العصر الأموي .

كان مقيناً في المدينة وخرج مع مصعب بن الزبير على عبد الملك بن مروان ,

ثم انصرف إلى الكوفة بعد مقتل ابن الزبير , فأقام سنة , ثم قصد الشام , فلجأ

إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب , فتشفّع له عبد الله وصحبه إلى عبد الملك

ابن مروان , وعبد الملك لا يعرفه , فقال : لعبد الله : من هذا ؟

فقال : هذا رجل إن استبقي للحياة فهو صادق , وإن قُتل فهو كاذب !

فقال : عبد الملك .

ولم ؟ قال لأنه يقول :

ما نقموا من بني أمية إلا *** أنهم يحلمون إن غضبوا

إنّه عبيد الله بن قيس الرّقيّات , فعفا عنه عبد الملك وأكرمه .

لقّب ( بابن قيس الرّقيّات ) لأنه كان يتغزّل بثلاث نسوة اسم كل واحدة منهن رقيّة ..

أكثر شعره في الغزل والنسيب , وله مدح وفخر , وله ديوان مطبوع .

ومن أشهر قصائده السياسية قصيدته " الهمزية " التي يمدح فيها مصعب بن الزبير ,

ومطلعها :

كيف نومي على الفراش ولمّا *** تشمل الشام غارة شعواء

وفيها يقول :

إنما مصعب شهاب من الله *** تجلّت عن وجهه الظلماء

ملكه ملك قوّة , ليس فيه *** جبروت , ولا به كبرياء


تحياتي

سلطان اليباب
11-12-2008, 08:02 AM
لا زلتُ متابع لهذه الألقاب ...

المشكلة أن عدد الشعراء كثيرون و لا يستطيع الإنسان حفظ إلا بعض الأسماء فضلاً عن حفظ منتجهم الشعري.

جهد مشكور يا أبا أحمد

يوسف آل ابريه
12-12-2008, 12:41 AM
عزيزي ( فاضل )
شكراً للمتابعة
ولأنك لن تحزر من هو الشاعر الذي سنتحدث عنه في المداخلة القادمة ,
لذا سأريحك , وأقول : هو ....

يوسف آل ابريه
12-12-2008, 01:53 AM
( السّري الرّفّاء )
هو أبو الحسن أحمد بن السري بن الكندي الرّفّاء الموصلي المعروف بالسري الرّفّاء ..
لم يذكر أحد من المؤرخين تاريخ ميلاده , ولا حتى السنة التي تُوفّى فيها لشكّهم
في صحّتها , ولكن الذي نستطيع الاطمئنان إليه , بل تأكيده أنه من شعراء الدولة
الحمدانية , ومن مادحي سيف الدولة الحمداني , إذاً فهو من الشعراء الذين عاصروا
شاعر العربية " أبا الطيب المتنبي " ..
لقّب ( بالسري الرّفّاء ) فالسري هو جدّه , أما الرّفّاء فلعمله في رفو الثياب وتطريزها ,
ولكن هذه المهنة لم تصرفه عن الأدب , فكان لا ينقطع عن نظم الشعر ,
حتى إذا رأى أنّ ملكته الشعرية قد استحكمت هجر الرّفو وشخص إلى حلب ,
وكان عليها سيف الدولة الحمداني , فاتّصل به , وأقام عنده يمدحه ويمدح آل حمدان ,
ويأخذ صلاتهم , فحسُنت حاله , وأثرى بعد فقر ...
أصبح السري الرّفّاء شاعر سيف الدولة الحمداني وتغنّى الركبان بشعره , فحسده
من حسده من الشعراء كالخالديين الشاعرين الموصليين المشهورين , وكان يتهمهما
بسرقة شعره , وقيل أيضاً إنه هو الذي حسدهما لحظوتهما الكبيرة في بلاط سيف الدولة ..
قال عنه السيد الأمين في كتابه " أعيان الشيعة " : كان السري الرّفّاء شاعراً
مطبوعاً كثير الافتتان في التشبيهات والأوصاف , وعدّه ابن شهراشوب من شعراء
أهل البيت البارزين , وقال عنه الشيخ القمي في " الكنى والألقاب " :
كان السري الرّفّاء مغرى بنسخ ديوان أبي الفتح كشاجم , وهو إذ ذاك ريحان الأدب ,
والسري الرّفّاء في طريقه يذهب وعلى قالبه يضرب ...
كان السري الرّفّاء من مطبوعي الشعراء ومجدديهم , ويظهر تجديده في أوصافه وتشابيهه
التي تناول بها ما في الطبيعة من جمالات , وكان دقيق الإحساس بالمفاتن الطبيعية ,
مشغوفاً بمظاهر العمران , فوصف مجالس الشّراب والعربات , أي السفن الراكدة بالمياه ,
ووصف الصيد في البرّ والماء بأنواع آلاته , والأزهار والنيران , وغير ذلك مما يبرز
دقّة الملاحظة وتجديده في صور حيّة متحرّكة , حافلة بالخيال الفسيح , والتشابيه الدقيقة ,
غير أنها على جمالها يعوزها شيء من العمق والعاطفة ..
وشعر السري الرّفّاء موسيقي جميل الوقع , حسن الانسجام , وألفاظه رقيقة عذبة ملوّنة
قال فيه أبو هلال العسكري في كتابه " ديوان المعاني " لما أراد أن يورد من شعره :
" وقال السريّ , وأحسن , وليس فيمن تأخّر من الشاميين أصفى ألفاظاً مع الجزالة
والسهولة , وألزم لعمود الشعر منه "
وفي الختام أقول : من أراد أن يقرأ شعراً حقيقياً , شعراً ساحراً , فليقرأ السري
الرّفّاء , الذي يقول في مدح آل البيت عليهم السلام ويذكر الإمام الحسين عليه السلام :

نطوي الليالي علماً أن ستطوينا *** فشعشعيها بماء المزن واسقينا
وتوّجي بكؤوس الراح أيدينا *** فإنما خُلقت للراح أيدينا
قامت تهزّ قواماً ناعماً سرقت *** شمائل البان من أعطافه لينا
تحُثُّ حمراء يلقاها المِزاج كما *** ألقيتَ فوق جنيّ الورد نسرينا
فلست أدري أتسقينا , وقد نفحت *** روائح المسك منها أو تُحيّينا
قد ملّكتنا زمام العيش صافية *** لو فاتنا المُلك راحت عنه تُسلينا
لمّا رأيت عيون الدهر ترمقنا *** شزراً , تيقّنت أنّ الدهر يُردينا
نمضي ونترك من ألفاظنا تُحفاً *** تسبي رياحينها الشّربَ الرياحينا
وما نبالي بذمّ الأغبياء , إذا *** كان اللبيب من الأقوام يُطرينا
وربّ غرّاء , لم تُنظم قلائدها *** إلا ليُحمد فيها : الفاطميّونا
الوارثون كتاب الله , يمنحهم *** إرث النبيّ على رغم المُعادينا
والسابقون إلى الخيرات ينجدهم *** عتق النّجار , إذا كلّ المُجارونا
قومٌ نصلّي عليهم حين نذكرهم *** حُبّاً , ونلعن أقواماً ملاعينا
إذا عددنا قريشاً في أباطحها *** كانوا الذوائب منها , والعرانينا
أغنتهم عن صفات المادحين لهم *** مدائح الله في طه , وياسينا
فلستُ أمدحهم إلا لأُرغمَ في *** مدحيهم أنف شانيهم وشانينا
أقام روحٌ وريحانٌ على جدثٍ *** ثوى الحسين به ظمآن , آمينا
كأنّ أحشاءنا من ذكره أبداً *** تُطوى على الجمر أو تُحشى السكاكينا
مهلاً , فما نقضوا أوتار والده *** وإنما نقضوا في قتله الدينا
آل النبيّ ! وجدنا حبّكم سبباً *** يرضى الإله به عنّا , ويُرضينا
فما نخاطبكم إلا : بسادتنا *** ولا نناديكم إلا : موالينا
إن أجري في حبكم جري الجواد فقد *** أضحت رحاب مساعيكم ميادينا
.................................................. .................................................. .....................
وقال يصف ساقياً :
وساقٍ بحبّ الكأس أصبح مغرماً *** فلأ لا ؤها أضحى كضوء جبينه
سقاني بها صِرف الحُميّا عشيّة *** وثنّى بأخرى من رحيق جفونه
هضيم الحشا ذو وجنة عندميّة *** يريك احمرار الورد في غير حينه
فأشربُ من يمناه ما فوق خدّه *** وألثم من خدّيه ما في يمينه
وهو القائل :
أُجانبها حذاراً لا اجتنابا *** وأعتب كي تُنازعني العتابا
وأبعد خيفة الواشين عنها *** لكي أزداد في الحب اقترابا
وتأبى عبرتي إلا انسكاباً *** وتأبى لوعتي إلا التهابا
ملاحظة : من أراد الإستزادة حول الشاعر الكبير ( السري الرّفّاء )
فليرجع إلى ديوانه بشرح الأستاذ " كرم البستاني " ومراجعة " ناهد جعفر "
بيروت / دار صادر

تحياتي

يوسف آل ابريه
13-12-2008, 04:28 AM
( الخليع )
هو أبو علي الحسين بن الضحّاك بن ياسر الباهلي , من شعراء العصر العباسي ,
قيل أنه عمّر أكثر من مئة سنة ..
ولد ونشأ بالبصرة , ثم ارتحل إلى بغداد , وأقام فيها ..
جالس الرشيد العباسي , ثم جالس من بعده من خلفاء بني العباس : " الأمين , والمعتصم ,
والواثق , والمتوكل , وبقي إلى عهد المنتصر " وله في هؤلاء جميعاً أماديح ومراثي
لبعضهم , وله في مدح سامراء عاصمة بني العباس في فترة من الفترات , وفي وصف
مجالس الشراب والغناء أشعار كثيرة ..
لقّب ( بالخليع ) لكثرة مجونه وخلاعاته , ولعل المتصفّح لديوانه يجد مصداقاً لهذا اللقب ..
كان الحسين بن الضحّاك موصوفاً بدماثة الخلق , ورقة الطبع , وكمال الظرف , وعذوبة
الكلام , فاحتضنه الخلفاء العباسيون الواحد بعد الآخر واتخذوه نديماً لهم , ولبّوا له
كل طلباته , حتى كانوا لا يكتمون عنه أسرارهم ..
قال عنه الشاعر الكبير ( ابن المعتز ) في ترجمته : له أشعار كثيرة , وهو أحد المفتنين
في الشعر , جيّد المدح , جيّد الغزل , جيّد الهجو , كثير المجون , صاحب جدّ وهزل ,
وهو عندهم في بحار أبي نواس , بل هو أنقى شعراً , وأقلّ تخليطاً منه ...
نعود لنقول : تمتاز لغة الحسين بن الضحّاك بفصاحة ألفاظها , وسلامة تركيبها , وبعدها
عن ألفاظ المعجمات والغريب , وكان كثير العناية باختيار اللفظ المناسب , الموحي ,
وحشد الصور الشعرية الملائمة لكل ما كان يريد التعبير عنه , وكان يعمد إلى سبك
ذلك كله بصياغة شعرية مركّزة , وكان لمقدرته الشعرية وبراعته الأدبية دور في ميله
إلى استنفاد الصورة وتركيزها بأبيات قليلة ..
يقول عنه ( ابن رشيق ) : المشهورون بجودة القطع من المولّدين : بشار بن برد ,
والعباس بن الأحنف , والحسين بن الضحّاك , وأبو نواس .... "
ويبدو أن الحسين بن الضحّاك لم يجعل الشعر همّه وغايته , وإنما اتخذه فناً من فنون
الزينة , ووسيلة من وسائل الترويح عن النفس , ولعل هذا سبب من أسباب قلّة شعره
قياساً إلى عمره المديد ..
وصفه ( الرياشي ) فقال عنه : إنه أرقّ الناس طبعاً , وأكثرهم ملحاً , وأكملهم ظرفاً "
وقال صاحب الأغاني في ترجمته له : شاعر , أديب , ظريف , مطبوع , حسن التصرف
في الشعر , حلو المذهب , لشعره قبول ورونق صافٍ "
اهتم الحسين بن الضحّاك بالطبيعة فوصفها وسحر بها , ومن هنا فجزء من شعره
كاد أن يكون في غالبه صورة أو تصويراً لما اشتملت عليه هذه الطبيعة من كائنات
وموجودات في السماء وفي الأرض ..
كان اشتهار ( أبي نواس ) بوصف الخمر قد جعل الناس ينسبون أكثر ما قيل في الخمر
إليه وينحلونه إياه ..
ولقد كان من أنداده في هذا الفن " الحسين بن الضحّاك " حتى قال أبو الفرج :
" إنّ أبا نواس كان يأخذ معاني الحسين بن الضحّاك فيغير عليها , وإذا شاع له شعر
نادر في هذا المعنى نسبه الناس إلى " أبي نواس " وله معان في صفتها أبدع فيها
وسبق إليها فاستعارها أبو نواس منه "
وللحسين شعر جيّد في وصف الخمر والساقي ومجالس الشراب , ولعله في هذا
يضاهي أبا نواس , فمن ذلك قوله يصف مجلس شراب حضره الواثق العباسي :

حيّت صبوحي فكاهة اللاهي *** وطاب يومي بقرب أشباهي
أما التغزل في الغلمان فهو من أبرز شعرائه , إذ فاق غيره في هذا الفن بشهادة
" أبي نواس " عندما قال : إنه أشعر أهل زمانه فيه ..
ومن يقرأ الشعر الذي وصل إلينا للحسين بن منصور الحلاًج يلاحظ في أشياء منه
تأثره بمعاني الحسين بن الضحّاك حتى كأنه انتزعها منه ...
أما عن تشيّعه فلم يقل به إلا السيد الأمين في أعيانه , ولعله نقله عن صاحب
مثير الأحزان الشيخ ابن نما الحلي , لقصيدة قد اختلف الرواة في بعض أبياتها
فالسيد الأمين يقول أنها قيلت في الإمام الحسين عليه السلام , ولكن محقق ديوان
الحسين بن الضحّاك الدكتور " جليل العطية " قد ذكر أنها في رثاء الأمين العباسي ,
والقصيدة هي :

ومما شجى قلبي وكفكف عبرتي *** محارم من آل النبي استحلّت
ومهتوكة بالخلد عنها سجوفها *** كعاب كقرن الشمس حين تبدّت
إذ نلاحظ أن السيد الأمين في أعيانه قد أورد بدل كلمة " الخلد " في البيت الثاني
كلمة " الطفّ " والله أعلم ..
ومن أراد الإستزادة حول هذه النقطة , فليراجع موسوعة السيد جواد شبر ( أدب الطف )
الجزء الأول ..
وهذه شواهد شعرية أختارها من شعره , وليس كل ما في ديوانه يكتب ..
قال في الغزل :

وصف البدر حسن وجهك حتى *** خلت أني وما أراك أراكا
وإذا ما تنفّس النرجس الغضّ *** توهّمته , نسيم شذاكا
خدع للمنى , تعلّلني فيك *** بإشراق ذا , وبهجة ذاكا
ومن محاسن شعره :
صِل بخدي خديك تلق عجباً *** من معان يجاد فيها الضمير
فبخديك للربيع : رياض *** وبخدي للدموع : غدير
وله أيضاً :

أيا من طرفه سحر *** ويا من ريقه خمر
تجاسرت , فكاشفتك *** لما غلب الصبر
وما أحسن في مثلك *** أن ينتهك : السرّ
فإن عنّفني الناس *** ففي وجهك لي عذر
وقال في المجون :

زائرة زارت على غفلة *** يا حبذا الزورة والزائره
فلم أزل أخدعها ليلتي *** خديعة : الساحر للساحره
حتى إذا أذعنت بالرضا *** وأنعمت دارت بها الدائره
بتّ إلى الصبح بها ساهراً ** وباتت الجوزاء بي ساهره
.................................................. ............................
.................................................. ............................
.................................................. ..............................
الأبيات المنقوطة لا تقال ..

تحياتي

زهدي
13-12-2008, 07:58 PM
الأبيات المنقوطة لا تقال ..


أستاذ يوسف ، فلقتني :confused: كما فلقني قبلك محقق ديوان أبو نواس أحمد عبد المجيد الغزالي .. كلما أتوحد بقصيدة أتفأجئ بهذه النقاط ويعلل بــ " حذفناها لما فيها من مجون صارخ" ..!


يا رجل أوصل ما تقرأ كما هو بدون بتر أو أو أو :)

كن كمحقق ديوان الخليع د. جليل العطية .. أو كن كالمجنون جمال جمعة ..!


كل الود

يوسف آل ابريه
14-12-2008, 01:46 PM
عزيزي ( زهدي )
تريدني أن أكمل دون بتر ...
ما غششتني منذ صحبتني إلا هذه المرّة
البتر يا صاحبي أهون الضررين
يا عزيزي :
ديوان الخليع موجود , ومن أراد مطالعته فهو متوفر بتحقيق الدكتور " جليل العطية "
( منشورات الجمل )
نحن هنا نضع إضاءات للعبور فقط

تحياتي

يوسف آل ابريه
14-12-2008, 02:06 PM
( الأحوص )
هو عبد الله بن محمد بن عاصم بن ثابت الأوسي , ولقّب ( بالأحوص ) :
لضيق كان في مؤخر عينيه . وهو من طائفة شعراء الغزل في الحجاز في العصر الأموي
والأحوص من الشعراء المجوّدين , فقد سئل الفرزدق لما قدم المدينة عن شعرائها ,
فقال : رأيت بها شاعرين وعجبت لهما : ابن هرمة والأحوص ...
وجعل ابن سلام الجمحي الأحوص في الطبقة السادسة من الشعراء الإسلاميين مع
ابن قيس الرقيّات وجميل بن معمر ..
قال عنه أبو الفرج : " والأحوص لولا ما وضع به نفسه من دنئ الأخلاق والأفعال
لكان أشد تقدّماً منهم عند أهل الحجاز وأكثر الرواة , وهو أسمح طبعاً , وأسهل كلاماً ,
وأصحّ معنى , ولشعره رونق وديباجة صافية , وحلاوة وعذوبة ألفاظ , وكان قليل
المروءة والدين , هجّاء للناس " ..
والأحوص مقدّم عند حماد الراوية في النسيب على غيره من الشعراء , وكان يشبّب
بنساء أهل المدينة , فتأذوا منه , فشكاه قومه إلى سليمان بن عبد الملك , وقيل
الوليد بن عبد الملك , فكتب إلى عامله بالمدينة أن يضربه مئة سوط , وينفيه
إلى دهلك , وهي جزيرة بين اليمن والحبشة , حارة وضيّقة , وكانت منفى لبني أمية ,
فبقي الأحوص فيها إلى ما بعد عمر بن عبد العزيز , ثم ردّه يزيد بن عبد الملك ,
فقدم إليه بدمشق , ومات فيها ..
ومن مشهور شعره قوله :

أدور ولولا أن أرى أم جعفر *** بأبياتكم ما درت حيث تدور
أزور البيوت اللاصقات ببيتها *** وقلبي إلى البيت الذي لا أزور
وما كنت زوّاراً ولكن ذا الهوى *** إذا لم يُزر لا بدّ أن سيزور

ومن أبياته السائرة قوله :

إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى *** فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا

وكذلك قوله :

وما هو إلا أن أراها فجاءة *** فأبهت حتى ما أكاد أجيب
لكِ الله إني واصل ما وصلتني *** ومُثنٍ بما أوليتني ومثيب
أبُثك ما ألقى وفي النفس حاجة *** لها بين جلدي والعظام دبيب


تحياتي

يوسف آل ابريه
15-12-2008, 03:28 PM
( صريع الغواني )
هو أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري , من فحول شعراء العصر العباسي الأول ,
ويلقّب ( بصريع الغواني ) لقوله :

هل العيش إلا أن أروح مع الصّبا *** وأغدو صريع الراح والأعين النجل
نشأ بالكوفة في فترة صباه وشبابه , وفيها اكتسب اللغة وتعلّم الشعر على مذاهب
القدماء وأساليبهم , ولكنه انتقل إلى بغداد بعد ذلك واتصل بالولاة في عهد الرشيد العباسي
ونال جوائزهم , وانغمس حين ذهب إلى بغداد في حياة اللهو والطرب , وأنفق على
أصحابه حتى عُرف بالسخاء والكرم إلى درجة الإسراف ..
ولا يصدر مسلم بن الوليد في المضمون الفكري لشعره عن رؤية خاصة ولا عن موقف
محدد من قضايا السياسة والاجتماع والفن , ولكنه ينسج على منوال القدماء في الجزالة
والفخامة وطول النفس الشعري , فقد خلع على ممدوحيه ثوب الفضائل النمطية ,
وعلى رأسها الشجاعة والكرم ..
أشاع في شعره شيئاً من جوّ الخلاعة والمجون ..
يمثّل مسلم بن الوليد نقطة تحوّل كبرى في مسار الشعر العربي حين جعل من أسلوب
البديع مذهباً شعرياً حرص عليه تمام الحرص واتبعه فيه أبو تمام بعد ذلك حتى جعل
شعره كله بديعاً . ومع أنّ التأسيس للظاهرة البديعية يُنسب أحياناً إلى بشار بن برد قبله ,
إلا أنّ مسلماً هو أول من استخدم الاستعارة والمطابقة والتجنيس والتصدير والمشاكلة
استخداماً واعياً ومقصوداً يدل على وعيه بريادته للتجديد في لغة الشعر ,
ومن شعره البديعي هذان البيتان في مدح يزيد بن مزيد :

موفٍ على مهج في يوم ذي رهج *** كأنّه أجل , يسعى إلى أمل
ينال بالرفق ما يعيا الرجال به *** كالموت مستعجلاً يأتي على مهل
وتراوحت أشعاره بين المدح والغزل ووصف الخمر , كما غلب على أسلوبه الشعري
قوة البناء وروعة التصوير مع عناية بالحُلي اللفظية والمعنوية , كما عني بموسيقى
شعره بوجه خاص , وحرص على أن يجعل لها رنيناً محكماً تلذّه الأسماع ...
ومن رقيق شعره قوله :

إن كنت تسقين غير الراح فاسقيني *** كأساً ألذّ بها من فيك تشفيني
عيناك راحي , وريحاني حديثك لي *** ولون خديك لون الورد يكفيني
وأخيراً نختم بهذه القصيدة الرائعة والتي يتقمص فيها مسلم بن الوليد شخصية محبوبته
ويجري حديثاً رطباً ندياً على لسانها , ولكنه ليس حديث المولّهة فيه كما فعل
" عمر بن أبي ربيعة " بل حديث المعجبة بنفسها وجمالها المبرأة من العيوب التي
إن خاطبت مريضاً برئ وشفي , والتي خلقت من مسك وبان , فهي مستغنية عن الطيب ,
وهي ذات جلد ناعم رقيق , وريق كأنه ماء المزنة مخلوطاً بالشهد , ولكن مسلماً
وهو يصف محبوبته مجرياً الحديث على لسانها لا يختارها من بين الحرائر المحافظات
وإنما هي لعوب تبدي الدلال وتظهر الإغراء :

وقد قالت : لبيضٍ آنسات *** يَصِدْن قلوب شُبّان وشيب
أنا الشمس المضيئة حين تبدو *** ولكن لست أعرف بالمغيب
براني الله ربي , إذ براني *** مُبرّأة سَلِمت من العيوب
فلو كلّمت إنساناً , مريضاً *** لما احتاج المريص إلى الطبيب
وخلفي مِسكة عُجنت ببانٍ *** فلست أريد طيباً غير طيبي
وأعقد مئزري عقداً ضعيفاً *** على دِعص ركامٍ من كثيب
وجلدي لو يدبّ عليه : ذَرٌّ *** لأدمى الذرّ جلدي بالدبيب
وريقي ماءُ غادية بشهد *** فما أشهى من الشهد المشوب
ويمضي مسلم في قصيدته الغزلية التي لم تخل من مجون خفيف ومن حوار جرى
بين المحبوبة وصاحبات لها في شأن مسلم , إنها تمضي عذبة حين تأخذ شكل قصة
غرامية مليئة بالفتنة والوله والصبابة والتوبة في أسلوب لطيف رقيق :

فقلن لها صدقت فهل عطفتم *** على رجل يهيم بكم كئيب
غريبٍ قد أتاك , فأطلقيه *** فإنّ الأجر يُطلب في الغريب
فقالت : قد بدت منه هَنات *** وقد تبدو الهنات من المريب
وصلناه , فكلّمنا " بسحْرٍ " *** كذلك : كل ملاًقٍ خلوب
وما ظَلَمتْ , ولكنّا ظلمنا *** فقد تبنا إليها من قريب
فُتنا للشقاء بحبّ " سِحْرٍ " *** كما فُتن النصارى بالصليب
غفرتُ ذنوبها وصفحت عنها *** فلم تصفح ولم تغفر ذنوبي
وقائلة أفقْ من حبّ " سِحْرٍ " *** فقلت لها جهلتِ فلم تصيبي
ولو أنّ الجنوب تجيب عني *** لأهديت السلام مع الجنوب
أمرتِ بهجرها سفهاً فتوبي *** إلى الرحمن مما قلتِ توبي
ألا يا ليتني قاضٍ مُطاعٍ *** فأقضي للمُحبّ على الحبيب

تحياتي

سلطان اليباب
15-12-2008, 09:33 PM
من هي سِحْر التي وردت في أبيات صريع الغواني أم أنها مجرد اسم من آلاف الأسماء؟ أعني هل كانت له حبيبة واحدة هام بها أم تعددت الأسماء و الحب واحدُ؟

متابع لازلت : )

يوسف آل ابريه
16-12-2008, 12:46 AM
عزيزي ( فاضل )
أظنّ أنّ سحراً قد فتنتك , ولذا جئت تسأل عنها ...
أعذرني , فلن أخبرك فهذه أسرار
شكراً للمتابعة

يوسف آل ابريه
18-12-2008, 06:00 AM
( جحظة البرمكي )

هو أبو الحسن أحمد بن جعفر بن موسى بن خالد البرمكي , من شعراء العصر العباسي ,

وكان علاوة على شاعريته طنبورياً حاذقاً يصوغ اللحن ويجود الغناء , وهو من الشعراء

الذين عمّروا طويلاً ..

لقّب ( بجحظة البرمكي ) أما البرمكي فلأنه ينتسب إلى البرامكة , وأما " جحظة "

فيعود هذا اللقب إلى عبد الله بن المعتز , فيقول : أبو الحسن محمد بن مقلة الوزير :

سألت جحظة : من لقّبك بهذا اللقب ؟ فقال : ابن المعتز لقيني فقال :

ما هو حيوان إن نكسوه أتانا آلة للمراكب البحرية ؟ فقلت : " علق " إذا نكسوه

صار " قلعاً " فقال : أحسنت يا جحظة , فلزمني هذا اللقب ..

ويروي الصفدي أنّ ابن المعتز لقي جحظة فقال له : ما حيوان إذا قلب صار آلة للبحرية ؟

فقال : علقٌ إذا عكس صار قلعاً , فقال : أحسنت يا جحظة , فلزمه هذا اللقب ,

أما سبب هذه التسمية فعائد إلى أن جحظة كان في عينيه نتوء واضح , وكان قبيح

المنظر " جاحظ العينين " حتى صوّره الشاعر الكبير ( ابن الرومي ) قائلاً :


رأيت جحظة يخشى الناس كلهم *** إذا هم عاينوه الفالج الذّكرا

تخال ما برقاب الناس من ميلٍ *** عنه , إذا ما تراءى وجهه صعرا

وإن تبدّى بصوتٍ خرّ سامعه *** للبرد ميْتاً , ولو درّعته سقرا

تخاله أبداً , من قبح منظره *** مجاذباً وتراً , أو بالعاً حجرا

كأنّه ضفدعٌ , في لُجّة , هرِمٍ *** إذا شدا نغماً , أو كرّر النظرا

لو كان لله في تخليدنا , قدرٌ *** معْ قربه ما أردنا ذلك القدرا

وفي قبح صورته يقول بعض الشعراء :

من كان مشتاقاً إلى منكرٍ *** فجحظةٌ أنكر من منكر

لو عذّب الله به ناره *** أطفأها برداً , ولم تزفر

ولجحظة البرمكي عدة تصانيف ذكرها محقق ديوانه , منها :

( كتاب الطبيخ , وكتاب ما جمعه مما جرّبه المنجمون فصحّ من الأحكام , وكتاب

الطنبوريين , وكتاب فضائل السكباج , وكتاب الترنّم , وكتاب المشاهدات , وكتاب

الأخبار واللطائف , وكتاب النديم , وكتاب في العطر )

أما ولادته ووفاته , فأجمعت المصادر أن مولده كان في سنة ( 244 للهجرة )

ووفاته في سنة ( 324 للهجرة )

أما صفاته , فكان من أطيب الناس غناء , وأحسنهم مجالسة , وأمتعهم مؤانسة ,

وكان قبيح المنظر جداً , جاحظ العينين .

وصفه ابن النديم فقال : " شاعر مغنٍّ مطبوع في الشعر حاذق بصناعة الطنبور وحسن

الأدب , بارع في معناه , كان بعيداً عن أدب النفس , وكان سخاً , وفي دينه بعض

العهدة بل العهدة كلها " يقصد بالعهدة قلة الدين وضعفه ..

وهذه بعض القصائد التي تخيّرتها من ديوانه أضعها لتكون قريبة , ومن أراد الاستزادة

فليرجع إلى ديوان ( جحظة البرمكي ) بتحقيق " جان عبد الله توما " وإشراف

الدكتور " سعدي ضنّاوي " دار صادر ــ بيروت ــ


1 ) قال من بحر البسيط :

لم يبلغ الشيخُ إبليسٌ إرادته *** حتى تكاثف في عنقوده العنب

2 ) قال من بحر البسيط :

يا راقداً , ونسيم الورد منتبهٌ *** في ربقة القُفْص والأطيار تنتحب

الورد ضيفٌ فلا تجهل كرامته *** وهاتها قهوة في الكأس تلتهب

سقياً له زائراً تحيا النفوس به *** يجود بالوصل حيناً , ثمّ يجتنب

تبّاً لِحرٍّ رآه , وهْو ذو جِدّةٍ *** لم يقض من حقّه بالشرب ما يجب

3 ) قال من بحر الطويل يذم بخيلاً :

ولي صاحب لا قدّس الله روحه *** وكان من الخيرات غير قريب

أكلتُ عصيراً عنده في مَضيرةٍ *** فيا لك من يوم عليّ عصيب

4 ) قال من بحر المنسرح :

ما أنصفتني يد الزمان ولا *** أدركتني غيرُ : حرفة الأدب

لا حفظ الله , حيثما سلكت *** أمّي , وأ ... الحمار في أست أبي

ما تركا درهماً أصون به *** وجهي يوماً , عن ذلّة الطلب

5 ) قال من بحر الوافر :

تساوى الناس في فعل المساوي *** فما يستحسنون سوى القبيح

وصار الجود عندهم : جنوناً *** فما يستعقلون سوى الشحيح

وكانوا يهربون من الأهاجي *** فصاروا يهربون من المديح

6 ) قال من بحر السريع وقد أبطأ أبو محمد ابن الشاب في تقديم الطعام :

مالي وللشّاب وأولاده *** لا قدّس الوالدُ والوالده

قد حفظوا القرآن واستعملوا *** ما فيه إلا سورة المائده

7 ) قال من بحر المتقارب :

وخمّارةٍ من بنات القسوس *** تبيع المدامة في دارها

وجاءت تهادى كقدّ القضيب *** سقته الغوادي بأمطارها

وفي كفّها قهوةٌ في الإناء *** وكالنار لم تَغْلَ في نارها

فمن قارصٍ وردتي خدّها *** ومن جاذبٍ فضل زنّارها

8 ) وقال من بحر الطويل :

دعاني صديق لي لأكل قطائفٍ *** فأمعنت فيها آمناً غير خائف

فقال : وقد أوجعت بالأكل قلبه *** رويدك مهلاً فهْي إحدى المتالف

فقلتُ له : ما إن سمعنا بهالكٍ *** يُنادى عليه : يا قتيل القطائف

9 ) قال من بحر البسيط :

وقائلٍ قال لي : من أنت ؟ قلت له *** مقال ذي حكمة واتت له الحكم

لستُ " الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلّ والحرم

أنا الذي دينه : إسعاف سائله *** والضرّ يعرفه والبؤس والعدم

أنا الذي حبّ أهل البيت أفقره *** فالعدل مُستعبرٌ والجور مُبتسم



تحياتي

يوسف آل ابريه
20-12-2008, 02:20 PM
( عرقلة الكلبي )
هو أبو الندى حسّان بن نمير الكلبي , شاعر عربي أصيل ...
ولد في عام ( 486 للهجرة ) وتوفى عام ( 567 للهجرة )
لقد كانت الفصاحة أبرز ظاهرة في حياته , كما كانت النكتة من مميزاته التي عرف بها ,
وممن وصف شاعرنا العماد الأصفهاني فقال : " لقيته في دمشق شيخاً خليعاً ربعة
مائلاً إلى القصر , أعور مطبوعاً حلو المنادمة , لطيف النادرة معاشراً للأمراء ,
شاعراً مستطرف الهجاء "
وقد وفق العماد الأصفهاني في وصفه غاية التوفيق ويُعرف هذا من قرأ شعر الشاعر
واستمتع بنكاته الموفقة ونادرته الرائعة , وحلاوة شعره التي تبقى في الذاكرة بعد
القراءة زمناً طويلاً ..
أما لقبه ( بعرقلة ) فهو يدلنا على " شعبيته " التي استمتع بها الشاعر وجعلته
بين المشهورين من أبناء عصره ..
عرف الشاعر ( عرقلة ) في قصائده بالنكتة , ولكن هذه النكتة قد تكون خفيفة الظلّ ,
وقد تكون مؤلمة , كما تكون أحياناً بذيئة ..
كان عرقلة عارفاً بشخصه وعيوبه الخلقية وكان هذا النقص عنده موضوعاً للنكتة
التي هي أشبه بالسخر الحزين المؤلم , وفيه يتناول شخصه بالنقد تلميحاً وتصريحاً ,
ويتخذ من فقره في المال والجمال وسيلة للاضحاك ولاستدرار العطف والرزق , ولكنه
حين يذكر شعره تبدأ شخصيته بالظهور والتجلي والقوة , إنه يعترف بالضعف في كل
شيء إلا في فنه , وقد كان عرقلة معتزاً بفنّه يقرن نفسه بكبار الشعراء , ويرى
له حقاً على الزمان كحق زملائه في الفن ..
لقد كان عرقلة متواضعاً حين يسخر , وحين يضحك , ولكنه كان يعتدّ بشعره فلا يتهاون
فيه , وهو القائل لأحد الممدوحين :

فأصخْ لقصد قصيدة ما مثلها *** لجرير في الزمن القديم وجرول
لو أُنشدت بحمى كليب خالها *** في الجاهلية من لسان مهلهل
وشعر عرقلة بصورة عامة , شعر قريب من القلب , لا تعثر فيه على لفظة نابية
فهو ناصع الديباجة صحيح الأسلوب , تشعر بالنغمة المريحة تغمر ألفاظه فإذا أنشدت
هذا الشعر أخذت النشوة , كما في قوله :

يا لائمي فيمن تمنّع وصله *** عن صبّه أحلى الهوى ممنوعه
كيف التخلص إن تجنّى أو جنى *** والحسن شيء ما يردّ شفيعه
شمس ولكن في فؤادي حرّها *** قمر ولكن في القباء طلوعه
قال العواذل ما الذي استحسنته *** منه , وما يسبيك , قلت : جميعه
إنها ديباجة مطبوعة لولا بعض الهنات البسيطة كما في الوقوف عند " لكن " الساكنة ,
وتكرار الاستفهام المتكلّف في البيت الأخير , على أن القافية هادئة في مكانها مطمئنة
في موضعها من البيت , وهذا غاية في فصاحة الأسلوب ..
وقد يرتفع به الأسلوب حتى يبلغ مرتبة عظمى في قوة الأسر وانسجام الألفاظ , كقوله :

ونادبة ناحت سحيراً بأيكة *** فهيّجت الوسواس في قلب نادب
تنوح على غصن أنوح لمثله *** وهل حاضر يبكي أسى مثل غائب
وليس خافياً ما في جملة ( أنوح لمثله ) من شاعرية واختصار فني رائع ..
كان عرقلة شاعراً من الندماء , واتصل بالسلطان صلاح الدين الأيوبي فمدحه ووعده
بأن يعطيه ألف دينار إذا استولى على مصر , فلما احتلها أعطاه ألفين , فمات فجأة
قبل أن ينتفع بفجأة الغنى ..
ولا يفوتنا أن نضع بعض النماذج الشعرية من شعره الجميل ..
1 ) قال من قصيدة طويلة :

تراهم حين صدّوا عن لقائي *** على ذاك التقالي والتنائي
فقل : للشامتين بنا رويدا *** إلى مجراه يرجع كل ماء
بنفسي معرضاً بعد اعتراض *** ملولاً ما لداء من دواء
أيجمل أن أضام ودرّ نظمي *** أحبّ من الغنى بعد الغناء
2 ) قال من قصيدة طويلة :

قلب المحب إلى الأحباب مقلوب *** وجسمه بيد الأسقام منهوب
وقائل كيف طعم الحب قلت له *** الحبّ عذبٌ ولكن فيه تعذيب
في كل يوم بعسّال القوام لنا *** وصارم اللحظ مطعون ومضروب
أنا السموأل في حفظ الوداد لهم *** وهم إذا وعدوا بالوصل عرقوب
3 ) قال يشير إلى عوره :

أقول والقلب في همّ وتعذيب *** يا كلّ يوسف إرحم نصف أيوب
4 ) قال في غلام قبّله مودّعاً :

أقسمت يا لائمي فيمن بليتُ به *** وقد تحكّم في هجري وإبعادي
لو أنه كلما سافرتُ ودّعني *** بقبلة لم أزل في الرائح الغادي
5 ) قال في الغزل والخمر :

نديمي قم فقد صفت العقار *** وقد غنّى على الأيك الهزار
إلى كم ذا التواني في الأماني *** أفق , ما العمر , إلا مستعار
وخذها من يدي ظبي غرير *** بعينيه : فتور وانكسار
غزال في لواحظه : ليوث *** وفي وجناته : ماء ونور
إذا ما الليل جنّ على أُناس *** تجلّى من ثناياه : النهار
يقول لي العذول تسلّ عنه *** وما عذري وقد دبّ العِذار
فصبراً : للنوى بعد التداني *** فلولا الخمر ما ذمّ الخُمار


تحياتي

يوسف آل ابريه
21-12-2008, 02:03 PM
( ذو الرّمة )

هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي , من مضر ..

من فحول شعراء عصره , قال أبو عمرو بن العلاء : " فتح الشعر بامرئ القيس

وختم بذي الرّمة "

كان شديد القصر دميماً , يضرب لونه إلى السواد ..

أكثر شعره تشبيب وبكاء أطلال , يذهب في ذلك مذهب الجاهليين , وقد امتاز

بإجادة التشبيه ..

قال جرير الشاعر : لو خرس ذو الرّمة بعد قصيدته :

( ما بال عينيك منها الماء ينسكب )

لكان أشعر الناس ..

غلب لقبه ( ذو الرّمة ) على اسمه , والرّمة القطعة البالية من الحبل ,

قليل : لأنّ أمه كتبت له تعويذة علقتها في عنقه وهو طفل , وقيل بل لقب بذلك

لشطر بيت قاله , وهو : ( أشعت باقي رمّة التقليد )

بدأ رحلة الحياة في صحراء الجزيرة القاسية فعاش عيشة الكفاف , وتعلم شيئاً

من القرآن وتعاليم الإسلام , لكن البادية وتقاليد العرب كانت معلّمه الأول , وكان

الشعر أهم ما علق بذاكرته ..

هجا ذو الرّمة في شبابه ومدح وانتقل بمدائحه بعد ذلك إلى خارج الجزيرة , واتخذ

فن الطبيعة حبّه الأول فهام بها أشد الهيام , واتخذ " ميّة " ملهمته الأولى وسيلة

إلى وصف الطبيعة وشكوى الزمن , وتميّز حبه العذري بإسقاط شعور الإنسان وإحساسه

على الطبيعة وحيواناتها وحياتها حتى كاد يُنطق كل شئ فيها :

وقفت على ربع لميّة ناقتي *** فما زلت أبكي عنده وأخاطبه

وأسقيه حتى كاد مما أبثّه *** تكلّمني : أحجاره وملاعبه

جمع ذو الرّمة الفصاحة والغرابة في اللغة , وسار على نهج العذريين في علاقته

بميّ محبوبته , التي كان جلّ شعره فيها , يحكي حرمانه منها وتعلقه بها على الرغم

من ذلك الحرمان الأبدي ..

شارك شعراء عصره فنون الشعر الأخرى , وانفرد كما ذكرنا بتجسيم الطبيعة وتجسيم

حياتها , وسبح خياله الخصب في رسمها , كما لو رأيتها أمامك ماثلة في لوحة

فنان مبدع , ومن أجمل لوحاته الشعرية المنتزعة من الطبيعة صورة الظبية وهي

تحنو على وليدها , فيقول :

حِذاراً على وسنان يصرعه الكرى *** بكلّ مقيل عن ضعاف فواتر

وتهجره إلا اختلاساً : نهارها *** وكم من محب رهبة العين هاجر

حذار المنايا , رهبة أن يفتنها *** به وهْي إلا ذاك أضعف ناصر



تحياتي

أبو فاضل
22-12-2008, 01:46 PM
هههههه

عجباً !

ما لي أرى جل الشعراء أصحاب دمامة وسوء خلقة !

أستاذي الفاضل ، لك الشكر ألفاً على ما تقدمه لنا من معلومات قيمة .

يوسف آل ابريه
22-12-2008, 02:24 PM
( الحافظ البرسي )
هو رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلي , من الشعراء الذين عاشوا
في أواخر القرن الثامن الهجري , وهو من علماء الإمامية وفقهائها المشاركين
في العلوم , فقد كان بارعاً في فن الحديث , ومتقدماً في الأدب وقرض الشعر وإجادته ,
ومتضلعاً في علم الحروف وأسرارها , كما كان له في العرفان مسلكاً خاصاً , كما
أن له في ولاء أئمة أهل البيت عليهم السلام آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس
ولذلك رموه بالغلو والارتفاع ..
له عدة مؤلفات , من أشهرها :
1 ) مشارق أنوار اليقين في حقائق أسرار أمير المؤمنين .
2 ) كتاب الألفين في وصف سادة الكونين .
لم يعرف له شعر إلا في أهل البيت عليهم السلام ..
ولقب ( بالحافظ البرسي ) فأما الحافظ فلكثرة حفظه , وأما البرسي فنسبة إلى " بُرْس "
وهي قرية قريبة بين الكوفة والحلة ..
وهذه نماذج من أشعاره الكثيرة ...
1 ) قال يمدح النبي ( ص ) :
أضاء بك الأفق المشرق *** ودان لمنطقك المنطق
وكنت : ولا آدم كائناً *** لأنك من كونه أسبق
ولولاك لم تخلق الكائنات *** ولا بان غرب ولا مشرق
فأنت لنا أول .. آخر *** وباطن ظاهرك الأسبق
تعاليت عن صفة المادحين *** وإن أطنبوا فيك أو أعمقوا
فمعناك حول الورى دارة *** على غيب أسرارها تحدق
2 ) قال في الإمام أمير المؤمنين عليه السلام :
العقل نور , وأنت معناه *** والكون سرّ وأنت مبداه
والخلق في جمعهم إذا جمعوا *** الكل عبد وأنت مولاه
يا آية الله في العباد ويا *** سرّ الذي لا إله إلا هو
تناقض العالمون فيك وقد *** حاروا عن المهتدى وقد تاهوا
فقال قوم : بأنه بشرٌ *** وقال قوم : لا بل هو الله
يا صاحب الحشر والمعاد ومن *** مولاه حكم العباد ولاّه
3 ) قال يمدح المولى أمير المؤمنين عليه السلام :
هو الشمس أم نور الضريح يلوح *** هو المسك أم طيب الوصي يفوح
له النصّ في يوم الغدير ومدحه *** من الله في الذكر المبين صريح
إمام إذا ما المرء جاء بحبّه *** فميزانه يوم المعاد : رجيح
4 ) قال في رائيته الغرّاء يمدح أمير المؤمنين عليه السلام :
يا آية الله , بل يا فتنة البشر *** وحجة الله , بل يا منتهى القدر
يا من إليه إشارات العقول ومن *** فيه الألبّاء تحت العجز والخطر
هيّمت أفكار ذي الأفكار حين رأوا *** آيات شأنك في الأيام والعصر
يا أولاً , آخراً , نوراً ومعرفة *** يا ظاهراً باطناً في العين والأثر
كم خاض فيك أناس وانتهى وغدا *** معناك محتجباً عن كل مقتدر
أنت الدليل لمن حارت بصيرته *** في طيّ مشتبكات القول والعبر
أنت السفينة من صدقاً تمسّكها *** نجا ومن حاد عنها خاض في الشرر
فليس قبلك للأفكار ملتمس *** وليس بعدك تحقيق : لمعتبر
إلى آخر القصيدة وهي طويلة ..

يوسف آل ابريه
23-12-2008, 01:50 PM
عزيزي ( أبو فاضل )
تساؤلك قد يكون صحيحاً نوعاً ما , ولكننا نحتاج لكي نصدر حكمنا القيام بعملية
إحصائية دقيقة للشعراء لإصدار الحكم حول هذه الدعوى ..

تحياتي لمرورك ودعابتك اللطيفة :rflow:

يوسف آل ابريه
23-12-2008, 02:23 PM
( شاعر النيل )
هو الشاعر المصري حافظ إبراهيم , من الروّاد الأوائل في عصر النهضة الحديثة ,
وصنوٌ لأمير الشعراء أحمد شوقي , وبينهما منافسة ومداعبات , وقد حملا معاً لواء
الشعر العربي في مصر والعالم العربي في مطلع القرن العشرين .
ولد لأب مصري وأم تركية في بلدة ديروط بأسيوط بصعيد مصر . توفي والده وهو في
الرابعة من عمره , فانتقلت به أمه إلى القاهرة عند أخيها , ولكن حافظاً بعد أن وعى
الحياة , أحسّ بثقل مؤونته على خاله , فقرر الهرب من البيت والاعتماد على نفسه ,
وترك لخاله البيتين التاليين :

ثقلت عليك مؤونتي **** إني أراها واهية
فافرح فإني ذاهبٌ **** متوجّه في داهية
واشتغل بالمحاماة فترة من الوقت متنقلاً من مكتب إلى آخر , حتى انتهى به المطاف
في المدرسة الحربية , حيث انخرط في صفوفها وتخرج فيها بعد أربع سنوات ,
فعمل في وزارة الداخلية ثم عاد إلى الحربية , فأُرسل إلى السودان ضمن الجيش
المصري عام 1898 م ..
أحيل إلى التقاعد عام 1903 م بناء على طلبه , وبعد سنوات من الفراغ عُيّن رئيساً
للقسم الأدبي في دار الكتب الوطنية وظلّ يعمل بها حتى وفاته ..
عاش حافظ فقيراً , لا يستقر المال في يده بسبب كرمه وحبه لملذات الحياة ..
ومضت حياته في ظلال من الحزن والأسى , بسبب كثرة من فقد من أصدقائه وأصحابه ,
وانعكس ذلك على نتاجه الشعري , حيث تُمثل المراثي جزءاً كبيراً من ديوانه , وقد
عبّر عن ذلك بقوله :

إني مللت وقوفي كل آونة **** أبكي , وانظم أحزاناً بأحزان
إذا تصفّحت ديواني لتقرأه **** وجدت شعر المراثي نصف ديواني
لقب ( بشاعر النيل ) لأنه كان قريباً من عامة الشعب قادراً على التعبير عن
أحاسيس الجماهير الوطنية ..
من أشهر قصائده قصيدة اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها , وفيها دفاع عن اللغة
العربية ضد الذين يحاولون النيل منها فيرمونها بالضعف تجاه اللغات الأخرى ومطلعها :

رجعت لنفسي فاتّهمت حصاتي *** وناديت قومي فاحتسبت حياتي
ويقول فيها على لسان اللغة العربية :
وسعت كتاب الله لفظاً وغاية *** وما ضقت عن آي به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماء : لمخترعات
أنا البحر في أحشائه الدر كامن *** فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي
وأما قصيدته العمرية , فقد استعاد فيها سيرة عمر بن الخطاب حسب معتقده , ومطلعها :

حسب القوافي وحسبي حين ألقيها *** أني إلى ساحة الفاروق أهديها
وهي قصيدة طويلة جداً ..
وديوانه مطبوع في جزأين , وله مقامة في النقد الاجتماعي تسمى ( ليالي سطيح )
كما ترجم ( البؤساء ) لفكتور هيجو , وقد ذكرنا سابقاً في الأخطاء الشائعة
أن هذا العنوان خاطئ , لأن " بائس " تجمع على " بائسين " أو " بؤس "

تحياتي

أحمد علي
23-12-2008, 11:59 PM
متابعين " يبو أحمد " وكل يوم نكتشف أشياء ومفردات جديدة ،
وغزارة تهطل علينا بسلاسة وأسلوب راق في التسلسل .. نحتاج
" فلاش مموري " عشان نستوعب كل هذا الكم من المعلومات ...،

مودتي

يوسف آل ابريه
24-12-2008, 02:12 PM
( الأخطل )
هو غياث بن غوث بن الصلت بن طارقة التغلبي , وكنيته أبو مالك ..
ولد عام 19 للهجرة , وهو شاعر عربي ينتمي إلى بني تغلب , وهو أحد شعراء
العصر الأموي , وأحد فرسان النقائض الثلاثة ( الفرزدق وجرير والأخطل ) ,
وهو شاعر مصقول الألفاظ , حسن الديباجة , في شعره إبداع , كثير العناية بشعره ..
لقب ( بالأخطل ) لبذاءة لسانه وفحشه وسفهه ..
كان الأخطل نصرانياً على دين قومه بني تغلب ..
نشأ في بادية الجزيرة وصار بينه وبين شاعر تغلب " كعب بن جُعيل " هجاء مرّ
كشف عن شاعر شاب في مقتبل العمر يستطيع أن ينهض في شعره , ويدافع عن
مكارم قومه ..
أتاحت له الأقدار في شبابه فرص الظهور والتميز , إذ انتهت حروب الإمام علي ( ع )
ومعاوية , وكانت تغلب من أهم القبائل التي وقفت مع معاوية ..
وحدثت بين الأمويين والأنصار معركة شعرية احتاج فيها يزيد بن معاوية إلى لسان
شاعر يدفع عنه ما أصابه من هجاء , فهاب الشعراء الأنصار وهجاءهم , ولم يجد
كعب بن جُعيل الشاعر الأموي بدّاً من تزكية الأخطل ليزيد بن معاوية وزجّه بالمعركة ,
فهو الشاعر الذي يُقدم على مثل هذه المخاطرة الكبرى , وقد فعل , وهجا الأنصار
ونعتهم بأنهم يهود , وبأنهم فلاحون , وهم دون قريش مكانة وشرفاً , وجعل اللؤم
تحت عمائمهم , فقال :

لعن الإله بني اليهود عصابة *** بالجزع بين جلاجل وصرار
ذهبت قريش بالمكارم والعلا *** واللؤم تحت عمائم الأنصار
فذروا المعالي لستم من أهلها *** وخذوا مساحيكم بني النجار
ومثلما كان يزيد سبباً في هجاء الأخطل للأنصار , كان بشر بن مروان أخو عبد الملك
ابن مروان سبباً جرّه إلى حومة النقائض بين جرير والفرزدق حين دعاه إلى أن يحكم
بينهما , وأن يفضّل أحدهما على الآخر , ففعل بعد تردد , ووصف حكومته أي حكمه
بينهما بأنها مشؤومة ..
والأخطل صاحب المقولة المشهورة في تلك الحكومة : جرير يغرف من بحر ,
والفرزدق ينحت من صخر ..
وحدث ما توقّع الأخطل فهجاه جرير هجاء مرّاً , وردّ الهجاء بمثله , وتحوّلت معركة
جرير معه إلى نقائض أخرى , وامتدّ الهجاء بينه وبين جرير طوال حياته , وقد جمع
الشاعر الكبير أبو تمام ( نقائض جرير والأخطل ) في كتاب وهو مطبوع ومتوفر بالأسواق
يقال أن الأخطل وهو في آخر لحظة من حياته وهو يجود بنفسه قد قال عندما طُلب
منه أن يوصي :

أُوصي الفرزدق عند الممات *** بأمّ جرير وأعيارها
ولم يمنع الموت جرير أن ينقض ذلك فقال :

وزار القبور أبو مالك *** فأصبح ألأم زُوّارها
عالج الأخطل في شعره مختلف الأغراض الشعرية وإن غلب المدح والوصف عليه ..
يقول هاجياً :
قومٌ إذا استنبح الأطياف كلبهم *** قالوا لأمّهم بولي على النار
فضيّقت فرجها بخلاً ببولتها *** ولم تبل لهم , إلا بمقدار
ولا يخفى على القارئ ما بهذين البيتين من هجاء ساخر وتهكم لاذع ..
وقد استأثرت الخمر بأوصاف كثيرة من صوره الشعرية , ويُعزى ذلك إلى نصرانيته
واستغراقه في الشراب , ومن ذلك قوله :

خفّ القطين فراحوا منك أو بكروا *** وأزعجتهم نوى في صرفها غِير
كأنني : شاربٌ يوم استبدّ بهم *** من قرقف ضمنتها حمص أو جدر
جادت بها من ذوات القار مترعة *** كلفاءُ ينحت عن خرطومها المدر
توفي الأخطل في أيام الوليد بن عبد الملك عام 92 للجرة

تحياتي

يوسف آل ابريه
25-12-2008, 04:21 PM
تحية طيبة
في المداخلة القادمة سنستعرض لقباً لشاعر مشهور يصعب الإلمام بتفاصيل حياته وشعره ,
لذا سكتفي بالمرور عند المحطات الرئيسة في حياته وشعره , ونترك للقارئ بعدها
البحث والتحري عنه بدقة ..
فإلى الشاعر الكبير ......

سلطان اليباب
25-12-2008, 05:07 PM
ما زلت أتابع ...

يوسف آل ابريه
25-12-2008, 05:51 PM
( الأخطل الصغير )
هو الشاعر اللبناني بشارة بن عبد الله بن الخوري , ولد في بيروت عام 1890 م ,
وتوفي عام 1968 م .
اشتغل بالصحافة في مطلع شبابه حيث أصدر سنة 1908 م صحيفة الشرق قبل أن يبلغ
العشرين من عمره . وكانت مكاتبها آنذاك أشبه ما تكون بمنتدى أدبي سياسي يجتمع
فيه أصدقاؤه وزملاؤه من الشعراء والكتاب الأدباء الذين اتفقوا جميعاً على حبّ لبنان
ومحاربة السلطة العثمانية . وكان يتناول في صحيفته شتى الموضوعات الاجتماعية
والسياسية بروح ثائرة تعكس الموقف السائد آنذاك ضد السلطة العثمانية .
وفي عام 1912 م , قامت السلطات التركية بإغلاق صحيفته , واضطر بعدها إلى الاختفاء
في بعض القرى اللبنانية حتى انتهت الحرب العالمية الأولى . وكان أثناء اختفائه مكبّاً
على كتب التراث العربي , مما عمق انتماءه العربي وأثرى حسّه الشعري ..
بعد انتهاء الحرب سنة 1918 م , استأنف إصدار صحيفة البرق واستمرت يومية سياسية
حتى سنة 1930 م , حيث حوّلها إلى أسبوعية أدبية , فتحوّلت تبعاً لذلك إلى ميدان
لمعركة بين المحافظين والمجددين , بين القديم والجديد لم يوقفها إلا اندلاع الحرب
العالمية الثانية .
اشتهر الأخطل الصغير بقصائده الاجتماعية القصصية مثل : " الريال المزيف " ,
و " المسلول " , كما اشتهر بقصائده الغزلية القصصية المقتبسة من التاريخ الأدبي ,
مثل قصيدة " عمر ونعم " التي أوحت بها قصة عمر بن أبي ربيعة وحببته نُعم ,
وقصيدة " عروة وعفراء " التي تصوّر فيها قصة الحب العذري بين عروة بن حزام
وابنة عمه عفراء , وكيف انتهى نهاية مأساوية .
يمتاز شعره بالغنائية الرقيقة والكلمة المختارة بعناية فائقة , يقول متغزلا :

المها أهدت إليها المقلتين *** والظبا أهدت إليها العُنقا
فهما في الحسن أسنى حليتين *** للعذارى جلّ من قد خلقا
ودرى الروض بتين المنحتين *** وقديماً يعشق الروض الحسان
فكسا بالورد منها الوجنتين *** وكسا مبسمها : بالأقحوان
ورمى في صدرها رمّانتين *** من رأى الرمان فوق الخيزران
فهما في صدرها كالموجتين *** أيّ صبّ ما تمنّى : الغرقا
أما عن لقبه ( الأخطل الصغير ) فإنّ الشاعر ذاته يبرر اختياره لهذا اللقب خلال أعوام
الحرب العالمية الأولى لأسباب منها , الخوف من السلطة العثمانية وبطشها بروّاد الكلمة
وضرورة التستر وراء اسم مستعار , وهذا السبب الرئيس في هذا اللقلب , إذ يقول :
( رأيت وأنا أدعو للدولة العربية موقفي منها موقف الأخطل غياث بن غوث من دولة
بني مروان أن أدل على حقيقة الشاعر المتكتم , فلم أر كالأخطل الصغير أمضي به
ما كانت تقطره القريحة المتألمة من شعر لم يبق منه إلا كبقية الوشم في ظاهر اليد )
إنّ لقب الأخطل الصغير الذي لازمه طوال حياته أثار جدلاً بين دارسي شعره ,
ومن الطبيعي أن يتبادر إلى الذهن أن سبب الاختيار هو التجاوب الروحي الذي حمل
شاعر القرن العشرين على أن يختار اسم الأخطل , وأننا نلمس ذلك التجاوب في شعرهما
الذي يصور تشابه نفسيهما , فكلاهما شاعر الهوى والجمال , وكلاهما مسيحي ,
ولكن هناك من يرى أن بشارة الخوري غير موفق في اختياره ذلك اللقب , إذ ليس
بينه وبين شاعر بني أمية صلة ما ..
فقد كان الأخطل الأموي ينقي شعره فينظم تسعين بيتاً , ويختار منها ثلاثين ,
وهو لم يجوّد في الغزل تجويده في قصائده التي مدح بها بني أمية , ولقد يحسن
( بشارة ) لو ينحت لقباً من اسم أحد كبار الشعراء الغزليين كابن ربيعة أو جميل
أو مجنون ليلى ..
لقد استأثر الأخطل الصغير باهتمام النقّاد والقرّاء منذ أوائل القرن العشرين وإلى يوم
الناس هذا , وسيظل موضع اهتمامهم إلى ما شاء الله من الزمن .
تعدّت شهرة الأخطل الصغير البلاد العربية , فترجمت بعض قصائده إلى اللغات الأجنبية
ولا سيما الفرنسية والمجرية ..
والأخطل الصغير يتفرد بأصالة شعرية جعلته وجهاً شعرياً لا يعكس ملامح الآخرين ,
إنه نسخة غير مكررة لا تحمل طابع غيره من شعراء عصره ممن حاولوا التجديد ..
ويتميز شعر الأخطل الصغير بأنه ألّف بشعره حلقة تجمع بين المفهوم القديم للشعر ,
والمفهوم الرومانسي فهو قد كان بدء وثبة شعرية شقّت الطريق أمام الرومانسية ..
أما عنايته بالصورة فهي مما عرف عنه , إذ يمثل في شعره وجدان العربي الذي
مسته نفحات من رومانسية الغرب غير أنها لم تفقده أصالته أو تذهب بروحه العربية ,
وظل مثالاً في التعبير , وشاعراً مصوّراً يعرض الفكرة عرضاً فيه من الفن ما يرتفع
به فوق التقليد ..
ويوصف الأخطل الصغير بأنه شاعر ( اللوحة ) لأنك في معرض هذا الشاعر الرسّام
تواجهك لوحاته الوصفية التي منها " هند وأمها " و " الصبا والجمال "
و " وعمر ونعم " .
إنّ الأخطل الصغير يمثل خلاصة تجربة شعرية عريضة كان لها أثرها خلال النصف
الأول من القرن العشرين خاصة , وامتدّ إشعاعها بعيداً وقوياً , معبراً عن آمال الشعب
العربي والأمة في مرحلة مهمة من تاريخه , فضلاً عن أنه يمثل صورة أنيقة وجميلة
للقصيدة العربية ذات الصلة الحية بالتراث العربي الأصيل من جانب , وروح العصر
وقضاياه من جانب آخر ..
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الأخطل الصغير قد ذاق الأمرين من نقد معاصريه , وربما
كان هذا بسبب شيوع شعره على الألسنة , وأن بعضه تسلّل إلى عالم الشعر المغنّى ,
ولا سيما الناقد " مارون عبود " الذي كثيراً ما أطلق عليه سهام نقده بطريقة ساخرة
لاذعة , انتقصت من شعره وكان لها تأثير مؤلم في نفسه , وهي التي عبّر عن برمه
بها في أكثر من موضع في ديوانه , ومن ذلك قوله :

وربّ أخٍ رأى فرجاً بذمّي *** فقلتُ : رضيتُ ذمّك لو شفاكا
ومن ضمن الذين انتقدوه أمين الريحاني الذي أنحى باللائمة عليه متخذاً من قصيدته
" الهوى والشباب " المغناة مثالاً صارخاً على الأدب الباكي وأثره السيئ في نفوس
الشباب وأخلاقهم ..
وحين دعت الجامعة الأمريكية في بيروت كلاً من الأخطل الصغير وسعيد عقل لإلقاء
بعض أشعارهما ألقى بشارة قصيدته " عروة وعفراء " , أما سعيد عقل فقد وقف
على المنبر ليقول : " إنه لا يقيم وزناً لشاعر يعيش على ساحل البحر الأبيض المتوسط
تغسل أقدامه الأمواج ويكلله صنين بتيجانه , ثم يحمل نفسه إلى الصحراء لتوشّي قصائده "
ولا يخفى ما في كلام سعيد عقل من تجنّ على الأخطل الصغير الذي كان ردّه حاسماً
حين قال :

ومعشرٍ حاولوا هدمي ولو ذكروا *** لكان أكثر ما يبنون من أدبي
تركتهم في جحيم من وساوسهم *** ورحت أسحب أذيالي على السحب
أما عن ( مهرجان تكريمه ) فقد عقد للشاعر الكبير الأخطل الصغير مهرجان تكريمي
تكلّم فيه الشعراء والأدباء , ومنهم الأديب ( محمود تيمور ) الذي أشاد بأحقية الشاعر
أن يتبوأ صدر الوفاء لجهاده ونضاله في كل قطر عربي ..
وكان من ضمن الحضور الشيخ عبد الله العلايلي وعفيف الطيبي من لبنان , والشاعر
صالح جودت ممثلاً للجامعة العربية , وشاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري
ممثلاً للعراق , والشاعر الكبير عمر أبو ريشة ممثلاً للجمهورية السورية , وحافظ المنذر
وأمين نخلة , وسعيد عقل ., وقد أشاد المحتفون بعبقرية الأخطل الصغير في شعره
العذب البليغ , وعظمة جهاده وتضحياته في سبيل أمته ووطنه , وبايعوه
((( أميراً للشعراء بعد أحمد شوقي )))
وكان لهذا المهرجان صدى في الوطن العربي آنذاك كله , وفي ذلك يقول أمين نخلة :

أيقولون : أخطلٌ وصغيرٌ *** أنت في دولة القوافي أمير
فاسحب الذيل ما تشاء وجرّر *** إن مُلك البيان ملك كبير
وقد اجتمع عدد من أدباء المهجر وأهدوا صحيفة ذهبية للأخطل الصغير نقش عليها
بخط أنيق سبعة أبيات من نظم شاعر عبقر " شفيق معلوف " منها :

عبقريّ نفرشُ التبر له *** ولو اسطعنا فرشنا المهجا
واندفعنا زغردات في المدى *** نقحم الريح ونطوي اللججا
وحملناها إلى سدّة من *** أرقص العِقد وهزّ الدّملجا
سلْ شفاه الغيد تهمس باسمه *** كلما وشيٌ عليها اختلجا
وقد ختم المهرجان بقصيدة ( الأخطل الصغير ) التي ضجّ الحضرون تصفيقاً لما أبدع فيها
والتي نقتطف منها قوله :

اليوم أصبحت لا شمسي ولا قمري *** من ذا يغنّي على عود بلا وتر
ما للقوافي إذا جاذبتها : نفرت *** رعت شبابي وخانتني على كبر
كأنها ما ارتوت من مدمعي ودمي *** ولا غذتها ليالي الوجد والسهر

ـــ نكتفي بهذا في هذه المداخلة , وفي المداخلة القادمة نضع بعضاً من قصائده ـ

تحياتي

يوسف آل ابريه
25-12-2008, 07:14 PM
بين يديّ ديوان ( الأخطل الصغير ) أتصفّحه , لأختار منه بعض القصائد , ولكنني
أجد صعوبة في هذا الاختيار , لذا سأضع بعض القصائد التي أراها حسب ذائقتي مناسبة ,
ولنبدأ بقصيدته ( المسلول ) وهي القصيدة التي نال بها شهرة واسعة , رفعته إلى ذروة
النجاح , وقصيدة المسلول أرادها الأخطل الصغير عنواناً لوعظ الشباب الهائمين بكل ثوب
متحرك , وعطر جاذب , دونما رويّة , فهو يعرّي الفتيات اللاهيات العابثات بقلوب الفتيان
الطائشين الهائمين وراء اللذة ليريهم أن ليس كل فتاة تصلح للحب والغرام البرئ ..
وكثيرون هم الذين يقعون عن طريق الإغواء الأنثوي في براثن اللاعبات بأجسادهن
الطريّة , حتى إذا ما امتصصنها واستنزفنها تركنها عظاماً واهية , وبحثن عن ضحية
جديدة , باسم الحب وقدسيته الإنسانية .
وتبدأ القصة بفتاة غانية لعوب , تلمح فتى يستهويها وتراه صيداً ثميناً لشهواتها ,
وفي ذلك يقول :

حسناءُ , أيّ فتى رأت تَصِدِ *** قتلى الهوى فيها بلا عدد
بَصَرَتْ به رثّ الثياب , بلا *** مأوى , بلا أهلٍ , بلا بلد
فتخيّرته ........ وكان شافعه *** لطف الغزال , وقوّة الأسد
وبعد أن يقع الشاب في حبائل تلك العابثة الماجنة , وهو فقير الحال , راحت تمدّه
بالمال والشراب , والأنس والسمر في سهرٍ يطول حتى مطلع الفجر لتستنزف كل قطرة
من دمه . أغواه مالها وجمالها على صغر سنه , فغرق في بحران من السكر , ونهم
من اللذة لا يستفيق إلا بهما , ولا ينام إلا بعد إرهاقه من فرط تجرعهما :

سكران , لا يصحو كسكرته *** أمساً , وسكرته غداة غد
سكران , وهي تزّقّه قُبُلاً *** ويزُقّها , وإذا تزِدْ يَزِد
سكران وهي تمصّ من دمه *** وتُريه , قلب الأمّ للولد
وحين هزل جسم الفتى , وعضّه الكمد لفرط ما ألمّ به من وهن أقضّ مضجعه ,
بادرته مبادرة الأفعى لالتهام فريستها :

قالت له : نمْ . نمْ لفجر غدٍ *** ضع رأسك الواهي على كبدي
وبقيت على حالها تدني منه ملمس الكلام الناعم , حتى استنزفته جلداً بلا لحم ,
وطرحته فريسة ( السلّ ) الذي لا يرحم , ثم تركته باحثة عن فريسة جديدة .
وختم الشاعر قصيدته بأعذب الشعر وأروعه في نهاية المأساة الدرامية التي يقول فيها :

مات الفتى , فأُقيم في جدثٍ *** مستوحش الأرجاء , مُنفرد
متجلّل بالفقر , مؤتزرٍ *** بالنبت من متيبسٍ , وندي
وتزوره حيناً , فتؤنسه *** بعض الطيور بصوتها الغرد

تحياتي

يوسف آل ابريه
25-12-2008, 11:12 PM
وهذه قصيدة ( هند وأمها ) للأخطل الصغير , وهي نار على علم لشهرتها :

أتت هندُ تشكو إلى أمّها *** فسبحان من جمع النّيرين
فقالت لها إنّ هذا الضحى *** أتاني , وقبّلني : قبلتين
وفرّ فلما رآني الدّجى *** حباني من شعره خُصلتين
وما خاف يا أمّ بل ضمّني *** وألقى على مبسمي نجمتين
وذوّب من لونه سائلاً *** وكحّلني منه في المقلتين
وجئتُ إلى الروض عند الصباح *** لأحجب نفسيَ عن كل عين
فناداني الروض , يا روضتي *** وهمّ ليفعل , كالأوّلين
فخبّأت وجهي , , ولكنّه *** إلى الصدر يا أمّ مدّ اليدين
ويا دهشتي حين فتّحت عيني *** وشاهدت في الصدر رمّانتين
وما زال بي الغصن حتى انحنى *** على قدمي ساجداً سجدتين
وكان على رأسه وردتان *** فقدّم لي تينك : الوردتين
وخِفت من الغصن إذ تمتمت *** بأذني , أوراقه كلمتين
فرحتُ إلى البحر للإبتراد *** فحمّلني ...... ويحه موجتين
فما سرتُ إلا , وقد ثارتا *** بِردفيّ , كالبحر رجراجتين
هو البحر يا أمّ كم من فتى *** غريقٍ وكم من فتى بين بين
فها أنا أشكو إليك الجميع *** فبالله , يا أمّ ماذا ترين
فقالت , وقد ضحكت , أمّها *** وماست من العجب في بُردتين
عرفتهمُ ....... واحداً واحداً *** وذقتُ الذي ذُقته : مرّتين

تحياتي

يوسف آل ابريه
25-12-2008, 11:41 PM
وهذه بعض أبيات من قصيدة الأخطل الصغير ( أترى يذكرونه ؟ ) :

أترى يذكرونه أم نسوهُ *** هم سقوه الهوى وهم أسكروهُ
علّلوه , فكان أقتل شئ *** ذلك الصدّ , بعدما علّلوهُ
عمرك الله هل عرفت فؤاداً *** كفؤادي , عليه جار ذووهُ
ليتهم يذكرون ليلة كنّا *** والهوى نحنُ : أمّه وأبوهُ

وهذه قصيدته المسماة ( ما أظلمك ) :

انحلتني بالهجر ما أظلمك *** فارحم عسى الرحمن أن يرحمك
مولاي حكّمتك في مهجتي *** فارفق بها , يفديك من حكّمك
كنت غريقاً في بحار الهوى *** فصادني جفناك : صيدُ السمك
سلِ الدجى كم راق لي نجمه *** لما حكى , مبسمه مبسمك
ما كان أحلى قبلات الهوى *** إن كنت لا تذكر , فاسأل فمك
تمرّ بي , كأنني لم أكن *** ثغرك , أو صدرك , أو معصمك
لو مرّ سيفٌ بيننا لم نكن *** نعلم هل أجرى دمي , أو دمك
مولاي إن واصلتني بالجفا *** في شرخ الصّبا , مُغرمك
قل للدجى مات شهيد الهوى *** فانثر على أكفانه أنجمك
وهو القائل في قصيدته المعنونة باسم ( جفنه علّم الغزل ) :

جفنه علّم الغزل *** ومن العلم ما قتل
فحرقنا , نفوسنا *** في جحيم من القُبل
وهو القائل أيضاً :

يا عاقد الحاجبين *** على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي *** قتلتني : مرّتين
ماذا يريبك مني *** وما هممت بشين
أصفرةٌ في جبيني *** أم رجفةٌ في اليدين
وهو القائل أيضاً :

خبّروها إذا أتيتم حماها *** إنني متّ في الغرام فداها
واذكروني لها بكل جميل *** فعساها تبكي عليّ عساها
واصحبوها لتربتي فعظامي *** تشتهي أن تدوسها قدماها

تحياتي

يوسف آل ابريه
25-12-2008, 11:59 PM
لا زلنا مع ( الأخطل الصغير ) ...
يقول في قصيدته الرائعة ( الصبا والجمال ) :

الصِّبا والجمال مُلكُ يديكِ *** أيّ تاج أعزّ من تاجيكِ
نصب الحسنُ عرشه فسألنا *** من تراها له ؟ فدلّ عليكِ
فاسكبي روحكِ الحنون عليه *** كانسكاب السماء في عينيكِ
كلما نافس الصّبا بجمالٍ *** عبقريّ السنا نماه إليكِ
ما تغنّى الهزار إلا ليلقي *** زفرات الغرام في أُذنيكِ
سكِر الروض سكرةً صرعته *** عند مجرى العبير من نهديكِ
قتل الورد نفسه حسداً منــــ *** كِ وألقى دماه في وجنتيكِ
والفراشات ملّتِ الزهر لمّا *** حدّثتها الأنسام عن شفتيكِ
رفعوا منك للجمال مثالاً *** وانحنوا خشّعاً على قدميكِ

تحياتي

يوسف آل ابريه
26-12-2008, 12:16 AM
أيها الأحبّة
لا يسع المجال لإدراج كل قصائد ( الأخطل الصغير ) ولكنني أشير إلى بعض قصائده
المشهورة لمن أراد الاطلاع عليها , وهي :

1 ) قصيدة الريال المزيّف , ومطلعها :

ويح الفقير فما تُراه يلاقي *** سُدّت عليه منافذ الأرزاق
2 ) قصيدة عمر ونُعم , ومطلعها :

أخاك يا شعرُ فهذا عُمرُ *** وهذه " نُعمٌ " وتلك الذّكر
3 ) قصيدة عروة وعفراء , ومطلعها :

مهد الغرام , ومسرح الغزلان *** حيث الهوى ضربٌ من الإيمان
4 ) قصيدة المتنبي والشهباء , والتي يقول فيها :

عفواً نبيّ القوافي أيّ نابغة *** لم يزرعوا حوله البهتان والكذبا
منعت عنهم ضياء الشمس فانحجبوا *** فهل تلومهم إن مزّقوا الحجبا

ملاحظة : صدرت للأخطل الصغير ثلاثة دواوين , هي : شعر الأخطل الصغير ,
والوتر الجريح , والهوى والشباب , كما صدر له كتابان نثريان هما :
من بقايا الذاكرة , وبين الشعر والسياسة ..
وقبل أن نختم صفحة الشاعر نورد له قصيدة في المداخلة القادمة

يوسف آل ابريه
26-12-2008, 12:45 AM
تحية طيبة
لم أجد قصيدة أختم بها صفحة ( الأخطل الصغير ) أفضل من قصيدته :
( يا أمّة غدت الذئاب ) لكونها تمسّ واقعنا المرير , يقول :

يا أمّة غدتِ الذئاب تسوسها *** غرقت سفينتها , فأين رئيسها ؟
غرقت فليس هناك غير حطائمٍ *** يبكي مؤبّنها , ويضحك سُوسها
تتمرّغ الشهوات في حُرُماتها *** وتعيث في عَظماتها وتدوسها
تعساً لها من أمّة ... أزعيمها *** جلاًدها , وأمينها جاسوسها
رُشيت مآذنها فلم تغضب لها *** غضب الكرام , وباعها ناقوسها
إلا شباباً كالربيع , تهزّهم *** نسماتها , ويصدّهم كابوسها
لبست من الأشبال فتية أمّة *** إن ساد أحمقها وعزّ خسيسها
أيحكّم الغوغاء في أدبائها *** ويذود عن سفهائها بوليسها
ومتى تؤيد بالرّعاع حكومة *** كانت أحطّ من الرّعاع نفوسها
وعصابة ملأ المناخر نتنها *** خضعت طوائفكم لها وطقوسها
من دمع بائسكم وقوت فقيركم ** تُجبى ضرائب ظُلمها ومُكوسها
أتموت من فرط الهُزال صغاركم ** لِتعزّ شوكتها , ويسمن كيسها
لو حاق مكرهم بأجهل أمّة *** برِمت محاكمها بِهم , وحبوسها
هبطوا الجحيم فردّهم بوّابها *** إذ خاف من إبليسهم : إبليسها
أشبال ذا الوطن الجريح إلى متى ** أنتم سيوفُ بلادكم , وتروسها
موتوا كراماً ! أو فعيشوا أمّة ** تهوي على يدها العلى وتبوسها

رحم الله الأخطل الصغير فقد كان شاعراً كبيراً , بل أميراً للشعر , قلما تجود
الدنيا بمثله ..

تحياتي

يوسف آل ابريه
26-12-2008, 11:56 PM
( شيخ الشعراء )
هو الشاعر المصري إسماعيل صبري , ولد سنة 1270 للهجرة , وتوفى سنة 1341 للهجرة ,
ولد لأسرة متوسطة الحال حرصت على تعليمه منذ صغره , حيث درس في مدرسة
المبتديان الإبتدائية ثم بمدرستي التجهيزية والإدارة وتخرّج سنة 1874 م , وبعد تخرجه
مباشرة أرسل في بعثة إلى فرنسا , حيث حصل على درجة الليسانس في الحقوق
سنة 1878 م ..
عاد بعد ذلك إلى مصر وهو يحمل شهادة سهلت له الطريق في سلم الوظائف الحكومية .
وفي سنة 1896 م عيّن محافظاً للإسكندرية , وبعد ثلاث سنوات نُقل وكيلاً لوزارة الحقانية
حتى سنة 1907 م , حيث أُحيل إلى التقاعد بناء على طلبه , وتفرّغ بعد ذلك لشؤونه
الخاصة حتى وافته المنيّة .
يجمع العارفون بإسماعيل صبري على أنه كان رقيقاً دمثاً وديعاً تربطه علاقة طيبة
بجميع من حوله , وقد انعكست تلك الصفات على شعره ..
لقّب ( بشيخ الشعراء ) لأنّ بيته كان ملتقى الشعراء والأدباء , وكان الشعراء يعرضون
عليه إنتاجهم مستفيدين من ملاحظاته وتوجيهاته ..
كان إسماعيل صبري شاعراً يغنّي لنفسه ولا يهتم بالألقاب ولا ينافس غيره عليها ,
وقد استطاع بتواضعه ورقّته أن يخرج من جميع المعارك الأدبية التي اشتعلت في عصره
فارضاً احترامه على كل من حوله من النقّاد والأدباء والشعراء على حدّ سواء ..
أكثر شعر إسماعيل صبري مقطوعات قصيرة يضمّنها مشاعره في الحب والسياسة والدين
والأخلاق , وتقترب لغته من لغة الحياة اليومية , وهذه ميزة جعلت المغنّين في ذلك
الوقت يقبلون على مقطوعاته الغزلية فيغنّونها ..
له ديوان مطبوع يضم قصائده ومقطوعاته الشعرية , ومن أجمل قصائده ( لواء الحسن )
والتي يقول فيها :

يا لواء الحسن أحزاب الهوى *** أيقظوا الفتنة في ظلّ اللواء
فرّقتهم في الهوى : ثاراتهم *** فاجمعي الأمر وصوني الأبرياء
إنّ هذا الحسن كالماء الذي *** فيه للأنفس : ريٌّ , وشفاء
لا تذودي بعضنا عن وِرده *** دون بعضٍ واعدلي بين الظّماء

ويقول في أخرى مخاطباً فؤاده أن يوصد باب الأمل دون حب لا رجاء فيه , وإن كان
فؤاد الشاعر يخفق صبابة :

أقصر فؤادي , فما الذكرى بنافعة *** ولا بشافعة , في ردّ ما كانا
سلا الفؤاد الذي شاطرته زمناً *** حمْل الصبابة , فاخفق وحدك الآنا
ما كان ضرّك إذ علّقت شمس ضُحى *** لو ادّكرت ضحايا العشق أحيانا
هلاَ أخذت لهذا اليوم : أهبته *** من قبل أن تُصْبح الأشواق أشجانا
لهفي عليك قضيت العمر مقتحماً *** في الوصل ناراً وفي الهجران نيرانا

تحياتي

يوسف آل ابريه
27-12-2008, 02:32 PM
( الحطيئة )
هو أبو مُليكة جرول بن أوس بن مالك العبسي , شاعر من الشعراء المخضرمين ,
عُرف بالهجاء المرّ وسلاطة اللسان ..
وُلد الحطيئة لأمة تُسمّى الضرّاء , كانت لمالك بن أوس العبسي , وكان مغموزاً في
نسبه , وزاد في اضطراب الحطيئة وقلقه شعوره بالنقص , فهو لا يعرف له أبّ بعينه ,
وكان ضعيف الجسم , قبيح الوجه ذميماً . ومع كل ذلك لم يكن ليّن الجانب , سمح
الخلق , بل كان ذا شرّ وسفه , فنشأ حاقداً ساخطاً على الناس من حوله , ولذا أرجع
معظم الدارسين غلبة الهجاء على شعره لهذا السبب ..
وقد أجمع الرواة على أنه كان رقيق الدين , نزّاعاً إلى الشر مجانباً للخير , شديد
الحنين إلى الحياة الجاهلية , حين كان الشاعر يتكسب بشعره , ويفد على السادة
والكبراء يمدح ويذم من يشاء دون أن يتّقي سلطاناً أو يرعى نظاماً , إلا أنّ الحطيئة
أدرك صعوبة المضي في الطريق نفسه الذي سلكه أسلافه من فحول الشعراء في
العصر الجاهلي , وأحسّ بتغير الظروف والأحوال من حوله , فعاش غريباً يائساً في
ظلّ الإسلام , وحتى بعد إسلامه , يتفق الرواة على أنه عاش متنقلاً في القبائل يمدح
من وصله ويذم من قطعه , فكان الناس يتقون لسانه ويدرؤون شرّه ..
وقصته مع الزبرقان بن بدر مشهورة تواترت روايتها , فقد هجا الحطيئة الزبرقان
ببيته المشهور :

دعِ المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فاستعدى عليه عمر بن الخطاب فحبسه , فاستعطف الحطيئة عمر من سجنه بأبيات
مؤثرة يقول فيها :

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخٍ *** زغب الحواصل لا ماءٌ ولا شجر
ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة *** فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ولما سمعها عمر رقّ له وعفا عنه بعد أن أخذ عليه العهد ألا يعود إلى الهجاء ..
لقّب ( بالحطيئة ) لقصره أو لفقره أو لدمامته , وقد قصد بهذا اللقب تحقيره ..
والحطيئة من فحول الشعراء ومتقدميهم وفصحائهم , متصرف في جميع فنون الشعر
من المديح والهجاء والفخر والنسيب , مجيد في ذلك أجمع , وكان تلميذاً لزهير
بن أبي سلمى وراوية له , فورث منه تنقيح الشعر وصقل الصياغة , وعدّه ابن سلام
الجمحي في الطبقة الثانية من فحول الجاهليين , وقد أُعجب النقّاد القدامى بشعره
وبرؤوه من العيوب , ومن مشهور أبياته قوله :

يسوسون أحلاماً بعيدٌ أناتها *** وإن غضبوا جاء الحفيظة والجدّ
أقلّوا عليهم ـ لا أباً لأبيكم ـ *** من اللوم أو سدّوا المكان الذي سدّوا
وقد نالت قصيدته التي صوّر فيها الكرم قيمة عربية خلقية أصيلة شهرة واسعة ,
بما أضفاه عليها من طابع القصّ والحكاية :

وطاوي ثلاث عاصب البطن مرملٍ *** ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما
أخي جفوة فيه من الأنس وحشة *** يرى البؤس فيها من شراسته نُعما
وأفرد في شعبٍ عجوزاً إزاءها *** ثلاثة أشباح تخالهم : بهما
حفاة عراة ما اغتدوا خبز ملّة *** ولا عرفوا للبرّ مذ خلقوا طعما
نعود لنكرر أن الحطيئة شاعر هجّاء لم يكد يسلم من لسانه أحد , قال حين ارتدت
العرب في زمن أبي بكر كما يقولون :

أطعنا رسول الله إذ كان حاضراً *** فيا لهفتي , ما بال أبي بكر
أيورثها بكراً , إذا مات بعده *** فتلك وبيت الله قاصمة الظهر
ومن غريب ما يذكر عنه , أنه هجا أمه وأباه وحتى نفسه ,
فمما قاله هاجياً أمّه :

تنحّي فاقعدي مني بعيداً *** أراح الله منك العالمينا
ألم أوضح لك البغضاء مني *** ولكن , لا أخالك تعقلينا
جزاك الله شرّاً من عجوز *** ولقّاك العقوق من البنينا
حياتك ما علمت حياة سوء *** وموتك قد يسرّ الصالحينا
وقال هاجياً أباه :

فنعم الشيخ أنت لدى المخازي *** وبئس الشيخ أنت لدى المعالي
جمعت اللؤم , لا حيّاك ربي *** وأبواب السفاهة , والضلال
وقال يهجو نفسه :

أبت شفتاي اليوم إلا تكلّماً *** بسوء فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجهاً شوّه الله خلقه *** فقبّح من وجه , وقبّح حامله

تحياتي

أبو فاضل
27-12-2008, 07:32 PM
اللهم صل على محمد وآل محمد

كسبنا منك الكثير يا أستاذي الفاضل ، فشكراً لك .

كما أحببت الإستفسار منك - إن أذنت لي - عن المنهج الذي تتخذه في طرح هذه النبذ الشيقة عن الشعراء ، أهو وفق نظام معين أم أنه حسب اختيار عشوائي ؟

كنت أفضّل لو كان الموضوع متدرجا من شعراء الجاهلية إلى شعراء عصرنا الحديث وحينما تطرح شعراء الجاهلية مثلا تقوم بطرحه حسب الشعراء المشهورين بالرثاء مثلا ، فالهجاء فالفخر فالحكمة وهكذا .

لك جزيل الشكر والتقدير يا أبو أحمد .

يوسف آل ابريه
28-12-2008, 02:37 PM
عزيزي ( أبو فاضل )
شكراً جزيلاً لمرورك الجميل ..
إجابة لاستفسارك حول المنهج الذي اتبعته في طرح النماذج الشعرية , أقول :
إنّ اختياري يهدف إلى تعريف القارئ ببعض النماذج الشعرية , وخاصة المجهولة لدينا ..
وليس خفي عليك بأن إيراد ألقاب الشعراء جميعهم يحتاج إلى وقت طويل وشاق ..
أما عن تفضيلك بأن يكون الموضوع متدرجاً من شعراء الجاهلية إلى عصرنا الحديث ,
فهذا لا يناسب موضوعنا , فموضوعنا يتطرّق فقط إلى الشعراء الذين لهم ألقاب ,
لكون بعض الشعراء لم يُعرفوا بألقاب ..
وأما حول طلبك بأن نتناول الشعراء مرتّبين حسب الغرض الشعري , فهذا ليس دقيقاً ,
وليس هو كما أسلفنا غرضنا من الموضوع , كما أن الشعراء لم يقتصروا على غرض
واحد وإن كان بعضهم قد اقتصر على غرض أو غرضين , أو اشتهر بغرض معين
على بقية الأغراض الشعرية ..
أعود لأكرر : إنّ موضوعنا يتناول الشعراء الذين لهم ألقاب , ولا يتناول ترتيب
الشعراء زمنياً , ولا يتناول الأغراض الشعرية ..
ولا أخفيك أنني حاولت جاهداً استعراض النماذج الشعرية المتنوعة من جميع العصور
الأدبية لكيلا يفقد الموضوع متعته وحيويته ..

تحياتي المخلصة

يوسف آل ابريه
28-12-2008, 03:35 PM
( المُهَلْهَل )
هو عدي بن ربيعة بن مرّة بن هبيرة التغلبي , من شعراء الجاهلية , وهو أخو
كليب وائل الذي اندلعت بمقتله حرب " بكر وتغلب " . وكان كليب بن ربيعة أخاً
للمهلهل , وأكبر منه سناً , قاد قبيلة معد كلها يوم " خُزار " فقضى على جموع
اليمن وهزمهم , فاجتمعت عليه معد وجعلت له قَسم الملك وتاجه , وتحيته وطاعته ,
واستمر على ذلك حيناً من دهره , ثم دخله زهو شديد فبغى على قومه , حتى قالت
العرب " أعز من كليب وائل " .
نشبت بسبب مقتله حرب ( البسوس ) بين قبيلتي بكر وتغلب في أواخر القرن
الخامس الميلادي , ويذكر الرواة أنها دامت أربعين سنة .
ويروى في سبب هذه الحرب أنّ البسوس بنت منقذ التميمية خالة جسّاس بن مرّة
بن ذهل بن شيبان البكري كانت نازلة في جواره , وكانت لها ناقة يُقال لها " سراب "
فمرّت إبل لكليب وائل بسراب وهي معقولة بفناء البسوس , فلما رأت سراب الإبل
خلخلت عقالها وتبعت إبل كليب واختلطت بها , حتى انتهت إلى كليب , فلما رآها كليب
أنكرها ورماها بسهم في ضرعها , فنفرت سراب وولّت حتى بركت بفناء صاحبتها ,
وضرعها ينزف دماً ولبناً , فبرزت البسوس صارخة , يدها على رأسها تصيح :
" واذلاًه " , وأنشأت تقول :

لعمري , لو أصبحت في دار منقذ *** لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي
ولكنني , أصبحت في دار غربة *** متى يعدُ فيها الذئب يعدُ على شاتي
فيا سعد لا تغرر بنفسك وارتحل *** فإنك في قوم عن الجار أموات
فلما سمع جسّاس صوتها أسكتها وقال : والله ليُقتلن غداً جمل عظيم أعظم عقراً
من ناقتك " .
غضب جساس لغضب خالته البسوس وثارت ثائرته , فانطلق إلى كليب فقتله .
وكان مقتل كليب الشرارة التي أشعلت نيران هذه الحرب الضارية .
تقول العرب : أشأم من سراب وأشأم من البسوس .
وكان المهلهل بطل هذه الحرب , اجتمعت إليه وجوه قومه بعد مقتل أخيه , وأصبح
رئيس تغلب . فنهض يطلب الثأر من قتلة أخيه بعد أن كان في حياة أخيه منصرفاً
إلى متعه وملذاته , وكان كليب يسمّيه ( زير النساء ) أي جليسهن , وإلى ذلك
يشير المهلهل في قوله :

فلو نُبش المقابر عن كليب *** فيخبر بالذنائب أي زير
والذنائب يوم من أعظم أيامهم , انتصرت فيه تغلب بقيادة زعيمها المهلهل على أعدائهم
البكريين وقتلوا منهم أعداداً كبيرة .
قاد المهلهل قبيلة تغلب من نصر إلى نصر . ثم بدأ ميزان الحرب يتحول لصالح
قبائل بكر , وذلك حين دخل " الحارث بن عباد " سيّد قبائل بكر كلها الحرب ,
وكان قد اعتزلها منذ بدايتها . إلا أن قتل مهلهل لابنه بجير دفعه للدخول في الحرب
والمطالبة بثأر قبيلته , وقد أوقع بتغلب في يوم " قِضة " وهو يوم تحلاق اللمم
وفيه أسر الحارث مهلهلاً وهو لا يعرفه ثم أطلق سراحه وقال فيه :

لهف نفسي على عدي ولم *** أعرف عدياً إذ أمكنتني اليدان
واختلف الرواة حول نهاية المهلهل , فمن قائل إنه مات , ومن قائل إنه قتل .
ويقال إنّ وفاته كانت في أوائل القرن السادس الميلادي .
لقّب ( بالمهلهل ) لأنه هلهل الشعر أي سلسل بناءه , كما يقال ثوب مهلهل , إذا كان
خفيفاً , أو لأنه أوّل من رقّق الشعر وتجنّب الكلام الغريب والحوشي ..
والمهلهل هو خال الشاعر امرئ القيس بن حجر الكندي , وجدّ الشاعر عمرو بن كلثوم
لأمه . وقد أشار الفرزدق في قصيدة له إلى أشهر شعراء الجاهلية فقال عن المهلهل :
( ومهلهل الشعراء ذاك الأوّل )
والمهلهل أهم شاعر ظهر في حرب البسوس , وشعره يعد وثيقة تاريخية لهذه الحرب ,
وهو بإجماع الرواة أوّل من قصّد القصائد , وذكر الوقائع , وكانت القصيدة العربية قبله
أبياتاً مفردة أو مقطوعات قصيرة .
ذكره ابن سلام الجمحي في طبقاته فقال عنه : " وزعمت العرب أنه كان يدعي
في شعره , ويتكثر في قوله بأكثر من فعله " .
وأغلب شعره يغلب عليه التهديد والوعيد , وهو في قصائده ومقطوعاته يعبّر عن
إحساسه بوقع الفجيعة . فقد ألح عليه الحزن , فبالغ في تهديد قبيلة بكر .
وشعره يعكس ما تفيض به نفسه من مشاعر الحقد والغيظ والرغبة في الانتقام .
ومن أبياته الشهيرة التي قالها في رثاء أخيه كليب :

نُبئت أنّ النار بعدك أُوقدت *** واستبّ بعدك يا كليب المجلس
وتكلّموا في أمر كل عظيمة *** لو كنت شاهدهم بها لم ينبسوا
وهو القائل في قصيدة أخرى :

دعوتك يا كليب فلم تجبني *** وكيف يجيبني البلد القفار
أجبني يا كليب خلاك ذمّ *** لقد فُجعت بفارسه نزار
وقبل أن نختم موضوعنا حول " المهلهل " نشير إلى أنّ القطيف حسب امتداد السلالات
تنتمي إلى قبيلة ( بكر بن وائل ) الذين قاتلهم الزير سالم , ولعل أبرز شاعر كان
يقطن هذه المنطقة هو الشاعر طرفة بن العبد البكري الوائلي ..
وللمعلومية , فإنّ البكريين هم الأكثر دخولاً في الإسلام من التغلبيين , ومن أراد
التحقق من ذلك فليراجع السيرة التاريخية لكلا القبيلتين ..

تحياتي

يوسف آل ابريه
26-08-2009, 02:44 AM
( الــشــنـــفــــرى )


هو عمرو بن مالك الأزدي , شاعر جاهلي من الشعراء الصعاليك المقدمين ,

ويقال إنه لقب بــالـــشــنــــفــــرى لـغـلـظـة شـفـتـيـه , فقد كانت أمه حبشية

سوداء . لم يعرف تاريخ ولادته في العصر الجاهلي وقيل في نشأته آراء كثيرة ,

ولكن هناك شبه إجماع على القول بأنه عاش ونشأ في بطن من بني فهم

الذين أسروه وهو طفل , فلما شبّ عرف قصة أسره , فحلف أن يقتل منهم

مــــئـــــة رجل ..

وتقول الروايات إنه قتل تسعة وتسعين من رجالها ولكنهم تمكّنوا منه وقتلوه ,

ثم صلبوه , وظل مصلوباً حتى تحللت جثتته , ويذكرون بأن رجلاً من أفراد

تلك القبيلة قد مرّ على هيكله المصلوب وضربه وسقط , ثم ركله برجله في

جمجمته فدخلت عظمة في رجله فمات بسببها , فقالوا : لقد وفّــى الشنفرى

بقسمه وقتل الــمــــئــــة ..

وقد اشتهر الشنفرى بأنه من أسرع عدّائي الصعاليك وأكثرهم جرأة وأشدهم دهاء ,

يـتقدّم الشنفرى سائر الشعراء الصعاليك بقصيدته المطولة المعروفة باسم

(( لامية العرب )) وقد نقلت كتب الأدب قصائد ومقطوعات أخرى تنسب إليه ,

ولكن لامية العرب تظل هي المتفوقة , ليس من أجل طولها فقط , ولكن من

حيث الخصائص الفنية واللغوية والنفسية التي أشهرت الشنفرى وأثارت اهتمام

الدارسين به قديماً وحديثاً .

وأغلب الظن أن تسميتها بلامية العرب لتضمنها حكماً فنية , فهي في نظر

من سماها بذلك أرقى أثر فني عربي جاهلي على حرف اللام , وإن كان بعض

الدارسين يرى بأن خلف الأحمر قد نحلها ونسبها إليه ..

تبدأ لامية الشنفرى بإعلان الخروج من الحي القبلي باتجاه الصحراء , ثم تتوالى

المقاطع لتمثل محاولة دائبة لتكيف هذا الصعلوك مع عالم الوحوش في الصحراء

التي عاش حياتها عبر تجربة الجوع في مقطوعة الذئب , وتجربة البرد القارس

في مقطوعة الغارة الشتوية , وتجربة الحر اللافح في مقطوعة الشعر حتى تصل

محاولة التكيّف إلى قمة تطوّرها ونموها في المقطع الختامي الذي يظهر فيه

الصعلوك في صورة وعل على قمة الجبل تدور حوله إناث الوعل , يقول فيها :



أقـيـمـوا بـنـي أمّــي صـدور مــطــيّــكــم ** فـإنـي إلـى قــوم ســـواكـــــم لأمـــيـــل

فــقـد حُــمّــت الـحـاجـات والليل مقمر ** وشُـــدت لــطـــيّــات مـــطـــايـا وأرحــل

وفي الارض مــــأى لــلكـريم عن الاذى ** وفــيــــها لمن خاف القِلى مُــتــعـــزل


ويدور شعره في مجمله حول صراعه مع بني سلامان , وتصعلكه وتشرده وغاراته

وبسالته , وتصوير حياة الصعاليك المغامرة ..

وتعد تائيته التي اختارها المفضل الضبي في المفضليات من أرق غزله وأجمله ,

وفيها يقول :


لـقـد أعـجـبـتـنـي لا سـقـوطـاً قـنـاعـهـا ** إذا مــا مـشـت ولا بــــذاتِ تـــفــــلّـــــتِ

تـبـيـتُ بُــعـــيـــد الـنـوم تهدي غـبــوقــها ** لـجــارتـهـا إذا الــهـــديــــــــة قـــــــــلّـــــتِ

تَــحُــلّ بـمـنـجـاة من الـلـؤم بـــيـــتـــــهـا ** إذا مــا بـيـوتٌ بــالـــمــــذلّـــــة حــــلّــــــتِ




تحياتي

عبدالله آل دعبل
26-08-2009, 05:50 AM
تمنّيتك يا أبا احمد لو اكملتَ من اللّاميّه بيت
إنْ لمْ تخُنّي الذّاكِره بدايتُهُ:

ولِيْ دُونَكُمْ أهْلونَ سِيْدٌ عَملّسٌ
وأرْقَطُ زُهْلُولٌ وعرْفَاءُ جَيْألُ

تحيّاتي لكْ

نبع
26-08-2009, 05:04 PM
طلعت حقوق الـ سنبسي غير محفوظة ..

جاءت الألقاب و حفظت و غبرت و آن الأوان لتنفض عنها الغبار ، لنعرف ما خبأه الدهر :)


شكراً .

عبدالله آل دعبل
27-08-2009, 06:44 AM
تحيّةٌ عطِرةٌ لك أستاذ يوسُف
طبعاً سقطَ سهواً من عندك حرف ومن باب التعديل
للمُتذوّقين ( وفي الأرضِ منأىً للكريمِ ) ويمكن منجىً ما اذكر بس مو مهم
شطر البيت الاوّل من التّائيّه من امس ونفسي بها شيئٌ تجاهه:
إذا ما مشت ولا بذاتِ تفلُّتِ
الوزن صح , لكن لا أعلمْ هُناك شيئ

تحيّاتي
متابع ومستمتع

يوسف آل ابريه
29-08-2009, 01:40 AM
تمنّيتك يا أبا احمد لو اكملتَ من اللّاميّه بيت

إنْ لمْ تخُنّي الذّاكِره بدايتُهُ:

ولِيْ دُونَكُمْ أهْلونَ سِيْدٌ عَملّسٌ
وأرْقَطُ زُهْلُولٌ وعرْفَاءُ جَيْألُ


تحيّاتي لكْ



عزيزي ( عبد الله آل دعبل )

اللامية طويلة جداً , ولذا اكتفيت بذكر أبياتها الأولى ..

فشكراً لك على البيت الجميل الذي اقتنصته منها


كل الود :rflow:

يوسف آل ابريه
29-08-2009, 01:41 AM
طلعت حقوق الـ سنبسي غير محفوظة ..

جاءت الألقاب و حفظت و غبرت و آن الأوان لتنفض عنها الغبار ، لنعرف ما خبأه الدهر :)


شكراً .


هناك يا نبع أكثر من سنبسي في عالم الأدب ,

وهم بحاجة لمن ينفض الغبار عنهم ..


كل الود :rflow:

يوسف آل ابريه
29-08-2009, 01:46 AM
تحيّةٌ عطِرةٌ لك أستاذ يوسُف

طبعاً سقطَ سهواً من عندك حرف ومن باب التعديل
للمُتذوّقين ( وفي الأرضِ منأىً للكريمِ ) ويمكن منجىً ما اذكر بس مو مهم
شطر البيت الاوّل من التّائيّه من امس ونفسي بها شيئٌ تجاهه:
إذا ما مشت ولا بذاتِ تفلُّتِ
الوزن صح , لكن لا أعلمْ هُناك شيئ

تحيّاتي

متابع ومستمتع



بوركت أخي ( عبد الله آل دعبل )

فعلاً لقد سقط حرف النون سهواً من كلمة ( منأى ) فشكراً للتنبيه ..

أما الشطر القائل ( إذا ما مشت ولا بذات تفلّت ) فلا شيء فيه , فالقصيدة

من بحر الطويل , اللهم أنه استخدم في الشطر تفعيلة ( مفاعلن ) بدلا من

( مفاعيلن ) وهذا كثير الورود ..


كل الود :rflow:

يوسف آل ابريه
29-08-2009, 02:25 AM
( الــــطـــــغــــــرائــــــــي )


هو مؤيد الدين الحسين بن علي الأصفهاني المعروف بالطغرائي ,

ولد في أصفهان لأسرة عربية سنة 453 ه , وينتمي في نسبه إلى أبي الأسود

الدؤلي ..

ذكره الحر العاملي في كتابه " أمل الآمل " فقال عنه :


" فاضل عالم صحيح المذهب , شاعر أديب , قتل مظلوماً وقد جاوز ستين سنة ,

وشعره في غاية الحسن " ..

برع الطغرائي في الكتابة والشعر حتى كان أوحد زمانه ولم ينبغ بعده في الشرق

من يضاهيه , وهو إمامي المذهب ..

ترقّت به الحال في خدمة آل سلجوق إلى أن صار وزيراً ..

كان آية في علم الكيمياء إذ يعد أحد كبار العلماء في الكيمياء , وله في هذا

العلم الكثير من الاكتشافات والابتكارات , ومن أشهر مصنفاته في الكيمياء :

1 ) جامع الأسرار وتركيب الأنوار في الإكسير ..

2 ) الرد على ابن سينا في الكيمياء ..


وللطغرائي ديوان شعر مطبوع يشتمل على روائع ومبتكرات في المعاني ,

ويوجد في ديوانه مقطوعتان جميلتان يذكر فيهما ولاؤه لأهل البيت عليهم السلام ,

ونقمته على ظالميهم ..

أما الأولى فيقول فيها :



حــبّ الـيـهـود لآل مـوسـى ظــاهـر *** وولاؤهــــم لـــبـــنـــي أخـــيـــــه بـــــادي


وإمــامـهـم مـن نـسـل هـارون الأولى *** بـهـم اهـــتـــدوا ولــــكــل قـــــوم هــــادي


وأرى الـنـصـارى يـكـرمــون مـــحــبـــة *** لــنــــبــــيــــهـــم نــجـــراً مــــن الأعــــــواد


وإذا تـــــوالـى آل أحــمــــد مـــســلــم *** قــتـــلـــــوه أو وســــمــــــوه بــــالإلــــحــاد


هــذا هـــو الـــداء الـــعـــيــاء بــمــثـلـه *** ضــلّــــت حـــــلـــــوم حــــواضــرٍ وبــــوادي


لـــم يـــحـــفـــظــوا حـق النبي محمد *** فـــــي آلـــــه , والـــلـــــه بـــالـــمــرصــاد


وكأن هذه المقطوعة كانت لسان حاله , فقد رُمي بالإلحاد في آخر أيامه وقتل بهذه

التهمة ومضى شهيداً محتسباً سنة 514 ه ..

أما المقطوعة الثانية فيقول فيها :


تـوعـدنــي فـي حـب آل مـــحـــمـد *** وحــب ابن فــضـل الله قـــــوم فــــأكـــثــروا


فـقـلـت لـهـم لا تـكـثـروا ودعـوا دمي *** يـراق على حــبــــي لهـم وهـــو يـــهـــــدر


فـهـذا نــجــاح حـاضر لــمــعـيـشـتـي *** وهـــذا نـــجــــاة أرتــــجـــي يــــوم أحـــشـر


أما لقبه بـــــ (( بــــالـــطــــغــــرائــــي ) ) فنسبة إلى ( الــطــغــراء ) وهي ما يكتب

فوق البسملة بخط معلق فيها نعوت السلطان وألقابه ..

ومن مشهور شعره قصيدته المعروفة بــــ (( لامـــيــــة الــعـــجــــم )) لأن ناظمها

عجمي أصفهاني , وتعد اللامية من عيون الشعر العربي , ومطلعها :


أصـالـة الـراي صـانـتـنـي عـن الـخـطـل *** وحـلـيـة الـفـضـل زانـــتــنـــي لـدى الـعـطـل


وذلك في مقابلة (( لامــيـــة الــعــــرب )) للشنفرى التي مرت بنا ..


وقد شرح لامية العجم صلاح الدين الصفدي بشرح مطوّل يشتمل على جزئين ضخمين

وقد أوردها ياقوت الحموي في معجم الأدباء بتمامها إعجاباً بها , وكذلك ابن خلكان

أوردها بتمامها , وترجمها بعض المستشرقين إلى اللاتينية , وشطرها وخمسها

كثيرون , ولعل من أجمل التخاميس هو تخميس الشاعر اللبناني جرجي أفندي

إذ يقول :



تــــركـــت صــحــبــي بـيـن الـكـأس والـغـزل ** يــداعــبــون ذوات الأعــــيـــــن الــنـــجـــل


أمـــا أنــــا ولــســـان الــحــق يـشـهـد لــي ** أصـالـة الـرأي صـانـتـنـي عـــن الـــخـطــل


وحــلـــيـــة الـــفـــضـــل زانــتــنـــي لــدى الـعـطـل




للموضوع تتمة

يوسف آل ابريه
29-08-2009, 02:45 AM
تـــعــدّ لامـــيــــة الــعــجـــم لـلـطــغـــرائــــي من روائع الشعر العربي لما حوته

من الحكم والنصائح , ولروعتها وجمالها سأتخيّر منها بعض الأبيات وبها نختم

حديثنا ..

قال رحمه الله :



أصـالـــة الـــرأي صــانــتــنــي عـن الــخــطـل ** وحـلـيـة الـفـضـل زانـتـنـي لـــدى الـــعـطـل


مـــجـــدي أخـــيــــراً ومــــجـــدي أولاً شَــــرَعٌ ** والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل


حـبّ الـسـلامة يـــثـــنــي عـزم صـــاحـــبــــه ** عـن المعالي ويغري الــمـــرء بــالــكـــسـل


إنّ الـعـلا حـدّثــــتـــنـــي وهـــي صـــادقــــــة ** فيـما تحدث أنّ الــعـــز فـــي الــنــقـــــل


أعــلّــل الــــنــــفـس بـــالآمـــال أرقــــبــــهـــــا ** مــا أضــيـــق العيش لولا فسحة الأمــــل


تــقـــدّمــتــنـــي أنـــاس كــــان شــــوطــهـــم ** وراء خــــطــــوي لو أمشي على مـهــــل


تــرجــو الــــبـقـــاء بـــدارٍ لا ثـــبــــات بــــهــــا ** فهل سمعت بـظــلّ غــــيــــر مـنــتــقـــل




تحياتي

مُهرة عربية
29-08-2009, 04:54 AM
أعــلّــل الــــنــــفـس بـــالآمـــال أرقــــبــــهـــــا ** مــا أضــيـــق العيش لولا فسحة الأمــــل
الأستاذ يوسف شكراً لك على هذه المجهودات الرائعة ..
سمعتُ بهذا البيت كثيراً وكنت دائماً أردده، لكني لم أعرف قائله إلا الآن ..
فتحية لك مني ..

أثير المحبة
31-08-2009, 02:01 AM
الأستاذ الموقر }} يوسف آل ابريه ~

لك ألف تحيه وسلام وشكر لهذا المجهود الرائع

قرأت بعض من البدايه والطغرائي وسأكمل لاحقا مجهود طيب

واستانست على الطغرائي يبغى ليي أقرأ عنه >> مسوى كيميائي :rolleyes2:


وتسلم ^ _ ^


بوركت جهودك { =


:054:



موفقين

أثير المحبة
13-10-2009, 08:36 PM
جا خلصوا الألقاب اه:mad:

يوسف آل ابريه
14-10-2009, 04:30 PM
( بــلــبـــل الــمـــنـــابـــر )


هو الشاعر والأديب والصحفي اللبناني أمــيـــن رشـــد نـــخـــلــــة , المولود في الباروك

في جبال الشوف اللبنانية , والحائز على إجازة الحقوق من جامعة دمشق ..

مارس المحاماة والصحافة منذ عام 1928 م . أسس جريدة الشعب وانتخب نائباً في

المجلس النيابي اللبناني عام 1947 م عن منطقة الشوف , تزوج وأنجب ولدين هما

سعيد ومارسيل نخلة ..

أما تلقيبه بــ ( بلبل المنابر ) فقد أطلقه عليه رياض الصلح وصار يعرف به .

وأمين نخلة من الشعراء الروّاد والكتّاب الكبار , فقد تراوح إنتاجه الفكري بين المؤلفات

الأدبية مثل : المفكرة الادبية , وذات العماد , وكتاب الملوك , والأعمال اللغوية مثل :

الحركة اللغوية في لبنان , والدراسات القانونية مثل : أحكام الوقف , والأعمال التاريخية

مثل : الإثارة التاريخية , فضلاً عن أعماله الشعرية مثل : دفتر الغزل , والديوان الجديد

وقد اختاره أحمد شوقي ليكون أميراً للشعر من بعده , وكتب أمين نخلة أيضاً الزجل

كما كتب الشعر الفصيح ..

ومن رقيق شعره قوله في قصيدة بعنوان " بــعــد عــشــرة أعـــوام " :


جـــئـــتــــه فــــي مـــــوعــــــد الــــشــــوق وجــــــاءْ


وتــــــلاقــــــيـــــنـــــا وقــــلـــنــــا مــــــا نــــــشـــــاءْ


نــــحـــن فـــي الــــذكــــرى تـــلاقـــيــــنـــا عــــلـــى


قُــــبــــل الــــشــــــوق وضــــــوضـــــاء الـــلــــقـــــــاءْ


مـــن ذرى الـــــبـــاروك فــي الـــــضـــحــــو إلـــــى


ســــرحـــــة الــــنــــهـــــر تـــــولانـــــي الـــبــــكـــــاءْ


هــــهـــــنـــــا دارَ حــــــــديـــــــــثٌ وهـــــــــــنــــــــــا


رنّ ضـــــحــــــك وتــــــنـــــاجـــــــى ســـــــعــــــــــداءْ


ولعل نونيته الرائعة هي من أروع القصائد التي نسجتها ريشة الشاعر والتي

أعدّها واحدة من عيون الشعر العربي رغم قصرها , يقول فيها :



أحــــبّـــــك فـــــي الــــقــــنــــوط وفــــــي الــــتـــــمـــــنّــــي


كـــــــأنّـــــــي مـــــــنـــــــك صـــــــــرتُ وصـــــــرتَ مـــــنّــــــي


أحـــــبّـــــك فــــــوق مــــــا وســـــعــــــت ضـــــــلـــــوعـــــــي


وفــــــوق مــــــدى يـــــــــدي وبــــــلــــــــوغ ظــــــــنّـــــــــي


هـــــــــوى مــــــــتــــــــرنّـــــــح الأعــــــطــــــاف طـــــــلـــــــــقٌ


عــــلـــى ســـــهــــــل الـــــشـــــبــــــاب الــــمـــــطــــمـــئــــن


أبـــــــــــوح إذن , فـــــــــكـــــــــلّ هــــــــبـــــــوب ريـــــــــــحٍ


حــــــديــــــــث عـــــنّـــــــك فـــــي الــــدنـــــيـــــا وعــــنّـــــي


ســــيــــنـــــشــــرنـــــا الــــصــــبــــاح عــــلـــى الـــــروابــــــــي


عــــلــــى الـــــــوادي عــــلـــى الــــشــــجـــــر الأغــــــــــــن


أبـــــــــــوح إذن , فــــــــهــــــل تـــــــــــــدري الــــــدوالــــــــي


بـــــــأنّــــــــــك أنــــــــت أقـــــــــــــــــداحــــــــــــي ودنّـــــــــي


أتــــــمـــــتـــــــم بـــــاســـــم ثــــغــــرك فـــــوق كــــــأســــــي


وأرشـــــــــفــــــهـــــــا , كـــــــأنّــــــــــك أو كــــــــــأنّــــــــــــي




تحياتي

عبدالله آل دعبل
20-10-2009, 10:32 PM
تحيّةٌ لكَ أبا أحمد
الحقيقةُ إنّ هذهِ النّونيّة لهِيَ
مِنْ أروعِ ما مرّ عليّ من أبياتْ
ولَمْ أقرأها إلاّ هُنا مِنْ مِدادِكَ لِــ ( بُلبُلِ المَنابِرْ )
ولو أنّي أعتِبُ عليك :an:
إذْ انتبهتُ اليوم إلى أنّك مررْتَ على أبي الطيّب المُتنبّي
مُرورَ كرام ..
أعلمُ أنّ من كتبوا فيهِ كُثُر , وقدْ لا يحتاجْ ..
ولكن قُلْ لي هل أنتَ من الحِزْبِ المُناوئ له ؟ :confused:
:wf: