المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : (شيكاجو) .. تقنية الاسترجاع وتأثيرها على الروائي بوصفه معالجاً سينمائيا


مالك القلاف
09-10-2008, 01:33 PM
رؤية نقدية في رواية (شيكاجو) للروائي (علاء الأسواني)

تنهض المادة الحكائية الخام في رواية “شيكاجو” للروائي علاء الأسواني على محملين سرديين: يتجلّى الأول من خلال قدرة السارد على بناء شخوص وزرعهم في بيئة مغايرة، لا تمت لموروثاتهم الشرقية بصلة, ويتجلى الثاني في إزالة الغشاء عن الفساد السياسي الذي تكبدته مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين وانتشر في الآونة الأخيرة، حاملة هذه الرواية على عاتقها كشف التدهور الاجتماعي والأخلاقي الذي توازى سقوط منحناه مع الفساد السياسي..
وعبر هذين المحملين السرديين الرئيسيين تتناسل مجموعة من الحكايات الصغيرة التي تتضافر فيما بينها وتتداخل لتصب في المجرى العام للحكاية الأصل في الرواية.

تعتمد المادة الحكائية في “شيكاجو” على عدة شخوص، يرتبط بعضها ببعض أحياناً، ويمثّل كلّ من بعضها الآخر وحدة مستقلة بنفسه, وقد عالج الراوي سيرورة هذه الشخوص السردية في الرواية بشكل مباشر متماشياً مع خطية الزمن بمعناه (الكرونولوجي), فالزمن في الرواية إذا استثنينا مقدمتها التعريفية لأصل كلمة “شيكاجو” هو زمن داخلي, حركته هي حركة الشخصيات والأحداث, بمعنى أنها رواية درامية حسب تصنيفات (أدوين موير) لأنواع الرواية في علاقتها مع الزمن, على الرغم مما تنتجه تقنية الاسترجاع فيها من تفتيت للترتيب الزمني
وهذا بالضبط ما حدا بالراوي لأن يتمسك بهذه الخاصية حتى النهاية مما أفقد الرواية حساسيتها لأن تكون نصاً مفتوحاً.

ولأن تقنية الاسترجاع قد عطلت نسبياً محصلة النص المفتوح, فهي أيضا بشكل أو بآخر أدت إلى تعطيل لحركة السرد، وتوقفها، لذا نرى كثيراً ما تعود هذه الحركة إلى الحدث الذي انتهى إليه الأخير في موقع سابق منها، فما أن تعيّن هذه التقنية بعضاً من ماضي الشخصيات أو صفاتها، حتى تؤوب إلى النقطة التي تمّ تعطيل حركة السرد عندها، أو ما إنْ يتم الكشف عن ذلك الماضي أو الصفات حتى ترتد حركة السرد إلى الحدث الذي انتهى إليه الفصل السابق من الرواية.

من وجهة نظري اعتقد أن الراوي علاء الأسواني تعمد كتابة الرواية بهذه التقنية واضعاً نصب عينيه نجاحات روايته السابقة (عمارة يعقوبيان) في السينما, لذا صار العمل يحمل ثيمة المعالجة السينمائية وفقد بعضاً من ملامحه كعمل روائي متكامل عندما عمل على جذب أنظار المخرجين لها وسهل لهم المهمة في تقنية القطع السينمائي حيث يتوقف المشهد عند لحظة حاسمة يتمنى القارئ فيها أن يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ويعود ليشبع رغبته في فصل تال انطلاقا من اللحظة التي توقف عندها من قبل.

ومن المهمّ الإشارة، هنا، إلى أنّ ثمّة منظومة جمالية مهيمنة في عملية صوغ الشخوص في الرواية، إذ يتصدّر وصف هذه الشخوص معظم الأجزاء المكوّنة للرواية، وكلّما انتقل الراوي إلى شخصية جديدة قدّم معلومات مكثفة عنه، بدءاً من شيماء وهي تجوب أروقة جامعة الينوي بثوبها الشرعي الفضفاض وخمارها الذي يغطي صدرها وحذائها ذي الكعب المنخفض وخطواتها الواسعة المستقيمة ووجهها الريفي الخالي من المساحيق والذي يتضرج بالحمرة لأهون الأسباب, ثم انتهاءً بمصور الرئيس الأصلع والسمين كأصغر شخصية في الرواية, على النحو الذي يذكّر بصنيع الروائيين الفرنسيين (بلزاك) و (فلوبير) في الكثير من أعمالهما الروائية. وعلى الرغم من أنّ هذه السمة تميز معظم الروايات الواقعية عادةً، فإنّ “شيكاجو” توهم بواقعيتها، وتبتكر واقعها الروائي، فتتحرّر من سطوة قوانين الواقع الموضوعية، وتنتج قوانينها، دون أن تنفي صلتها، أو صلاتها، بالواقع.

إلا أن هذه المنظومة الجمالية لم تخدم تنميط الشخصيات كسمة أساسية في الرواية حيث جاءت معظم الشخصيات نمطية من جهة و(استاتيكية) حكم عليها المؤلف أن تبقى ثابتة لا تنمو خلال سير الرواية من جهة أخرى, باستثناء شخصية (ناجي عبد الصمد) والذي تعمد المؤلف أن يقحم اسمه في عبارة كتبها في الصفحة السادسة :
(الصفحات والفقرات المطبوعة بالخط الأسود المائل هي طبق الأصل, مذكرات ناجي عبد الصمد التي كتبها أثناء الرحلة) قاصداً بذلك أن يعدد أصوات الروي أثناء السرد ولإيهام المتلقي بالأجواء الواقعية.

تتوزّع أحداث الرواية بين عدة فضاءات مكانية داخل ولاية شيكاجو الأمريكية, حيث ثمّة مجموعة من الشباب العربي (المصري بالتحديد) يتلّقون تعليمهم الجامعيّ في جامعة (الينوي), يناغم المؤلف (علاء الأسواني) أقدارهم ليصوغ لنا حبكة درامية متعددة السمات وينجح بذلك في الإمساك بقارئه مكثفاً عنصر التشويق والإثارة من جهة وعنصر الجنس من جهة أخرى, حيث كان عنصر الجنس (وإن بدا مكثفاً) إلا أنه من وجهة نظري لم يكن مبتذلاً.

ومع أنّ الرواية تقدّم نماذج إنسانية مختلطة قيمياً ووطنياً، إلا أنّها تقسم شخصياتها الرئيسية إلى عدة معسكرات متضادة كمعسكر المنتمين إلى قضيّتهم الوطنية، والقابضين بنواجذهم عليها: كناجي عبد الصمد, الدكتور أكرم, الدكتور جون جراهام. ثمّ معسكر الأدعياء، المنصرفين إلى تثمير امتيازاتهم القيادية، أو الخاصّة، والأبواق الناطقة بلسان حال قيادات مهمومة بمصالحها الفرديّة: كشخصية أحمد دنانة والدكتور رأفت ثابت ذلك الارستقراطي المنسلخ من بيئته وإن كانت تعشعش في داخله بشكل (شيزوفريني)

في الختام أرى أن الرواية تحمل الكثير من الصراعات وتطرقت إلى الكثير من المواضيع ولكن توغل المؤلف في التفاصيل والإغراق في وصف أدق الزوايا (بغرض إرسالها على طبق من ذهب لمخرج سينمائي محترف) أجبره أن يرسم نهايات مشهديه لكل شخصية, فجاءت هذه النهايات أشبه بخطابات وعظية غيبت كثيراً من جمالية الوصف السردي, ومن جملة هذه النهايات:
حمل (شيماء) نتيجة للعلاقات الجنسية, وموت (سارة) ابنة الدكتور (رأفت ثابت) كضحية لتدليل الوالدين ومن ثم الانجرار إلى المخدرات, وأيضاً انتحار الدكتور (محمد صلاح) كعقاب للجبناء, رغم أن الصراع الذاتي الذي رسمه المؤلف عندما حاول الدكتور (محمد صلاح) أن يتخذ موقفاً إيجابياً بأن يلقي الخطاب على الرئيس ويأمره بالتنحي, ثم يتراجع عن موقفه في أخر لحظة كان من أجمل المشاهد.


مالك القلاف
.
.
نُشِرتْ في صحيفة القراء العرب في عددها الصادر يوم الإثنين بتاريخ 6/2/2007

سلطان اليباب
11-10-2008, 06:31 AM
أهلا مالك

توقفت عند جزئين من القراءة و أسأل من خلال تصفحي و قراءة بعض الروايات و ليس من باب القارئ المتمرس طويل الخبرة:

1- من وجهة نظري اعتقد أن الراوي علاء الأسواني تعمد كتابة الرواية بهذه التقنية واضعاً نصب عينيه نجاحات روايته السابقة (عمارة يعقوبيان) في السينما, لذا صار العمل يحمل ثيمة المعالجة السينمائية وفقد بعضاً من ملامحه كعمل روائي متكامل عندما عمل على جذب أنظار المخرجين لها وسهل لهم المهمة في تقنية القطع السينمائي حيث يتوقف المشهد عند لحظة حاسمة يتمنى القارئ فيها أن يعرف ماذا سيحدث بعد ذلك، ويعود ليشبع رغبته في فصل تال انطلاقا من اللحظة التي توقف عندها من قبل.

الكثير من الروايات تعتمد على التوقف الفجائي و ربما الذهاب بالقارئ إلى مشهد آخر و من ثم إكمال ما توقفت عنده تلك اللحظة الحاسمة و وجدت هذا الأسلوب في الكثير من الروايات. و بعض الروايات يقف في نقطة ثم لا يعود لإكمال النقطة إلا بعض فص أو فصلين حتى.

2- توغل المؤلف في التفاصيل والإغراق في وصف أدق الزوايا (بغرض إرسالها على طبق من ذهب لمخرج سينمائي محترف)

توجد الكثير من الروايات التي توغل في التفاصيل و لا أظن أن كتابها يستحضرون تمثيلها سينمائياً وقت كتابتها إنما الأفراط في الوصف في اعتقادي لخلق البيئة في ذهن القارئ كما يريد الكاتب و لذا يوغل في التفصيل و ذكر أبسط الأمور لدرجة الملل أحيانا. أما في أمر رسم نهايات المشاهد فهذا يعتمد بالمقام الأول على رؤية الكاتب و أسلوبه ... و كما ذكرت قد يكون النص بعيداً عن النص المفتوح و هذا يبدو أسلوباً ارتكز عليه الكاتب في هذا الرواية و قد ذكر لي البعض أن هذا ما راقهم في هذه الرواية تحديداً، أنه لم يستهلك تفكير القارئ في تحديد الخواتيم و هذا الأمر قد يروق لبعض القراء دون غيرهم.

هذا ما دار في خلدي بعد الاطلاع على هذه القراءة .

تحياتي و تقديري

مالك القلاف
13-10-2008, 08:56 PM
العزيز فاضل ..

سعيدٌ أنا جداً بمداخلتك
/
\
/
ألقِيَتْ هذه القراءة في ملتقى القصة قبل عدة أشهر ..
ولا زلت أتذكر ردود فعل بعض المتواجدين ما بين موافق ومشكك.
أتمنى أن تكون قد قرأت الرواية حتى يسهل علي إيضاح ما أود قوله ..
.
.
كلنا أو أكثرنا يعرف مقدار (الواقعية) كـ ثيمة اتسم بها كاتب الرواية الأوروبي وبالأخص الفرنسي في القرن السابع عشر ..
ونرى ذلك جلياً في الرواد كفلوبير وبلزاك .. كانت كتاباتهم مرآة بانورامية لمجتمعهم الفرنسي/
بالتالي يتحتم عليهم إيصال التفاصيل بدقة دون نشاز ودون مبالغة ..
,
,
عندما أرى (الأسواني) وهو يحاكي (صنع الله ابراهيم) في كلاسيكيته, يحاول إثراء مخيلة المتلقي بأدق التفاصيل فهذا شيء اعتيادي .. وأقول اعتيادي حتى حين تبتعد الرواية عن الكلاسيكية ..
أنا لا أستغرب مثلاً عندما أرى (كونديرا) في روايته (كائن لا تحتمل خفته) يحصي حتى صوت قرقرة الجوع التي تخرج من بطن أحدهم على أنها (سبع قرقرات) ..
ماذا سيحدث لو كانت 3 قرقرات أو أربع .. أو فقط قرقر بطنه دون ذكر لعدد ...!!!!
إنما ذكر العدد للإيهام بالواقعية وإثراء مخيلة الذات الفاعلة لا أكثر ..
.
.
أما أن تجد الراوي يكتب الرواية كمخرج ومنتج وسينوغرافيا .. فذلك ما أقصده ..
وذلك ما وقع فيه الأسواني .. حتى الزوايا التي قد يتكىء عليها المخرج بصرياً قد أوصلها دون تحفظ ..
.
.
الأسواني هنا قد كتب روايته دون أن يضع في الحسبان استقطاب القارىء العادي أو حتى الناقد ,,
وضع في حسبانه استقطاب مخرج يخرجها دون أي عناء ..
. . . . . . .

حتى أكون أكثر وضوحاً ..
استاذي المسرحي (عبدالله الجفال)
عندما تقرأ نصوصه المسرحية .. تخرج بفكرة .. ولكن عندما يخرجها هو بنفسه .. ستخرج أنت كمتلقي بعدة أفكار بالإضافة إلى الفكرة التي قد خرجت بها عندما قرأت النص كسيناريو ..
.
.
عندما تقرأ مسرحية (مريم) لياسر الحسن ..
لا يمكن أن تخرج بنفس الفكرة التي ستراودك عندما تشاهد العرض
لأنها كتبت بشكل نص مسرحي ..
كل مخرج يستطيع قراءتها ومن ثم تطبيق رؤيته الإخراجية الخاصة ..
لا يمكن أن يقع مخرجين في نفس الرؤية .. فهو (ياسر الحسن) لم يكتبها بشكل يحصر المخرج برؤية معينة /
..
وهذا ما وقع فيه المخرج (عبدالله الجريان) في مسابقة المسرح في دورته الرابعة عندما أخرج مسرحية للعملاق (صمويل بيكيت) .. ولكن عند قراءة النص تفاجأ الجميع بأن السيناريو كان مكتوب بشكل إخراجي .. حتى الإضاءة والسينوغرافيا ,,
أي أن صديقنا طبق ما هو مكتوب دون أي عناء أو إضافة لمسات إبداعية ..

أتمنى أن تكون ثرثرتي قد أوضحت ما أقصد ..