المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حانة (وطن) الشاعر زكي الصدير


أيمن العمران
25-12-2011, 10:52 AM
http://www.m5zn.com/uploads2/2011/12/25/photo/122511001250neicojhr6sd18mh81fkrw8l.jpg
قراءة قاصرة في (حانة)، للشاعر زكي الصدير.
فلسفة عميقة يباغتها ألم جن في مخاضٍ أدرك الجميع بأن مخاضه قد حان، يَعْبُرُ في أزقَّةِ رحمٍ عقيمٍ احمرَّ من تكبيل سنينه ووطنه، وجلله من قطرات نفاسه أدنى شكٍّ ليدرك معناه الحقيقي.
هذا الوطن وهذه الحانة، هنا بلغة ثانية، نرتله ونرتلها معًا ولكن مكبلي الأيدي والأرجل، ولاحراك لنا إلا ماحُرِّكت به الأنفس فقط.

لاشك أننا عندما نقرأ العنوان (حانة)، ينتابنا شعور ويتبادر إلى أفهامنا: حانة، سكارى، خمر، خود ...إلخ، لكنه وبكل بساطة يأتي الشاعر ويعرفها لنا كوطن يحدو على راحتيه ناي شجي يحمِّل أوزاره كمًّا هائلًا من الرزايا كما يتقنها بالخصوص على وجه العموم.
حيث يقول:
وسيأتي عابر ليقول:
العبارة مجاز واللغة انزياح ...هراء!!!

النوافذ البعيدة والتي يبصر من خلالها كل مقيد بقيود خاوية لو أنه سار في نوافذ (حانة)، لوجد أن باستطاعته إدراك أي ألم قد يحمله هو وغيره، عبارات النافذة التي تتخللها أصوات جشعة لتنفذ من خلال أرجوحة مسجون يحبو وربما يكبو من خلالها بعد ساعات طويلة من ملله منها.

والشاعر يعبر في ذاته ذات الشيء نفسه، بقوله:
هدية
لرفقة الكون
رفقاء زنزانة 13
ولكل نديم نادمته فصدَّقني
وأعانني علي
ولها
هي أن تعرف نفسها.

فالمدارات التي راح يشدو بها شاعرنا لهي واسعة رغم ضيق معابرها وهذا بلا شك يعزز من قيمة الشاعر والخوض فيها صعب وإدراك المعارف فيها كذلك صعب غير أنه حال بيننا ليقول:
هذه ليست حانة إنها قصة عن الحانة
الحانة وطن
وللوطن سلال من الماء
وللماء شبهة لاتقيك إلا من تأويل العطش.


بعدها يبدأ بوصف جميل كأن ذاته:
أقول وقد ناحت بقربي حمامة.

هنا سأقفز قفزة قوية إلى أجمل مابصرته في هذه الحانة، ونرى قصيدة (كوني مثلما كانوا) :
العمر منفى وهذي الأرض أوطانُ
روح على راحه والسكر إمكانُ
من كل مسلوبة منها الهوى عمُرًا
وعد اللقاء بها وهمٌ وحرمانُ
إلى أن يصل إلى:
ورقاء ياقمري غني على وتري
لحن الشرابِ وكوني مثلما كانوا

اختتم القصيدة بعنوانها، وكانت كل القصيدة.
هذه القصيدة والتي للوهلة الأولى التي قرأتها شعرت أنني في حانة لا في حانته الذي قصدها بل شعرت بذلك الخمر والسكر والطرب و و ...، كنتُ أوسِّع على نفسي مدى آفاق تلك اليابسة التي احتضنت زكي حينها، لكني أظنها حانة يحملها بذاته، ليقرأها على تعويذة شرسة ربما أو لطيفة بشوك يؤلم من يعبث به.
ربما كان يعبث مع نفسه في خطايا ماجادته تلك الأيدي على نفسه، وحري به أن يكنها في حانته إلا أنها شاءت أقدارٌ أن يحول بها إلى عالم كل قارئ يدرك معنى نوافذ الوطنية وحرية التعابير من خلال تلك النوافذ العابرة لتمضي أسلافها ويُلحق بها تابوتها الأسود ليُدفن تحت عشب أخضر أو حديقة مشابهة للعشب:
شمسه ظلي
وظلي ودَّعكْ
آملًا أن ينبت العشب معكْ

إن المراوغة من الموزون إلى المنثور، مراوغة صعبة ورغم صعوبتها استطاع شاعرنا هنا أن يمازج بين الاثنين.
اشتمل ديوان الشاعر الرائع زكي الصدير على عدة أنماط مختلفة منها النثر ومنها الشعر بقسميه الحر (التفعيلي)، والعمودي.
فتراه بتنقلاته الجميلة في الأوزان ملفت وجميل فتارة نراه يبحر في (فعولن)، وتارة في (مفاعيلن)، وتارة في عمودياته في البسيط والمتقارب.
وهذه التنقلات الرائعة لهي من تمكن الشاعر من سبر أغوار الموسيقى الشعرية الداخلية والخارجية بلا شك.
غير أن الذي أعجبني حينها من بين مانسجه موسيقيًّا وعروضيًّا، قصيدة (ياسمين)، والتي أتت على الخفيف المجزوء:
يانديمي على البكا
خذ كؤوسي جوًى لكَ
يعتري القلب رعشة
كلما رق أشركا

لاحظ موسيقاها جيدًا، عجيبة وراقصة!.

إيقاعات الخروج عند الشاعر:
في قصيدة (وهم)، نراه قد سار على (فاعلن) في بدايتها، ويذيلها بأختها الفاتنة (فاعلان)، إلى يصل إلى (أيحزنها أن تطال يداه السماء)، فهنا نرى إيقاعًا خرج عن تلك التفعيلة التي ابتدأ بها شاعرنا وهي من أبسط التعابير مقلوبة منها، بعدها عاد إلى (فاعلن)، لتكون في مصاف أختها الأخرى (فعولن)، غير أن هذا الخروج في الحديث لايعد غلطًا معتدًا به إلا أنه دقيق وعلى الشاعر أن يمازح بين تفعيلتين لاتكاد الأذن تتحسس من خروج الشاعر فيها.

التدوير العروضي في القصيدة العمودية والتدوير في التفعيلة:
هنا ربما الشاعر لم يخطئ وإنما طبعة الديوان أتت هكذا حيث أن التدوير في القصيدة العمودية لم يوفق فيه، نعم ربما هذه الملاحظة قد لاتسمن من جوع لكنها في نظري تخل بين الشطرين إذ أن الكفة الأولى ترجح على الأخرى، وكمثال:
أتلصص خلفك بالعيني(ن)
أريجك مسك في عنبر
كان من حق النون أن تلق بالعجز.
لكنه وفق في التدوير في التفعيلة كقوله:
إنه واهم
فالمساء سيم(ضي
ولا) ثم ريح ستوقظه بعدها
لاحظ التدوير في التفعيلة:
فا
علن

هنات عروضية:
في قصيدة (نزهة الفم)، والتي أتت على البحر البسيط ذي الوحدة الصوتية (مستفعلن فاعلن)، يقول الشاعر:
ماطاش من كفكِ من خمرة سفهًا
أحسوهُ في رغبة من صفحة الألم
وفي بيت آخر:
الآن أشربكِ كأسًا على مهل
وما كؤوسيَ إلا ماؤكِ ودمي
إن إشباع بعض الكلمات لغويًّا وعروضيًّا بلا حجة من أجل الوزن، يعد أيضًا من الكسر العروضي والذي يحاسب عليه الشاعر، إذ أن الإشباع في اللغة والعروض مخصوص في حالات معينة كالضمير والقافية ولا حجة له في مثل:
كفكِ، أشربكِ و ماؤكِ، إذ لايستقيم وزن الأبيات المذكورة إلا بإشباع كاف كل من (كفكِ وأشربكِ وماؤكِ)، لتصبح (كفكي، أشربكي وماؤكي)، فلو لم نشبع، لأصبح لدينا (فعلُ)، (مستفعلُ)، وتلك التفاعيل لم أجدها في البسيط ولا من بين الكتب العروضية الموجودة في حوزتي، إلا إذا وجدت أو استخدمت من قبل من لهم الباع الطويل في هذا الجانب أو كانت له الحجة وكانت له نظرته المتفردة في ذلك، فله ذلك ولنا نظرتنا القاصرة أيضًا.

كل هذا لايخلُّ بحجم جمال شاعرنا زكي، وليس هو من يجهل هذا الأمر، بل ربما وصل إلى شيء أكبر من ذلك كأبي العتاهية حينما قالوا له: خرجت عن العروض!، قال أنا أكبر منه.
نعم أنت أكبر من العروض.

أمنياتي أن تسعني حانتك لأشرب نخب حرية هذا الوطن معك ياصديقي.

أيمن العمران.

سلطان اليباب
27-12-2011, 01:56 PM
قراءة واعية أيمن ..

ننتظر منك قراءات قادة : )

أيمن العمران
27-12-2011, 02:04 PM
قراءة واعية أيمن ..

ننتظر منك قراءات قادة : )

شكرًا فاضل، وسام أرتديه كلامك.

القراءة لديوانك الفاتن، قادمة إن شاء الله ;bye;