المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تاروت ليست فينيقية*


سلطان اليباب
29-10-2011, 09:33 PM
تاروت ليست فينيقية
الثلاثاء, 18 أكتوبر 2011
http://ksa.daralhayat.com/files/imagecache/medium_thumb/files/rbimages/1318872488800198900_0.jpg
حسن دعبل


الفينيقيون مرّوا من هنا، مرّوا مرفوعة أشرعتهم الأرجوانية ببهاء على سفنهم العجيبة بقيدومها المنحني ببهاء صنعته، وجمال غرته.
الفينيقيون ماذا حملوا، وماذا تركوا لنا بين بساتين النخيل، أو على ضفاف البحر، غير ذكرى وأسماء ولعنةٍ مخلدةٍ، لإلهة حبٍ حملوها كتابوتٍ في أسفارهم، وتنقلاتهم البعيدة في هول البحار، أو كتميمةٍ، أو صلاةٍ لمعبودة حبٍ تخلَّدَ بها المكان الذي نحيا ونقيم، وتقيم به سرّ حيواتنا وأسلافنا.
فهل لهذه الجزيرة سرّ مخلدٌ لفينيقية الخلود، أو سرّ مدفون لغفلان هذا النسيان المبجل المحمول على كاهن هذا الاسم. ولقد ظلت هذه الجزيرة ذات الاستيطان الأقدم والمبكر جداً لعصر السلالات الأولى، منذ أقدم استيطان بشري على وجه البسيطة، ومنذ ظل اسم الإلهة المقدسة أو الرّبة (عشتار) لغزاً محيراً لكل الأقوام التي مرّتْ وأقامت هنا، حتى غابت تلك الحقيقة المقدسة لقدسية وطهارة هذه البقعة المباركة لسرمدية النعيم الأزلي، والبرزخ المخلّد والفردوس المفقود. إذاً، هذا المدفن المائي المقدس؛ أيُّ عشتارٍ أو ربةٍ أو آلهة منحته بركاتها وخلود اسمها، هل هي عشتاروت الأكدية أو الرافدينية، أم عشتاروت الفينيقية؟
فعشتارت آلهة الحب والخصب والحرب، وآلهة المعارك والبغي المقدس؛ هي إنانا السومرية، وعشتار البابلية والأكادية، وسُميت عشتار في السواحل الفينيقية، سوريا، لبنان، وفلسطين، وهي آلهة كل المناطق، حتى لو تغير اسمها وطقوسها من مكان إلى آخر؛ فعشتار المؤنثة، أي البعلة والسيدة، أو (عشترة) كما جاءت في رسائل تل العمارنة. أما النصوص اليونانية، فتنطق (آستارت) أو (أشتارية). أما بنو إسرائيل فأسموه (عشتوريت). أما التسمية الأكادية (عشتار) Eshtar، فهي سامية الأصل، حتى تعددت بهذه الربة المقدسة الأسماء والعبادات في كل مناطق الشرق الأدنى القديم؛ فالساميون الشماليون أسموها (عشتارت). أما في راس شمرا وعرب جنوب الجزيرة فأسموها (عثر) Athr؛ أما اليونانيون فأسموها أفروديت. فظلت عباداتها في كل الحضارات مقدسة بين الأنوثة والذكورة، في فترات مبكرة في وادي الرافدين. ولعل كلمة «عشتار» الأكادية، والتي تفيد بصفة الأمومة المقدسة، وتعني المعبودة الشخصية أو تمثالها، وهو ما كان يتخذه الفرد كوسيلة بينه وبين الآلهة الأخرى، لذا اشتق اسمها أو صفتها المقدسة، فكانت صفة (عشتوريت) تطلق أيضاً على صنف معين من النسوة اللاتي كن مكرسات للخدمة في المعابد، مع أصناف أخرى، مثل (كولماشيتو وقاديشتو) ممن كُنَّ يمتهنَّ البغاء المقدس؛ وحتى الكتاب المقدس أو (العهد القديم) وهو يصف عشتار بأنها الإلهة الغريبة، وأنها آلهة الصيدونيين- أي الفينقيين - وكما تشير التوراة، أن بني إسرائيل تركوا الرب، وعبدوا البعل وعشتارت. فعشتار ربة صور، ربما حملها الفينيقيون في كل ترحالهم وأسفارهم وهجراتهم وتجارتهم.
فكيف منحت عشتار الفينيقية صفتها هنا، لجزيرةٍ مقدسة للشرق الأدنى القديم؟ فالفينيقيون أول أمةٍ بحرية في التاريخ، فالبحر لا يخيفهم والعالم المجهول يفتنهم بدلَ أن يلقي الرعب في قلوبهم؛ لهذا جابوا البحار وأسسوا طرقها البحرية بين مشرقها ومغربها. ففينيقيا المشتق من Phoinix اليونانية أي أحمر أرجواني، أو الموركس الأرجواني اللون الذي يصيدونه من البحر، ليصنعوا منه أرديتهم المصبوغة بالأحمر، وحتى أنهم اتخذوا النخلة شعاراً لهم على أشرعة سفنهم، لكثرة زراعتها في الأزمنة القديمة، أما طبيعة مدنهم وطبوغرافيتها فكانت مميزة، وتشيّد على مرتفعاتٍ صخريةٍ فيكون لها مرفآن، أحدهما في الشمال والآخر في الجنوب - فهل كانت جزيرة تاروت مرفأ جنوبياً، والجبيل مرفأ شمالياً - يستخدمانه تبعاً للريح والفصول؟! إذ كان الفينيقيون يفضلون الجزر التي تقع بعيداً عن الشاطئ، بحيث كان من الأيسر لهم وعليهم تحصينها والدفاع عنها مدة أطول عند الحصار، لذا فقد أسسوا عبر كل البحار التي جابوها مراساً ومحطات لمراكز تجارتهم. لذا يظل غموض تسمية هذه الجزيرة وفينيقيتها غامضاً ومغيباً.
فكل المعثورات التي وجدت وسرقت ونهبت من هذا المكان، تشير إلى استيطانات مبكرة جداً، فلماذا حظيت بتسميتها الفينيقية، وتركت سومريتها وأكاديتها، ولماذا لم يتم العثور حتى الآن على المذبح الحجري للثالوث الإلهي الفينيقي ( ملقارت- عشتارت- بعل شمين أو أودنيس) كالذي عثر عليه في صور الفينيقية. أم ما زال هذا المعبد الفينيقي يرقد تحت الأرض التي تقف عليها قلعة تاروت، أو على مدنها الأربع القديمة؟ فأي أثرٍ مادي يشير إلى فينيقية المكان أو معبده المقدس؟
فكل التماثيل والُّلقي والفخاريات والقلادات والأختام وعظام الأسماك والمحار، تشير إلى دلمونية وخلود المكان وسرمديته، حتى القبور المتناثرة على أطراف الجزيرة وداخلها، تشيد وتشير إلى ذاك الأثر البعيد المغٌيب. فماذا نسمي تمثال الإلهة المذهب أو تمثال العابد، وهو مكتوف اليدين في حالة تعبد، وبشعره الحليق، والتي يشبه تماثيل فترة (جمدة نصر) الغير حليقة، وحتى رأس الثور النحاسي والمكتشف هنا فيمكن إرجاعه من حيث التطابق إلى رؤوس الثيران من جنوب العراق في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد.
ولا يبدو هذا غريباً أو مستغرباً، إذا عرفنا أن جزيرة تاروت كانت ميناءً مهماً خلال تلك الفترة المهمة وامتداداتها عن طريق الرحلات التجارية للسفن البحرية وشبكة تجارتها البحرية في تاريخ الشرق القديم؛ وبحيث أصبحت جزيرة تاروت منطقة جاذبة وتستقطب كل ألوان البشر وأعراقهم، فكانت في الألفية الثالثة ق.م، ميناءً تجارياً ومكاناً جاذباً تختلط فيه المذاهب والقوميات والأمم والأعراق.
فأين هذا الأثر المادي لفينيقية المكان غير التجاري والبحري؟ وهل سنعثر هنا على توابيت باذخة وقرابين جنائزية لموتاهم؟ ولأن الفينيقيين كانوا يؤمنون بالحياة ما بعد الموت، فلم تكن الجزيرة تعني لهم بالخلود.
أي أن المدافن الفينيقية تشبه إلى حد كبير المدافن المصرية على صور عدة؛ فالفقراء يدفنون في الحقول، أو في جرار فخارية؛ أما الأرستقراطيون فكانوا يدفنون في نواميس أو توابيت حجرية، وكانت تقام إلى جوار المقابر أعمدة جنائزية، وهذا ما لم نتلمسه في الجزيرة، أو في مقابرها ومدافنها المتناثرة. إذاً هذه الجزيرة وصمت بتلك اللعنة الفينيقية الأبدية العابرة للمكان، حيث الاسم المبارك لإلهة الحب والجمال الرافدينية بتماثيلها ولقيها وكنوزها؛ لهذا احتارت الأسماء والأزمان، كما احتار معها الكتاب والبلدانيون بسطحية الرؤى وفقر المعرفة.


منقول من جريدة الحياة*

forat
30-10-2011, 07:30 PM
شكرا أبا السلاطين على هذه النفحة الطيبة .........

أبا صبا دائما ما يأخذني في احلام كتابته الأنيقة فيسرد فيها بعض من دراساته التي أخاله عاشها بكل تفاصيلها ............. ودون قصد منه يجعلني أعيش لحظة من تلك الرؤية التي تفرد بها لهذا العشق ..

تمنياتي للجميع بقراءة ممتعة ........

سلطان اليباب
30-10-2011, 07:49 PM
نعم أجدُ أن أبا صبا يتألق في سرده للتاريخ و يجعله كقطةٍ أدبية لا تمل من التبصّر فيها و في تفاصيلها القديمة..

أتذكر في حديثٍ معه أنه أخبرني عن عثور بعثةٍ كانت تحفر في "المطار القديم" عن جرارٍ فيها رفاتٍ لبشر و أعتقد أنه تبيّن لي من هذا السرد ما علاقة ذلك. كما أن تحديده للقلعة و ما تحتها مفتاحُ سؤالٍ عما إذا كانت هذه المنطقةُ بالفعل تغفو على إرث الفنيقيين و الذي خلفوه وراءهم..

سمعتُ عن تماثيل هرّبت من تاروت لبريطانيا إبان التواجد البريطاني في المنطقة و نفوذهم هنا .. لا أعرف الكثير لكن هذه لطشات من سماعي و لستُ متيقنا منها تمام اليقين

forat
30-10-2011, 09:29 PM
هناك الكثير مما تناثر هنا وهناك عن تاريخ حوض الخليج والحضارات التي سادت وبادت ولم يعد منها سوا ما تلافته أيادي سراق التاريخ ممن كانوا هنا وهناك على ضفتي هذا الخليج وفي ضفته الثالثة التي لم تكشف بعد عن سترها الثمين ( بلاد العراق ) ........ الكثير من القصص المشابهه تناقلتها أيضا الألسن والكتب عن تماثيل ذهبية وحجرية تم العثور عليها في بساتين الجزيرة الصغيرة وتم بيعها بأثمان زيهدة أو إهدائها للتقرب من بعض المتنفذين دون معرفة مسبقة أو بمعرفة ممن قام بتلك العملية موضوع متشعب والبحث فيه مضن ........ الكثير ممن إرثنا في متاحف وقصور متناثرة حول العالم وهناك القلة من شبابنا من تعرف على هذه الثروة فجمع ما استطاع وجعله متحفا خاصا يرتاده بعض من معارفه وربما دون أن يفصح عنه .........بالأمس القريب مات أحد أصحاب المتاحف الشخصية وآل كل ما جمعه إلى بيعه في سوق واقف وسوق الخميس والبعض منه تم الإستيلاء عليه والبعض الآخر تم رميه في أكوام الزبالة ( أعزكم الله ) كنت واقفا أبكي على تلك البيعه كان بها جرار وتماثيل متنوعة وصحون ونقوش وحلي وآواني وغيرها بيعت في سيارتها بـ 1000ريال.............. إيه العين بصيرة والإيد قصيرة ......... ترى كم دفع من المال والوقت والجهد من المرحوم في هذا التاريخ .........

عبدالله آل دعبل
31-10-2011, 06:25 AM
الجمالُ السّاحرُ يحرّضُ على انبثاق تساؤلاتٍ أجمل وأعذب,
كنّا في ما مضى نقرأ عند بعض الكتّاب, أنّ الفينيقيين استوطنوا هاهنا.., ولعلّ الخدعةَ التي تشرّبناها هي من تغيّر مسمّى ( عشتار/ عشتاروت ..... ) فلا نكاد نبصر..
إنّما كنّا نتساءلُ بين أنفسنا: أين أبجديّتهم عن المنطقة؟! أين بقايا سفنهم؟! أين أيسرُ وأدلُّ شيءٍ ملموسٍ عليهم كـبقايا عاداتٍ وطقوس...؟!
ما كان يجعلني أخفي تساؤلاتٍ كهذه, هو قولنا ونحن صغار: هل ستجادلُ وتُخطِّئ من قالوا بفينيقيّتها, وهم أعلمُ وقد كتبوا؟!

قرأتُ الموضوع كثيراً, وكنتُ سأترك التعليق لأجلٍ قد تتخمّر فيه الأسئلةُ أكثر, ربّما أعودُ مركّزاً على نقاطٍ أو مستفسراً
شكراً جزيلاً لمدادك الممزوج برائحةِ الأسلاف وعبقهم يا أبا صبا, أتمنّى أن أرى ما يقدحُ الفكر بتساؤلاتٍ جمّة عن " دلمون " و وادي الرافدين ..

<< الزميل فاضل:
هلاّ تخبرنا عن الحديث الذي دار عند أبي صبا حول المنطقةِ ( في المطار القديم ) والتي إلى يومنا هذا مازالت مسيّجةً بالحديد.. الذي أذكر أنّي قرأته هو اكتشاف مقبرةٍ إن لم تخنّي الذاكرة و ....

سلطان اليباب
31-10-2011, 05:09 PM
نعم تكلم عن مقبرة وجدوا فيها ما ذكرته سابقاً و أما الأشياء الأخرى فأعتقد أنها مطموسة أو أن فرق البحث و الاستكشاف معمىً عليها أو غير موجودة من الأساس

علي آل عاشور
09-11-2011, 11:29 AM
تناقشت مع أبي صبا حول هذا الموضوع ولكنه كان نقاشا ً سريعا ً ..

احتاج للبحث في موضوع عشتاروت و مدى علاقتها بالمنطقة لأن هذه الآلهة رافق اسمها العديد من الحضارات القديمة و من خلال قرائتي وجدت هذا الاسم موثقا ً إلة ما قبل 7 آلاف عام قبل الميلاد كآلهة و لكنه كان مختلفا من منطقة لأخرى و من حضارة لحضارة ( عشتيروت ، عشتيار ..... الخ ) .

من النواحي قدوم الفينيقيين قد أقف كثيرا ً هنا و هذا ما دار بيني وبين الدعبل الجميل عن تنقل الفينيقيين و انحدارهم من الكنعانيين حتى نصل لبذرة العماليق و أثرهم و روابطهم في مختلف المناطق و خصوصا ما بين بلاد البحرين و بلاد الشام من حيث تشابه أثري و تشابه أسماء و حلل مناطق و غيرها من الأمور . ما زلت أعتقد بأن الفينييق كان لهم أثر كبير في حياة المنطقة بل ما قبلهم حتى من عماليق .

و قد طرحت هذه المسألة على أبا صبا و عن تغلغل الحضارة الدلمونية في دمائنا .
فإن كان لمسمى تاروت نزوح من حضارات رافدانية فما موقع الآلهة إنليل و أنكى و مدى ترابط بابل بالمنطقة و أين الآلهة شمش من الإعراب في رمال المنطقة بعيدا ً عن توارث الطقوس ؟

التاريخ لذيذ و لكنه متعب ...

و قد يحلو لي نقاش آخر مع الدعبل الجميل حول هذا الجنون


شكرا ً لك يا ابو السلاطين ..