أيمن العمران
07-08-2011, 07:02 AM
هل أخطأ أبو القاسم الشابي أم نحن من أخطأ؟
إذا الشَّعْبُ يومًا أرادَ الحَياةَ – فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القَدَرْ.
هكذا استطاعت الشعوب الحرة والعارفة بالإنسانية الحقة التغلب على الأنظمة الفاسدة.
لاشك في أن هذا البيت أخذ صداه الأكبر في الثورات العربية الأبية الشريفة، والتي من خلالها طالب ونجح الثوار الأحرار بطيب العيش مما عانوه من الأنظمة الديكتاتورية المنغلقة.
سأعرض موضوعي من ناحية موسيقية ومن ثم سأعرج على مايتبقى لدي.
اتفق أكثر القدماء على أن الشعر يقوم على أربعة أركان: وهي اللفظ، الوزن، المعنى والقافية، غير أن البعض ألغى لفظ القافية من تعريف الشعر وقالوا: إن التقفية وهي القصد إلى القافية ورعايتها لاتلزم الشعر لكونه شعرًا بل لأمر عارض كونه مصرعًا أو قطعة أو قصيدة أو لاقتراح مقترح وإلا فليس للتقفية معنى غير انتهاء الموزون وأنه أمر لابد منه جار من الموزون مجرى كونه مسموعًا ومؤلفة وغير ذلك فحقه ترك التعرض.
المد الصوتي والانسياب فيه والسرعة لهي من جماليات النغم الصوتي، فتلاحظ مدى جمال المد والعروبات من خلاله إذا أتى به بكيفية قد تخضع لموسيقى جمالية قد يتخللها الكثير من الزخارف النغمية دون تكلف ونشاز صوتي ممكن أن ينتج عنه ذلك الخصام الشديد بين الأذن وبينه.
أما السكون العارض فهو في نظري قد يقلل الموسيقى وجماليتها مالم يبرعْ فيها الفنان الموسيقي فهنالك موسيقى في سكناتٍ عدة تكون جمالية وهذا طبعًا يُحسب في نتاج الفنان وإبداعه، لكن بلا شك يؤخذ بتكلف وعزم شديد في درج الموسيقى خصوصًا إذا كان منحازًا نحو ملهيات أخرى تأخذه بعيدًا عن التكوين الموسيقي المتزامن مع النغمة المندرجة في أصل النغم.
وعلَّ الشواهد كثيرة لايمكنني حصرها، لكني حصرتها على البيت الذي هو في مطلع الموضوع لكون أن الجميع قد عاش وردد مع الثورات الأبية لاسيما ثورة تونس وهي أرض الشاعر والذي حصرت بيته الشعري في موضوعي.
يقول الثوَّار الأباة (بتصرف منهم)، كما أدَّعي:
إذا الشَّعْبُ يومًا أرادَ الحَياةْ – فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القَدَرْ.
نلاحظ أن النمط الموسيقي في تلك التاء المربوطة والتي في بالأصل محركة تحريكًا جماليًّا، قد ظهر عليها التعب والنشاز أثناء إنشادهم ذلك البيت الحي والذي من خلاله أوصلهم لنيل العيش الطيب، أنه يعاني من جماد ركيك لايكاد أن يكون ضمن الفراغات الجمالية سواءً على الصعيد العروضي (الموسيقى)، أو على الصعيد اللغوي ناهيك عن (سكِّنْ تسلمْ)، إلا أن هذا مما يؤخذ بالأصل على صاحب البيت المنشود لا إلى مادُعوا به الثوار، وهذا لاينحصر نحوهم فقط بل ينحصر نحو أفق أشمل وأوسع نحو الثوار وغيرهم ممن يقرأ أو ينشد هذا البيت بهذه الكيفية.
إن التاء الساكنة بطبيعتها من حروف الهمس والتي من خلالها إن وقفنا عليها أعطيناها همسًا بطرف اللسان وحبس النفس وإخراجه مع صوت يخرج من فم المتكلم.
والهمس لغة: الخفاء.
اصطلاحًا: جريان النَفَسْ عند النطق بالحرف لضعفه الناشئ عن ضعف الاعتماد عليه في المخرج.
وماكان مهموسًا يعني أننا إذا نفينا الهمس عنه ذهب الحرف وصفته، وهذا بطبيعته يعطينا الطابع الأكبر نحو صعوبة النغم فيه خصوصًا أن الهمس لانغم فيه غير أنه مسموع، وبالتالي فإن النغم فيه معدوم أصلًا ولايمكننا مد الصوت فيه إلا بتكلف والتكلف غير مشروع صوتيًّا وسمعيًّا.
ومن هنا إن حصرنا تلك التاء المربوطة نحو هذا النغم الذي أنشده البعض ينبغي أن يُراعى أولًا بالموسيقى الدارجة في الوسط النغمي وثانيًا بصفته الدالة عليه. غير هذا لايعني سوى قولنا بذهابها درج الرياح وسقوطها نحو مالا تشتهي ويكون بديلها النشاز الذي قد يجعل الآذان لاتسمعه مهما كان جماليًّا.
إن عروض الأبيات ينبغي أن تكون ساكنة غير مسكَّنة وأعني بذلك أن تكون الكلمة الناسخة محل العروض ساكنة بالفطرة أي أن تكون (ذات تنوين، مجزومة ...)، وغير ذلك فهي مسكَّنة أي أن الذي ينشد البيت هو من سكَّنها وإلا فهي غير ذلك، إلا في بعض الأبحر والتي تقبل عروضها زحافًا غير لازم -وهذا ما سأوضحه لاحقًا-، يجوز أن تكون تلك العروض متحركة وبالطبع هذا ينفي بعض الكلام الذي دار حول العروض بأن مقيد لانفس حرٍّ فيه، وأيضًا يعطي جمالية في درج الإلقاء ويعطي وحدة نغمية متماسكة بعيدة عن التكلف مثلما التبس على البعض.
البيت والذي سبق ذكره، لايخفى على شاعرٍ قصرت أم طالت به الشاعرية، يعرف بأنه من البحر المتقارب ذي الوحدة الصوتية (فعولن)، وهو تام أي استوفى جميع تفاعيله.
إذ شْشَعْ - بُ يومن - أرادَ ل - حَياةَ = فَلا بُدْ – دَ أنْ يَسْ- تَجيبَ لْ – قَدَرْ
فعولن – فعولن – فعولن – فعولُ = فعولن – فعولن – فعولن – فعِلْ
إذ شْشَعْ - بُ يومن - أرادَ ل - حَياةْ = فَلا بُدْ – دَ أنْ يَسْ- تَجيبَ لْ – قَدَرْ
فعولن – فعولن – فعولن – فعولْ = فعولن – فعولن – فعولن – فعِلْ
لاحظ البيت بالتحريك كيف أن موسيقاه واضحة وطرية تغني السامع وتجعله يسبح في أفق موسيقى يطول نغمه وبيانه، وخصوصًا في أنه زحافه (القبض)، أعطى جمالية أكبر ناهيك عن أن الزحاف هو الإسراع لغة، وبالتالي يتضح قولي في أن الإسراع الموسيقي لهو من جماليات الموسيقى، وهو مطلب موسيقى بلاشك.
بينما بالسكون الخافت والذي لايعطي حتى صفة الحرف (الهمس)، لايعطيك المجال النغمي الموسيقى الواسع، والذي أعطانا إياه أثناء التحريك، فقد أضفى عليه الركاكة والتكلف على المردد والمستمع (في نظري)، حتى وإن أضفنا إليه الصفة الهمسية فلا تكاد موسيقاه تُستساغ.
وإن أصبحت هاءً ساكنة عند الوقف فلا يعني أنها تذهب في الصحة لغويًّا.
من الناحية العروضية (الأشمل)-:
1- للمتقارب عروضين:
الأول سالم (فعولن).
والثاني محذوف (فعو = فعِلْ).
نعم قد تدخل (فعولُ) و (فعِلْ)، أعارض الأبيات إلا إننا لايمكننا صفها مصاف العلة، ولهذا يقول علماء العروض في شأن القبض والحذف في المتقارب: (فعولُ)، مقبوضة قبضًا لايثبت ولذا لايعتد به فتسمى على الرغم منه صحيحة.
إن الحذف (فعو)، حقا علة, والعلة من شأنها اللزوم, ولذا لزمت في الضرب, ولكنها ههنا (أي في عروض المتقارب فقط) علة مفارقة, لاتلزم.
والنتيجة: أن تام المتقارب عروضه صحيحة، أما ضربه فيكون صحيحًا, مقصورًا, محذوفًا وأبترًا.
والأول كثير, والثاني دونه كثرة, والثالث مستفيض شائع, وأما الأخير فنادر وهذا أنذر ما أورده العروضيون من الأضرب, حتى أنه لم يرد في كتبهم الأولى إلا في بيت واحد, فيه خطأ نحوي, غير منسوب لقائل, ولا داخل في قصيدة ولامعزز بأخ, وهذا إذا أضفت إليه ضعفه من ناحية الموسيقى, ويُرجَّح أن يكون من اختراعات العروضيين، لكن ابن عبد ربه والشيخ جلال الحنفي قد ضمناه في أكثر من شاهد.
2- إن (فعولْ)، هي أحد ضروب هذا البحر، والذي لايمكننا موازنته في عروض الأبيات إلا في حال التصريع، وبالتالي فلا تدخل (فعولْ) العروض أبدًا في قوانين العروض إلا تحت مسمى الصنعة العروضية، كالموشحات وغيرها.
3- مكان وحركة العروض حساسة جدًّا وهي الفاصل الذي يتنفس فيه الشاعر، فالتسكين المتعمَّد في الأبيات وأخص بالذكر هنا (عروض الأبيات)، لايقبله العروضيون ولايسلم به اللغويون، بل ويعتبرونه عيبًا في الشعر وخطأً فادحًا لايمكن التغاضي عنه، ويدرجونه تحت الكسر الوزني، وما اعتُبِرَ كسرًا فهو نشاز بكل تأكيد، لأن علم العروض هو علم قائم بحد ذاته على الموسيقى المتزنة والمسبوكة سبكًا متوازنًا.
4- فعولُ و فعولْ:
الأولى عملية قبض وهي زحاف تحدث على تفعيلات الحشو وعلى تفعيلة العروض، ولا تحدث على تفعيلة الضرب، أما الثانية فهي عملية قصر وهي تحدث على تفعيلة الضرب فقط.
هنالك شواهد عدة للعروض المتحركة، لكني اقتصرت على هذا الشاهد وذكرته ليس لأنه الشاهد الفريد، بل لأنه اتسع نحو آفاق واسعة، ولا ننسى في أن مضمونه له الجانب الأكبر في هذا ناهيك عن إنشاده في عدة ثورات أبية مثلت معنى القداسة الإنسانية.
ومن تلك الشواهد وأكتفي بها:
قول المتنبي:
فَمـالَكَ تَقْبَلُ زورَ الكَـلامِ - وَقَدْرُ الشَّهـادَةِ قَدْرُ الشُّهودْ
فَكُنْ فارِقًـا بينَ مَعْنى أَرَدْتُ - وَمَعْـنى فَعَلْتُ بِشَأْوٍ بَعِــيدْ
وقول إيليا:
كَأَنَّيَ لَسْتُ أَمـيرَ الكَلامِ – وَلا صاحِبَ المنْطِـقِ الأَنَفَسِ
وفي الأخير:
من لم يرَ الفرق الواضح واستساغ البيت بسكون عروضه، فبلاشك فإنه لن يقبله من الناحية اللغوية والعروضية.
إذا الشَّعْبُ يومًا أرادَ الحَياةَ – فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القَدَرْ.
هكذا استطاعت الشعوب الحرة والعارفة بالإنسانية الحقة التغلب على الأنظمة الفاسدة.
لاشك في أن هذا البيت أخذ صداه الأكبر في الثورات العربية الأبية الشريفة، والتي من خلالها طالب ونجح الثوار الأحرار بطيب العيش مما عانوه من الأنظمة الديكتاتورية المنغلقة.
سأعرض موضوعي من ناحية موسيقية ومن ثم سأعرج على مايتبقى لدي.
اتفق أكثر القدماء على أن الشعر يقوم على أربعة أركان: وهي اللفظ، الوزن، المعنى والقافية، غير أن البعض ألغى لفظ القافية من تعريف الشعر وقالوا: إن التقفية وهي القصد إلى القافية ورعايتها لاتلزم الشعر لكونه شعرًا بل لأمر عارض كونه مصرعًا أو قطعة أو قصيدة أو لاقتراح مقترح وإلا فليس للتقفية معنى غير انتهاء الموزون وأنه أمر لابد منه جار من الموزون مجرى كونه مسموعًا ومؤلفة وغير ذلك فحقه ترك التعرض.
المد الصوتي والانسياب فيه والسرعة لهي من جماليات النغم الصوتي، فتلاحظ مدى جمال المد والعروبات من خلاله إذا أتى به بكيفية قد تخضع لموسيقى جمالية قد يتخللها الكثير من الزخارف النغمية دون تكلف ونشاز صوتي ممكن أن ينتج عنه ذلك الخصام الشديد بين الأذن وبينه.
أما السكون العارض فهو في نظري قد يقلل الموسيقى وجماليتها مالم يبرعْ فيها الفنان الموسيقي فهنالك موسيقى في سكناتٍ عدة تكون جمالية وهذا طبعًا يُحسب في نتاج الفنان وإبداعه، لكن بلا شك يؤخذ بتكلف وعزم شديد في درج الموسيقى خصوصًا إذا كان منحازًا نحو ملهيات أخرى تأخذه بعيدًا عن التكوين الموسيقي المتزامن مع النغمة المندرجة في أصل النغم.
وعلَّ الشواهد كثيرة لايمكنني حصرها، لكني حصرتها على البيت الذي هو في مطلع الموضوع لكون أن الجميع قد عاش وردد مع الثورات الأبية لاسيما ثورة تونس وهي أرض الشاعر والذي حصرت بيته الشعري في موضوعي.
يقول الثوَّار الأباة (بتصرف منهم)، كما أدَّعي:
إذا الشَّعْبُ يومًا أرادَ الحَياةْ – فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجيبَ القَدَرْ.
نلاحظ أن النمط الموسيقي في تلك التاء المربوطة والتي في بالأصل محركة تحريكًا جماليًّا، قد ظهر عليها التعب والنشاز أثناء إنشادهم ذلك البيت الحي والذي من خلاله أوصلهم لنيل العيش الطيب، أنه يعاني من جماد ركيك لايكاد أن يكون ضمن الفراغات الجمالية سواءً على الصعيد العروضي (الموسيقى)، أو على الصعيد اللغوي ناهيك عن (سكِّنْ تسلمْ)، إلا أن هذا مما يؤخذ بالأصل على صاحب البيت المنشود لا إلى مادُعوا به الثوار، وهذا لاينحصر نحوهم فقط بل ينحصر نحو أفق أشمل وأوسع نحو الثوار وغيرهم ممن يقرأ أو ينشد هذا البيت بهذه الكيفية.
إن التاء الساكنة بطبيعتها من حروف الهمس والتي من خلالها إن وقفنا عليها أعطيناها همسًا بطرف اللسان وحبس النفس وإخراجه مع صوت يخرج من فم المتكلم.
والهمس لغة: الخفاء.
اصطلاحًا: جريان النَفَسْ عند النطق بالحرف لضعفه الناشئ عن ضعف الاعتماد عليه في المخرج.
وماكان مهموسًا يعني أننا إذا نفينا الهمس عنه ذهب الحرف وصفته، وهذا بطبيعته يعطينا الطابع الأكبر نحو صعوبة النغم فيه خصوصًا أن الهمس لانغم فيه غير أنه مسموع، وبالتالي فإن النغم فيه معدوم أصلًا ولايمكننا مد الصوت فيه إلا بتكلف والتكلف غير مشروع صوتيًّا وسمعيًّا.
ومن هنا إن حصرنا تلك التاء المربوطة نحو هذا النغم الذي أنشده البعض ينبغي أن يُراعى أولًا بالموسيقى الدارجة في الوسط النغمي وثانيًا بصفته الدالة عليه. غير هذا لايعني سوى قولنا بذهابها درج الرياح وسقوطها نحو مالا تشتهي ويكون بديلها النشاز الذي قد يجعل الآذان لاتسمعه مهما كان جماليًّا.
إن عروض الأبيات ينبغي أن تكون ساكنة غير مسكَّنة وأعني بذلك أن تكون الكلمة الناسخة محل العروض ساكنة بالفطرة أي أن تكون (ذات تنوين، مجزومة ...)، وغير ذلك فهي مسكَّنة أي أن الذي ينشد البيت هو من سكَّنها وإلا فهي غير ذلك، إلا في بعض الأبحر والتي تقبل عروضها زحافًا غير لازم -وهذا ما سأوضحه لاحقًا-، يجوز أن تكون تلك العروض متحركة وبالطبع هذا ينفي بعض الكلام الذي دار حول العروض بأن مقيد لانفس حرٍّ فيه، وأيضًا يعطي جمالية في درج الإلقاء ويعطي وحدة نغمية متماسكة بعيدة عن التكلف مثلما التبس على البعض.
البيت والذي سبق ذكره، لايخفى على شاعرٍ قصرت أم طالت به الشاعرية، يعرف بأنه من البحر المتقارب ذي الوحدة الصوتية (فعولن)، وهو تام أي استوفى جميع تفاعيله.
إذ شْشَعْ - بُ يومن - أرادَ ل - حَياةَ = فَلا بُدْ – دَ أنْ يَسْ- تَجيبَ لْ – قَدَرْ
فعولن – فعولن – فعولن – فعولُ = فعولن – فعولن – فعولن – فعِلْ
إذ شْشَعْ - بُ يومن - أرادَ ل - حَياةْ = فَلا بُدْ – دَ أنْ يَسْ- تَجيبَ لْ – قَدَرْ
فعولن – فعولن – فعولن – فعولْ = فعولن – فعولن – فعولن – فعِلْ
لاحظ البيت بالتحريك كيف أن موسيقاه واضحة وطرية تغني السامع وتجعله يسبح في أفق موسيقى يطول نغمه وبيانه، وخصوصًا في أنه زحافه (القبض)، أعطى جمالية أكبر ناهيك عن أن الزحاف هو الإسراع لغة، وبالتالي يتضح قولي في أن الإسراع الموسيقي لهو من جماليات الموسيقى، وهو مطلب موسيقى بلاشك.
بينما بالسكون الخافت والذي لايعطي حتى صفة الحرف (الهمس)، لايعطيك المجال النغمي الموسيقى الواسع، والذي أعطانا إياه أثناء التحريك، فقد أضفى عليه الركاكة والتكلف على المردد والمستمع (في نظري)، حتى وإن أضفنا إليه الصفة الهمسية فلا تكاد موسيقاه تُستساغ.
وإن أصبحت هاءً ساكنة عند الوقف فلا يعني أنها تذهب في الصحة لغويًّا.
من الناحية العروضية (الأشمل)-:
1- للمتقارب عروضين:
الأول سالم (فعولن).
والثاني محذوف (فعو = فعِلْ).
نعم قد تدخل (فعولُ) و (فعِلْ)، أعارض الأبيات إلا إننا لايمكننا صفها مصاف العلة، ولهذا يقول علماء العروض في شأن القبض والحذف في المتقارب: (فعولُ)، مقبوضة قبضًا لايثبت ولذا لايعتد به فتسمى على الرغم منه صحيحة.
إن الحذف (فعو)، حقا علة, والعلة من شأنها اللزوم, ولذا لزمت في الضرب, ولكنها ههنا (أي في عروض المتقارب فقط) علة مفارقة, لاتلزم.
والنتيجة: أن تام المتقارب عروضه صحيحة، أما ضربه فيكون صحيحًا, مقصورًا, محذوفًا وأبترًا.
والأول كثير, والثاني دونه كثرة, والثالث مستفيض شائع, وأما الأخير فنادر وهذا أنذر ما أورده العروضيون من الأضرب, حتى أنه لم يرد في كتبهم الأولى إلا في بيت واحد, فيه خطأ نحوي, غير منسوب لقائل, ولا داخل في قصيدة ولامعزز بأخ, وهذا إذا أضفت إليه ضعفه من ناحية الموسيقى, ويُرجَّح أن يكون من اختراعات العروضيين، لكن ابن عبد ربه والشيخ جلال الحنفي قد ضمناه في أكثر من شاهد.
2- إن (فعولْ)، هي أحد ضروب هذا البحر، والذي لايمكننا موازنته في عروض الأبيات إلا في حال التصريع، وبالتالي فلا تدخل (فعولْ) العروض أبدًا في قوانين العروض إلا تحت مسمى الصنعة العروضية، كالموشحات وغيرها.
3- مكان وحركة العروض حساسة جدًّا وهي الفاصل الذي يتنفس فيه الشاعر، فالتسكين المتعمَّد في الأبيات وأخص بالذكر هنا (عروض الأبيات)، لايقبله العروضيون ولايسلم به اللغويون، بل ويعتبرونه عيبًا في الشعر وخطأً فادحًا لايمكن التغاضي عنه، ويدرجونه تحت الكسر الوزني، وما اعتُبِرَ كسرًا فهو نشاز بكل تأكيد، لأن علم العروض هو علم قائم بحد ذاته على الموسيقى المتزنة والمسبوكة سبكًا متوازنًا.
4- فعولُ و فعولْ:
الأولى عملية قبض وهي زحاف تحدث على تفعيلات الحشو وعلى تفعيلة العروض، ولا تحدث على تفعيلة الضرب، أما الثانية فهي عملية قصر وهي تحدث على تفعيلة الضرب فقط.
هنالك شواهد عدة للعروض المتحركة، لكني اقتصرت على هذا الشاهد وذكرته ليس لأنه الشاهد الفريد، بل لأنه اتسع نحو آفاق واسعة، ولا ننسى في أن مضمونه له الجانب الأكبر في هذا ناهيك عن إنشاده في عدة ثورات أبية مثلت معنى القداسة الإنسانية.
ومن تلك الشواهد وأكتفي بها:
قول المتنبي:
فَمـالَكَ تَقْبَلُ زورَ الكَـلامِ - وَقَدْرُ الشَّهـادَةِ قَدْرُ الشُّهودْ
فَكُنْ فارِقًـا بينَ مَعْنى أَرَدْتُ - وَمَعْـنى فَعَلْتُ بِشَأْوٍ بَعِــيدْ
وقول إيليا:
كَأَنَّيَ لَسْتُ أَمـيرَ الكَلامِ – وَلا صاحِبَ المنْطِـقِ الأَنَفَسِ
وفي الأخير:
من لم يرَ الفرق الواضح واستساغ البيت بسكون عروضه، فبلاشك فإنه لن يقبله من الناحية اللغوية والعروضية.