المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اختطاف جغرافيا الأنبياء


ياسر آل حسن
16-03-2008, 10:15 PM
اختطاف جغرافيا الأنبياء



ماذا يحدث عندما تُغيّب حضارة عريقة؟ ماذا يحدث عندما يخطف تاريخ حقبة؟ ماذا يحدث عندما يُسلب تراث امة؟ ماذا يحدث عندما تنتهك قدسية الإنسان، كل الإنسان؟ ماذا يحدث لو كل ذلك حدث؟ هل تموت الحقيقة؟ أم تتوارى عن الأنظار، لتعود ولو بعد حين، كعودة أصحاب الكهف إلى المدينة؟ فتُرى، هل يحتمل سكان المدينة أصحاب الكهف بالمدينة؟ أم مازال الظلام بالمدينة؟ وتُرى، هل تقبل بلاد وادي النيل بعودة حضارة القبط الغريبة؟ أم مازالت مصر بالمدينة؟ وهل يعود الأقباط المغّربون لديارهم على ضفاف النيل؟ أما مازال المصريون بالمدينة؟ وهل تقبل نجد بعودة موطن أباء الخليل إبراهيم؟ أم ما زال ذكراهم حبيس أور الكلدانية؟ وهل تقبل الحجاز بعودة إبراهيم وبنيه إسحاق ويعقوب؟ أم مازال ريح ذكراهم رهين القبط وحاران الشامية؟ وهل تقبل جبال عسير بعودة مصر يوسف؟ أم ستبقى رهينة بصحراء التيه اليهودية؟ وهل ستقبل وديان الجزيرة بنهر فراتها؟ أم سيبقي سجين ضفاف أحواض عراقية؟ وهل ستقبل قيعان تهامة بيم الكليم؟ آم سيبقى حبيس حروف التوراة السبعونية؟ وهل.. وهل.. فهل هناك من يسمعٍ نداء لجبال السراة لتعود الحقيقة إلى المدينة؟. فهل تحتمل عودتها المدينة؟ أم مازال الظلام بالمدينة؟



فهرس المحتويات :

مقدّمة

نموذج لتزوير مقّدس قيد التنفيذ

العرب واليهود أكبر ضحايا صناعة تزوير المقّدسات

الفصل الأول: كشف الحقائق المغيّبة عن الوعي العالمي

من هو فرعون موسى؟

المصادر المؤسسة لهوية فرعون

التحقيق في هويّة فرعون الشخصيّة

هل "مصر" القرآن هي حقّاً جمهورية مصر العربية؟

ما اسم بلاد وادي النيل في تراث العرب؟

اسم بلاد وادي النيل عند رسول الله (ص)

من هم الأقباط؟

اسم وادي النيل في حقبة مملكة الأقباط

اسم وادي النيل في حقبة الفرس

اسم وادي النيل في حقبة اليونان والرومان

اسم وادي النيل في الحقبة الإسلامية

ما هو اسم بلاد وادي النيل العريق إذن؟

دلائل مسمى القبط وأصوله

من هم الفراعنة؟

ذكر فرعون في القرآن الكريم

نبؤات الرسول الأكرم (ص) بشأن فتح مصر

البحث عن فرعون في القبط

تساؤلات على الإرباك التاريخي

ملخص الفصل الأول

الفصل الثاني: من حّرف تراث العرب؟

هل حقا فتح المسلمون مصر؟

كيف نشا اسم مصر بجمهورية مصر العربية؟

تمصير الأمصار

جذور الخلل و الشياع الخاطئ القديم

التوراة السبعونية - "نْ * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ\

تبعات جريمة إسقاط أرض مصر على مملكة القبط العظمى

تأثير الثقافة المحّرفة على الأمم العالمية-"السبعونيات" المعاصرة

خلاصة الفصل الثاني

الفصل الثالث: البحث عن مصر؟

عادة التيّمن وأثرها في التحقيقات الجغروتاريخية

رحلات إبراهيم (ع) بين "السبعونية" والحقيقة

اسم إبراهيم (ع) ينقل إلى العراق

الموقع الحقيقي لمولد نبي الله إبراهيم (ع) والهجرة إلى مكة

علامات مكة في التوراة

وادي حوران (حران) النجدية موطن آباء إبراهيم (ع)

اسم إبراهيم (ع) ينقل إلى سوريا القديمة

نهر الفرات بجزيرة العرب

العبرية" وعبور إبراهيم (ع) الفرات و جبال السراة إلى مكة

أسم إبراهيم (ع) ينقل إلى القبط

أين تقع مصر القران؟

مصر يوسف – إنشاء الشركات التجارية

إبراهيم (ع) في مصر

دور إبراهيم (ع) في تمصير مكة

مصر موسى (ع) و الاقتصاد العالمي

كم كان عدد بني اسرائيل؟

مصرا" في التوارة المحّرفة

مصر" سوق من أسواق العرب

عشيرة مصر أم مملكة مصر؟

نهر النيل في التوراة المعاصرة – عملية التحريف مستمر

أين كانت قرية مصر موسى (ع)

غزو نوبخت نصر للحجاز - عام التفرق

أزمة أرض و الأرض الموعودة الأولى- التزوير الأول

أزمة أرض و الأرض الموعودة الثانية - التزوير الثاني

كل أراضي سفر يشوع بعسير

منطقة مصر موسى بسراة غامد

منطقة مصر موسى بعسير

احتمالات أخرى لموقع مصر موسى (ع)

من هو فرعون؟

مختصر جغرافيا الأنبياء الحقيقية

الخاتمة .. وبداية النهاية

قائمة المصادر المراجع






اختطاف جغرافيا الأنبياء
جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية
قسم الدراسات والبحوث
الطبعة الثانية
2006



المقدمة






"... فالعلوم كثيرة والحكماء في أمم النوع
الإنساني متعددون وما لم يصل إلينا من
العلوم أكثر مما وصل .. فأين علوم
الفرس.. وأين علوم الكلدانيين..
والسريانيين.. وأهل بابل وما ظهر عليهم
من آثارها ونتائجه ا.. وأين علوم القبط
ومن قبلهم وإنما وصل إلينا علوم أمة
واحدة وهم يونان خاصة .. ولم نقف على
. شيء من علوم غيرهم.." 1

808 هجرية - ابن خلدون 732





تلك صرخة أطلقها عالم عربي قبل 600 سنة وما سمعها ووعاها إلا القليل حتى يومنا هذا. تلك صرخة من أدرك أنه لم يكن في الوجود وحده ولم تبدأ رحلة الإنسانية على ظهر الأرض يوم مهد ه. تلك صرخة من حار بما ناءت به الأرض من حوله، فأبصر شواهد وأثاراً شامخة تحكي قصة من سبقه إليها من بني جنسه . تلك صرخة من وعى أن العلم والعلماء والحكمة والحكماء لم يكونوا قط حكراً على بني جلدته، فعجب كيف لم يصله من علوم من صال وجال في الأرض من الأمم الغابرة إلا ما قلَّ عده، وعج ب كيف ُاختزلت كلّ الأمم الغابرة بعلومها وتراكم معارفها من قبط وكلدان وفرس ورومان وبابل وسريان، اختزلت جميعها بمخازن علومها في أمة واحدة تسمى يونان . فصارت تلك الأمة قبلة العلم العالمي الأوحد بقضه وقضيضه وصحيحه وخطئه؟ !! فهل هذا الواقع النشاز محض صدفة؟ أم أن ثمة قاطع طريق تمرس في بث ظلام الجهل الأممي بين بني الإنسان، فاحترف العمل على قطع الإمداد المعرفي المتراكم والمتصل بين أجيال الأمم الإنسانية قاطبة في شتى بقاع الأرض الو اسعة؟ فلو تدبرنا كتاب الله لأدركن ا أن هذا الواقع المستشري في زماننا والذي شكا من تبع اته ابن خلدون وغيره من علماء الأمم العالمية المتأخرين منهم والمتقدمين، إن هو إلا فعل فاعل، بدأ عمله الهدام مع نشأة الخليقة الإنسانية. وما كان له أن ينجح في رسالته ويحقق رؤاه لولا تحالفه مع مجموعات من بني الإنسان باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فكشف لنا كتاب الله أمره وأمرهم، وتفاصيل آلياتهم، وأدوات عملهم واستراتيجيات خططهم البعيدة المدى. كما كشف لنا كتاب الله أن العمل على قطع خطوط الإمداد المعرفي بين الأمم الإنسانية ضارب في القدم وأكثر تعقيداً مما يخطر على البال، وما زال مستمراً حتى آتى بعضاً من أُكُله. والحكاية كلها تبد أ بآية: ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا )(الإنسان: 1)، فما كان للإنسان بعد ذلك الحين الغابر من الزمان أن ينشط ويتسامى ويّتميز بين المخلوقات على وجه البسيطة ليرقى إلى مستوى القدرة على خلافة كوكب الأ رض واستعماره لولا ربطه بخطوط معارف السماء حيث مستقر كنوز العلم، لينهل منها ما جهل (عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )(العلق : 5) ومن أجل ذلك التعليم القدسي، ت ّ كفلت السماء بوضع نواميس الاتصال ومستلزماته وأقطابه وآلياته وأنظمته، من إنزال وتنزيل ووحي وكت ب وأنبياء ومرسلين وحفظة، ليبزغ في غمرة ظلام الجهل أبو الإنسانية آدم العاقل. وأول ما عّلم آدم مع بدايات هطول غيث السماء المعرفي، حقيقة أّنه لم يكن قط المخلوق الوحيد الراقي في الوجود، بل هناك مخلوقات أخرى تشاركه وتشاطره نعمة الإدراك والإرادة والاختيار . كم ا عّلمته معارف السماء أ ن من بين المخلوقات التي يعج بها هذا الفضاء اللامتناهي، هناك مخلوق عالم، فاعل وقادر، قد شطن عن أمر ربه بعد تكريم السماء له، فحزم أمره على أمر عظيم ( قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً )(الإسراء: 62 ). كما علم الإنسان أن هذه القوة الشاطنة جادة في أمرها فأقسمت بأغلظ الأيمان لتغوين كلَّ من ينتمي لهذا الجنس الجديد ( قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ )(ص: 82 ). فغدا هذا المخلوق قوة متمردة مطرودة من رحمة الرحيم لا تريد للجنس البشري هذا التميز، جحوداً وعلواً واستكباراً من ذات نفسها. وبما حوت هذه القوة المتكبرة من ع لوم علوية مختزنة، أدركت الأهمية الإستراتيجية لخط الإمداد المعرفي السماوي المتصل بهذا الإنسان والذي أشبه ما يكون بالحبل السري للجنين، فبدونه لن يكون هذا الإنسان المفضل عليه سوى دابة ترعي كالبهائم على وجه الكوكب إن لم يغد أضل سبيلاً.

كما كشفت السماء للإنسان العاقل تحركات ومناورات وأهداف هذه القوة الشاطنة لاختراق قنوات الاتصال الممتدة بينه وبين منبع الغيث العلوي بغية عرقلة مصدر رقي وتطور هذا الجنس الجديد ( إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) (الصافات : 6 ) فأيقن الإنسان الفقير للعلم أن هناك من تكفل بحفظ خطوط الإمدادات المعرفية في طبقات السماء العليا ضد الاستراق، ناهيك عن الاختراق، لضمان وصول الوحي المعرفي صافياً نقياً إلى سكان الأر ض. فعجت السماوات بجنودها تَرصداً لكل عابث وهيبةً وإجلالاً لمواكب وحي السماء، فنقل لنا من شهد مشهد تنزل
تلك الوفود القدسية لسكان الأرض فأوجز القول ( وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا )(الجن: 8 ) ولم تردع تلك الإجراءات الأمنية الصارمة القوة الشاطنة العازمة على إجهاض مشروع خلافة الإنسان للأرض، فلجأت إلى محاولة فاشلة للعبث بالوحي بعد وصوله مرحلة الإنزال على قلوب الأنبياء والمرسلين والذين يمثلون إحدى المحطات الرئيسية لتنقلات الوحي المرحلية، من اللوح المحفوظ انتهاء إلى وعي أفراد بني آدم ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )(الحج : 52 ). كما ضمنت السماء توصيل محتويات علوم الوحي نطقاً من وعي الأنبياء والمرسلين إلى دائرة من أفراد المستمعين تمهيدا لنقله إلى باقي التجمعات الإنسانية المتلاحقة ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى )(النجم: 2 - 4 ).

كل تلك المراحل الانتقالية الأنفة الذكر للوحي القدسي المعرفي كانت محصنة ضد التجسس والاختراقات كما أكد الكتاب . ولكن هناك مرحلة أخيرة في خط الإمداد السماوي لم يرِد ذكر لضمان حمايتها من الاختراق أو حتى الاستراق أو الانقطاع بين الأمم، وهي مرحلة انتقال الوحي ومعانيه ومقاصده من وعي الناس المتقدمين إلى الوعي التراكمي للأجيال الأممية المتلاحقة في صيغة تراث عقائدي وتاريخي أممي . وهنا كمنت الطامة، وتجمهرت شياطين الإنس بمساندة مباشرة من شياط ين الجن، حيث تربع شيخ الكفر والجحود عرش القيادة إلى طريق الإضلال . ففي هذه المرحلة، تنافس المتنافسون من جند إبليس بشتى أجناسهم لتحقيق انتصارات شيطانية متوالية ومشهودة عبر امتداد تاريخ الإنسانية، لا يزال كل من ينتمي إلى العائلة الإنسانية يتجرع آثار مآسيها حتى يومنا هذ ا. فقد تم بنجاح منقطع النظير وفي حقب متلاحقة من عمر الجنس الإنساني تقطيع خطوط تبادل المخزون المعرفي بين الأمم واختزال بعضها فيما هو أشبه بأوكار غواية معرفية . كما تم بنجاح باهر تزوير نصوص وحي السماء وتحريفها وحذفها وتحويرها ونقلها من جيل إلى جيل من أقبية تلك الأوكار ممسوخةً ومبتورةً بين طيات قراطيس تزيد قارئها ضلالا ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُ ونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ )(الأنعام : 91 ). فدخل بذلك الكثير من بني آدم في غيبوبة معرفية فتاهوا عن أمر ربهم إلى يومنا هذا. إلا إن مداد الوحي بقي متصلاً رحمة بالعباد حتى تمام الحجة .
فحفظت السماء نص الوحي الأخير من عبث العابثين ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر: 9). فجن لذلك جنون شيخ الكفر والجحود، فأعاد مخططاته لتتناسب مع التدبير الأمني الجديد، فعمد من خلال هذه المرحلة الانتقالية الأخيرة للوحي المتمثلة في تراث وتواريخ الأمم إلى وضع خطة محكمة لتفريغ المحفوظ نصاً من مضمونه المعرفي وحرفه عن مدلولاته ومقاصده بغية حجب نور هديه عن وعي بني آدم ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) (فصلت: 26 )

ولن نأتي على أسباب امتناع حماية السماء للمرحلة الأخيرة من خط الإمداد المعرفي في ما نحن مقبلون عليه في هذا البحث، بل نشير فقط إلى أن السبب يتعلق بمنهج الحريات الذي سنته السماء . ولكن ما نذكره هنا هو أن الوحي قد شدد مراراً وتكراراً، على لسان الأنبياء والمرسلين، على ضرورة تحصين هذه المرحلة المعرفية الأ خيرة فهي أضعف الثغور . ومثال على ذلك ، فقد نبهنا خاتم المرسلين (ص) والذي يمثل القطب الظاهر لمدد السماء المعرفي في مراحله الأخيرة، إلى أنه سوف تكثر عليه القوالة من بعده بقصد التعتيم على مقاصد الوحي ومدلولاته ولن يستطيع هو تبديد ذلك التعتيم والتشويش بعد رحيله إلى الرفيق الأعلى، ولن تتدخل السماء لمنع ذلك بعد أن دخل الوحي المحفوظ نصاً حيز البيئة الإنسانية العاقلة، فأوكل الأمر إلى تدبر المتدبرين في نصوص الوحي المحفوظ . كما أنذر العابثين بتحذير صارم، فقال (ص) في ما ورد عنه وبألفاظ مختلفة وفي مناسبات عدة ( من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) 2 كما أتقن عمله بالتفاته إلى من هم في موضع التلقي عبر آلية التراث، ونحن من ضمنهم، منبهاً وهادياً إذ قال (ص)"ما من نبي إلا وقد كُذ ّب عليه من ألا وسيكذ ّب علي من بعدي كما كذ ّب على من كان قبلي ، فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فهو عني وما خالفه فليس عني " 3. ونحن اليوم نعي تماماً نبوءة الرسول الأكرم (ص) وتحذيراته الأبوية بعد أن تراكمت شوائك الإسرائيليات المعرقلة في كتب التراث على مرأى ومسمعٍ من جمعنا، فنسبت كلَّ عجيب وغريب بل منكر إلى قطب الوحي الأرضي المتمثل في شخص الرسول الأكرم (ص) ومن كان من قبله من الرسل والصالحين.
وما كان الوحي ليترك الإنسان السالف والمعاصر دون أن يرشده إلى وكر الخيانة ومصدر نقض العهود الربانية، حيث لا تزال أقلام وقراطيس تزوير المقدسات متناثرة على منضدة الفتنة العالمية بانتظار من يكشف أمر ها ويمهد لعودة الحق المضيع إلى نصابه . فبلغ الإنسان من لدن السماء أنه تم تجنيد مجموعات اختراق من اليهود تحديداً قد قست قلوبهم فبايعوا شيخ المردة ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) ( سبأ: 20 ) فدلهم سيدهم بعلمه على مأكل الكتف، ومنافذ الإضلال الأممي، فأقبلوا على المحظور وامتهنو اصناعة تزوير المّقدسات المعرفية ابتداء بالتوراة وهو الكتاب المنزل بينهم ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران : 78 ). ليس هذا فحسب بل فصل كتاب الله أنواع التزوير الذي أعملو ه. فهو إما إخفاء حقائق ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) (المائدة: 15 ). أو ذكر الحقائق والأخبار ولكن بعد تحريفها عن مقاصدها ودس هذا التحريف بين جموع الناس ليستقر مشوشاً في وعيهم وتوجيههم عقائدياً إلى بضاعتهم المزيفة وإيقافهم على السماع لما شابه رأيهم ومناوأة من خالفهم ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (المائدة: 41 ). بل بلغ التجرؤ مداه، فعندما لا تتوفر عناصر التحريف لدس الضلال باسم السماء، تراهم يلجؤون إلى فكرة شيطانية غاية في الخطورة، وهي اختلاق نافذة يمكن من خلالها استحداث الخبر الظلامي المراد دسه من خارج التوراة وذلك بإدعاء بعضهم النبوة يستقبل الوحي المكمل لما بين أيدي الناس . وهذه نافذة واسعة لفنون التزوير جاء ذكرها في كتاب الله ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ ) (الأنعام: 93)

ياسر آل حسن
16-03-2008, 10:22 PM
ولكن ما الذي يهمنا نحن أتباع خاتم المرسلين (ص) من هذا كله؟ فنحن نعلم أن التوراة التي بين أيدي الناس اليوم محرفة . فما الجديد في الأمر حتى نعيد إثارته في هذا البحث؟ الجديد هو أننا تعاملنا مع ما جاء في كتاب الله تعالى وتحذيرات رسوله (ص) بشأن أخبار تحريف المقدسات وتزويرها كما لو كانت معلومات عامة نتد اولها في المجالس الفكرية ونحشو بها متون الكتب . فلم نعِ أبعاد آثارها الحقيقية على وجودنا وكياننا وحاضرنا ومستقبلنا. لذا فإن علمنا بهذه الحقيقة لم ينفعنا، فغدت وبالاً وحجة علينا. فلم نحرك لا في الماضي ولا في الحاضر ما يليق ويتناسب مع التحذيرات القرآنية والن بوية المتعددة بشأن خطورة التحريف والاختراق التراثي الذي نبأت السماء بحدوثه وتفشت قراطيسه بين الناس تارة تحت قناع" هو من عند الله " وتارة أخرى بعنوان "هذا من عند الله " كما أخبر جلَّ وعلا ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) ( البقرة 79 ) . ومحصلة هذا التقصير من جانبنا هو أن بعض أخطر ما دس في التورا ة- التي نعلم سلفا أنها محرفة - قد اخترقنا ثقافياً نحن أبناء اليوم مروراً ب الكثير من أجدادنا وكّتابنا ومؤّرخينا السابقين والمعاصرين على السواء . الجديد في الأمر هو أن الكثير من مفكرينا ونخبنا ورجال ديننا القدماء والمعاصرين تم احتواؤهم ثقافياً وأصبحوا يسوقون لبضاعة مزوري التوراة ويستشهدون بها عن حسن نية وبدون وعي . الجديد هو أننا حتى هذه اللحظة نسطر المناهج التعليمية في الدول العربية والإسلامية لِنُدرس أولادنا في الجامعات والمدارس أخطر ما زور ودس في التوراة المحرفة دون وعي منا. الجديد هو أ ن هناك من كتب لنا تاريخنا وأحداث م نطقتنا وسمانا بما يريد ونسبنا إلى من يشتهي وقال لنا خذوا ما آتيناكم من تراث بقوة فهو ".. من عنداللَّه "؟! ف صدقه منا من صدقه بحسن نية رغم
تحذير السماء الصريح والمباشر بوجوب التحقيق والحذر فصار من صدق منا هذه الأخبار المحرفة جسراً لتأسيس ثقافتنا المعاصرة. فاستُعبدت بذلك عقولنا بعد أن دخل التحريف عقر دارنا واستقر في ثقافة بعض أجدادنا وآبائنا فم ّ كنه ذلك من انتزاعنا عرقياً ومعرفياً وثقافياً من أنبيائنا وفرق بيننا وبينهم فأدخلنا متاهة التيه معه، ولا نزال نرتع فيها حتى اللحظة ليشتري هو ثمناً قليلاً ب المقارنة مع حجم الحرمان والضرر الذي أوقعه بالجنس الإنساني قاطبة . الجديد في الأمر أن مادة التحريف التي استشرت فينا حتى النخاع قد استبدلت مقدساتنا الربانية وأدخلت في وعينا ما لم يكن مقدسا قط، فظللنا وبعض من أبائنا عليها عاكفين لتتغلل الصنمية مجدداً إلى عقو لنا من نافذة التراث بعد أن اجتهد بعض من أجدادنا في حصرها واقتلاعها من عقولنا وقلوبنا.

فهل ما سطرنا أعلاه مجرد تهويل وتضخيم لوهم لا واقع له على ساحة الأمة؟ هذا ما يسعى للإجابة عليه هذا البحث الذي خُصص للتحقيق في قضية واحدة من مجموعة قضايا طالتها أيدي المزورين من اليهود المتأخرين فأحدثوا بذلك أعظم إرباك وأفظع تشويش بعد أن عبثوا وعتموا على الحقائق التي جاءت بها حقائب الوحي عبر العصور . فلا يمكن لبحث واحد أن يغطي كلِ ما حرفه وأخفاه وأضافه أئمة اليهود إلى التوراة القادمة من يونان تحت عباءة"هذَا من عند اللَّه". لذا خصصنا هذا البحث لدراسة ما يخص جغرافيا الأنبياء عليهم السلام، الذين جالوا أرض الجزيرة العربية بعلوم السماء في الحقبة ما بين الخليل إبراهيم (ع) وخاتم المرسلين (ص) تحديداً. واختيارنا لهذه الحقبة بالتحديد ليس تزكية لما سلفها من الحقب، وإنما لزيادة اهتمام أئمة التزوير بشؤون إبراهيم وتحركاته الجغرافية، فأكثروا في شأنه التحريف والتزوير والدس ليشتروا بما كتبت أيديهم ثمناً قليلاً ولو أدى ذلك إلى ضلال الإنسانية بأجيالها
من بعد . وآليتنا في البحث عن الحقائق المطمورة تحت ركام جغرافيا الأنبياء المزورة هي
أولاً التحرر من أسر شعار "هذَا من عند اللَّه " القائم اليوم بين المسلمين بعد أن أوضح لنا جلَّ وعلا أن هذه المقولة حقٌ يراد به باطل . فُزرعت وتجذرت بنجاح في وعي المسلمين والكثير ممن سبقهم من النصارى واليهود على السواء، وذلك بهدف صرفهم عن النظر في التراث الذي فيه ما يكفي لكشف الجريمة الكبرى في حق الإنسانية قاطبة، وليصموا آذان الناس عن سماع نداء جبال السراة بعسير الجزيرة العربية المغيب ذكرها، ويحجبونهم عن معرفة ما حفلت من أحداث . وبعد التحرر من قيود الأسر القديم، نغوص وإياك عزيزي القارئ للتنقيب في بطون كتب التراث العربي بشكل خاص، والتوراة المحرفة بشكل عام، لتجميع وتحليل المتناقضات الجغرافية المهملة طوال هذه القرون بعقل معاصر حرٍ متجرد ومتجدد كما أراد لنا الله جلَّ وعلا، ومن ثم مقابلة النتائج مع منطق العقل وما كشفه العلم من شواهد ملموسة .

سنغوص معك عز يزي القارئ في بحر تراثنا لنكتشف التزوير المتعمد ونتتبع مصادره ونقف على تبعاته . لنكتشف معاً كيف تم بسلطان "هذَا من عند اللَّه " مسح مملكة القبط العظمى بعلومها وأمجادها من وعينا الثقافي، ولنكتشف كيف تم تحويلها إلى مصر النكر ة. ولنكتشف معاً كيف شُطب شعب الأقباط العريق بعلومه ونبيه إدريس (ع) وملوكه الموحدين ليحولهم التزوير "المقدس" إلى مصريين وثنيين يحكمهم فراعنة ملعونون . لنكتشف معاً كيف فرق أئمة اليهود بين إبراهيم (ع) وبنيه، فجعلوا الأبناء عرباً والآباء غير عرب وحشروا هذا التناقض الصارخ في ثقافة أبن اء المسلمين . لنكتشف معاً كيف تم بنجاح تمرير خط رحلة أبينا إبراهيم عبر القارات مشياً على الأقدام أو على ظهر حمار وبغنمات قصيرة النجعة بعد أن اشتعل الرأس منه شيباً وهو يناهز التسعين من العمر، ليرسموا بخطى أرجل غنماته حدود أرض
عبر القارات لمن هادوا من الناس، ثم جعلونا نصفق ونطبل ونروج لأضحوكاتهم على العقل السوي بعد أن لفعوا دسهم بعباءة "هذَا من عند اللَّه ". لنكتشف معاً كيف شطبوا مكة المشرفة وسلسلة جبال السراة بعسير الممتدة من شمال مكة إلى أقصى اليمن وما د ار فيها وما كان منها وما تحويه من بيت رب العالمين الذي لا وجود لمثيله على وجه الأرض، شطبوا كلَّ ذلك من وجدان أكثر بني آدم ووجهوا أكثر الناس إلى الشام حيث لم يكن هناك قط شيء مذكور ا. لنكتشف معاً، كيف تم بعثرة أسماء الأنبياء والمرسلين في القارات فّقطعوا أوصال ذكراهم وعلومهم الربانية وحجبوها عن الناس و نصبوا أنفسهم بعد إخفاء الحق معلمين ربانيين وأوقفوا الأمم السالفة والمعاصرة على ما يصب في مصالحهم القومية . لنكتشف معاً عزيزي القارئ جزئية يسيرة من الجريمة الكبرى بحق الإنسانية والوهم الماثل في ما يخص جغرافيا الأنبياء والمرسلين وكيف ساهمنا نحن المسلمون تحت تأثير حقنة من عقار "هذا من عند اللَّه "اليهودية في انتشار هذا الوهم الأممي حتى كاد الله أن يستبدل بنا غيرنا بعد أن أطلنا الغيبة في صحراء التيه اليهودية

ياسر آل حسن
16-03-2008, 10:27 PM
نموذج لتزوير مقّدس قيد التنفيذ

"وسوف يأتي الزمان الذي يدرك فيه أبناؤنا من (الهنود الحمر ) أنهم
ينحدرون من بيت إسرائيل. وإنهم أبناء الله. وعندها سوف يتّعرفون على تراث أجدادهم وينتهلون منه.." 4
(15:14 - كتاب مورمون المقّدس)


قبل الولوج في التراث العربي للبحث في مصاديق تزوير جغرافيا الأنبياء عليهم السلام، نضع بين يديك تزويراً "مقدساً" معاصراً يتصل بالجغرافيا أيضا ويمكن تتبع أخباره وتاريخه على صفحات الشبكة العنكبوتية العالمية والكتب المعاصرة والمقالات المنتشرة في العالم. وما نضعه هنا بين يدي القارئ الكريم هو مجرد نموذج ملموس لتزوير نعتبره قيد التنفيذ، نكشف لك تفاصيله كمثال حي لما حدث لسكان الجزيرة العربية من تزوير في الماضي السحيق والذي يبدأ أول ما يبدأ كحكاية أو طرفة ساخرة لينتهي بعد قرون إلى كارثة معاشة.
في سنة 1830 م نشر جوزف سميث (Joseph Smith) كتابه المقدس الذي يعرف إلى اليوم بكتاب مورمون The BOOK OF MORMON وهذا الكتاب "الرباني" 6 هو نتاج ترجمة جوزف لنقوش وكتابات أثرية محفورة في ألواح ذهبية تعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد وذلك حسب رواية جوزف نفسه . وما كان لجوزف أن يستدل على مكان تلك الألواح "المّقدسة"، حيث بقيت مطمورة تحت الأرض قروناً عديد ة قرب بلدته بضواحي مدينة نيويورك الأمريكية، لولا هداية ملك سماوي يدعى مورمون، ظهر له بتاريخ 21 سبتمبر 1823 تحديداً وألهمه شفرة ترجمة النقوش المصرية العتيقة المنقوشة على الألواح . هكذا بدأت الحكاية كما رواها جوزف سميث حين أصدر أول طبعة من كتابه "المقدس" للشعب الأمريكي . ومن ضمن
ما يحكيه الكتاب المصاغ بأسلوب توراتي راقي قصة أحداث الجزيرة العربية في الحقبة بين سنة 400 و 600 قبل الميلاد، وذلك حين هاجر ت مجموعة من يهود القدس وأخرى من أرض بابل إلى "الأرض الجديدة" المعروفة اليوم بأمريكا الشمالية.

ويروي كتاب مورمون ا لذي جاء بهذا الخبر المثير أن المجموعة البابلية اندثرت مع
الزمن وبقيت المجموعة الإسرائيلية تتكاثر ليعرف نسلها اليوم "بالهنود الحمر " 7. كما أطلق
على بعض الأراضي في أمريكا أسماء توراتية قديمة، منها أرض صهيون . ولم يستطع أحد
أن يرى الألواح الذهبية التي ترجم جوزف نقوشها وذلك لأ ن الملك الرباني قد استعادها 8. إلا أن ذلك لم يحل دون تأسيس جوزف كنيسة اليسوع قديسي اليوم الآخر 9 Church of Jesus Christ Latter-day Saints والتي قامت دعائمها على الوحي الجديد المصاغ بكتاب مورمون المقدس، ويرمز لهذه الكنيسة اختصاراً بـ LDS .

ولم تنته الحكاية هن ا. ففي سنة 1842 خرج جوزف على الأمريكيين بكتاب آخر لا يقلّ إثارة وغرابة عن سابقه، وهو "كتاب إبراهيم" The Book of Abraham والمثير في هذا The Book of Abraham " والمثير في هذا الكتاب أن جوزف وقعت عينا ه- كما يروي - على برديات مصرية قديمة كانت برفقة موميات
معروضة للجمهور في مدينة كيرتلاند بولاية أوهايو الأمريكية . وفي الحال التفت جوزف إلى أهمية البرديات التي تحوي كتابات هيروغليفية بخط متميز لكونها - كما وقع في قلب جوزف- مخطوطة بيد نبي الله إبراهيم عليه السلام شخصياً وذلك أثناء إقامته بمصر ضمن رحلاته المتعددة الشهيرة بين قارتي آسيا و أفريقيا. فاشترى جوزف البرديات وقام بترجمة كتابات النبي الكريم بعون ومدد مباشر من السماء وضمنها كتابه المقدس الثاني . وضمن هذا الكتاب، سطَّر جوزف ملحمة أحداث نبي الله إبراهيم كما كتبها النبي الجليل على البرديات ليؤكد كماً من الأحداث التي وردت في التوراة المحرفة ويضيف عليها ما غاب عن التوراة والعالم أجمع. و ضمن جوزف كتابه الأخير ثلاث رسومات منسوخة من البرديات الأصل .
ومن ضمن هذه الرسومات صورة (انظر لوحة 1) تُظهر، كما جاء في الترجمة، نبي الله إبراهيم مطروحاً على مذبح المصريين بحضور فرعون شخصياً حيث هم الأخ ير بالتضحية بإبراهيم (ع) للآلهة الوثنية 11 . ولم يكن بمقدور أحد أن يجادل جوزف حول صحة مضمون الترجمة التي خرج بها إلى العالم، إذ لم تكن علوم الألسن القديمة متطورة كما هي اليوم . ولم يكن الوصول إلى القلة التي كانت تفقه تلك اللغة متيسراً حينئذ . فأتاح ذلك لجوزف أن يكتب بيده ما يشاء دون معارضٍ أو منكر.

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/thumb/8/86/Joseph_Smith,_Jr._portrait_owned_by_Joseph_Smith_I II.jpg/477px-Joseph_Smith,_Jr._portrait_owned_by_Joseph_Smith_I II.jpg

صورة رقم 1: جوزيف سميث مؤلف كتاب مورمون وكتاب إبراهيم

ثم احترقت البرديات الأصل كما أُشيع سنة 1871 في حريق شيكاغو الشهير، ليبقى كتاب إبراهيم شأنه شأن كتاب مورمون، قائمين بين الناس من غير دليل على صحة محتوياتهما. وبقي الحال كما هو عدد سنين يتكاثر فيها أتباع الكنيسة الجديدة وتتشكل بما جاء في الكتابين ثقافتهم ومعتقداتهم الأساسية كونهم يعتقدون أن ما يتناقلونه بينهم " هو من عند الله " وكفى بذلك دليلا ً. ثم جاءت سنة 1966 لتحمل مفاجأتين للكنيسة الجديدة. الأولى تمثلت في اكتشاف برديات مركونة في مخازن متحف نيويورك متروبلوتين للفنون New York’s Metropolitan Museum of Art وكان من بينها برديات تحمل إحدى الصور التي أقحمها جوزف في كتابه الثاني (انظر لوحة 2 ) أما المفاجأة الثانية فتمثلت في تطور علم الألسن المصرية إلى درجة أمكن معها فك الخط الهيروغليفي بدقة متناهية . وكما كان متوقعاً، ما أن تأكد العثور على البرديات الأصل عينها التي يفترض أن جوزف قد ترجمها إلى اللغة الانكليزية حتى أبدى علماء الألسن المصرية اهتمامهم بدراسة تلك البرديات لينكشف على الفور أن ما خطه جوزف في كتاب إبراهيم كان محض افتراء وتزوير ومخالفاً تماماً لما هو مكتوب في البرديات الأصل 14 . فقد كانت البرديات تسرد مراسيم وطقوس موتى قدماء المصريين مع ذكر أسماء شخصيات معروفة في تاريخ مصر مثل أوزيريس وحورس وغيرهم، في حين ألبس "كتاب إبراهيم " البرديات ثوباً مغايراً تماماً عما جاء فيها 15 ، و دس فيها أسماء أخرى غريبة عنها، مثل إبراهيم وفرعون والملائكة وآلهة وثنية !! فأثار هذا الاكتشاف عاصفة من النقد والتسقيط والدراسات التحليلية 16 المختلفة، وكتبت مئات المقالات والكتب في نقد هذا التزوير الخطير، وعبر العلماء عن استيائهم وامتعاضهم من هذه الجرأة على تزوير وثائق حضارة أمة عظيمة كحضارة مصر العريقة، رغم ما تضمنه هذا التزوير من أسماء مقدسة كاسم الخليل إبراهيم (ع). وأسقط هذا الكشف ما بقي من مصداقية معوقة لكتاب مورمون أيضا 17 ولم يزل النقد لاذعاً حتى اللحظة التي تقر أ فيها هذا البحث . مع ذلك ورغم اكتشاف التزوير بطرق علمية لا تقبل الشك، و إثبات أن الهنود الحمر لا ينتمون جينياً إلى ما يسمى بالعرق السامي 18 ، إ ّ لا أن مائة وعشرين سنة التي مضت منذ إصدار كتابي مورمون وإبراهيم إلى حين اكتشاف البرديات الأصل كانت مدة كافية لانتش ار أتباع الكنيسة عالمياً حتى بلغ عددهم في العقد الأخير أكثر من 12 مليون نسمة، يقيم أكثر من خمسة ملايين منهم في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، ويشكلون سابع، وفي تقارير أخرى خامس، أكبر تجمع سياسي ديني ضاغط في هذا البلد العملاق . كما تشير الإحصاءات والتقديرات إلى نمو أتباع الكنيسة بمعدل 900 فرد تقريباً في اليوم 19 وتشير التوقعات إلى نمو تراكمي لعددهم حتى يناهز 270 إلى 280 مليون نسمة بحلول سنة 2080 م 20 . كلّ هؤلاء يعتقدون، في جملة ما
يعتقدونه، أن سكان أمريكا الأصليين - الهنود الحمر - ينحدرون من سلالة بني إسرائيل . مما يعنى في المضمون العام أن بني إسرائيل هم من أوائل من سكن أمريكا الشمالية في العصور الغابرة التي ترجع إلى أكثر من 2600 سنة خلت !! ودليل هؤلاء المعتقدين محصور في فلك "هو من عنداللَّه ". ومن تداعيات هذا الدس المدروس وضع اليد على أرض قارة أمريكا الشمالية لصالح شعب الله المختار عقائدياً في المرحلة الأولى، تمهيداً لأجيال المستقبل كي تسيطر وتفرض سيادتها السياسية الشاملة على القارة الغنية تحت سلطان وغلبة "هذا من عند اللَّه". لذا يمكن القول إن هذا التزوير قيد التنفيذ حتى يأتي بكامل ثماره في غضون بضع عقود أو قرون قادمة.


http://4.bp.blogspot.com/-L0yE0faxA-0/TWVxVLiQ_PI/AAAAAAAACpw/Gy0WIKVqUro/s1600/fac_1.gif

لوحة رقم 1: رسم ضمنه جوزيف سميث كتابه " كتاب إبراهيم" تُظهر- كما يدعي جوزيف - النبي إبراهيم (ع) مطروحاً على المذبح جنب فرعون


http://farm6.static.flickr.com/5160/5912795692_3712820240_b.jpg

لوحة رقم 2: اكتشاف البرديات الأصل والتي نقل منها يوسف الرسم المرفق في كتاب إبراهيم

http://www.xmission.com/~research/about/pap1.jpg

صورة توضيحية للصورة الأصل التي نقل منها جوزيف <<< ياسر

ونحن إنما نقول به ذا الاستنتاج من منطلق تجربة سابقة لم يزل المسلمون اليوم يتجرعون غصصها، وهي تحمل من الشبه الشيء الكثير مع تجربة التزوير السائرة التي أطلقها جوزف سميث . والفرق أننا لم نشهد حقبة منشئي تزوير مقدسات الوطن العربي في العهود المنصرمة والذي لعله كان أشبه بالطرفة أول ما طُرح على الناس حينذاك، كما كان الحال مع تزوير جوزف سميث، ولكننا شهدنا مرحلة اقتطاف بعض ثماره بعد اكتمال نضجه، ومنها أرض فلسطين . فمنهجية عمل جوزف سميث تقودنا تلقائياً إلى أطروحة الأرض الموعودة التي برهنت عن نجاح منقطع النظير في انتزاع فلسطين من أصحابها أمام مرأى العالم بل بمباركته، فهل يا ترى زرع جوزف سميث أيضاً أطروحة الأرض الموعودة في أمريكا من خلال كتابه المقدس الجديد؟ الجواب نجده في هذا المقتبس من كتاب مورمون المقدس: "وأثناء تجوالنا في بقاع أرض الوعود (أمريكا) وجدنا بغاباتها الحيوانات المفترسة بكل أنواعها، وكذلك وجدنا الأبقار والثيران والبغال والخيول والماعز ..."
وعلى صعيد آخر، صار كتاب إبراهيم المزور، كما كان متوقعاً، مصدر معلومات ينهل الناس من معارفه الجوزفية بعد أن اعتمدت بعض المصادر العلمية 22 المعلومات التي جاءت فيه، فأصبح بذلك مصدراً آخر لتع ريف هوية فرعون وأحداث إبراهيم (ع) وبني إسرائيل وغيرها الكثير مما جاء في التوراة المحرفة . وهكذا تبدأ حكاية تزوير المقدسات عادةً، والله جل وعلا وحده العالم كيف تكون النهاية



يتبع

(...)
16-03-2008, 10:56 PM
بمناسبة الحديث عن التزوير :)

ما رأيكم بمن يدعي زورا أنه سفير الإمام الحجة في وقتنا الحاضر؟

...

ياسر آل حسن
16-03-2008, 11:47 PM
بمناسبة الحديث عن التزوير :)

ما رأيكم بمن يدعي زورا أنه سفير الإمام الحجة في وقتنا الحاضر؟

...


العزيزة سما

مع كل احترامي وتقديري لسؤالكم المطروح فهو خارج نطاق هذا البحث ( تستطيعين وضع سؤالك في موضوع مستقل وإن وجد أحد الأخوة - الأخوات من لديه خلفية مناسبة حول اتهام جمعية التجديد بهذه التهمة فسوف نتابع هذا النقاش

بالنسبة لهذا البحث
أتمنى في حال مناقشة هذا الموضوع أن يتم بعد استكمال الموضوع كي تكتمل الرؤية الكاملة

(...)
17-03-2008, 05:23 AM
هذا ليس اتهاما .. فالحقائق ثابتة ولا لبس فيها!
إلا إذا كنت تعتبر أن
تحميل يزيد مسؤولية مقتل الإمام الحسين وما جرى على أهل بيته اتهاما! ..:)

أخي ياسر طرحت السؤال لأني تمنيت بصدق أن تكون هذه الحقيقة غائبة عن ذهنكم
ولذا تم نقل الموضوع من مصدر أقل ما يقال عنه أنه مشبوه ..
مشبوه المرامي والأهداف .. بل حتى الأمانة العلمية ينقصها الكثير!
وإلا فكيف يغيب اسم الباحث او الباحثين من واجهة بحث كهذا؟!

على أي حال وفي صميم الموضوع
فقط اكتب في محرك البحث الكلمات التالية
جمعية التجديد /سرقة / عالم سبيط النيلي !

...

ياسر آل حسن
17-03-2008, 03:15 PM
أختي الفاضلة سما

عندما جاء رجلان لنبي الله داوود ( عليه السلام ) ليحكم بينهما في قضية الغنم الـ 99 والواحدة حكم بينهما قبل أن يستمع للطرف الأخر وقد عاتبه رب العالمين على ذلك

بمعنى أن يبقى ذلك اتهام ( وإن كنت متأكدة من صحته ) بالنسبة إلينا
ومن خلال تجارب مشهدية ( المشاهدات ) التي رأيتها وجدت أن أي سلطة دينية ( أو لها اليد العليا ) حالما تخرج مجموعة ما أو أفراد بنتيجة مخالفة لما في يد السلطة فأن وصمات من الأكاذيب تطلق على هذه المجموعة
فمثلاً ليلة الطفية التي يطلقها السنة وبعض الأكاذيب من هنا وهناك لدرجة وصولهم إلى أن الشيعي لديه ذنب في مؤخرته
ذات مرة قرأت في صحيفة عن مجموعة في المحاكم المصرية اسمها القرآنيين وقد وصفتهم الصحيفة بإنكار السنة وأنهم يحجون لمصر دون مكة وأنها لا يصومون رمضان وغيرها من التهم
وكانت هي المرة الأولى التي اسمع بهذا الاسم
وعندما قرأت لهذه المجموعة وجدت العكس ( باستثناء إنكار السنة وهذه لهم ادلتهم على منهجهم فيها )ولست هنا في مجال تقييم صواب أو خطأ المنهج وإنما هي أمثلة لتبيان أن ليس كل ما يقال من إشاعات يجب علي تصديقها ( هذا الأمر يخص ياسر لا سما )
فمثلاً عندما عملت بنصيحتك في البحث في الجوجل وجدت هذا المقطع المهم :

من قبل جماعة الشارقي نفسه الذي يقول:
‘’اكتشف الجميع أننا لسنا أولئك الذين يدّعون علم الغيب والاتصال بالإمام الغائب، كما أشيع عنا في كل مكان، ولسنا ملائكة منزهين، نحن مثلكم يا قوم وما يهمنا يهمكم، وقولنا صواب وخطأ، ويمكن أن يكون متطرفاً أو معتدلاً، خذونا بأقوالنا وأفعالنا وليس بكلام الناس عنا’’.

بالنسبة لمواضيع السرقة التي تحدث عنها القصديون فهذا أمر أخر
فموضوع البحث هنا تناوله أخرون مثل كمال صليبي ( الذي أشار له البحث )
ولذلك أتمنى منك سيدتي الفاضلة عدم الخروج بالموضوع عن سياقه الذي يهتم بنقطة جغرافية الرسالات التي ذكرت في القرآن والتوراة هل هي فلسطين والعراق و( جمهورية مصر العربية ) أم كانت في الجزيرة العربية ؟
هذا البحث يتناول بأدلة معينة على ذلك
من حق الجميع قرأتها ومناقشتها ودحض الافتراءات إن وجدت ولكن بعد استكماله .

محبة

ياسر آل حسن
17-03-2008, 05:57 PM
العرب واليهود – أول ضحايا صناعة تزوير المقّدسات

من الواضح أن غرض جوزف سميث من نسبة "الهنود الحمر" إلى شعب الله المختار لم يكن بدافع محبته لهم، بل كي ينفذ من خلال استغلال جذورهم العريقة في أمريكا إلى الإدعاء بأن لبني إسرائيل وجوداً قديماً في هذه القارة. وللهروب من المطالبة العلمية بما يثبت هذا الادعاء الخطير، لجأ إلى ادعاء أكبر من سابقه وذلك بنسب هذا الخبر إلى السماء، فنقل بذلك الجدل من إطار المطالبة بالحجة والبرهان إلى محكمة الاستبداد العقائدي والتي ترتكز موازينها على ترجيح المتسائلين بين كّفتي الكفر والإيمان. ولطالما أثبتت آلية الهروب هذه نجاحاً منقطع النظير في اختراق حصون العقل الإنساني. فبواسطة سلطان هذه المحكمة الاستبدادية أمكن تكميم أفواه المتكلمين، وتجميد عقول المفكرين، وتهميش آراء الآخرين، وإخماد فضول المتسائلين. وهذه الجرأة على الله ليست وليدة عهد جوزف سميث بل هي صناعة قديمة أنشأها بعض كهنة اليهود في بداية الألفية الأولى السابقة لمولد المسيح (ع)، أي بعد نزول التوراة ببضع قرون فقط، واستمر العمل بهذه الصنعة إلى اليوم بعد أن أثبتت فاعليتها في تحقيق مكاسب غير مشروعة على مستويات أممية. وقد كشفت السماء حقيقة وقوع تزوير لمقدسات للمؤمنين مع كل وحي مّنزل منذ القرون التالية لعهد موسى (ع) وصولاً إلى عهد خاتم المرسلين (ص). فقد جاء في العهد الجديد (الإنجيل) الكثير من التوبيخ واللعن لبعض كهنة اليهود القدماء بسبب تزويرهم وعبثهم بتراث المقدسات وافتراء الكثير منهم أخباراً وعلوماً نسبوها إلى السماء بعد ادعائهم النبوة. والحدث عينه أُوحي أيضاً إلى رسول الله (ص) في عدة آيات تحذيرية جاءت لتنبئ بحقيقة أن هناك تزويراً منسوباً إلى السماء قد وقع قبل زمن الرسول الأكرم (ص) بقرون عديدة وتفشى نتاجه واستمرت تبعاته ( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (البقرة: 75 ). فهذه الآية بالإضافة إلى الآيات السالفة الذكر تجمل في المعنى وتُعلم الرسول الأكرم (ص) والعالم أجمع بأن تحريفاً قد وقع ووثق واُخرج للناس على أّنه من عند الله، وأن الذي قام بهذا العمل الكارثي هو فريق من اليهود وليس كل اليهود، وعن قصد وتعمد وليس باجتهاد خاطئ (... يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ). وما يهمنا من تداعيات هذه الحقيقة التي كشفها القرآن الكريم ومن قبله الإنجيل أن هناك ومن قبل حتى عهد عيسى (ع) ما لا يعرف حجمه من المعلومات المزورة المنسوبة إلى السماء والتي تفشت بين اليهود أنفسهم ومن يحيط بهم من شتى قبائل العرب الأميين 23 حتى بعث الله في الأميين رسولاً ليعيد التعاليم السماوية إلى نصابها ويزيد عليها ويكون بذلك رحمة للعالمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (سبأ: 28 )

ما نود تأكيده هنا هو أن الحقبة التي زور فيها أئمة اليهود التوراة تقع ضمن مدة زمنية طولها 1900 سنة . وهي عدد السنين التقريبية بين زمن نزول التوراة وزمن نزول القرآن الكريم. وهذه الفترة، كما أظهرت لنا تجربة تزوير جوزف سميث، هي مدة زمنية أكثر من كافية لتوغل واستقرار التعاليم المزورة في الوعي الثقافي لعموم أجيال اليهود أنفسهم ناهيك عن وعي الكثير من قبائل العرب المحيطين بهم والذين كانوا يعتبرون البيت اليهودي مصدراً معرفياً ربانياً يتلقفون منه ما ينضح من علوم كتابية . لذا يمكن القول إن أجيال العرب بشقيهم الكتابي والأمي قد تأثرت بشكل مباشر وغير مباشر بهدي التوراة حين نزولها كما تأثرت بضلالها منذ يوم تحريفها.

كما لا يفوتنا التأكيد على أنّه ليس كل اليهود من الغابرين والمعاصرين يهون عليهم اكتشاف حقيقة أن كتابهم المقدس - التورا ة- منقوص ويحوي بين دفتيه إضافات وتعديلات وتحويرات وتحريفات، فمنهم من يروم الحق ويعمل به ( وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ )(الأعراف: 159 ). بل ومنهم الصالحون كما أخبر القرآن الكريم ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )(الأعراف : 168 ). وما من شك أّنه سيأتي زمان تنكشف فيه الحقيقة المغيبة، ويدرك الصالحون منهم عظم المصيبة التي أحدثها بعض من فسد من كهنتهم الغابرين، وسيكون لهم دور فعال في إعادة الحق إلى نصابه . ويبدو أننا على مشارف هذا الزمن الموعود حيث بدأت الأصوات تتعالى من هنا وهناك لتطرح حقيقة أن ما جاء في التوراة من أقاويل مؤسسة لثقافة العالم اليوم بما فيهم المسلمين ليست بالضرور ة من عند الله كما هو مشاع بين الناس . وهذا ما حدا بأحد أساتذة جامعة تل أبيب لعلوم الآثار، البروفيسور نيل سبلرمن ( Neil Asher Silberman ) وزميله البروفسور إسرائيل فينكلستين (Israel Finkelstein) ، إلى إطلاق صرختهما الشهيرة في كتابهما الصادم " التوراة بدون أقنعة " (The Bible Unearthed) وذلك بعد أن تبين لهما وجود تضارب عميق بين ما تسطره التوراة في ما يخص تفاصيل المواقع الجغرافية لأنبياء وممالك بني إسرائيل وبين ما تشهد به الأ رض بعد أن استنطقتها علوم الآثار . ولم تكن تلك الصرخة الأولى، بل سبقتها صرخة البروفيسور اليهودي نداف نئمان، كما نشرتها جريدة هآرتس في مقالة بعنوان "أخرجوا التوراة من خزانة الكتب اليهودية"، حسبما نقل البروفسو رزئيف هرتسوغ الذي كتب هو نفسه مقالة صادمة للثقافة اليهودية السائدة في نفس الجريدة سنة 1999 تحت عنوان "علم الآثار يكشف زيف الحّق التاريخي الإسرائيلي" 25 . ثم تلتها كتب 26 وكتابات ومقالات عديدة لعلماء مختلفين كلهم يثير ما سكت آباؤهم وغضوا الطرف عنه من تناقضات وتنازع بين العقل والمنطق وبين ما سطر في التوراة ا لتي بين أيديهم، حتى تداعت المقولة المشاعة بين أهل الكتاب منذ القدم والتي مفادها أن التوراة التي بين أيديهم كُتبت في عهد موسى (ع). وما كان سكوتهم كل هذه المدة إلا إشفاقا من سطوة رجالات الجهاز الاستبدادي العقائدي القائم على مقولة "هذا من عند الله "
اليهودية، فتجاوزوا هذا الحاجز العنكبوتي و أخذوا يسطرون النظريات الموضوعية بحثاً عن كُّتاب أسفار التوراة الحقيقي ين وأزمان وأماكن كتابتهم ناهيك عن دراسة الدوافع التي حدت بهم إلى وضع كتاب ينسبون كتابته إلى موسى (ع) وهم يعلمون خلاف ذلك.

ولنا أن نتساءل : لماذا تأخر اكتشاف وإعلان تبعات التزوير القديم حتى الآن رغم تقدم علوم الآثار خلال القرنين الماضيين؟ والجواب يعود إلى عاملين رئيسين : الأول هو هيمنة وتوغل المعلومات المزورة في بنية الثقافة العقائدية لمعظم علماء الآثار ، مما سبب تنازعاً وتناقضاً ذاتياً بين مفارقات ما تجهر به الأ رض من حقائق وبين ما هو متراكم في ثقافتهم الموروثة من الكنيسة والمسجد والآباء والمجتمع . فهذه المعلومات الأخيرة التوراتية المصدر تسلب عالم الآثار حرية الاستنتاج العلمي الذي يتناقض في معظم الحالات مع ما تعّلمه في الكنيسة أو حتى المسجد كما سيتضح لنا من خلال هذا البحث . وقد فطن بيير روسي لتأثير الثقافة المسبقة على المخرجات العلمية فأعلنها صراحة حين قال لنظرائه من العلماء "... إ ن اليوم الذي يتوقف فيه العهد القديم (التوراة) عن تغذية علمنا التاريخي، يغدو فيه شرحنا لأمور الشرق محرراً من إمبراطورية الأفكار المسبقة ." 27 أما العامل الثاني فهو متعلق بثقل الإرث الاجتماعي الذي يرزح علماء الأديان و الآثار تحت وطأته على السواء . فطالما اضطر العلماء أثناء عملهم العلمي الموضوعي إلى إعطاء الكثير من الاعتبار للمعلومات المختزنة في ثقافة المجتمعات التراثية وخصوصاً المتعلقة بجغرافيا الأماكن والأشخاص المقدسة . فلا يستطيع الكثير من العلماء التصريح، على سبيل المثال، بأّنه ما من دليل على صحة معلومة ما يتناقلها الناس أباً عن جد، خصوصاً إذا كانت هذه المعلومة تتعلق بحيثية دينية، فذلك كفيل بإسقاط العالم مهنياً واج تماعياً بل لا قدر الله قد تحتوشه رجالات أجهزة الاستبداد العقائدي في مجتمعه فترميه بالكفر أو الشرك أو ما شابه، مما يجعل العالم يمعن في التفكير ليس مرتين بل عشرات المرات قبل أن يعلن عن الاستنتاجات العلمية التي توصل إليها. كما اضطر العالم إلى حل معادلات عصية على الحلّ وذلك بأن يفسر ويشر ح التناقض القائم بين المكتشفات العلمية وبين ما يتناقله الناس في كنائسهم ومساجدهم ومحافلهم من موروث بغية المحافظة على الأمانة العلمية والانصياع في الوقت ذاته لمقتضيات التسليم الاجتماعي . ففي ظل هكذا معادلات ينسحب العالم من دوره الحقيقي لا محالة، ليترك المجتمع وحيداً مع المصدر المعلوماتي القديم الأوحد، ألا وهو ما جاء في التراث الديني التقليدي الذي لا منافس له ولا مجادل لطرحه كونه تحصن بعد تعتقه بحصن "هذا من عند الله ". ولكن يمكن القول إن علماء الأديان والألسن والآثار قد بدؤوا جميعهم بعلاج العامل الأول وذلك من خلال التحدث بلغة العلم المجردة فيما بينهم بعد توفر وسائل الاتصالات في العالم، وذلك بغية التوصل إلى قواعد مشتركة نتيجة الاكتشافات التي تراكمت عبر أبحاث ميدانية مستفيضة خلال العقود الماضية . وسوف يرشح نتاج اكتشافاتهم واستنتاجاتهم لا محالة إلى الناس عاجلا أم آجلا. أما العامل الثاني فظل دون علاج حقيقي حيث بقيت الكثير من المجتمعات العالمية محرومة من سماع أي خطاب غير ذاك الذي اعتادت تلقفه من غياهب الماضي، ومن خلال قنوات محددة فرضت نفسها مصدراً وافترضت دوماً تسليم المتلقي للخبر المنقول . وما هذا البحث الذي نضعه بين يدي القارئ الكريم إلا الصوت الآخر، بل هو الرأي الآخر المنافس للطرح التقليدي لبعض حقائق التراث والتاريخ . هو صوت قد يصنفه البعض على أّنه ديني الطابع أيضاً،

ولكن ما نود أن نتميز به هو أن هذا الصوت، ومن خلال هذا البحث، لا يستمد قوامه من مقولة "هذا من عند الله " الاستبدادية بل يستمده من (... قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )(البقر ة: 111 ) وأملنا أن الكثير من الأصوات الشرقية سوف تتبع النهج ذاته لتجد المجتمعات أمامها تنوعاً في الطرح فتختار ما تراه صوابا وتذر ما لا يستقيم مع الفطرة السوية.




يتبع

الفصل الأول
كشف الحقائق المغيبة عن الوعي العالمي

ياسر آل حسن
21-03-2008, 08:01 PM
الفصل الأول
كشف الحقائق المغيبة عن الوعي العالمي

كما أسلفنا الذكر، فقد بدأت نخب العلماء الغربيين المعاصرين في النقد والتشكيك في الكثير مما جاء في تراثهم المؤسس على التوراة وذلك بعد أن طفح الكيل بسبب كثرة التناقضات بين أقاويل التراث التوراتي والشواهد العلمية الملموسة . وما ذكرنا السالف لكتاب "التوراة من دون أقنعة " وجملة أخرى من الكتب المعنية إلا أمثلة غير حصرية لظاهرة نقد التوراة المعاصرة والتي يصعب إيقافها الآن بعد أن أفلتت من عقالها. فمن ضمن ما توصل إليه علماء الآثار المعاصرون، الغربيون منهم والشرقيون، ما أوجزه كمال الصليبي في هذا المقتبس
"... إن الدراسات والأبحاث الضخمة التي أنتجها علماء الآثار والباحثون التوراتيون خلال المائة سنة الأخيرة، تلفت النظر إلى أمر في غاية الغرابة. ففي حين أن تاريخية عدد من الروايات التوراتية بقيت عرضة للنقاش الحاد، فإن جغرافية هذه الروايات استمرت معتبرة من المسلمات . والحقيقة الساطعة هي أن الأراضي الشمالية للشرق الأدنى (الشام ) قد مسحت وحفرت من قبل أجيال من علماء الآثار، من أقصاها إلى أقصاها، وإن بقايا العديد من الحضار ات المنسية قد نبشت من تحت الأرض ودرست وأرخت، في حين أنّه لم يعثر في أي مكان على أثر واحد يمكنه أن يصنف جدياً على أنّه يتعلق مباشرة إلى أي حد بالتاريخ التوراتي. وأكثر من ذلك فإن التوراة العبرية تذكر الآلاف من أسماء الأمكنة، و ليس بين هذه أكثر من قلة قليلة تماثلت لغويا مع أسماء أمكنة في فلسطين . وحتى في هذه الحالة فإن
الإحداثيات المعطاة في النصوص التوراتية لا تنطبق على المواقع الفلسطينية ." 28 ( كمال الصليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ص 50 )
هذه واقعاً هي محصلة الحقيقة المغيبة عن وعي الكثير من الناس والتي أدركها الكثير من العلماء الغربيين على الخصوص . ولكن ما يهمنا هنا هو أن ما بدأ ينكشف للعلماء الغربيين والشرقيين على السواء من حقيقة وجود تناقض مبهم بين جغرافيا التوراة وبين ما نطقت به الأرض بعد تقدم علوم الآثار، هو بمثابة ناقوس تحذير تراثي بدأ يطرق مؤخراً بين العلماء الشرقيين والغربيين المعاصرين ولو بشكل تدريجي . وهذا الناقوس عينه قد سبق وأن دقَّه رسول الرحمة العالمية محمد بن عبد الله (ص)، وذلك مع بواكير نزول الوحي . وطرقه من قبله أيضا روح الله عيسى بن مريم (ع) وذلك إبان تّنزل الإنجيل، كما طرقه جملة من أنبياء بني إسرائيل قبل زمن عيس ى (ع). فلنا أن نتساءل هنا، لماذا طرق القرآن الكريم ناقوس التحذير في أمة لم ينزل فيها كتاب من قبل ليعلمهم بحقيقة وقوع تحريف تراثي قديم في أمة اليهود الكتابية؟ لماذا يتوجب على أتباع خاتم المرسلين (ص) الالتفات والحذر من شأن يخص تراث من سبقهم من الكتابيين من أتباع موسى وعيسى عليهم السلام؟ فالقرآن الكريم بالنسبة للعرب الأميين هو بمثابة نقطة بداية جديدة على سياق "الإسلام يجب ما قبله "، فيطوي بتعاليمه كل ما تسلل من الماضي من دس وتزوير وتحريف منسوب إلى الله تعالى ويبدأ من جديد مع أمة جديدة لم يسبق نزول كتاب سماوي فيها. فهي حسب الظاهر للكثيرين، ليست معنية بما انقضى وكان
في أمة غيرها وقبلها، فطبيعة الحال هو ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (البقرة: 141 ). هذا هو ظاهر الحال على الأقل لمن شاء تبسيط الأمور. ولكن الواقع هو أن ثقافة الأميين لم تكن قط مبنية على تعاليم القرآن الكريم وحده، وليتها كانت كذلك. ولكن الحقيقة هي أنهم سبق وأن اطلعوا بل وتشبعوا بثقافة وأحاديث وأقاويل وعقائد الكتابيين . فهم أي الكتابيون، كانوا دوما حاضرين بين ظهرانيهم بل وفي أراضيهم وفي أسواقهم وأحلافهم وجيرتهم وذلك منذ زمن نزول التوراة وبعدها الإنجيل إلى أن بعث الله فيهم رسولا . لذا نجد القرآن يخاطب الكتابيين إلى جانب الأميين أيام الرسول (ص) وكأنهم جزء أساسي من البنية المجتمعية آنذاك (... وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ )(آل عمران : 20 ). فيمكن القول أن ما علق بثقافة الكتابيين من تحريف وتزوير، والذي يرجع مصدره إلى ما قبل عهد خاتم المرسلين (ص) أو حتى قبل عهد عيسى (ع)، قد علق بالضرورة بثقافةالأميين العامة أيضا بسبب انتقاله إليهم بشكل عفوي من نظرائهم الكتابيين . وهنا جاء القرآن الكريم محذراً الأميين من أّنه ليس كلما علق بثقافتهم العامة سابقاً من علوم مصدرها تراث الكتابيين يمكن أن يعتبر تلقائياً من أخبار وشرائع السماء المعتمدة، كما أن هذه العلوم الكتابية المصدر ليست بالضرورة دقيقة أو حتى أصلا صحيحة . وعّلل ذلك بكشف حقيقة التحريفات التي وقعت في تاريخ الكتابيين أنفسهم بجرأة بلغت أن فريقاً (بمعنى مؤسسة بمفهومنا الحديث ) كان يكتب الكتاب بيده ويقول للناس إّنه التوراة المنزلة على موسى (ع)، أو إّنه تراث الأنبياء وأحاديثهم وشرائعهم، فيخلطون بذلك الحق بالباطل في وعي الناس وثقافتهم عبر الزمان والمكان لأغراض ومصالح سياسية قومية . فكان لزاماً تحذير وتوبيخ القرآن المباشر لهم على تلك الأفعال المضل لة لمن وثق بهم ممن جاء بعدهم من أجيال الأمم المختلفة ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ )(آل عمران : 71 ). كما يمكننا معرفة عظم الجرأة على كتمان الحقيقة المنزّ لة ليحل محلها الضلال بالتدبر في طبيعة العقاب الموعود لمن انتهج منهج الإضلال الأممي (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )(البقرة: 174 )

ما يحزننا هو أّنه رغم كل التحذيرات السماوية المتتالية وتعليلات هذه التحذيرات، إلا أنه يمكن القول إن التراث العربي المكتوب بعد نزول القرآن قد تلوث بأوهام غاية في الخطورة مصدرها التحريفات الكتابية المتوالية ومنها ما يعرف اليوم بالإسرائيليات، والتي مازال الكثير منها يرتع في كتبنا التراثية حتى المعتبرة منها رغم جهود الكثير من علماء المسلمين عبر حقب مختلفة لفرزها وعزلها جانبا ً. و"الإسرائيليات " مصطلح انحصر في إدراكنا للتعبير عن تزويرات حديثة نسبياً، وضعت بعد البعثة المحمدية وتتألف من أحاديث وروايات وقصص غريبة مدسوسة تحت غطاء "هذا من عند الله " الإسلامية هذه المرة، وذلك بعد أن نُسبت زوراً لخاتم المرسلين (ص) أو إلى آله أو إلى أحد أصحابه . ومعظم الإسرائيليات الحديثة يمكن استشعارها بسهولة لما تثير في النفس من تقزز ونفور وتصادم مع
العقل والفطر ة. ولكن ما يصعب التعرف عليه هو الإسرائيليات العتيقة التي وضعت قبل البعثة المحمدية بزمن بعيد، فترسخت وأسست حيزاً مهماً من ثقافة العرب بجناحيها الكتابي والأمي . فهذا النوع من الإسرائيليات هو الذي تمكن من العبور إلى وعي الأجيال المتلاحقة القديمة منها والمعاصرة على شكل حقائق مسلم بها بعد أن هيمن على وعي وثقافة الأجداد والآباء الأوائل وتحول عبر الأزمان إلى طوفان ثقافي كاسح يستمد طاقته الجارفة والمتجددة من نظام منهج المسلمات الشائعة العالمية، فعبر بذلك إلى وعي الأجيال المتلاحقة دون حاجة للحجة والبرهان، فالشائع هو حجته وكفى بذلك دليلاً على صحته . هذا النوع من الإسرائيليات يصعب التعرف عليه لصعوبة كشفه إذ توارى عن عدسات الفحص والتدقيق بعد أن تغلغل في البنية التحتية لثقافة الناس كمسلمات يكاد يحرم النظر والتدقيق فيها بعد أن تعتقت في الذاكرة الإنسانية. هذا النوع من الإسرائيليات هو المعني بتحذيرات الأنبياء والمرسلين والكتب السماوية قاطبة، ولا يزال هو الخطر الأكبر والذي لن يزول شره عن رقاب بني آدم شرقيهم وغربيهم ما لم تُرفع عنه حصانة التقديس المفتعلة ويخضع للتدقيق والتمحيص من جديد . فبذلك يستحق التقديس ما يصمد كالجبال ويجتث من ثقافة الأمم ما يتضعضع ويتهاوى كخيوط العنكبوت.

بعد هذه المقدمة نصطحبك عزيزي القارئ في رحلة تحقيقيه تراثية لنكتشف معاً بعض ما أحدثه التزوير القديم الموضوع قبل عهد رسول الله (ص) بل قبل حتى عهد عيسى (ع)، فنرى ما أحدثه من إرباك وتحريف في المفاهيم والحقائق والمسلمات التراثية المهيمنة اليوم على وعي وثقافات الأمم . وسوف نبدأ رحلتنا التحقيقية في التراث العربي، وبالتحديد فيما يخص تزوير جغرافيا الأنبياء، برأس خيط تاريخي نستله على هون من بين تراكم خفايا الماضي المسكوت عنها، لتنكشف لنا في مسيرتنا التحقيقية مع فصول هذا البحث الثلاثة جملة من الحقائق أشد خطورة من تلك التي قصدنا البحث عنها بادئ ذي بدء . ورأس الخيط الذي سنستله هنا يتمثل في سؤال واحد ننفذ من خلاله إلى صفحات الماضي السحيق . والسؤال بكل بساطة هو:

من هو فرعون موسى؟

إن من أعظم التحريفات خطورة والتي تمكن عصبة من أئمة اليهود من تمريرها بنجاح متميز، ليس على أمة اليهود نفسها وحسب بل على العالم بأسره بما فيه المسلمون، هو تزوير البطاقة الشخصية لهوية فرعون . هذه الشخصية التي عاصرت نبي الله موسى (ع) والذي خصها الله تعالى بالذكر دون الآلاف من جبابرة الأرض عبر الأزمان . وقبل أن نتناول أسباب لجوء أئمة اليهود إلى تزوير بطاقة فرعون الشخصية سوف نرّكز في هذا الفصل من البحث على إماطة اللثام عن التزوير المّتعمد عينه، والذي مازلنا نعيش في ظلام تبعاته ونتعثر بتداعياته حتى يومنا هذا وبكل فئاتنا من مثقفين ورجال دين وأكاديميين وآباء وأمهات وطلاب مدارس.
ومدخلنا لكشف اللثام عن تزوير بطاقة فرعون الشخصية هو سؤال نطرحه على القارئ الكريم. والسؤال هو : إلام سيتبادر ذهنك لو طُلب منك أن ترسم صورة تخيلية للمظهر العام لفرعون موسى حسب المعلومات المتراكمة التي تختزنها في وعيك عن هذه الشخصية؟ هل ؟ أول ما سيتبادر إلى ذهنك تصور أقرب للصورة 2؟ أم أن تصورك سيكون أقرب للصورة 3 ليس من المستغرب أن أول ما يتبادر إلى ذهن السواد الأعظم منا أو حتى الكثرة من الذين سيطرح عليهم نفس السؤال في مجتمعاتنا بل حتى في غيرها بغض النظر عن ديانتهم أو جنسيتهم أو عرقهم، هو اختيارهم للصورة التي تعكس المظهر العام لأحد ملوك وادي النيل، أي الصورة 2. وفي المقابل، فإن من يختار الصورة 3 التي تعكس شخصية يمنية أو حجازية تقليدية، وإن كانت لشخص من سنخ أ بي جهل أو أبي لهب أو الوليد ابن المغيرة، سيكون هو الاستثناء للتصور الغالب في أذهان عموم الناس.


http://farm7.static.flickr.com/6144/5966650421_29599faa52.jpg
صورة رقم 2: صورة تخيلية لفرعون


http://farm7.static.flickr.com/6023/5967206600_97dda1a1cb.jpg
صورة رقم 3: صورة تخيلية لفرعون

بل يمكن القول إن لعل هناك قلة نادرة في عالم اليوم ممن يجزمون بعد التمحيص والتدقيق في دهاليز التراث بأن فرعون موسى واقعا هو أقرب للصورة التي استثناها عموم الخلق، وما هو حقيقة إلا شخصية حجازية أو نجدية خالصة، و أن الصورة التي تعكس هيئة ملك من ملوك وادي النيل بريئة براءة الذئب من دم يوسف من أن تمت لفرعون موسى بأي صلة، لا من قريب ولا من بعيد . ولعل أحد أسباب كتمانهم لمعرفتهم بهذه الحقيقة المغيبة عن وعي معظم الناس هو خشية استهزاء المستهزئين بهم أو تهميشهم أو لعله إشفاقهم من الوقوف أمام سادات وأكابر المجتمعات المعاصرة في المحافل كوقوف جاليليو في محنته أمام رجالات الكنيسة بعد أن أفضى باستنتاجه العلمي الذي مفاده بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس رغم أنف المسّلمة الخاطئة المتفشية في العالم آنذاك . وأما الذين تجرؤوا وأعلنوا هذه الحقيقة المغيبة، فلم ينل إعلانهم نصيبه لا من وسائل الإعلام ولا من الجهات الثقافية والأكاديمية المهتمة بشؤون التراث المّغيب. فبقي بذلك طرحهم مطموراً تحت ثقل ثقافة الشائع العامة. عوداً على السؤال المحوري المذكور أعلا ه، وبعد أن سّلمنا بفرضية أن السواد الأعظم
من الناس سوف تكون إجابتهم دون شك أو تردد هي أن فرعون موسى هو أحد ملوك وادي النيل وليس كتلك الشخصية الحجازية المستوحاة في الصورة رقم 3، فإن ذلك يجرنا تلقائياً إلى أن نطرح السؤال الثاني على القارئ الكريم، والسؤال بشكل تفصيلي هو : إذا كنت من الذين اختاروا الصورة رقم 2، فما هي المصادر المعلوماتية والمعرفية التي استندت إليها في إجابتك؟ وما هي القواعد التي استوحيت منها هذه الإجابة؟ وما هي أدلتك التي ارتكزت عليها واستلهمت منها إجابتك؟ وكي نختصر الطريق سوف ندرج هنا معظم المصادر المعرفية التي اعتمدتها عينة عشوائية بحجم 100 شخص من مجتمع عربي مسلم طرحنا عليها الصور فاختار جميع أفرادها الصورة رقم 2، ووجدنا أن إجاباتهم على السؤال الثاني كانت مستندة ومبنية حصراً على المصادر المعرفية والمعلوماتية التالية المرتبة بدءاً بأكثر المصادر تكراراً في إجابات العينة:
-1 الشائع العام - حكايات الوالدين وثقافة مسلمة بين جمهور المسلمين.
-2 أقوال أئمة المساجد والعلماء المعاصرين.
-3 تفاسير القرآن الكريم.
-4 روايات منقولة عن مؤرخين إسلاميين.
-5 توافق أممي- مسيحي / يهودي.
-6 الترابط المنطقي بين الجغرافيا والأحداث التاريخية - مصر / فراعنة / نهر النيل..الخ
-7 مناهج المدارس والبرامج الإعلامية (مسلسلات تلفزيونية- أفلام سينمائية).

يتبع

ياسر آل حسن
08-04-2008, 03:13 PM
المصادر المؤسسة لهوية فرعون

لكي نستطيع أن نؤّيد أو نفّند الجواب العمومي للسؤال الأول المطروح أعلاه، لا بد لنا من تمحيص جميع المصادر التي ارتكز عليها الجواب المشاع، وتعيين ما يستحق التحقيق فيه مما لا يرقى إلى ذلك أصلا ً. فإذا صمدت المصادر التي تستحق التحقيق والتدقيق أمام النقد والتحليل، كنا عندها جميعاً على بينة من أمرنا. وفي المقابل، إذا تهاوت تلك المصادر أمام الحجة والبرهان، عندها مامن طريق أمامنا إلا مراجعة المعلومات المختزنة في وعينا وإعادة ترتيبها بما نراه حقاً و أن تكون لدينا الشجاعة والصبر على محنة مواجهة عاصفة التبعات التي سوف تتمخض عنها مكتشفات جديدة لأخبار تراثية كنا نحسبها منضبطة ومحسومة.

1 - المسلمات الشائعة بين عامة المسلمين

كل من سئلوا عن هوية فرعون توافقوا جميعاً على أنّه كان أحد ملوك وادي النيل، واختاروا الصورة رقم 2 أعلاه كتصور تقريبي لما تبادر إلى أذهانهم . واستبعدو وبكل ثقة بل وبعضهم بسخرية الصورة رقم 3 مستندين حسب اجتهادهم إلى أن ذلك ما هو مشاع ومسلم به بين المسلمين اليوم . ومنهم من لم يزد على هذا التبرير و اكتفى بذلك دليلا ً وحجة دامغة على مصداقية جوابه.
تساؤلنا هنا، هل كل ما هو شائع بين كتلة مجتمعية، بغض النظر عن حجمها أو جنسيتها أو ديانتها، يعني بالضرورة أّنه حقيقة يمكن اعتمادها وتزكيتها عند الفحص والتمحيص؟ أي هل يمكن اعتماد المتناقل الشائع كدليل معتمد على صح ة الخبر المشاع؟
سوف نذكر هنا بعض الأمثلة لمشاعات ثبت أّنها خطأ، بل ثبت أنها خطأ فادح رغم شيوعها
وتجذرها لحقبة زمنية ولكنها مع ذلك تمكنت من احتلال مساحة من وعي مجتمع أو حتى أمة بأكملها، بل تم تناقلها من جيل إلى آخر دون رقابة أو تصفية إلى أن تحول جز ء منها إلى عادات وتقاليد وعقائد تفتك بالمجتمعات على هون . فمن المشاع بين الكثير من الأمم منذ العهود السحيقة إلى يومنا هذا أن الأصنام والمجسمات على شاكلة ودا وسواعا ويغُوثَ ويعوقَ ونَسرا تُقرب إلى الله زلفى . فتجد بسطاء أفراد تلك المجتمعات المبتلاة بهذا الداء عاكفين على ما وجدوه شائعاً بينهم، ولهم في شيوعه بين كبارهم وساداتهم وأئمتهم وأجدادهم حجة ودليل على صحة معتقدهم الموروث وسلوى عن الحاجة إلى تكرار صدمات نتائج التدبر في ما ورثوا من عقيدة حجرية . وما أهون إسقاط ما هو مستند إلى المشاع وليس إلى الحجة والبرهان، ولنا في قصة إبراهيم (ع) عبرة. فما أن حطم أصنام القوم ليعينهم بصعقة نفسية على انتهاج منهج التعقل في العقيدة لا الموروثات المستندة إلى دليل المتناقل المشاع حتى بلغ
الأمر أن قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (الأنبياء: 62 - 67 )
طالب الخليل إبراهيم تحكيم العقل المّغيب في ذلك الوضع القائم الذي لا يستند إلى منطق يعقل، بينما لا دليل عند القوم على سلامة وضعهم غير الواقع المُشاع المستلهم من الأجداد والجيران، واستمر هذا المنهج بين الناس ليصطدم به كل مرسل ونبي ومصلح عبر تاريخ الإنسانية إلى يومنا هذا. ومن المشاعات أيضاً ما كان شائعاً بشأن مصداقية نبوة روح الله عيسى (ع) بين اليهود تحديداً، وامتد أثرها منذ بدايات القرن الأول إلى يومنا هذا. فلقد أفتى بعض فقهاء وعلماءاليهود في مطلع القرن الأول بأن عيسى بن مريم (ع) كان دجالا ً مفسداً خرج عن ملة بني إسرائيل، و أن المسيح المنتظر لم يأت بعد . فتلقف العوام هذه الفتو ى تقليداً لا تدبراً، فانتشرت بينهم دون دليل ولا برهان، فساهم ذلك الشائع المنافي للحقيقة في حرمان الكثير من عوام بني إسرائيل من هدي ما نزل على عيسى بن مريم (ع). بل إن منهم من تفاخر بقتل النبي المرسل تطبيقاً لفتوى سادات القوم كما نقل لنا القرآن الكريم ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا )(النساء: 157 ). ومن يومها لا يزال عموم اليهود يهيمون في وهم المنقول المشاع بانتظار المسيح الموعود في ظهوره الأول ! وهذه عاقبة من اتخذ من الشائع دليلاً على صدق الخبر المشاع . فلك عزيزي القارئ أن تّقدر حجم الخسارة والضرر الذي لحق بمن جعل من المشاع حجةً وبرهاناً وهم واقفون أمام القدرة يوم الفزع الأكبر وعذرهم المردود هو (... وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا )(الأحزاب: 67 )

من المشاعات أيضا حتى عهد جاليليو (توفي سنة 1642 م) أن الأرض هي مركز الكون، وعليه فإن الشمس تدور حول الأرض . وبقي هذا الاعتقاد، الذي كان مصدره أرسطو (توفي سنة 322 ق .م) وأيده فيه بطليموس (توفي سنة 165 م )، شائعاً بين الناس أكثر من ألف وثلاثمائة سنة. فتأخراكتشاف الكثير من قوانين الفلك والحركة الكونية بسبب هذا الشائع العلمي الخاطئ لتدفع الحضارة البشرية فاتورة مشاعات لا أساس لها سوى أنّها صدرت من أحد كبار القوم و أيدها كبير آخر. ومادمنا مع جاليليو فلنا أن نذكر مسّلمة علمية شائعة خاطئة آخر كان مصدرها أرسطو أيضا وصححها جاليليو، ومفادها أن الأجسام الأثقل وزنا ً تهوي إلى الأرض بتأثير الجاذبية في زمن أقصر من تلك الأخف وزنا ً. فاستقر هذا القانون الوهمي بين المثقفين والأكاديميين ناهيك عن العامة، ولم يعبأ أحد بالتحقق من هذا القانون، فشيوعه بين الأكاديميين وا نتشاره في المؤسسات العلمية كالجامعات والمكتبات كان دليلا ً وهمياً على صحته. ثم جاء جاليليو ليثبت نقيضه بالتجربة العلمية خلاف المروي المشاع، حيث أجرى
تجربته الشهيرة بإسقاط مطرقة معدنية وقذيفة مدفع معدنية سوياً من أعلى برج "بيسا" فأثبت حينها بأن الأجسام المختلفة الأوزان ( الكتل <<< ياسر ) تهوي إلى الأرض بنفس الزمن، وفتح الباب بذلك على مصراعيه لاكتشاف معامل الجاذبية الثابت - ج= 9.81 م/ث 2 - وهو ثابت فيزيائي مهم، بل ضروري لفهم القوانين الديناميكية التي ساهمت بشكل فعال في الدفع نحو تحليق الطائرات في السماء بل وفي إطلاق الأقمار الصناعية وبقائها في حركة مدارية حول الأرض. فكم ساهم هذا التسليم للشائع في تأخر الركب العلمي الإنساني؟ ولو لا مخافة الإطالة لسطرنا هنا الكثير من المشاعات القديمة والمعاصرة التي أدت إلى ضلال أمم أو تأخر مجتمعات عن ركب التقدم والتطور ناهيك عن تلك التي أسست لعادات وتقاليد بالية تفشت في المجتمعات الصغيرة والكبيرة دون معرفة الحكمة ولا المنطق وراء تفشيها أو استمرار العمل بها. ويمكن للقارئ الكريم إضافة العديد من المشاعات المبهمة، علمية كانت أو اجتماعية أو عقائدية يجدها في مجتمعه، ذلك أن المشاعات ليست حكراً على مجتمع أو أمة أو زمان أو مكان . وما ذكرنا أعلاه مجرد أمثلة لبعض المشاعات الخاطئة بعضها غاية في الخطورة بسبب انتشاره بين الناس وتمكنه من العبور إلى مخزون وعيهم دون الحاجة إلى تأشيرة مرور هي شرط توفير الحجة.

فعليه يمكن القول إن كل من ارتضى أن يتبنى الشيوع دليلاً على صحة عادة أو خبر أو عقيدة، وخاصة الموروث منها من دون تدبر ولا نظر ولا تريث، فإنه ينتهج بذلك نهجاً يسير به في مسار تصادمي مع ما حذر منه القرآن الكريم ورسول الله (ص)، فلا يتحسر إذا حاق به ما لا يرتضيه . فأين نحن من قول الله جلَّ جلاله في أمر الشائع الموروث بين الأمم إذ يخاطب الناس على لسان المرسلين فيكون جوابهم ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ )(المائدة: 104 ). أين نحن من دعوة المرسلين إلى النظر والتعقل في أمر عبادة أقوامهم لأصنام يصنعونها بأيديهم فكان جواب أقوامهم من منطلق المنهج الاستدلالي الذي اتبعوه
( قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ )(الأنبياء : 53 ). أين نحن من معاناة المرسلين وهم يجاهدون لتغيير ثقافات بالية تجذرت في مجتمعاتهم فكان دليل اتباع الشائع حجر عثرة على طريق التجديد والتغيير وهو المنطق السائد وفحواه (... إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ )(الزخرف: 23 ). كما أن لرسول الله (ص) والراسخين في العلم أقوالاً كثيرة تحذرنا من الانجرار دون تدبر وتفكر وراء المشاعات والإشاعات . فقد ورد عن الرسول (ص) قوله " لا يكونن أحدكم إمعة، قيل : وما الإمعة؟ قال : الذي يقول : أنا مع الناس " 29 . وفي حديث آخر قال " لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا و إن أساءوا فلا تظلمو ا." 30 لذا لا نرى أن شيوع خبر أو عادة أو معتقد دليل على صحة المشاع، ولا يمكن أصلاً اعتبار هذا مصدرا ً علمياً يجوز للعاقل أن يركن إليه وكفى . ولا يفوتنا أن نذكر أن هناك الكثير من المشاعات السليمة لأنها مرتكزة على براهين وحجج واضحة مصداقا لقوله تعالى (... قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )(البقرة: 111 ). فهذا النوع من المشاعات هي حقائق خضعت ولا تز ال تخضع وبشكل متجدد للتحليل والنقد ولكنها دائما تصمد عبر الأزمان.

خلاصة القول هو أن أفراد العينة التي أجابت بأن شخص فرعون حسب ما يتبادر إلى أذهانهم هو أقرب إلى الصورة رقم 2 والتي تمثل هيئة أحد ملوك وادي النيل، والذين استندوا في إجابتهم إلى المروي الشائع كمصدر معلوماتي كاف، هم بحاجة لمراجعة منهجهم الاستدلالي كونه مستنداً على قاعدة قاصرة وتكاد تكون خاوية ولا يمكن أن يعتَد بها في إثبات أو نفي قطعيين.

ياسر آل حسن
11-04-2008, 10:36 PM
2 - أقوال أئمة وخطباء المساجد والعلماء المعاصرين

بعد الشائع النافي للشك حسب معتقد معظم العينة التي تم استفتاؤها في السؤال المطروح أعلاه، جاء في المرتبة الثانية أقوال أئمة وخطباء المساجد والعلماء المعاصرين كمصدر معلوماتي يسند إجابتهم. ولنا هنا وقفة مع هذا المصدر وعلاقته بالسؤال. يجب التنبيه إلى أننا بحضورنا واستماعنا إلى معظم الخطب والدروس في المساجد والمؤسسات الدينية بشكل عام فنحن واقعاً نتلقى علوماً غدت اليوم ذات طابع وعظي نقلي في الغالب وليس تحقيقياً أو تنظيريا ً. بمعنى آخر يمكن القول إن دروس ومحاضرات المساجد المعاصرة بقيادة الخطباء الكرام، والتي تعتبر مصدراً معلوماتياً مؤثراً وفعالاً، لا تكاد تتعدى اليوم النقل عن السلف والتابعين وذلك حسب المدرسة أو المذهب الذي ينتمي إليه الخطيب أو الإمام أو المؤسسة الوعظية . لذلك فإن الطابع العام لهذا المصدر المعلوماتي المهم بات يتسم بالعنعنة (عن فلان عن فلان ) إلى جانب نقل متن الرواية أو الحديث مع تبيان ارتباطه ببعض حيثيات أحداث الساحة المعاصرة. أما التحقيق في المنقولات والطرح التنظيري لشؤون المسلمين المعاصرة أو التاريخية فيكاد يكون معدوماً من خلال هذه النافدة التعليمية المهمة . وهذا ليس مستغرباً بالنظر إلى طبيعة الحضور واختلاف مستوياتهم واهتماماتهم إلى جانب ضغط الوقت المتاح للمحاضرة أو الخطبة الواحدة والذي قلما يتعدى الساعة من الزمان . أما التحقيق والتنظير فمكانهما في عصرنا بات حكراً على الحوزات العلمية والجامعات التشريعية التي لم تثر الموضوع الذي نحن بصدده، وهو التحقق من هوية فرعون الشخصية وما لذلك من تبعات جسيمة وبعثرة لقضايا نورانية كنا نعتقد أّنها مرتبة ومنضبطة في وعينا. لذا لا يمكن اعتماد أي مصدر نقلي أو وعظي لإثبات أو نفي موضوع تحقيقي كالذي نحن بصدده الآن.

أما اعتبار أقوال العلماء المعاصرين مصدراً معلوماتياً للسؤال المطروح فلنا أيضاً وقفة معه. فالحجة تقام إذا وضع العلماء المعاصرون تحقيقاً في الموضوع المطروح في هذا البحث، ولكن الواقع هو أن معظم العلماء المعاصرين والسالفين لم يدرجوا موضوع هوية فرعون بشكل تحقيقي جاد في جدول أبحاثهم . والمتمعن في كتابات وتعليقات العلماء والمفكرين في ما يخص الموضوع يجد أنه يذكر ذكراً عابراً وليس تحقيقاً في هوية فرعون المشاعة، وذلك ضمن سياق مواضيع تحقيقية مختلفة بعيدة عن بحر الموضو ع، مما ألهم القارئ ضمناً ومن غير قصد أن هوية فرعون المشاعة محسومة لدى العلماء الأفاضل وليست موضع نقاش، بل إنها على العكس محلّ توافق وتسليم من قبل هؤلاء العلماء، سو اء أكانوا علماء شرقيين أم غربيين . فغلب بذلك تأثير تسليم كثرة العلماء على تحقيق القلة منهم، مما ساهم في خفاء الحقيقة عن كثير من الناس في الشرق والغرب على السواء، كما انعكس جلياً في إجابات أفراد العينة ومبرراتهم.

خلاصة القول في هذا الصدد هي : أولاً، من غير الصحيح علمياً اعتماد مقال نقلي أو وعظي -كخطب ومحاضرات المساجد - مصدراً لإثبات موضوع تحقيقي أثير بسبب المصدر النقلي نفسه . ثانياً، تسليم العلماء المعاصرين والسالفين بنقل أو سرد هوية فرعون المشاعة في معرض أبحاثهم أو خطبهم أو تحقيقاتهم في مواضيع مختلفة، لا يعني أنهم قد حققوا في أمر هوية فرعون نفسه فهو مجرد استشهاد بمسلم . لذا لا يكمن اعتبار هذا النوع من الاستشهاد مصدراً علمياً يعتد به . وعليه، كما يستشف القارئ الكريم، لا يوجد مبرر لاعتبار مثل هذا النقل والاستشهاد مصدراً جديراً بالتحقيق.

3 - تفاسير القرآن الكريم

جاءت تفاسير القرآن الكريم كمصدر معرفي للتحقق من هوية فرعون في المرتبة الثالثة حسب العينة التي تم استبيانها وذلك لعدم إلمام جميع أفراد العينة بحقيقة أن كتاب الله ذكر ما يمكن أن يعتبره الكثيرون دليلاً تحقيقياً في هوية فرعون الشائعة . فقد جاء في كتاب الله أن "مصر" كانت الأرض التي شهدت أحداث فرعون وبني إسرائيل . ولأن الراسخ في وعينا هو أن "مصر" التي ورد ذكرها في كتاب الله هي عينها بلاد وادي النيل، التي نعرفها اليوم بجمهورية مصر العربية، فقد استدل المفسرون بذلك على أن فرعون كان بالضرورة أحد ملوك وادي النيل، وأسهم هذا التفسير في تعزيز التصور الشائع بشأن انتماء فرعون لبلاد وادي النيل، إذ جعل لهذا الطرح المشاع أساس قرآني يرتكز عليه. وفيما يلي مجمل الآيات التي نزلت في هذا السياق:

( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (يونس: 87 )

( وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) (يوسف: 21 )

( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ ) (يوسف: 99 )

( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ )(الزخرف: 51 )

( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُواْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ )(البقرة:آية 61 )

وهناك أيضا آيات اليم الذي أخبر جلَّ وعلا عن إلقاء موسى (ع) فيه وهو رضيع، والذي انفلق أيضاً لموسى بإذن الله حين خروجه عليه السلام من مصر ببني إسرائيل متجهاً نحو الأرض المقدسة . و"اليم" كلمة تستخدم في اللسان العربي السرياني والعربي الفصيح على السواء وتعني النهر أو البحر الكبير . ولأّنه يوجد فعلاً نهر كبير ببلاد وادي النيل، فمن المنطقي أن هناك من استدل عقلياً على أن نهر النيل هو اليم المذكور في كتاب الله، مما يعني أن القرآن الكريم يؤكد ضمناً أن موسى (ع) وفرعون كانا واقعاً في بلاد وادي النيل . وهذا الفهم لآيات الذكر الحكيم بشأن تحديد اليم جغرافيا هو أيضاً أحد أسباب شيوع الاعتقاد بأن فرعون هو واقعاً أحد ملوك وادي النيل. وإليك بعضاً من الآيات التي تتحدث عن هذا اليم:

( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ )(الأعراف: 136 )

( أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي )(طه: 39 )

( فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ )(طه: 78 )

( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ )(القصص: 7 )

خلاصة القول أن هذا المرتكز المعرفي العظيم الذي أسهم ظاهراً في تفشي الاعتقاد بأن فرعون هو أحد ملوك وادي النيل جدير بالتحقيق والتدقيق . ويجب التأكيد هنا على أن نروم التحقيق فيه هو ليس الآيات النورانية نفسها قطعاً، فهي م زكاة ومترفعة عن تحقيق الإنس والجن، وإنما نسعى للتحقيق في فهمنا لهذه الآيات وما استقر في وعينا حولها وطريقة تعاطينا معها وكيف أسهم فهمنا وتفسيرنا هذا في تشكيل وعينا ورؤانا بخصوص الموضوع الذي يتناوله هذا البحث.


يتبع

ياسر آل حسن
13-04-2008, 07:51 PM
4 - روايات المؤرخين المسلمين

يتضمن هذا المصدر المعلوماتي الكثير من الروايات والمنقولات التي توضح بأن الأحداث التي دارت بين فرعون وبني إسرائيل حدثت فعلا ً في بلاد وادي النيل حيث يرد ذكر اسم نهر النيل مرادفاً لذكر كل من موسى (ع) وفرعون وبشكل متكرر . ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في معرض ذكر موسى (ع) وفرعون في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الدمشقي

"... ثم أخبر تعالى عن تبجح فرعون بملكه وعظمة بلده وحسنها وتخرق الأنهار فيها وهي الخلجانات التي يكسرونها أمام زيادة النيل ثم تبجح بنفسه وحليته وأخذ ينتقص رسول الله موسى عليه السلام ويزدريه بكونه ..." 31

ليس هذا فحسب، بل ورد أيضا ذكر نبي الله موسى (ع) وفرعون رديفاً للأقباط، أي شعب وادي النيل العريق، ومثال ذلك ما نقرأه في المقتبس التالي من كلام الشيباني

"... فلما طال الأمر على موسى أوحى الله إليه يأمره بالمسير ببني إسرائيل و أن يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب ويدفنه بالأرض المقدسة فسأل موسى عنه فلم يعرفه إلا امرأة عجوز فأرته مكانه في النيل فاستخرجه موسى وهو في صندوق مرمر فأخذه معه فسار وأمر بني إسرائيل أن يستعيروا من حلي القبط ما أمكنهم ففعلوا ذلك وأخذوا شيئا كثيرا وخرج موسى ببني إسرائيل ليلاً والقبط لا يعلمون ..." 32

ولا تقف الدلائل في المرويات التراثية العربية عند هذا الحد، بل إن هناك روايات كثيرة عن مؤرخينا الأوائل تصرح بأن الأحداث وقعت في بلاد وادي النيل أي "مصر" التي تُعرف اليوم بجمهورية مصر العربية، وفيما يلي مقتطف من هذا التصريح كما ورد في كتاب الكامل في التاريخ

"... وكان شأن فرعون قبل ولادة موسى أنه رأى في منامه كأن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل وأخربت بيوت مصر فدعا السحرة والحزاة والكهنة فسألهم عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد يعنون بيت المقدس الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على وجهه هلاك مصر ..." 33

إن هذه الروايات من الكثرة والإصرار بحيث تستدعي إدخال مصادرها في آلية التدقيق والتحقيق لكونها مصدراً مؤسساً للإجابة الشائعة بيننا اليوم والتي تصرح بيقين لا يداخله شك بأن فرعون موسى هو واقعاً أحد ملوك وادي النيل.

5 - التوافق الأممي- المسيحي اليهودي

إن لهذا المرتكز المعلوماتي دوراً لا يستهان به في تشكيل الاعتقاد الشائع بيننا اليوم في ما يخص هوية فرعون . فليس سراً أن المسيحيين ومن قبلهم اليهود كانوا يلقنون نشأهم بعقيدة أن فرعون كان أحد ملوك وادي النيل، و أن بني إسرائيل كانوا يستوطنون وادي النيل بعد أن هاجر نبي الله يعقوب (ع) وبنوه إلى " مصر" حيث تمكن ابنه نبي الله يوسف (ع) من الأرض هناك وأصبح شخصية بارزة في الدولة "المصرية". وهذه المقولة ا لمترسخة في ثقافة المسيح واليهود لم تأت من فراغ وإنما استُمدت من التوراة المحرفة كما هو واضح من المقتبس التوراتي التالي :

" ها هو الرب قادم إلى يركب سحابة سريعة ، فترتجف أوثان مصر في حضرته ، وتذوب قلوب المصريين في داخلهم ، وأُثير مصريين على مصريين فيتحاربون ، ويقوم الواحد على أخيه ، والمدينة على المدينة ، والمملكة على المملكة ، فتذوب أرواح المصريين في داخلهم ، وأُبطل مشورتهم ، فيسألون الأوثان والسحرة وأصحاب التوابع والعرّافين ، وأُسلّط على المصريين مولىً قاس ، فيسود ملك عنيف عليهم ، هذا ما يقوله الرب القدير ، وتنضب مياه النيل ، وتجف الأحواض وتيبس ، تُنتن القنوات ، وتتناقص تفرّعات النيل وتجف ، ويتلف القصب والأسل ، وتذبل النباتات على ضفاف نهر النيل ، والحقول والمزروعات كلها تجف ، وكأنها لم تكن مخضرّة . فيئن الصيادون وطارحو الشصوص في النيل وينوحون ، ويتحسّر الذين يلقون شباكهم في المياه ، ويتولّى اليأس قلوب الذين يصنعون الكتان الممشّط ، ويفقد حائكو الكتان الفاخر كل أمل ، ويسحق الرجال أعمدة الأرض ، ويكتئب كل عامل أجير " 34 ( سفر أشعياء 19)

وفي مكان آخر من التوراة نقرأ خبراً أكثر تحديدا حيث نجد أن ثمة شخصاً يلقب بفرعون أيضاً:


1 وحدث من بعد سنتين من الزمان ان فرعون رأى حلما. واذا هو واقف عند النهر.

2 وهوذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم. فارتعت في روضة.

3 ثم هوذا سبع بقرات اخرى طالعة وراءها من النهر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم. فوقفت بجانب البقرات الاولى على شاطئ النهر.

4 فاكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقة اللحم البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة. واستيقظ فرعون

5 ثم نام فحلم ثانية. وهوذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد سمينة وحسنة.

6 ثم هوذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها.

7 فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع السمينة الممتلئة. واستيقظ فرعون واذا هو حلم.
( سفر التكوين 41 )


هذه النصوص التوراتية وشبيهاتها المنتشرة في العالم بكل اللغات الحية كانت ولا تزال البنية التحتية لآلاف المؤلفات والمقالات والقصص ناهيك عن المسرحيات والمسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية التبشيرية منها والثقافية أو الوثائقية، والتي تملأ المكتبات الغربية والشاشات الإعلامية المدبلجة والمترجمة . إن هذا الكم الإعلامي الهائل القديم والحديث الذي يعتقد أن نهر "النيل" لعب دوراً هاماً في مسيرة بني إسرائيل بقيادة نبي الله موسى (ع) وبخاصة في إعجاز شق البحر، قد حسم الموقع الجغرافي لأحداث فرعون ونبي الله موسى (ع) لصالح بلاد وادي النيل، كما حسم الأمر في وعي الأجيال المسيحية واليهودية لصالح أن فرعون هو أحد ملوك وادي النيل . وبذلك أُقفل أو كاد يقفل الباب على هذه الفرضية التي بدت حقيقةً محسومة في ثقافة الأمم العالمية . ولكن من خلال هذا البحث، سيتبين لنا أن الأمر ليس محسوماً كما يراد له أن يكون . فهذا الباب وغيره من الأبواب الموصدة يجب أن تفتح على مصراعيها للنظر في ما خفي وطُمر وراءها. أما المحسوم فعلاً فلا يتعدى التأثير المباشر لهذا المصدر المعلوماتي في شيوع هوية فرعون الخاطئة على المستوى العالمي كما سيتضح من خلال هذا البحث. لذا يتوجب إخضاع هذا المصدر المعلوماتي للتحقيق والنظر.

6 - الترابط المنطقي بين الجغرافيا والأحداث التاريخية

لن يجد العقل السوي أي تضارب منطقي من ظاهر جزئيات قصة فرعون الشهيرة التي شكلت هويته الشخصية في أذهاننا. فكما نص كتاب الله، فإن فرعون حسب فهمنا للآيات المعنية كان بأرض تدعى "مصر" وأنه كان شخصية ذات سطوة وأنه ادعى ملكية هذه الأرض التي تمتاز بوجود نهر كبير فيها. إلى جانب ذلك ذكر مؤرخونا أن أرض "مصر" هذه كان يقطنها شعب الأقباط إلى جانب بني إسرائيل ونبي الله موسى وأخيه هارون عليهم السلام . وتُعرف بلاد وادي النيل اليوم بمصر، مما يعني أن كل هذه الجزئيات الجغرافية التاريخية (الجغروتاريخية) تتوالى بنسق منطقي لتشير إلى أن فرعون كان فعلا أحد ملوك وادي النيل .
فلا توجد أرض أخرى تتميز بكل هذه الجزئيات مجتمعة إلا جمهورية مصر العربية . هذا ناهيك عن توافق اليهود والمسيحيين على هذا التوجه الذي يبدو منطقياً. فعلى ضوء هذه المعطيات المتنوعة التي يشد بعضها إزر بعض، يصعب أن يشكك أحد في هوية فرعون النيلية المشاعة، أو يستغرب شيوع هذه "الحقيقة" الضاربة في القدم بين الناس والتي يتناقلها جيلٌ بعد جيل . ولكن رغم ذلك كله لا يمكننا اعتبار هذا الترابط المنطقي بين تلك الجزئيات دليلاً على صحة هوية فرعون المشاعة ! والسبب هو أن الترابط الذي يبدو منطقياً قد لا يعود كذلك بعد التدبر فيه، وذلك ما حدث على سبيل المثال في قصة جاليليو ودوران الأرض حول الشمس. فظاهر الحركة الفلكية هو أن الشمس هي التي تدور حول الأرض كما يظهر جلياً للناظر من على سطح الأرض، بينما تبدو الحقيقة عكس ظاهرها في عين المتدبر . ومن جهة أخرى يمكن بسهولة ربط الجزئيات والمظاهر لتبدو منطقية للناظر . وهذا ما برع فيه بعض أمهر المجرمين، حيث يتركون خلفهم جزئيات مترابطة منطقيا لتؤدي بأجهزة التحقيقات الجنائية إلى استنتاجات تُبعد المجرم الحقيقي عن الإدانة وتوقع آخرين لا ذنب لهم بالجرم . فكم من قتيل ُاعتبر في عين القانون منتحراً بعد أن ترك القاتل جزئيات مترابطة منطقياً في مسرح الجريمة تشير إلى أن المجني عليه مات منتحراً لا قتيلاً؟ لذا لن نعتبر هذا الترابط مهما بدا منطقياً دليلا ً أو مصدر اً معلوماتياً جديراً بالاعتبار بل هو مؤشر ونتاج لواقع يجب تفسيره بعد التحقيق في الواقع نفسه.

7 - المناهج الدراسية ومنتجات وسائل الإعلام

إن هذه المصادر تعليمية في الكثير من برامجها. ولكنها ما أن تعالج مواضيع تراثية أو دينية حتى تتحول تلقائياً إلى جهات نقلية لا تحقيقية، تستقي مادتها العلمية من الشائع والمذهب وتوجهات السلطة القائمة عليها. لذا لا نجد في هذه الأجهزة النقلية التلقينية ما يمكن التحقيق فيه بشأن موضوع هوية فرعون الشخصية . ولكن ما من شك أنها تساهم بشكل فعال في نقل وترسيخ المعلومات، صحيحة كانت أم خاطئة في ثقافة المشاهد أو المستمع.

يتبع

ياسر آل حسن
16-04-2008, 04:09 PM
التحقيق في هوية فرعون الشخصية

إن تمحيص المصادر أعلاه يقودنا إلى ضرورة حصر التحقيق في هوية فرعون في نطاق ما جاء في كتاب الله والتراث العربي والغربي (اليهودي-المسيحي). وسنرجع إلى كتاب الله لاستيضاح الفهم القائم وتفسيره على ضوء ما جاء في آياته بينما سنرجع للتراث العربي والغربي للتعرف على فهمهما واستنتاجاتهما بهذا الشأن . وكما لا حظنا من السرد السابق للآيات ذات العلاقة، فإن القرآن الكريم أكد علاقة فرعون بمصر، ومن جانب آخر فإن الثابت في ثقافتنا (اليوم) هو أن "مصر" الوارد ذكرها في القرآن الكريم هي عينها بلاد وادي النيل والتي تعرف اليوم جغرافيا بجمهورية مصر العربية . فلنبدأ تحقيقنا بدراسة هذه العلاقة الثنائية القرآنية – الثقافية، كخطوة أولية في رحلتنا التحقيقية في هوية فرعون.

هل "مصر" القرآن هي حقّاً جمهورية مصر العربية؟

لقد ورد في كتاب الله أن فرعون موسى كان يدّعي ملك مصر ( وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ )(الزخرف: 51 ). ولا توجد بلاد تُعرف اليوم باسم مصر، غير جمهورية مصر العربية .
وهذا في ظاهره دليل قوي على أن فرعون كان أحد ملوك وادي النيل كما هو شائع بيننا اليوم. فهل هناك داعٍ لمزيد من التحقيق بعد أن حسم القر آن الكريم الأمر؟
ما نقوله بهذا الصدد هو أننا على قناعة بأن القر آن الكريم قد حسم موضوع ارتباط فرعون بمنطقة تعرف باسم "مصر" كما يتبين في الآية أعلاه، ولكن هل جاء في القر آن الكريم أيضا ما يؤكد أن "مصر " التي ادّعى فرعون ملكها هي عينها جمهورية مصر العربية جغرافيا ً؟ أم أن مصر القرآن هي اسم لموقع آخر عناه فرعون وأن ثمة تشابهاً في الأسماء أدى بنا إلى الا عتقاد بأن بلاد وادي النيل هي المعنية بـ"مصر" الوارد ذكرها في التنزيل؟ هذا الأمر هو فقط ما نود التحقق منه.

يتمثل منهجنا في التحقيق هنا بكل بساطة في توجيه السؤال لأصحاب الأرض المفترضين، وهم حسب الشائع في العالم أجداد الشعب "المصري" العريق، كي يّعرفوننا على اسم بلادهم كما كانت تُسمى أيام فرعون . ولا تقبل شهادة غيرهم من الشعوب في هذا الشأن، ذلك أنه حسب ما ورد في الآية الشريفة أعلاه، فإن فرعون نادى في من كان يسمعه من قومه بأّنه هو المالك "لمصر". ولم يكن تصريحه ذاك موجهاً لشعوب وأقوام العالم كّلهم السابق منهم واللاحق لزمانه . فهو وقومه يعون جيداً ومتفقون في ما بينهم على ما تعني "مصر" من حيز جغرافي معروف الموقع ومحدد الأبعاد . أما أن يكون هناك قوم أو شعب آخر، قريب أو بعيد مكانيا أو زمانياً من قوم فرعون، يطلق على المكان الذي يعنيه فرعون وقومه إسماً آخر غير "مصر" فذلك لا قيمة له في تحقيقنا هنا. لأن القرآن الكريم نقل لنا ما كان فرعون وقومه يسمونه "مصر" وهو، كما أوضح القرآن الكريم، موقع جغرافي عبّر عنه بالقرية كما جاء على لسان إخوان يوسف في حوارهم مع أبيهم يعقوب (ع) ( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ )(يوسف: 82 )

ولأننا نعلم أن الأراضي والبلدان قد تتغير أسماؤها عبر الأزمان، ومثال على ذلك مكة التي كانت تسمى في العصور السحيقة بمكربة والمدينة المنورة التي كان اسمها قبل البعثة المحمدية يثرب، والبحرين التي كانت تسمى أوال وتايلوس، و أشبانيا ( 36 ) أو أسبانيا التي كانت تسمى مدةً الأندلس إلى آخره، لذا توّجب أن يكون سؤالنا الموجه لأجداد الشعب "المصري " دقيقًا ومقيداً بشرط آخر هو تحديد الفترة المتزامنة مع الحدث . وللتأكّد من شمولية التغطية الزمنية نقترح مسح الفترة الزمنية الواقعة ما بين نزول القر آن الكريم حيث هو مصدر استشهادنا رجوعاً إلى ما قبل عهد فرعون . فإذا ثبت أن بلاد وادي النيل كانت فعلا تسمى "مصر" أو على الأقل كان هذا أحد أسمائها التي سماها بها أصحابها قبل نزول القر آن، يتعين حينئذ الانتقال إلى الخطوة التالية وهي تحديد زمن هذه التسمية لنرى إن كان هناك توافقٌ بين زمن فرعون وزمن تسمية بلاد وادي النيل "بمصر". فإذا ثبت هذا التوافق علمنا يقيناً أنه لم
يقع تشابه في الأسماء، ومن ثم ننتقل لإثبات أو نفي باقي المعطيات . فليكن سؤالنا التحقيقي الموجه لأجداد شعب جمهورية مصر العربية تحديداً ووفقاً لشرط الفترة الزمنية هو : هل كان اسم "مصر" من بين الأسماء التي سميتم بها بلادكم في الفترة التي سبقت مباشرة نزول القرآن الكريم والذي نزل حوالي سنة 600 للميلاد؟

إن الكثير منا يعتقد أن الإجابة على السؤال التحقيقي أعلاه متوفرة في التراث العربي وبكثرة وتنوع وقوة، وكلها تشير لصالح المُشاع العام الذي مفاده أن بلاد وادي النيل هي عينها "مصر" الوارد ذكرها في القر آن الكريم، فما الداعي لهذا التحقيق وافتعال قضية محسومةتاريخيا!؟ وجوابنا هنا أن منهج التحقيق هو الذي يجب أن يحدد ما إذا كانت قضايانا التراثية محسومة أم مسكوتاً عنها. فبقليل من التركيز والتفكيك نجد أن هذا الاعتقاد السائد واقعاً لا يجيب على السؤال المطروح أعلاه، بل يجيب على سؤال آخر لسنا معنيين به هنا ومفاده "ما هو الاسم المتعارف عليه بين المسلمين لبلاد وادي النيل قبل نزول القر آن وبعد نزول القرآن؟". والجواب على هذا السؤال جزماً هو "مصر". ويمكن إثبات ذلك بكل سهولة ويسر بالرجوع إلى مصادر التراث العربي التي تعج بذكر مصر كمسمى لبلاد وادي النيل . ولكن معرفة جواب لسؤال غير مطروح في سياق هذا التحقيق لن يغني عن الحق شيئاً. فكثرة ورود اسم مصر في كتبنا التر اثية يتناول في معظمه الإجابة على أسئلة مختلفة تحددها صيغة السؤال نفسه، ونادراً ما طرح أحد السؤال التحقيقي المصاغ أعلاه والذي نسعى إلى الإجابة عنه في هذا البحث.
ويقيننا أن هذا الالتباس بين السؤال المحدد المطروح والجواب المتوفر الخاطئ هو أحد أهم الأسباب التي أدت إلى صياغة هذه الثقافة الشائعة بيننا اليوم . لذا نجد أن من الضروري قبل البحث عن الإجابة على السؤال التحقيقي المصاغ أعلاه، أن نعرض نموذجا من مرويات تراثية عربية يرد فيها ذكر مصر دون أن يجيب على سؤالنا بشروطه ، بل يفيد فقط بأن اسم "مصر" هو الاسم المتعارف عليه لبلاد وادي النيل بين العرب أثناء الحقب الإسلامية المختلفة ابتداء بصدر الإسلام الأول وانتهاء بحقبتنا المعاصرة.

ما اسم بلاد وادي النيل في تراث العرب؟

إن المتصفح للكتب التاريخية العربية التي تعنى بنقل أحداث الرحالة وحواراتهموكتاباتهم ووصفهم للبلدان أيام الدول الإسلامية المتلاحقة، سيجد دلائل كثيرة تجيب على السؤال أعلا ه. فتكرار اسم مصر كمسمى لبلاد وادي النيل يصعب حصره بسبب كثرة وروده في التراث العربي . ولكن هل تواتر اسم مصر بهذه الكثرة في متون ا لكتب التراثية يجيب على سؤالنا التحقيقي أعلاه؟ لننظر في هذا المقتبس التراثي لابن بطوطة كنموذج لما نعني :
" ... والنيل يفترق بعد مسافة من مصر على ثلاثة أقسام ولا يعبر نهر منها إلا في السفن شتاء وصيفا وأهل كل بلد لهم خلجان تخرج من النيل فإذا مد أترعها وفاضت على المزارع ( الأهرام والبرابي ) من العجائب المذكورة على مر الدهور وللناس فيها كلام كثير وخوض في شأنها وأولية بنائها ويزعمون أن العلوم التي ظهرت قبل الطوفان أخذت من هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى ويسمى الخنوج وهو إدريس عليه السلام وأنه اول من تكلم في الحركات الفلكية والجواهر العلوية وأول من بنى الهياكل ومجد الله تعالى وفيها أنه أنذر الناس بالطوفان وخاف ذهاب العلم ودروس الصنائع فبنى الأهرام والبرابي وصور فيها جميع الصنائع والآلات ورسم العلوم فيها لتبقى مخلدة

ويقال أن دار العلم والملك بمصر مدينة منوف وهي على بريد من الفسطاط فلما بنيت الاسكندرية انتقل الناس إليها وصارت دار العلم والملك إلى أن أتى الإسلام فاختلط عمرو بن العاص رضي الله عنه مدينة الفسطاط فهي قاعدة مصر إلى هذا العهد والأهرام بناء بالحجر الصلد المنحوت متناهي السمو مستدير متسع الأسفل ضيق الأعلى كالشكل المخروط ولا أبواب لها ولا تعلم كيفية بنائها ومما يذكر في شأنها أن ملكا من ملوك مصر قبل الطوفان رأى رؤيا هالته وأوجبت عنده أنه بنى تلك الأهرام بالجانب الغربي من النيل لتكون مستودعا للعلوم ولجثث الملوك وأنه سأل المنجمين هل يفتح منها موضع فأخبروه أنه تفتح من الجانب الشمالي وعينوا له الموضع الذي تفتح منه ومبلغ الإنفاق في فتحه فأمر أن يجعل بذلك الموضع من المال قدر ما أخبروه أنه ينفق في فتحه واشتد في البناء فأتمه في ستين سنة وكتب عليها بنينا هذه الأهرام في ستين سنة فليهدمها من يريد ذلك في ستمائة سنة فإن الهدم أيسر من البقاء ..." 37

كما هو واضح من المقطع المقتبس أعلاه، فإن ابن بطوطة ينقل وصفاً ومعلومات عن بلاد وادي النيل التي يسميها "مصر". ولم يعنيه في هذا المقتبس مناقشة اسم بلاد وادي النيل حين أورد اسم "مصر" في وصفه لمشاهداته التي نقلها لقرائه العرب . فكل ما أورده من مسميات هو ما كان متعارفًا عليه ثقافياً بين الناس في زمان تأليف كتابه . فهمه كان نقل مشاهداته مع التعليق عليها لا مناقشة الأسماء الواردة فيها. ولو سألنا ابن بطوطة عن حقيقة ما إذا كان الاسم الذي أورده في كلامه، أي "مصر"، هو عينه الاسم الذي كان شائعاً في بلاد وادي النيل أيام فرعون أم لا؟ وما الدليل على ذلك؟ لأمكن أن يكون له كلام آخر . فلا يجوز أن ندعي أن ابن بطوطة والعشرات أمثاله من المؤرخين الكبار يجزمون كلما ذكروا اسم "مصر" في معرض رواياتهم وأخبارهم وقصصهم أن هذا دليل على أن شعب بلاد وادي النيل كانوا يسمون أرضهم "مصر" أيام فرعون ! ولكن ما نستطيع الجزم به هو أن ابن بطوطة وبني قومه (في زمانه ) كانوا متعارفين في ما بينهم على أن بلاد وادي النيل تدعى "مصر" ولكن، بمنأى عن فرعون وقومه، هل يعترف كل شعب وادي النيل حتى في زمن ابن بطوطة بما تعارف عليه ابن بطوطة وقومه أيام حكم المماليك البحرية لوادي النيل؟ ولتقريب الصورة أكثر، بعد فتح أشبانيا ( 38 ) أطلق المسلمون اسم الأندلس على الأرض التي فتحوها و أصبح هذا الاسم متعارفاً عليه بين عموم المسلمين في شتى أصقاعهم وبلدانهم وملأ هذا الاسم كتب التاريخ عندنا كلما ورد ذكر أحداث فتح وعموميات شؤون أسبانيا. ولكن هل كان شعب أسبانيا آنذاك يعترف بهذا الاسم الذي جاءهم من الخارج رغم كثرة ذكره في كتبنا التاريخية؟ وهل احتفظوا به بعد أن استعادوا السيطرة على ارض أسبانيا رغم إنهم يعلمون أن تلك الأرض كانت تدعى في شتى أصقاع دول المسلمين المترامية بالأندلس؟ الجواب دون شك هو كلا! فقد استبدلوا اسم الأندلس بالاسم الأصل وهو أشبانيا. لذا نؤكد للقارئ الكريم أن كثرة تردد اسم "مصر" كمسمى لبلاد وادي النيل في كتب التاريخ لا يعنى شيئًا عندنا مادام هذا التكرار ليس لمناقشة أصل الاسم وتاريخه والتدليل على اعتراف قاطني الأرض بهذا الاسم وتبنيهم له في زمن كتابة المؤلف ناهيك عن زمن فرعون . فكثرة هذه المرويات التي تورد اسم "مصر" مرادفاً لبلاد وادي النيل في تراثنا إنما تبين تعارف المسلمين على اسم بلاد وادي النيل بين المسلمين فقط، كما ساهم ذلك في تأصيل شيوع هذا الاسم بين أجيال المسلمين اللاحقة دون التحقيق في صحة انتمائه الأصيل لوادي النيل . ولكن هل هذا الشيوع على حجمه وقوة شوكته يجيب على سؤالنا التحقيقي المطروح أعلاه؟ كلا ! فالاسم الذي نطلقه على مكان ما، ليس بالضرورة الاسم الذي يسميه به أصحابه. وبعد أن تأكد لنا أن مسمى "مصر" كان شائعاً ومتعارفاً عليه بين المسلمين أيام المماليك، وهو زمن ابن بطوطة، كرديف لاسم بلاد وادي النيل، فإن علينا أن نرجع 700 سنة
تقريبا إلى الوراء لنصل قريبا من عهد رسول الله (ص) لنتحقق بأنفسنا ما إذا كان اسم بلاد وادي النيل مختلفاً آنذاك بين المسلمين أم مازال معروفاً باسم "مصر" أيضاً؟
ففي كتاب كنز العمال أورد المتقي الهندي نص كتاب الخليفة عمر بن الخطاب (رض) إلى قائد جيوش المسلمين عمرو بن العاص والذي فتح بلاد وادي النيل سنة 20 هجر ية. وجاء في كتاب الخليفة لعمرو بعد فتحه بلاد النيل ما نصه
" ... ثم انظر فيما فضل بعد ذلك فاحمله إلي واعلم أن ما قبلك من أرض مصر ليس فيها خمس وإنما هي أرض صلح وما فيها للمسلمين فئ تبدأ بمن أغنى عنهم في ثغورهم وأجز أ عنهم في أعمالهم ثم تفيض ما فضل بعد ذلك على من سمى الله واعلم يا عمرو أن الله يراك ويرى عملك فإنه قال تبارك وتعالى في كتابه : ( واجعلنا للمتقين إماما ) يريد أن يقتدى به، و إن معك أهل ذمة وعهد وقد أوصى
رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأوصى بالقبط ..." 39

فهذا المقطع المقتبس من هذا الخطاب القيم ورد فيه اسم "مصر" على لسان الخليفة عمر بن الخطاب (رض) أيضا كمرادف لاسم وادي النيل، كما جاء أيضا اسم القبط كمسمى لشعب ذلك الوادي، مما يؤكد أن بلاد وادي النيل هي المعنية في الخطاب . هذا يعني أن الشائع المتعارف عليه بين المسلمين يصل لعهد صدر الإسلام الأول . ومرة أخرى، كما هو الحال مع نقل ابن بطوطة السابق الذكر، لا نستطيع أن نعتد بورود اسم " مصر" في هذا الخطاب ولا في غيره من المكاتبات الإدارية بين الخلفاء والولاة والقادة المسلمين ما دام ورود هذا الاسم يكتسي طابعاً تعارفياً لا تحقيقيا ً. وهو ما يتجلى بوضوح في كتاب الخليفة عمر (رض) حيث جاء موضوع الكتاب ليعظ ويوجه ابن العاص في شؤون شعب وادي النيل لا لمناقشة اسم بلاد وادي النيل وما إذا كان مشتقاً من عهد فرعون . فلو طرحنا سؤالنا بشكل محدد على الخليفة الراشد ليبين لنا ما إذا كان اسم "مصر" هو ما تعارف عليه عرب الجزيرة فقط أم هو أيضاً ما تعارف عليه فرعون وقومه، فلا يبعد أن يكون للخليفة الراشد قولٌ آخر.
إن النصين المقتبسين أعلاه مجرد نماذج لمئات من المقتبسات المتناثرة في تراثنا العربي والتي من فرط كثرتها وتنوعها تجعل القارئ يسلم دون وعي بأن "مصر" اسم أصيل لبلاد وادي النيل، وأنه بالفعل اسم محسوم ومحقق فيه ومفروغ منه . ولكن ما أن تطرح هذه المقتبسات الكثيرة كإجابة على سؤالنا التحقيقي، حتى تراها على كثرتها تتهاوى الواحدة تلو الأخرى.

ياسر آل حسن
17-04-2008, 04:07 PM
اسم بلاد وادي النيل عند رسول الله (ص)

كي نحصل على ما ينسجم مع مطلبنا التحقيقي من قرينة، يجب أن نتحصل على وثيقة جاء فيها ذكر لاسم بلاد وادي النيل في محضر زعماء أو ممثلين عن كلٍ من سكان الجزيرة العربية وسكان وادي النيل . فإن وثيقة كهذه من شأنها أن تكشف لنا عن الاسم الذي يسمي به سكان وادي النيل بلادهم . لذا سنلجأ إلى مكاتبات رسول الله (ص) إلى بلاد وادي النيل لنرى بأي اسم خاطب الرسول (ص) هذا الشعب العريق عن طريق حاكمهم الرسمي في ذلك الزمان. فقد بعث الرسول الأكرم (ص) برسالة إلى المقوقس حاكم بلاد وادي النيل يدعوه فيها إلى الإسلام وقد احتفظ التراث العربي بنص تلك الرسالة ووصلنا نقشها كما هو معروض في اللوحة رقم 3 التي جاء فيها ما يلي:
"بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط ، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، و أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم القبط ،{يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ،ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ، فإن تولو فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}آل عمران:64. .
كما هو واضح، نقر أ أن رسول الله قد وصف المقوقس حاكم بلاد القبط تحت الوصايا الرومانية ب "عظيم القبط". والقبط هو اسم بلاد وادي النيل والأقباط هم شعب وادي النيل، فناداه بعظيم البلاد وعظيم شعبه وكبيرهم . فلا نرى هنا ذكراً "لمصر " أو "مصريين". فلو كان اسم بلاد وادي النيل في عهد الرسول الأكرم (ص) "مصر" لكان نعت شعب هذه الأرض "بالمصريين" فتوجب حينئذ أن ينادي رسول الله (ص) كبير هذا الشعب "بعظيم المصريين أو "عظيم مصر ". ولتأكيد ما نرمي إليه نجد أن رسول الله (ص) كان منسجماً مع البروتوكولات والأخلاقيات الدولية المتعارف عليها في زمانه، وذلك ما فعله مع جميع الأمم في عهد ه. فقد نعت هرقل إمبراطور روما في رسائله إليه "بعظيم الروم " 41 وشعب الروم ينعتون بالرومان . وكذلك الحال مع كسرى فارس إذ نعته في كتابه إليه "بكسرى ملك
الفرس" 42 وشعب فارس يعرفون بالفرس . والأ مر نفسه مع النجاشي حيث ناداه "بعظيم الحبشة" 43 وشعب الحبشة كما هو معروف ينعتون بالأحباش.
http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/58692.jpg
لوحة رقم 3: كتاب خطي من رسول الله (ص) إلى حاكم بلاد وادي النيل المدعو بالمقوقس 44

وكذلك كان الحال مع بلاد القبط حيث كان شعب القبط يعرف بالأقباط . فما علمناه من مكاتبات الرسول الكريم (ص) للمقوقس أنه نعته بعظيم القبط فهل صرح المقوقس بأنه فعلاً عظيم القبط؟ فلنقرأ رد المقوقس على كتاب رسول الله (ص) كما نقله لنا الميانجي وصاحب الطبقات الكبرى
" بسم الله الرحمن الرحيم لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط ،سلام عليك، أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيا قد بقى، وقد كنت أظن أنه يخرج بالشام 45 ، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم ، وبثياب، وأهديت إليك بغلة لتركبها. والسلام عليك " 46 . فإلى جانب أنه لم يرد ذكر "مصر" ولا "مصريين" في خطاب المقوقس الذي يفترض أنه مصري، فإننا وجدنا ما كنا نبحث عنه، حيث صرح المقوقس في رده كتابياً بأن بلاده تسمى عندهم "قبط" وذلك في معرض كلامه حين كتب "وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم ". إضافة لذلك، نحن نعلم أن إحدى هاتين الجاريتين المعنيتين غدت لاحقاً أماً للمؤمنين بعد أن تزوجها الرسول الأكرم (ص)، واسمها مارية (أم إبراهيم ) والتي كانت تلقب أيام الرسول (ص) وإلى يومنا هذا بـ "مارية القبطية "، أي السيدة التي تنتمي لأرض "القبط" وليس المعني المشاع اليوم والذي يحصر مفردة قبط على نصارى بلاد وادي النيل . ودليل ذلك أن مارية بقيت معروفة بين المسلمين بمارية القبطية حتى بعد إسلامها، بل وحتى بعد أن غدت أماً لكل المؤمنين بفضل زواجها من خاتم المرسلين (ص) ولم يرد قط في تراثنا تغيير لقبها بعد إسلامها إلى لقب يرفع عنها أثر الديانة المسيحية كما هو اعتقادنا اليوم، فبقيت تحمل لقب بلادها القبط، كما بقي الصحابي صهيب يحمل لقب بلاده الروم وبلال يحمل لقب بلاده الحبشة وسليمان يحمل لقب بلاده فارس . هذا ولم يرد اسمها الشريف منعوتاً "بالمصرية " أي بهذه الصيغة " أم المؤمنين مارية المصرية".

خلاصة القول هنا، أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا يسمون بلاد وادي النيل بخلاف ما كان شعب وادي النيل يسمي بلاده وينعت نفسه، كما كشف لنا ذلك رسول الله (ص) من خلال مكاتباته مع الأقباط . وهذا أمر غريب سكت عنه دهراً في حين يستدعي المزيد من التحقيق لمعرفة عمر هذا الاسم أي "القبط" في بلاد و ادي النيل . فلا يمكن لفرعون أن يقف وسط قومه مناديا ( يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ) كما جاء في كتاب الله وهو في بلاد يسميها هو وقومه "قبط"؟! وما انكشف لنا هو أن أهل بلاد وادي النيل كانوا من زمنٍ ما وحتى عهد رسول الله (ص) في القرن السابع للميلاد، يسمون بلادهم القبط . وهذا ما يفسر لنا أن شعب بلاد وادي النيل ينعتون تاريخياً "بالأقباط". كما تدعونا هذه الحقيقة للتيقن من أن الأقباط لم يسموا بلادهم مصر ولم ينعتو ا أنفسهم بالمصريين حتى زمن الخلفاء الراشدين وذلك لقرب الزمن بين كتاب الرسول (ص) وحقبة الخلفاء الر اشدين، وهذا الطرح يؤيده ما جاء في كتاب الخليفة عمر (رض) الآنف الذكر حيث نعت شعب وادي النيل بالأقباط . مع ذلك لا نستطيع أن نعتمد ما جاء في مكاتبات خاتم المرسلين (ص) وعظيم الأقباط وذلك لتحقق شرط واحد فقط من السؤال التحقيقي وهو معرفة ماذا كان يسمي الأقباط بلاد هم قبل نزول القرآن الكريم . ولكن لا يزال شرط الزمن مفقوداً، لكون عظيم الأقباط كشف لنا عن اسم بلاده في زمانه وليس في زمن فرعون الذي يسبقه بحوالي 1900 سنة. ومع ذلك فإن هذا الكشف أحدث نقله هامة في التحقيق تتمثل في انكشاف أن ثمة تنازعاً بين اسمين لبلاد وادي ال نيل أحدهما "القبط" والآخر "مصر". حيث رجح المسلمون اسم مصر على اسم القبط بينما رجح الأقباط القبط على مصر لذا لزمنا المزيد من التحقيق في الأمر.

من هم الأقباط؟

أطلق المقوقس اسم القبط على بلاده، ويملأ هذا الاسم والنعت المشتق منه "الأقباط" كتب التراث العربي بشتى أنواعها كدلالة على شعب وادي النيل، وكتاب رسول الله (ص) للمقوقس يؤكد هذه الحقيقة ويزكيها. فلماذا لا نسمي نحن اليوم شعب جمهورية مصر العربية "بالأقباط" واستبدلناه وأجدادنا بلفظ "المصريين"؟ متى انحسر هذا الاسم التاريخي ومتى استبدل إلى ما أصبحنا نتداوله اليوم؟ من هم الأقباط الذين اختفوا عن وعي مسلمي اليوم بعد أن كانت تعج بهم وديان بلاد النيل؟ إن ما ورد في تراثنا هو أن أكثر الناس بوادي النيل كانوا الأقباط كما ينقل المقدسي " ... وقد جعلنا إقليم مصر على سبع كور ست منها عامرة و لها أيضا أعمال واسعة ذات ضياع جليلة ولم تكثر مدائن (مصر) لأن أكثر أهل السواد قبط .." 47 والمقرزي يؤكد نفس الحقيقة ويذكر أسماء الجنسيات الدخيلة على بلاد الأقباط فها هو يقول " .. وقال أبو الصلت: وأما سكان أرض (مصر) فأخلاط من الناس مختلفو الأصناف والأجناس من قبط وروم وعرب وأكراد وديلم وحبشان، وغير ذلك من الأصناف إلا أن جمهورهم قبط .." 48 بل إن تعداد الأقباط كان يقارب أو يضاهي عشر ة ملايين نسمة أيام عمرو بن العاص، وذلك ما نستخلصه من دفاتر الخراج . فقد نقل صاحب النجوم الزاهرة هذا الخبر " ..وقال عبد الله بن لهيعة عن يحيى بن ميمون الحضرمي لما فتح عمرو مصر صالح أهلها عن جميع من فيها من الرجال من القبط ممن راهق الحلم إلى ما فوق ذلك ليس فيهم امرأة ولا شيخ ولا صبي فأحصوا بذلك على دينارين دينارين فبلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف .." 49 وهذا يعني أن الشباب والرجال من الأقباط كان تعدادهم أربعة ملايين نسمة أيام الفتح الإسلامي . أضف إلى ذلك عدد النساء والشيوخ والأطفال وهم بطبيعة الحال أكثر من الرجال والشباب فيبلغ التعداد الإجمالي تقديرا زهاء عشرة ملايين . أضف إلى ذلك أن المسلمين لم يفتحوا جميع أقاليم بلاد وادي النيل إبان فتوحاتهم، لذا بقي من الأقباط جمع خارج دائرة الخراج مما يعني أن تعداد النفوس كان أكثر من عشرة ملايين بكثير . فأين ذهبت كل هذه الملايين من شعب الأقباط منذ الفتح الإسلامي إلى اليوم؟

تلك كانت تركيبة شعب وادي النيل بغالبيته القبطية كما ذكر المقرزي . أما اليوم فلو سألت السواد الأعظم من المسلمين والعرب عن هوية الأقباط، لوجدتهم يكادون يجزمون أن الأقباط هم نصارى جمهورية مصر العربية والذين لا يتجاوز تعدادهم 15 % من مجموع شعب الجمهورية . فهل هذا المفهوم الشائع بيننا حقيقة أم تعارفاً مضلاً بحاجة ملحة إلى المراجعة والتقويم؟
لكي نحقق في هذا الموضوع ينبغي أن نرجع أولاً إلى تراثنا لمعرفة ماذا يوجد في ذاكرة العرب بشأن شعب القبط وإلى أي زمن تمتد جذور هذا النعت في هذا البلد العريق . فهذا ابن خلدون في تاريخه يقول " ... وكذلك أيضا القبط دام ملكهم في الخليقة ثلاثة آلاف من السنين فرسخت عوائد الحضارة في بلدهم (مصر) وأعقبهم بها ملك اليونان والروم ثم ملك الإسلام الناسخ للكل فلم تزل عوائد الحضارة بها متصلة ..." 50 . هذا المقتبس من أقوال ابن خلدون يدل على أن شعب الأقباط عريق ويمتد واقعاً إلى عصور الأهرامات . وبمعنى آخر أن ملوك "الفراعنة" وبناة أهرامات الجيزة من خو - فو ومن - قرع وخف - رع وغيرهم من مشاهير الملوك الذين تملأ أسماؤهم كتب التاريخ وصولا ً إلى المناهج الدراسية الحديثة، هم واقعاً الأقباط، فهم شعب القبط . و يؤكد ابن خلدون هذه الحقيقة في مقطع آخر حين يذكر الأهرامات في معرض حديثه بقوله " ... وأما ما وقع في (مصر) من أمر المطالب والكنوز فسببه أن (مصر) في ملكة القبط منذ آلاف أو يزيد من السنين وكان موتاهم يدفنون بموجودهم من الذهب والفضة والجوهر واللآلئ على مذهب من تقدم من أهل الدول فلما انقضت دولة القبط وملك الفرس بلادهم نقروا على ذلك في قبورهم فكشفوا عنه فأخذوا من قبورهم ما لا يوصف كالأهرام من قبور الملوك وغيرها وكذا فعل اليونانيون من بعدهم وصارت قبورهم مظنة لذلك لهذا العهد ويعثر على الدفين فيها كثيرا ً من الأوقات أما ما يدفنونه من أموالهم أو ما يكرمون به موتاهم في الدفن من أوعية وتوابيت من الذهب والفضة معدة لذلك فصارت قبور القبط منذ آلاف من السنين مظنة ..." 51 . هذا يعني أن مفردة أقباط هي النعت الصحيح لشعب وادي النيل حتى عهد غزو الفرس الأول للقبط سنة 525 ق .م، وذلك حسب كلام ابن خلدون الذي أكد أن مملكة الأقباط كانت قائمه منذ فترة ما قبل الأهرامات . ولنا أن نتساءل هاهنا هل كان بناة الأهرامات بالضرورة نصارى لأنهم كانوا يدعون بالأقباط؟ والإجابة بالنفي قطعاً، ذلك أن المسيحية بل وحتى اليهودية لم يكن لهما وجود أيام بناء الأهرامات . فمتى تم ربط مفردة قبط وأقباط بالدين المسيحي والمسيحية وحصر هذا النعت على متبعي هذه الديانة في حين كان يستخدم للتعبير عن جنسية يمكن أن تكون متعددة الأديان؟ ولماذا تخلت مناهج المدارس عندنا عن ذكر حقيقة أن ملوك بلاد وادي النيل كانوا ينعتون بالأقباط واستبدل هذه المسمى الأصيل بـ "مصريين"؟ هذا ما سوف ندقق فيه عبر أقسام هذا البحث لنطلع على حقيقة شعب الأقباط العريق الذي لم يعد له ذكر في وعينا المعاصر بما يتناسب مع آثاره وحجمه السكاني وعراقته الضاربة في القدم. بالاستناد إلى خطاب المقوقس في رده على كتاب رسول الله (ص) وكذلك كلام ابن خلدون يتبين لنا أن تسمية الأقباط لم يقتصر ذكرها كنعت لشعب وادي النيل عند عهد الإمبراطورية الفارسية، بل امتد حتى عهد رسول الله (ص). ولكن صياغة مقتبسات ابن خلدون أعلاه أضفت ضبابية على الموضوع حين فرق في كلامه بين اسم البلد ونعت شعبه ا! فسمى البلاد "مصراً" وسمى شعبها "القبط" وهو منطق متناقض وغير مفهوم ويعد من جملة المتناقضات المسكوت عنها حتى الآن، والتي تتكرر في الكثير من صياغات مؤرخينا القدماء ! فهل هذا التناقض هو كما أسلفنا ناتج عن تعارف عرب الجزيرة العربية على تسمية بلاد وادي النيل فيما بينهم بمصر في حين يسميها أهلها بالقبط؟ أم أن ثمة أمراً نجهله هو سبب هذا التناقض!؟ كي نتحقق من هذا الأمر الغريب، يتوجب علينا التحقيق في سجلات جميع الحقب السياسية التي حكمت بلاد النيل وهي في مجموعها خمس حقب رئيسية:
1 - مملكة الأقباط.
2 - حقبة الحكم الفارسي.
3 - حقبة الحكم اليوناني.
4 - حقبة الحكم الروماني.
5 - حقبة الحكم العربي الإسلامي.
والهدف من هذا التحقيق التاريخي هو البحث عن مسميات بلاد وادي النيل، والتي اتضح لنا حتى الآن أنها محصورة في القبط أو قبط من غير أل التعريف، وذلك منذ عهد الأهرامات كما يشير ابن خلدون حتى عهد التنزيل . فهذه الدراسة ستعيننا على تتبع كيف ومتى دخل مسمى "مصر" إلى بلاد وادي النيل، فلعل ذلك يفسر لنا لماذا اختار العرب تسمية أرض مملكة عريقة بخلاف ما كان يسميها أهلها. فلنبدأ بأقدم وأطول حقبة حاكمة في عمر وادي النيل وهي مملكة الأقباط.

أزهار بريه
19-04-2008, 08:18 AM
لا أعرف إذا كانَ ما أُريده هو كلمة ممتع
أو جداً التي تأتي معها
لكن هذه القراءة أكبر مما أُحاول قوله
لم أنتهِ بعد ..ولم أعرف لمَ أصمت وهذه القراءة تجعل صباحي جميل ومشرق
مو قصدي أقاطعك ..( وهذاني لونته أبيض ) لكي لا يُزعجك في المتابعة ..
شيءٌ ما يُلّح عليّ بالكتابة وإلا سيفرّع في داخلي أبواب الحيرة وقد يُسلمني
للفلسفة ..

أعني يعطيك العافية حتى أنتهي وتنتهي وبعد الانتهاء
:wf:

ياسر آل حسن
20-04-2008, 12:30 AM
النسخ من ملف الـ pdf هو ما يعيق أحياناً والبحث في الصور وبعض الاقتباسات التي من الصعوبة نسخها وليس تعليقك اللطيف كصاحبته

ازهار
سعيد بمرورك ومتابعتك :rflow:

ياسر آل حسن
20-04-2008, 03:59 PM
اسم وادي النيل في حقبة مملكة الأقباط

اليوم، وبعد تراكم معرفي هائل نتيجة الدراسات الميدانية العلمية المحايدة، قطعت علوم الحفريات وعلوم اللغات القديمة شوطاً لا يستهان به في فهم الكتابات الهيروغليفية التي تملأ جدران المعابد والمدافن الملكية في بقاع شتى من بلاد وادي النيل، أي القبط، والتي تغطي مساحة زمنية ضاربة في القدم، إذ ترجع إلى عصور المملكة القديمة . هذا إلى جانب العديد من السجلات الملكية والحكومية التي كانت تُكتب على أوراق البردى . فبالرجوع إلى هذه الآثار والسجلات يمكن لنا اليوم أن نستنطق الأقباط القدماء لنستطلع منهم ما يهمنا في هذا البحث، وهو الاسم أو الأسماء التي أطلقوها على بلدهم تحديداً.

لقد أجمع علماء حضارة بلاد وادي النيل القديمة على قبول نظام تقسيم تاريخ هذه الحضارة العريقة عرفاً إلى عدة عصور متباينة ولكن مترابطة . ويمكن القول إن المؤرخ مانيتو القبطي 52 هو أول من بد أ بعملية تقسيم التاريخ القبطي إلى حقب مبتدئاً بالعصر التاريخي يتبعه أخر سمي بعهد الأسر الملكية . وقد قسم مانيتو ملوك الأسر الملكية إلى 30 أسرة حاكمة تنتهي عند الغزو الفارسي الثاني لبلاد وادي النيل وذلك في سنة 343 ق.م ( 53 ) والذي سبقه الغزو الفارسي الأول سنة 525 ق. م. هذا التصنيف ساعد الباحثين كثير اً على فهم تاريخ القبط القديم حتى يومنا هذ ا. ذاك بالنسبة لحكام الوادي، أما بالنسبة للأرض فقد كان وادي النيل الممتد من الدلتا قبالة البحر الأبيض المتوسط إلى بلاد النوبة جنوباً ينقسم إلى عدة إمارات صغيرة مستقلة أخذت تلتئم تدريجياً حتى تكونت منها مملكتان عظيمتان إحداهما في الوجه أو الإقليم العلوي أو الصعيد . كما أن هذا التقسيم كان معروفاً أيضاً في الغرب القديم كما جاء في خرائطهم السياسية القديمة حيث كان يعرف هذا الوجه بـ (Superior Egypt) أو ( Upper Egypt ) والوجه الآخر كان يعرف بالإقليم البحري أو السفلي ويعرف
في الغرب بـ .(Inferior Egypt) أو (Lower Egypt) ( انظر الخريطة 54 رقم 1). وبقي هذا التقسيم قائماً إلى ما بعد عهد رسول الله (ص) في القرن السابع الميلادي . وكان هناك على ما يبدو ملك لكل إقليم على حدة، ولكن في حوالي عام 3020 ق.م نجح مينا، ملك الإقليم القبلي،من توحيد المملكتين تحت سلطته، فكان هذا الملك أول من حكم أرض القبط مجتمعة وأول ملوك الأسرة الأولى.

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/25683.jpg

خريطة رقم 1: خريطة تعود للقرن الثامن الميلادي توضح تقسيم الإقليمين
العلوي والسفلي للرسام الإسباني بيتوليبانا
Beato di Liebana

فصار الملك مينا هو الحد الفاصل بين عهدين؛ العهد القديم أو العهد التاريخي وهو ما قبل الأسر الملكية والعهد الثاني وهو ما بعد الأسر الملكية ( 55 )
فماذا كان الأقباط يسمون بلادهم في حقبة ما قبل الأ سر الملكية، أي قبل عام 3020 ق.م؟ الإجابة تتلخص في أن العلماء لم يتعرفوا بعد على اسم سياسي موحد لبلاد وادي النيل في الحقبة التي سبقت عام التوحيد بين المملكتين . ولعل سبب ذلك هو أنه لم تكن هناك مملكة موحدة قبل هذا التاريخ حتى يطلق عليها اسم معين، مع العلم بأن تاريخ هذا الوادي يمتد إلى ما قبل سنة 5000 ق .م. فكانت بلاد وادي النيل في ذلك الوقت وكما سبقت الإشارة عبارة عن مدن وقرى متناثرة على امتداد ضفتي نهر النيل من البحر الأبيض المتوسط حتى بلاد النوبة جنوباً.
ولكن كان هناك اسم أسطوري قديم للوادي جاء ذكره في أساطير حضارة وادي النيل ولم يلتفت له الباحثون، وهو في يقيننا اسم الوادي حتى في الحقبة السابقة للأسر الملكية ، وسوف نأتي على ذكره في المكان المناسب من هذا البحث.

أما بالنسبة لاسم الوادي بعد قيام مملكة الأقباط، وهي الحقبة الأطول في عمر أقاليم وادي النيل والتي تُعرف بعهد الأسر الملكية وتمتد من 3020 إلى 343 ق .م، فالمتداول بين المتخصصين في علوم آثار وادي النيل أن أقدم اسم موحد سمى به شعب وادي النيل بلده كان يلفظ (كيمي ) (Keme) أو (كيمت) (Kemet) أو (كمت) (Kmt) والذي يعني الأرض السوداء.( 56 ) ويعتقد أن هذا الاسم اختير للتعبير عن خصوبة الأرض النيلية . وهناك من ينطقها (كام ) (Kam) أو (Kham) (خام) ( 57) لأغراض تخدم مصالح الطرح اليهودي 58.
ما يعنينا هنا هو أن جميع الأسماء الوارد ذكرها أعلاه، على اختلاف ألفاظها، وبفرض أن أحدها كان فعلا ً الاسم الرسمي العريق الذي أطلقه شعب القبط على بلدهم، فإنها جميعاً لا تزال لا تمت إلى لفظة "مصر" بأية صلة . ويضيف المتكلمون في علم آثار بلاد وادي النيل أن الوادي تغير اسمه لاحقاً إلى هت – ك ا- بتاح 59 .(Ht-ka-Ptah) وهو المسمى الذي اشتق منه اسم مدينة منف أو منفيس Memphis والتي كانت تُعرف قديماً بين الأقباط بمدينة "الحائط الأبيض " وهذا محط خلاف فهناك من يختلف مع هذا الرأي ويؤكد أن هت-كا-بتاح أطلقه الأقباط فقط على المدينة التي تعرف بمنفس وليس على كلّ الوادي 60 . ولم يجد العلماء ذكراً لأي أسماء أخرى يمكن النظر فيها غير مجموع تلك السالف ذكرها.

أما بالنسبة لاسم "مصر" فقد حاول بعض المتخصصين في علوم آثار وادي النيل أن يتتبع أثره في أدبيات شعب الوادي القديم لتفسير سبب إطلاق هذا الاسم المتعارف عليه بين شعوب المسلمين دون باقي شعوب العالم كاسمٍ لوادي النيل حتى يومنا هذا رغم عدم وجود أي ذكر لهذا الاسم الغامض في تاريخ القبط العريق . والطرح الوحيد المتاح اليوم هو ما طرحه العالم الإنجليزي باج (E. Budge) ، حيث اقترح أن مسمى "مصر" قد يكون تحويراً للفظة "مدجر" (Medjr) والتي تعني بلغة شعب وادي النيل الحصن أو البرج أو القلعة ومنها اشتق تعبير "مصر المحر وسة" 61 الذي كان متداولا ً بين سكان القاهرة أيام الدولة الفاطمية ثم اختفى بعد ذلك . ويحتمل باج أن اليهود والعرب حين وصلوا إلى الوادي حوروا الكلمة نطقاً إلى "مصر" و"مصريم" 62 بسبب تغاير الألسن . ولكن هذا التحليل حتى لو صح بعد ليه وحشره في ما لا طاقة له به، فهو لا يخدم مرادنا حيث ينسب هذا الاشتقاق لا لشعب وادي النيل أنفسهم بل إلى من فتح بلادهم من المسلمين . أما ذكر اليهود فليس ذو قيمة إذ لم يكن لليهود قطّ سلطة على بلاد وادي النيل كي يقحموا اسماً غير الذي اتفقت عليه ملايين الأنفس من أهل الديار الأصليين من الأقباط . هذا إلى جانب أن "مصر المحروسة " هو تعبير منقرض كان يطلق على
القاهرة فقط، والقاهرة مدينة جديدة نشأت في العهد الإسلامي . وقد حدد لنا السيد عبد الوهاب الشعراني موقع "مصر المحروسة " هذه بقوله في سياق كلام له في كتابه "العهود المحمدية :
... ونزل الشيخ مرة هو والفقراء تحت شجرة جميز بنواحي المطرية خارج مصر المحروسة فجاء جماعة من مماليك السلطان فنزلوا ..." 63 والمطرية الوارد ذكرها في سياق الكلام هي اليوم منطقة من ضواحي العاصمة تقع شمال شرقي القاهر ة. هذا يعني أن القاهرة المستحدثة في العصر الإسلامي هي المعنية بمصر المحرو سة لذا فإن هذا اللقب ليس عريقاً ولذلك لا نجد لهذا الطرح ما يعتد به في هذا التحقيق.

ويمكن القول إن تلك هي مجمل الأسماء القبطية التي يحتمل المتكلمون في علوم "المصريات" القديمة أن شعب وادي النيل أطلقها على بلاده الموحدة في عصر الأسر الملكية .
وفيما عدا ذلك بقي اسما الوجه القبلي والوجه البحري كما هما، وصار الملك على القسمين عبر السنين يسمى بعدة ألقاب من ضمنها "ملك الوجهين" وليس ملك بلد واحد 64

والخلاصة أن ما أتينا به من أسماء قبطية هي جلّ ما يطرحه العلماء كمسمى لوادي النيل أيام حكم الأقباط، ولا يوجد من بينها اسم مصر ولا أي لفظ قريب من هذا الاسم ! وهذا يعني بلاد وادي النيل في الزمن الذي عاش فيه فرعون لم تكن تسمى مصر . ومع ذلك سنواصل البحث عن اسم مصر في بلاد وادي النيل في الحقب التالية لحكم الأقباط عسى نتحصل على معلومات مفيدة في هذا الصدد.

ياسر آل حسن
28-04-2008, 12:37 AM
اسم وادي النيل في حقبة الفرس

بالنسبة للحقبة الفارسية فقد حكم الفرس بلاد وادي النيل أثناء فترتين منفصلتين . بدأت الفترة الأولى مع الأسرة القبطية السابعة والعشرين: وتمتد من سنة 525 ق.م إلى سنة 404 ق.م، وتتكون من 5 ملوك من الفرس هم:
-1 قمبيز.
2 - دارا الأول.
3 - جزركسس الأول.
4 - ارتكز ركسس.
5 - دارا الثاني.

أما الفترة الثانية فبدأت مع الأسرة القبطية الحادية والثلا ثين من سنة 341 ق .م إلى سنة 332 ق.م، وتألفت من 3 ملوك من الفرس هم : ( 65 )

1 - ارتكزرسس الثالث.
2 – ارسيس.
3 - دارا الثالث.

وطوال فترتي حكم الفرس للقبط لا يوجد أي سجل أو وثيقة تذكر أنهم غيروا أسماء الأقاليم أو تركوا وراءهم ترا ثاً مكتو باً في أدبيات فارس تفيد بأنهم أدخلوا أسماء جديدة على الوادي. ولعل سبب ذلك هو أن حكم الفرس للوادي في مجمله لم يتعد 130 سنة متقطعة فلم يسعهم خلال تلك الفترة ترك أي أثر في مجال بحثنا ولو قصدوا ذلك . فحتى لو غيروا اسم القبط أو أضافوا اسماً آخر، فإن الفترة الوجيزة التي استلموا فيها مقاليد القبط كفيلة بأن يعيد أهل الديار أسماء مناطقهم إلى سابق عهدها بعد زوال الاحتلال 66 . كما أن تداول اسم القبط في عهد المقوقس دليل على صحة ما نذهب إليه حيث وصل اسم "القبط" إلى عهد رسول الله (ص). لذا يمكن القول إن حقبة الحكم الفارسي للوادي لم يسعها إحداث تغيير يذكر في اسم الوادي الذي لم يتخلله ذكر "مصر" حين احتلوا البلاد.

اسم وادي النيل إبان حقبة اليونان والرومان

بدأت حقبة البطالمة أو اليونانيين على يد الإسكندر المقدوني سنة 332 ق .م، وتلاه بطليموس بن لاجوس وأسرته التي امتد ت حتى سنة 30 ق .م حيث كان آخر ملوك هذه الحقبة كيلوباترا القبطية التي حكمت القبط تحت الوصاية البطلمية . أما حقبة الرومان التي قامت على أنقاض الحقبة اليونانية، فقد بدأت سنة 30 ق .م على يد الإ مبراطور أغسطس وانشقت منها الدولة الرومانية البيزنطية لاحقاً وامتدت إلى عهد رسول الله (ص) سنة 640 م قبل أن تنهار مع الفتح الإسلامي . وقد جمعنا الحقبتين في تحقيقنا لأن لكلتيهما تأثيراً متشابهاً على وادي النيل من ناحية تغيير أو تحوير أسماء الأقاليم . فقد غيرت السلطة اليونانية بعض أسماء الأقاليم والمدن أيام حكمها لوادي النيل بسبب تعذر نطق مخارج بعض الحروف القبطية أو لأغراض سياسية. ومثال على ذلك مدينة من - نوفر القبطية، التي سماها اليونانيون "منفيس "، بينما لفظها العرب "منف" 67 . فإضافة حرف السين إلى أواخر الكلمات من مميزات اللغة اليونانية، كقولهم بطليموس، أغسطس، لاجوس، انطونيوس، ماركوس ، كارلوس، اوريليوس ..الخ 68 وكذلك تحولت "خيم" إلى ليتوبوليس وتحورت "هيثرب" إلى اثريبس . ويمكن للقارئ الكريم الرجوع إلى عدة مواقع منها ما ذُكر أعلا ه 69 ، ليتبين له أن حكام البطالمة اليونانيين قد أحدثوا تغيرات جمة في مسميات الأقاليم والمدن والقرى التي كانت تحمل أسماء قبطية أصلية .
وبدراسة كل الأسماء قبل التغيير وبعده يمكن الوصول إلى نتيجة واحدة وهي أن اسم "مصر " لم يكن ضمن الأسماء التي أُدخلت على أي إقليم أو قرية أو مدينة قبطية إبان الحكم اليوناني (انظر خريطة رقم 2 ( 70 ) التي تحوي أسماء أهم مدن وادي النيل كما جاءت باللسان اليوناني .
أما الرومان فقد ثبت أنهم أبقوا على المسميات التي ورثوها من البطالمة رغم اختلاف اللسان اليوناني عن اللسان اللاتيني. ويبدو أن سبب ذلك هو أن الحقبة البطليمية خلفت الكثير من السجلات الإدارية والسياسية والمالية والتخطيطية بعد انهيارها مما أسهم في بقاء المسميات كما هي 71 ، وبخاصة أن الخط اليوناني الذي أدخله حكام البطالمة كبديل للخط القبطي بقي معمولاً به في شؤون إدارة القبط حتى بعد عهد دخول المسلمين إلى القبط 72 ، كما أن اللغة اليونانية غدت اللغة الرسمية في كلّ الدول التي قبعت تحت الاحتلال اليوناني بما فيها القبط.

أما بالنسبة للوادي نفسه فقد ترك اليونانيون والرومان اسماً واحداً موحداً في سجلاتهم الأدبية والبيانية يدل عليه وهو ما يمكن أن نقرأه على الخرائط الرسمية الصادرة في الحقبتين .
ففي العهد اليوناني وضع هومر (Homer) وسترابوا (Strabo) وهيكتوس (Hecateus) خرائط مستنسخة ( 73 ) تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد وهي جميعاً تظهر اسماً موحداً لوادي النيل تحت لفظ إجبتوس(Agyptus) ، ( انظر خريطة رقم 3) والذي تعطيه أحد خرائطها تاريخاً يعود إلى سنة 900 ق .م، أي ما يقارب 600 سنة قبل الاحتلال اليوناني للقبط. أما الرومان فقد تركوا نفس الاسم على خرائطهم ولكن تحت رسم ( Aegyptvs) ( 74 ) (انظر خريطة رقم 4) للرسام مركوس (Marcus) والتي وضعها سنة 20 ميلادية أي أيام الاحتلال الروماني للقبط 75 .

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/26088.jpg
خريطة رقم 2: أهم الأسماء لمدن وادي النيل كما جاءت على اللسان اليوناني


http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/26089.jpg
خريطة رقم 3: خرائط من العهد اليوناني تظهر اسم إجيبتوس كاسم موحد لوادي النيل للرسامين
Hecateus B.C 500- Homer B.C 900 - Eratosthenes & Strabo B.C 200

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/26090.jpg
خريطة رقم 4: تعود هذه الخريطة إلى العهد الروماني-للرسام
Marcus Vipsanius Agrippa -20 AD

أما هرودوس (Huroduse) المؤرخ الإغريقي المعروف فقد ترك لنا خريطة تظهر اسم الوادي من غير حرف السين كما هو واضح في (خريطة رقم 5) ( 76 ) حيث ذُكر اسم الوادي بلفظ إجيبت (Egypt) وهناك خريطة تظهر عدة أسماء ونعوت للوادي كإجبتوس وگبتي وگبتوا كما جاء في (خريطة رقم 6) ( 77 ) للرسام جالستالدي (Gastaldi) الروماني. ولم يكن هذا الاسم مقتصراً على الرومان واليونان بل نقله أيضا رسامون آخرون ينتمون إلى جنسيات أوربية أخرى مثل الأسبان. فالخريطة رقم 1 تحتوي اسم (إگبت) (Egipt)، أي من غير إضافة حرف السين اليوناني الروماني، وهي لر  سام اسباني . أما بقية الخرائط الغربية التي تلت العهد النبوي حتى يومنا هذا (انظر خريطة 7 ، 8 ) ( 78 ) فهي جميعاً تحمل اسماً واحداً هو (إجيبت) أو اجيبتوس ( Egyptvs - Egypt ) وهو الاسم عينه الذي تتبعنا أثره إلى ما قبل العهد اليوناني.

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/26091.jpg
خريطة رقم 5: خريطة لهردوس تظهر اسم إجيبت كاسم للوادي للرسام
Herodotus B.C 450
اضغط هنا من فضلك (http://www.ancientegyptonline.co.uk/Herodotus.html)

أما بالنسبة لاسم "مصر" فلم نجد له حتى هذه الحقبة أي أثر على الأرض المعروفة بالقبط. لم نجد له أي أثر في تاريخ بلاد ضارب في القدم تمتد حضارته إلى ما قبل سنة 5000 ق.م. لم نجد إقليماً يحمله ولا مدينة ولا حتى قرية، ولم نجد أي اعتراف من دول العالم القديم بهذا الاسم!
فكيف يمكن لبلاد عريقة أن يشاع لها اسم لا أثر له في تاريخها المديد؟ ! بينما نلاحظ كما جاء في الخرائط ، 3 ، 4 ، 5 ، أن ليبيا احتفظت باسمها القديم إلى اليوم وهي أقل تأثيراً على العالم القديم من بلاد وادي النيل، في حين أن اضطربت تسمية بلاد وادي النيل وتنازعها اسمان أحدهما عريق والآخر يبدو أنه حديث نسبياً.

يتبع ( اسم وادي النيل في الحقبة الإسلامية )

ياسر آل حسن
21-05-2008, 07:35 PM
اسم وادي النيل في الحقبة الإسلامية

ونصل إلى الحقبة الإسلامية، وهي الحقبة الأخيرة التي امتدت من سنة 20 هجرية حين فتح عمرو بن العاص آخر حصون بلاد وادي النيل إلى يومنا هذ ا. وقد سبق أن تبين لنا من مراسلات الخليفة عمر بن الخطاب (رض) وعمرو بن العاص، إلى جانب روايات التراث العربي، أن المسلمين كانوا يطلقون على بلاد وادي النيل اسم مصر بينما كان شعب الوادي نفسه يسمون أنفسهم بالأقباط ويسمون بلادهم قبط أو القبط . إن المعضلة التي تواجه الباحث هي معرفة أسباب تسمية المسلمين لبلاد القبط بمصر مع أنه لا يوجد على ارض القبط أي منطقة أو مدينة أو كورة أو قرية أو حتى ضيعة تسمى مصر أيام فتح المسلمين . فكل ما جاء في التراث العربي لتلك الحقبة يشير إلى أن التقسيمات الإقليمية التي كانت على عهد اليونانيين والرومان ومن قبلهم مملكة القبط بقيت كما هي مع تغير ألفاظ أسماء بعض الكور لتتناسب مع اللسان العربي . ولكن ما من وجود لاسم مصر في مجمل الأسماء المذكورة أيام الفتح الإسلامي. فها هو اليعقوبي يذكر في تاريخه أهم أسماء مناطق القبط التي تخلو من ذكر اسم مصر:" وكانت مملكة القبط (أرض مصر ) من كور الصعيد : منف، ووسيم ، والشرقية، والقيس، والبهنسا، و أهناس، ودلاص، والفيوم، وأشمون، وطحا، وأبشاية، وهو، وقفط، والاقصر، وأرمنت، ومن كور أسفل الأرض: أتري، وعين شمس، وتنوا، وتمي، وبنا، وبوصير، وسمنود، ونوسا، والاوسية، والبجوم، وبسطة، وطرابية، وقربيط، وصان، وإبليل، وسخا، وتيدة، والافراحون، ونقيزة، والبشرود، وطوة ،ومنوف العليا، ومنوف السفلى، ودمسيس، وصا، وشباس، والبذقون، وإخنا، ورشيد، وقرطسا، وخربتا، وترنوط، ومصيل، ومليدش." 79 ولنا أن نتساءل هنا عما جاء في مطلع هذا المقتبس حيث يقول اليعقوبي
"..وكانت مملكة القبط أرض مصر .."
لماذا يضطر اليعقوبي إلى لصق عبارة "أرض مصر " بعد "مملكة القبط " العريقة في كلامه؟ ! هل مملكة القبط الضاربة في عمق الزمن نكرة كي تحتاج إلى تعريفها بأّنها أرض "مصر"؟ في حين يكتفي أي فرد في الغرب بمفردة "إجيبت " للدلالة على بلاد القبط . هل قُراء كُتب اليعقوبي من العرب بحاجة إلى هذا التوضيح ليدركوا الأرض التي يقصدها اليعقوبي بتقسيمات الأرض المعنية في حديثه؟ أم أن اليعقوبي اضطر إلى وضع هذا الترادف، الذي يبدو أشبه بالحشو، للربط بين ثقافة قائمة في أذهان قرائه وواقع مغاير على الأرض؟ هذا ما سيتضح لنا لاحقاً.

أما الحموي في معجم البلد ان فينقل لنا حقيقة أنه كانت هناك "مصر" في تقسيمات مملكة القبط مضيفاً بمزيد من التفصيل أن القرى كانت تعد بالآلاف وذكر أسماء مدن أخرى في وادي النيل لم يأت على ذكرها اليعقوبي، إذ يقول " ... وذكر من له معرفة بالخراج وأمر الدواوين أنه وقف على جريدة عتيقة بخط أبي عيسى المعروف بالنويس متولي خراج مصر يتضمن قرى مصر والصعيد وأسفل الأرض ألفان وثلاثمائة وخمس وتسعون قرية، منها:
الصعيد تسعمائة وسبع وخمسون قرية، وأسفل أرض مصر ألف وأربعمائة وتسع وثلاثون قرية، والآن فقد تغير ذلك وخرب كثير منه فلا تبلغ هذه العدة، وقال القضاعي: أرض مصر تنقسم قسمين فمن ذلك صعيدها وهو يلي مهب الجنوب منها وأسفل أرضها وهو يلي مهب الشمال منها، فقسم الصعيد عشرون كورة وقسم أسفل الأرض ثلاث وثلاثون كورة، فأما كور الصعيد : فأولاها كورة الفيوم، وكورة منف، وكورة وسيم، وكورة الشرقية، وكورة دلاص، وكورة بوصير، وكورة أهناس، وكورة الفشن، و كورة البهنسا، وكورة طحا، وكورة جير، وكورة السمنودية، وكورة بويط ، وكورة الاشمونين، وكورة أسفل أنصنا وأعلاها،وكورة قوص وقاو، وكورة شطب ، وكورة أسيوط، وكورة قهقوة، وكورة إخميم، وكورة دير أبشيا، وكورة هو، وكورة إقنا، وكورة فاو، وكورة دندرا، وكورة قفط، وكورة الاقصر، وكورة إسنا، وكورة أرمنت، وكورة أسوان ." 80
وإذا نظرنا في مقتبس الحموي نجد أن ذكر "مصر" كتقسيم أرضي أضاف تعقيداً لا غاية له وذلك حين قال "..خراج مصر يتضمن قرى مصر والصعيد وأسفل الأرض..." فهنا نقرأ 3 تقسيمات : "مصر" و"الصعيد" و"أسفل الأرض "
بينما يعرف على الأرض تقسيمان فقط منذ عهد مملكة الأقباط، كما نقل اليعقوبي في المقتبس السابق، وهما الصعيد وأسفل الأرض . وهذا ما تداركه الحموي نفسه في ما جاء في باقي المقتبس أعلاه حين أورد كلام القضاعي "... وقال القضاعي : أرض مصر تنقسم قسمين فمن ذلك صعيدها وهو يلي مهب الجنوب منها وأسفل أرضها وهو يلي مهب الشمال منها ..."،وهذان القسمان هما الوجهان اللذان وحدهما الملك مينا القبطي وصار ملوك القبط من يومها يلقبون بملوك الوجهين . فلماذا يضطر المؤرخون لإقحام مفردة "مصر" في مكان لا تنتمي إليه جغرافياً لأغراض تبدو توضيحية أكثر منها تعريفية أو تحقيقية؟


فضلاً عما جاء أعلاه، فقد ترك لنا الأدريسي (المتوفى سنة 1165 م ) خريطة عربية (انظر الخريطة 9 ) (81 ) لمدن وأقاليم حوض النيل وهي تحوي الكثير من أسماء المدن التي ذكرها الحموي واليعقوبي ولا يوجد بها ذكر لأرض أو مدينة تسمى مصر . خلاصة القول هو أن المسلمين كانوا يعرفون وادي النيل باسم مصر . ولكن على الأرض لا يعرف المؤرخون العرب أي أرض أو مدينة أو قرية تُعرف باسم "مصر" لا حديثاً ولا قديماً؟ فلا أثر لهذا الاسم لا في القوائم التراثية ولا في الخرائط، عدا تسمية نهر النيل بنيل "مصر " في خارطة الإدريسي وهذا لا يعتد به لكونه إضافة توضيحية وليست تحقيقية من الرسام . فلو حذفت "مصر" من عبارة "نيل مصر " لما تأثر المعنى في وعي المطلع على الخريطة، ولكن هل تستطيع أن تحذف كلمة نيل ويبقى المعنى؟


http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/27765.jpg

ياسر آل حسن
21-05-2008, 10:02 PM
ما هو اسم بلاد وادي النيل العريق إذن؟

ما توصلنا إليه حتى الآن هو أن الأقباط كانوا يدعون بلادهم "كمت" (Kemt) أو هت – كا- بتاح ( Ht-ka-Ptah) وهذا لا يزال محط خلاف بين علماء الآثار وعلماء اللغات القديمة ومصدر كلامهم هو ما توفر بين أيديهم حتى الآن من آثار وبرديات . أما في عهد الإغريق أو اليونان فكان اسم بلاد وادي النيل يعرف بـ (إگبت) (Egipt) وفي عهد الرومان كان الوادي يعرف بـ (إجبت) (Agypt) من غير إضافة حرف السين - ومصدر هذا الخبر هو شيوع هذا الاسم في الغرب القديم وانتشاره في أدبيات الإغريق والرومان القديمة حتى قبل احتلالهم للقبط كما سيتضح لنا لاحقا ً. أما في عهد المسلمين ومنذ فجر الإسلام فإن اسم الوادي هو مصر، رغم أنهم ينادون شعب الوادي بالأقباط ويعترفون بوجود بلاد القبط ولكن بدون تحديد واضحٍ لأراضي هذا البلد.
وأما عند خاتم المرسلين رسول الله محمد بن عبد الله (ص)، فاسم بلاد وادي النيل هو القبط وشعبها الأقباط وحدود هذه البلاد هي الحيز الذي كان تحت سلطة المقوقس حاكم القبط باسم الرومان . فما هو إذن اسم بلاد الوادي العريق الذي امتد حتى عهد فرعون وموسى (ع)؟
هل هو "كمت" أو "هت –كا – بتاح" أو "إگبت" أو "إجبت" أو "مصر" أو "قبط"؟

عرفنا مما سبق أن رسول الله (ص) سمى بلاد وادي النيل بمسمى القبط وليس "مصر ". وذكرنا أن المقوقس أكد أن بلاده تُدعى القبط في سياق رده على خطاب الرسول (ص). فلماذا نطلق نحن معشر المسلمين اسماً آخر على بلا د سماها الرسول الأكرم (ص) شخصياً ورسمياً باسمها الذي سماها به أهلها؟ وهل ثمة تداعيات لهذا التغاير بين ما تبناه المسلمون من اسمٍ وما اعتمده نبيهم (ص)؟ هذا ما نروم البحث فيه، ولكن كي يكتمل البحث في هذه الجزئية ونقف على هوية فرعون الحقيقة لا بد لنا أن نكمل مسيرة البحث ولكن تحت مظلة هداية الرسول الأكرم (ص) الذي وجهنا للنظر في القضية من منطلق أن اسم بلاد وادي النيل العريق هو القبط . وجلّ ما نريد التحقق منه هو هل يمتد هذا الاسم إلى عهد موسى وفرعون أم لا؟

دلائل مسمى القبط وأصوله

من المعروف أن شعب جمهورية مصر العربية عندما يعرفون جنسيتهم للعرب والمسلمين فإنهم ينعتون أنفسهم بالـ "مصريين"، ولكن إذا قدموا أنفسهم لغير العرب، أو بالأصح غير المسلمين، فإنهم يضطرون إلى نعت أنفسهم بـ "إجيبشن"، لأن أبناء العالم الغربي لا يعرفون جنسية تدعى "مصري". لذا يضطر "مصريو" اليوم لاختيار لفظة "إجيبشن " وهي اشتقاق من كلمة "إجيبت" (Egypt) كي يفهم المستمع الأجنبي من أي البلاد هذا المتكلم . ويمكنك التحقق من ذلك بسهولة لو سألت مجموعة من الأشخاص غير العرب، شريطة ألا يكونوا مسلمين، عن أين تقع "مصر"(Mizer) ؟ فلا تتفاجأ إذا تبين لك أن معظمهم لم يسمعوا بها. ثم لو سألت أين تقع إجيبت (Egypt) ؟ فسوف تكتشف أن معظمهم إن لم يكن جميعهم لن يكتفون بتعيين موقعها فحسب، بل سيوردون لك مقتطفات من تاريخها العريق أيضا ً. ووجود اللفظين "مصري" و"إجيبشن" لتعيين نفس الجنسية، وهي ظاهرة يكاد ينفرد بها إخوتنا "المصريون"، هي إحدى التبعات اليسيرة التي ترتبت على إقحام الاسم المستحدث "مصر" على بلاد القبط العريق، كما سيتبين في معرض هذا البحث . والسؤال هو : لماذا لا يعرف العالم الغربي وحتى الشرقي غير العربي جنسية اسمها "مصري"؟! لماذا يستخدمون جنسيةً تدعى "إجيبشن" (Egyptian) للدلالة على أبناء نفس البلد .
هل ذلك ناشئ من كونهم أعداء الإسلام؟ أهو معاندة ومكابرة منهم؟ كلا ليس الأمر كذلك ! بل الواقع أنهم لا يعرفون جنسية اسمها "مصري" ولا يعترفون بها لأن القبط بلد عريق ذي تاريخ ضارب في القدم وحضارة شامخة، شأنه شأن الهند والصين وفارس واليمن، وليس بلداً قليل الشأن أو إمارة مستحدثة أو مستعمرة. فهذا البلد معروف ومشهور في تاريخ الأمم القديمة في شتى بقاع العالم، وقد دخل بكل ثقله عن جدارة في تراثهم وأدبياتهم وثقافتهم وأسواقهم، وأسهم في تقدم علومهم من طب
وعمارة وفن وهندسة وفلك، وساهم في تطورهم خلال مئات السنين . كيف لا وهو يكبر معظمهم بمئات السنين ! وقد عرفت أمم العالم الغربي القديم هذا البلد الأسطوري منذ القدم باسم القبط أو ما يشابه هذا اللفظ، فترسخ في ذاكرتهم وتوثق في تراثهم بكل قوة وعمق . ولذلك، لا يعني هؤلاء تغيير اسمه إلى اسم آخر حديث عمره بضع مئات من السنين بالمقارنة مع اسمه الأصلي الذي يقارب عمره 5000 سنة قبل الميلاد . فعدم اعترافهم بمسمى "مصري " كبديل لقبطي ناشئ من استمرارهم على الاسم الأصل وعدم استطاعتهم أو رغبتهم في اقتلاع هذا المسمى المترسخ في ذاكرتهم خصوصا أن لا مصلحه لهم في هذا التغيير الذي فاجأهم وهم في أوطانهم في الغرب والشرق الأقصى . فضع نفسك موضعهم ثم انظر في الأمر . هل توافق أن تلغي أو تستبدل اسم أمة أو وحضارة تاريخية عريقة كالصين أو الهند أو فارس ( 82 ) مثلا لأ ن هناك من غّير هذا المسمى في سجلاته؟ فما القبط إلا واحدة من هذه الحضارات العظمى باعترافنا نحن، فالمسعودي وغيره يذكرون القبط في مصاف الحضارات الكبرى في سياق كلامهم، كهذا المثال :" ... جميع ما تؤرخ به الأمم من السنين شمسية على ذلك عمل سائرهم من السريانيين والفرس واليونانيين والروم والقبط و الهند وا لصين ..." 83 فهنا نجد أن اسم القبط هو السائد ولا توجد في ذاكرة العالم القديم بلاد اسمها مصر حتى في ذاكرة العرب الأصيلة ! والأمر كذلك بالنسبة للغة القبطية حيث يضع المؤرخون القبط في مصاف الأمم العريقة في حين لا يرد ذكر لمصر في هذه التصنيفات " .. فجميع كتابات الأمم اثنتا عشرة كتابة وهي العربية والحميرية واليونانية والفارسية والرومية والسريانية والقبطية والبربرية والأ ندلسية والهندية والصينية والعبرانية فخمس منها ذهبت الحميرية واليونانية والقبطية والبربرية والأندلسية وثلاث لا تعرف ببلاد الإسلام الرومي ة والصينية والهندية..." 84
وفعلا ذهبت اللغة القبطية واندرس الخط الهيروغليفي ومن قبله الهيراطيقي منذ احتلال اليونان للقبط . فإذا كانت ذاكرة العرب تحفظ اسم القبط وتعيه وتتناقله وتؤرخه فلماذا هذا الإصرار على استبداله باسم مصر بدل الاسم الأصلي لهذا البلد العريق؟ ولنا أن نتساءل ما الدليل على أن اسم القبط هو فعلاً الاسم الأصلي الذي رافق هذا البلد العريق؟ وفي الإجابة نقول إن اللفظة اللاتينية الأصل والمتداولة في الغرب لمفردة Egypt أو Egipt ( اگيبت ) كما جاءت في الخرائط المعروضة في هذا البحث، هي واقعاً عينها مفردة "القبط" كما تلفظ باللسان العربي . فلو حذفت "أل" التعريف من مفردة "القبط" لتصبح قبط، ثم طلب منك أن تنطقها بالأحرف اللاتينية، أي من غير استخدام حرف القاف والطاء حيث لا وجود لهذين الحرفين في اللغة اللاتينية، فكيف ستنطق مفردة "قبط"؟ جرب بنفسك، سوف تنتهي بهذا النطق: "گبت" أو "جبت"وسوف تكتبها لاتينياً Gept أو Jept . والمعروف أن إخوتنا "المصريين" لهم نطق خاص لحرف الجيم متداول بينهم تاريخياً وحتى يومنا هذا فينطقون حرف الجيم گيم كنطقهم للجماد گماد وللجبنة گبنة ... الخ فهذا يقودنا لترجيح لفظة Gept (گبت) فهي أصل اللفظ لمفردة قبط . ثم أضف الآن "أل" التعريف للمفردة المعنية لتتحول إلى "القبط" ثم الفظها لاتينياً، فسوف تنتهي بلفظ "آلگبت" وتكتبها Algept .

والآن أدخل هذه المفردة في قطار الزمن السحيق فهل تعجب إذا خُففت على ألسن الناطقين بها من شعوب العالم فحذفت منها اللام لتتحول من "الگبت" إلى "إگبت"؟ اكتب الآن "إگبت" لاتينياً فستنتهي إلى Egipt أو Egypt أي "إجيبت" واشتقاق النعت من هذا الاسم يلفظ لاتينياً "إجيبشن" وهو اللفظ الذي يتداوله الغرب إلى اليوم . وقد أضاف كذلك الإغريق أو اليونانيون والرومان حرف السين لهذا الاسم العريق في لغتهم وكان النتاج Egiptous أو Egyptous " إجيبتوس" وهو الاسم الذي نجده منقوشاً في أدبياتهم القديمة.

فخلاصة القول هو أن مفردة "القبط" و"إجيبت" هما لفظان لاسم واحد كان متداولاً بين الغرب والشرق القديم، وهو الامر الطبيعي المتوقع الذي يرقي لمقام حضارة ضاربة في تاريخ الامم كحضارة القبط العريقة . وفي المقابل، حاول أن تحلل مفردة "مصر" كما فعلنا مع مفردة "القبط" و"إجيبت"، فهل تستطيع أن تصل إلى نتيجة مرضية تؤدي بك للتعرف على اسم موحد على لسان الشرق والغرب لبلاد وادي النيل العريق دون أن تلوي الحروف لياً أو تحشرها في ما لا طاقة لها به؟

يتضح مما سبق أن التراث العربي متفق تماماً مع ما هو محفوظ في ذاكرة وممارسة الغرب القديم والمعاصر فيما يخص اسم بلاد وادي النيل، حيث كان الجميع يعرف ذلك البلد العريق بـ "القبط" أو "إجيبت". بيد أن الغرب استمر في استخدام الاسم القديم في حين توقف الشرق المسلم وحده عن ذلك واستبدله باسم مصر دون معرفة السبب، في هذه المرحلة من بحثنا على الأقل! فلماذا فعل المسلمون ذلك؟ هل السبب أن اسم "القبط" غريب على بلاد وادي النيل؟ أي هل هو اسم أقحمه اليونانيون أو الرومان عنوة على هذا البلاد العريق إبان احتلاله دون رضا الأقباط فيستحق بذلك استبداله بما هو خير منه أو إرجاعه بواسطة المسلمين لما كان عليه من قبل؟ والجواب هو أن القبط بلد عريق فآخر شيء يمكن حدوثه لهذا العملاق الأسطوري هو أن يسمه أحد باسم لا يرضى عنه شعبه . فاسم القبط ضارب في أعماق التاريخ القبطي السحيق، بل يصل إلى عهد نبي الله إدريس (ع) قبل أكثر من 5000 سنة حين ذهب إلى بلاد وادي النيل من جزيرة العرب لدعوتهم إلى عبادة الله سبحانه، وإليه ترجع أصول التوحيد التي يقرؤها علماء اللغات اليوم في البرديات القديمة عبر عصور مختلفة من تاريخ القبط . ولعل القارئ الكريم يتساءل : ما دخل نبي الله إدريس (ع) وما شأنه وبلاد القبط؟ والجواب : إن ما يعرف بالإله أوزيريس (Osiris) أو الإله خنوج (تحوت) (Touth) ، وهما اسمان راسخان في ثقافة شعب القبط كثر ذكرهما في البرديات (انظر لوحة 4 ) ( 85 ) وكتب الأساطير القبطية وتركا بصماتهما جلية على أرض القبط وثقافة شعبه ا، فإن أحدهما هو نبي الله إدريس (ع) كما أشار بن بطوطة في مقتبسه السالف الذكر من هذا البحث، حيث كانت هذه الحقيقة معلومة لدى سكان وادي النيل وسكان الجزيرة العربية على السواء . وإذا كان هناك من يستشكل هذا الطرح لكون هذه الشخصيات الأسطورية عرفت بأّنها آله لشعب القبط الوثني القديم، فجوابنا هو أنه حتى لو صح هذا الادعاء، فهل هو النبي الوحيد الذي انتهى به المطاف إلى تأليهه؟
أليس ثمة نبي مرسل قد ألهه أتباعه منذ مئات السنين وحتى يومنا هذا بعد أن حارت عقولهم بعلمه وفعله وتقواه فقال له ربه ( وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ) ( المائدة 116 ) بيد أن هذه الجزئية وغيرها، فيما يتعلق بأوزيريس أو خنوخ وأحدهما هو عينه نبي الله إدريس (ع)، قد أُفرغ لها بحث خاص ومتكامل لإثبات هذه الحقيقة المغيبة عن وعي المسلمين والعالم . وما هذا المطمور عن وعي العالم إلا نتيجة من نتائج التزوير التراثي الذي نسعى إلى إماطة اللثام عنه في هذا البحث . وما يهمنا في بحثنا هنا هو أن نذكر ما تدل عليه الكثير من المؤشرات فنرجع ما يعنينا من أقوال وأساطير ( 86 ) أوزيريس أو خنوج إلى شخصه الحقيقي وهو نبي الله إدريس (ع) فنحن ملزمون بالقول والعمل بما نعلم.

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/27766.jpg

وعوداً إلى البحث في أصالة اسم القبط في بلاد الأقباط، نقول إن اسم القبط قد ورد في أسطورة نبي الله إدريس (Osiris) ( ع ) والتي يعود تاريخها إلى ما قبل عهد الأ سر الملكية أي قبل سنة 3020 ق .م بكثير . فقد ورد في الأسطورة الشهيرة التي نقلها إلى الغرب المؤرخ الإغريقي بلترك (Plutarch) ما نصه: " ... بعد أن علمت أيزيس (Isis) بنبأ مقتل زوجها الملك (Osiris) نتيج ة لمؤامر ة سيث (Seth) لبست ثوب الحداد وحزنت عليه حزناً شديداً وقصت جدائل شعرها من أثر المصيبة فسميت تلك الأرض كبتوس (Koptos) أي أرض الكآبة والحداد وهمت بالبحث عن جثمان زوجها حيث رماه سيث في نهر النيل " ( 87) أرض كبتوس (Koptos) الواردة في هذه الأسطورة القبطية الض اربة في القدم هي ما نبحث عنه . فبعد حذف حرف السين من الكلمة، لعلمنا أنها يونانية النقل، نخلص إلى الكلمة الأصل و هي ( Kopto أو Copto ) أي "كبتو". وأرض كبتو أو كبتوس هذه التي هزت أحداثها أركان شعب وادي النيل لفقد مخلصهم وهاديهم وملكهم، لا تزال موجودة على الأرض حتى اليوم وهي تسمى في الوقت المعاصر "قفط " (Gift) أو (Qift) وكان شعب وادي النيل يسميها گبتوا (Gebtu) ( 88 ) ويسميها الإغريق كما جاء على لسان (Plutarch) بـ (Koptos) أي كبتوس ( 89 ) كما أسلفنا. وكذلك يرد لفظ اسم مدينة "قفط" في الغرب اليوم بألفاظ وكتابات مختلفة منها ( Coptos ، Koptos ، Gebti ) أي قبطي وكّلها تشترك في نفس المنطوق الصوتي. كما أن رسومات الخرائط الغربية القديمة تظهر هذا الاسم ميدانياً في نفس الموقع الذي تظهر فيه مدينة "قفط" على خريطة الإدريسي ( انظر خريطة 10 ، 11 ) وقفط لها وجود أيضاً في ذاكرة العرب كما نقلها الحموي واليعقوبي ضمن تقسيمات كور وادي النيل - راجع مقتبس قوائم كور الحموي واليعقوبي السالف ذكرها.

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/27767.jpg
خريطة رقم 10 : مدينة القفط تظهر في خرائط الغرب تحت مسمى كبتوس- للرسام أورتيلوس


http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/27768.jpg
خريطة رقم 11 : مدينة القفط كما جاءت على خريطة الإدريسي لبلاد القبط


http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/27769.jpg
خريطة رقم 12 : خريطة رومانية توضح امتداد خط تجاري بين مدينة القفط وحوض البحر الأحمر

وقد كان لهذه الأرض التي بدأت تسميتها في أحداث أسطورية غائرة في أعماق الزمن أهمية كبيرة في عصور مختلفة، مما يفسر هيمنة اسمها منذ القدم على جميع أقاليم ومدن وادي النيل حتى غدا اسمها اسماً للوادي . فيوجد بقفط معبد "مين" (Min) الذي يعد من أقدم المعابد ويحوي ضريحاً رمزياً لأوزيريس (Osiris) يعود إلى عهد المملكة القديمة ( 90 ) ولا تنتهي أهمية قفط أو (Kopto) في هذه الأسطورة بل تنعكس في أساطير أخرى لا تقل أهمية عنها، ففي مدينة قفط يوجد "كتاب تحوت" الأسطوري المعروف في الغرب باسم The Book of Thoth أ ( 91 ) وهو جزء من الأسطورة الإدريسية الشهيرة باسم The book of the Dead أي كتاب الأموات وكان الأجدى تسمية هذا الكتاب بكتاب "البعث والنشور والحساب" لما يحوي من تعاليم نبوية إدريسية تكشف ما يمر به الإنسان من حساب وميزان للأعمال والجزاء بعد الموت (انظر الطابع العام لمحتوى البردية القبطية السابقة ). ولكن ماذا نفعل إذا كتب لنا غيرنا تاريخنا وفهمنا محتوياته من منظوره وثقافته التوراتية بعد أن ألصقنا تهمة الوثنية بتاريخنا وأسلافنا، لجهلنا بما كان يقصده الآباء مما خلفوه لنا من رموز وتعابير توحيدية تعلموها من الأنبياء المتأخرين . وقد كان لهذه المدينة أهمية اقتصادية إلى جانب أهميتها الأسطورية الدينية، فقد كانت نقطة تقاطع تجاري بين مدن الوادي وخطوط القوافل التجارية القادمة من وإلى حوض البحر الأحمر حتى أيام الاحتلال الأوربي كما هو واضح في الخريطة رقم 12
ليس هذا فحسب بل إن أسطورة أحداث قفط أو قبط امتدت إلى التراث اليوناني والإغريقي القديم لتترك بصماتها في الأدبيات الأسطورية اليونانية حتى تحير المتكلمون في مجال الأساطير كيف وقع هذا التشابه الكبير في المسميات بين أساطير أمتين مختلفتين مثل القبط واليونان؟ إلى درجة أن بعضاً من علماء الأساطير الغربيين أخذ يستشف أن الإغريق هم أصلاً مهاجرون من القبط إلى الأرض الجديدة التي عرفت في ما بعد باليونان 94 . فقد أدهش علماء الأساطير ورود اسم "إجبيوس"(Egyptous) كملك لبلاد وادي النيل في الأسطورة اليونانية الشهيرة "بنات دانوس" (Danaos' daughters) (انظر اللوحة رقم 5)، هذا إلى جانب تشابه الجو العام من غدر وكآبة وأمل بين أسطورة أوزيريس القبطية وبنات دانوس الإغريقية.

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/27773.jpg
لوحة رقم 5: لوحة فنية لأسطورة بنات دأنوس الإغريقية الشهيرة والتي تذكر من ضمن سياقها اسم مملكة اكبتوس أي (القبط)

ما يعنينا هنا هو أن مشتقات قبط كانت معروفة حتى خارج بلاد وادي النيل فهذا الاسم لم يكن قط مجهولاً في العالم القديم وقد امتد حتى أيام خاتم المرسلين محمد (ص) كما أوضحنا سلفاً.
وخلاصة القول أن اسم قبط أو القبط المعروف في الغرب المعاصر بـ "إگبت " (Egypt) وفي الغرب القديم ب "إكبتوس" (Egyptous) كان في الحقيقة الاسم الرسمي لبلاد وادي النيل في حقبة ما قبل حكم الأ سر الملكية . وقد ورد هذا الاسم في أساطير العالم القديم ومن جهات مختلفة واستمر في العالم الغربي حتى اليوم بينما توقف استخدامه بعد رسول الله (ص) بين المسلمين فقط، وذلك لأسباب ستتضح لنا من خلال هذا البحث . ولم يوجد اسم بلفظ "مصر" في بلاد وادي النيل ولا يعرف شعب ذلك الوادي لنفسه وأرضه اسماً بلفظ "مصر " أو حتى أي لفظ قريب منه . أما القبط فهو اسم عريق وليس مستحدثاً وله امتد اد جغرافي حيث انبثق من مدينة عريقة موجودة إلى اليوم على الأرض وتعرف بقفط . وإن هذه الحقيقة لتلح علينا بأسئلة مثل متى؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومن أسقط اسم "مصر" على هذا البلد العريق، فأزاح اسماً عملاقاً يعرف بالقبط واستبدله باسم مصر، وهو اسم مجهول عالمياً وتاريخيا ً بالنسبة لذاكرة أمم العالم الغربي القديم والحديث.

وقبل الإجابة على التساؤلات أعلاه لا بد من الإجابة على سؤالين ملحين أولا ً. الأول هو: إن نعت "الفراعنة" ،جمع فرعون، كان ولا يزال لصيقاً باسم مصر كما جاء في القر آن الكريم. والفراعنة موجودون بالقبط، أي بلاد وادي النيل، بشهادة الغرب والشرق في الماضي والحاضر. وعليه فالقبط هي واقعاً مصر بسبب وجود الفراعنة في تلك الأرض فقط، فكيف يستقيم هذا الطرح؟ والسؤال الثاني : ينقل أن لرسول الله محمد (ص) نبوءات خاصة بشأن فت مصر أوردها تراثنا تفيد أن "مصر" هي بلاد وادي النيل، وهو ما لا يستقيم أيضاً مع طرحنا.
فلنعالج كل سؤال منهما على حده. فأما جوابنا على السؤال الأول بكل بساطة فهو : هل فعلا ً أن الفراعنة موجودون ميدانياً في جمهورية مصر العربية أم هم موجودون هناك حسب ما هو سائد في ثقافتنا فقط؟ ولنستفيض في هذه الجزئية فيما يلي.


يتبع

( من هم الفراعنة؟ )

ياسر آل حسن
16-06-2008, 08:30 PM
من هم الفراعنة؟

أولاً ماذا تعني مفردة فراعنة؟ لقد حير هذا السؤال ابن خلدون والمسعودي ومن كان في زمانهم، وذلك بعد أن ألزموا أنفسهم بنسبة هذا اللقب لملوك وادي النيل . فها هو صاحب النجوم الزاهرة ينقل عن المسعودي قوله " ... قال المسعودي وسألت جماعة من أقباط مصر بالصعيد وغيره من أهل الخبرة عن تفسير اسم فرعون فلم يخبروني عن معنى ذلك ولا تحصل لي في لغتهم ..." 97 وهذا الكلام غاية في الغرابة . فما توصل إليه المسعودي من المسح الاستقصائي الذي أجراه بنفسه في زمانه ومع من وصفهم "بأهل الخبرة" من الأقباط وفي بلاد وادي النيل، كشف لنا أن من ادعينا دوماً أنهم "شعب الفراعنة" لا يفقهون واقعاً هذا الاسم المشهور، بل لا وجود له في لغتهم كما أ ّكد المسعودي نفسه . فماذا فعل المسعودي باكتشافه العجيب هذا والمنافي لما كان شائعاً في زمانه؟ هل قرع الناقوس بين المؤرخين وتتبع أصل الخبر وفصله وواصل مشوار التحقيق العلمي الموضوعي ليكشف عن عمق الوهم الثقافي الذي كان يسيطر على زمانه؟ أم أطفأ بصيص النور الذي توهج أمامه في غمرة الظلام الحالك بوضع تبريرٍ عرضي يفسر به عدم التوافق بين ما انكشف له من حقائق مغايرة للثقافة السائدة في زمنه ؟ يقول المسعودي، مبرراً الصدمة الثقافية التي اعترضته " ..فيمكن - والله أعلم - أن هذا الاسم كان سمة لملوك تلك الأعصار وأن تلك اللغة تغيرت كتغير الفهلوية وهي الفارسية الأولى إلى الفارسية الثانية وكاليونانية إلى الرومية وتغير الحميرية وغير ذلك من اللغات " 98 ؟؟ أما ابن خلدون فقال في باب" الخبر عن القبط وأولية ملكهم ودولهم وتصاريف أحوالهم والإلمام بنسبهم : هذه الأ مة أقدم أمم العالم وأطولهم أمدا في الملك واختصوا بملك مصر وما إليها ملوكها من لدن الخليقة إلى أن صبحهم الإسلام بها فانتزعها المسلمون من أيديهم ولعهدهم كان الفتح وربما غلب عليهم جميع من عاصرهم من الأمم حين يستفحل أمرهم مثل العمالقة والفرس والروم واليونان فيستولون على مصر من أيديهم ثم يتقلص ظلهم فراجع القبط ملكهم هكذا إلى أن انقرضوا في مملكة الإسلام وكانوا يسمون الفراعنة سمة لملوك مصر في اللغة القديمة ثم تغيرت اللغة وبقى هذا الاسم مجهول المعنى كما تغيرت الحميرية إلى المضرية والسريانية إلى الرومية ونسبهم في المشهور إلى حام بن نوح وعند المسعودي إلى بنصر بن حام وليس في التوراة ذكر لبنصر بن حام و إما ذكر مصرايم وكوش وكنعان وقوط وقال ..." 99 هنا نجد أن ابن خلدون بدوره يثبت حقيقة عدم انتماء مفردة "فرعون" إلى الأقباط مستعيراً تفسير المسعودي للتناقض السافر بين الثقافة المهيمنة والواقع الميداني . ولو أمكننا لسألنا ابن خلدون والمسعودي، كيف يمكن لشعب مليوني التعداد أن يحكم بلاد وادي النيل منذ القدم ويسمي ملوكه بالـ "فراعنة" ثم لا يلبث هذا الشعب أن يضيع معنى هذا الاسم "الفراعنة" رغم أنه احتفظ بلفظ الكلمة عينها حتى وصلتنا نحن أبناء القرن الواحد والعشرين بشقيه الشرقي والغربي؟ ثم كيف يمكن لشعب بنى الأهرامات وهو من أقدم أمم العالم و إليه ترجع الحضارة الأسطورية في بلاد وادي النيل، كيف يمكن لهذا الشعب المعروف بالأقباط منذ القدم، أن يحكم بلاد "المصريين" وليس بلد الأقباط؟ ثم أّنى يكون له أن ينقرض فجأة من وعي المسلمين وثقافتهم بعد أن حكمه عرب الجزيرة العربية كما يشير ابن خلدون في كلامه أعلاه؟ هل فعلاً انقرض أبناء هذا الشعب أم تغير اسمهم من الأقباط إلى المصريين مع دخول الإسلام ديارهم، فانحصر اسمهم العريق في من بقي منهم على دين عيسى (ع)؟ من الواضح أن ثمة إرباكاً وتشويشاً في الحقائق . ولن يعجب المرء إذا علم أن هذا النوع من التشويش دائماً يترافق مع المعلومات المستقاة من التوراة المحرفة، كما يتضح من ذيل مقتبس ابن خلدون أعلاه، والتي برعت في خلط الحق بالباطل وما فتئت تغذي معلومات أساطين المؤرخين الشرقيين والغربيين . وحقاً كان الأولى بنا أن نتخذ من القر آن مصدراً للمعرفة وليس التوراة، خاصة وأن القرآن الكريم حذر من عبث العابثين بالتوراة. إذن، من هم الفراعنة ما دام المسعودي وابن خلدون يصرحان بأن هذا الاسم مجهول المعنى بالنسبة لشعب الأقباط حتى زمانهم وزمن من كان قبلهم؟ هذا السؤال نتوجه به إلى القارئ الكريم؛ من هم الفراعنة؟ هل هم ملوك وادي النيل؟ إذا كان الأمر كذلك فلماذا استبدلنا مفردة "ملك" بـ مفردة "فرعون" ومفردة "ملوك" بمفردة "فراعنة" هل نملك سبباً وجيهاً لهذا الاستبدال الخطير لمفردة وردت واضحة وصريحة في القرآن الكريم؟أجل، لا خلاف أن ذلك ما هو مشاع عالمياً اليوم، ولكن هل المشاع دليل يعتد به؟

ذكر فرعون في القرآن الكريم

إذا كان أهم مصادرنا المعرفية لشخصية فرعون هو القرآن الكريم، فلنرجع إلى القرآن ونقرؤه مرة أخرى بروية وتدبر .
إن الثابت لقراء كتاب الله هو أن هناك شخصية واحدة لا غير، تسمى أو تلقب - كما نقل لنا كتاب الله العظيم - بفرعون . وإن هذا الطاغوت المسمى فرعون قد عاصر زمن موسى عليه السلام . هذا ما أثبته القر آن الكريم ولا ينص كتاب الله في هذا الصدد على غير هذه الحقيقة . فكيف تعاطينا نحن مع هذه الحقيقة القرآنية؟ هل نشرناها في العالم كي تعلم حضارات الدنيا أن لا "فراعنة" بل فرعون واحد فقط وفقط كما جاء في آخر وحي نزل إلى بني الإنسان؟ كلا، بل قمنا عوضاً عن ذلك بتحويل المفرد إلى الجمع في وعينا ومفاهيمنا وكتاباتنا، فأرسلنا بذلك إشارة خاطئة إلى إدراكنا، بسبب تداولنا لمفردة "الفراعنة"، حتى أصبحت لدينا قناعة بأن هناك أكثر من فرعون كأشخاص وليس كصفات أو نعوت. وذلك ما استقر في وعي السواد الأعظم منا منذ حقبة ما قبل صدر الإسلام إلى اليوم .
فلنعاود قراءة القر آن الكريم مرة ثانية ونجعل ما جاء فيه من هدى هو الحق الفصل، ولنعيد ترتيب معلوماتنا وثقافتنا على ضوء القرآن الكريم وليس العكس حتى نجد لنا مخرجاً من هذا المأزق. ففيما يلي بعض الآيات الشريفة التي تبين أن هناك فرعوناً واحداً فقط لا غير:

(وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ) (الأعراف: 104 )

(وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ) (الأعراف: 113 )

(قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ )(الأعراف: 123 )

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ )(يونس: 79 )

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ )(يونس: 90 )

(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى )(طه: 24 )

(قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ )(الشعراء: 23 )

(فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ )(الشعراء: 41 )

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ )(القصص: 38 )

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ )(غافر: 26 )

وهناك المزيد من الآيات التي تثبت قطعاً أن فرعون ورد بصيغ المفرد فقط . ودونك القرآن الكريم لتتدبر الأمر بنفسك . فلا حاجة لأن تكون ضليعاً أو متخصصاً في اللسان العربي كي تعي أن القرآن الكريم أفرد اسم "فرعون" لشخص مفرد واحد لا غير ولم يستخدم هذه المفردة التي اشتهرت في عالمنا لغير طاغوت موسى (ع) فقط. ولا تسمح لأحد أن يوهمك أنك غير متخصص حتى في فهم الجمع من المفرد . فذاك هو الإرهاب الفكري لمن تُعجزه الحجة وهو الذي جعلنا لا نميز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر.

ولا بد من ذكر ما يمكن أن يتبادر للذهن وهو أن لفرعون آلاً كما جاء في المحكم ( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ )(إبراهيم: 6). فلعل المقصود "بالفراعنة" هم آله، وهم أكثر من شخص لذا لزم الجمع، ولعل هذا هو أصل جمع مفردة "الفراعنة" المتداولة اليوم في العالم . والإجابة على هذا الطرح هو أن المتداول في فهمنا اليوم هو أن أكثر من 100 ملك من ملوك القبط، ابتداء بمينا موحد الوجهين وانتهاء بكليوباترا آخر ملوك القبط ( 100 ) ، هم "الفراعنة" الذين ملكوا زمام القبط ولم يشاركهم أحد في هذا اللقب المختص بمن اعتلى عرش الحكم بالقبط . ولكن آل فرعون لم يملكوا القبط ولا حتى مصر حيث ذكر المحكم أنهم بادوا مع فرعون ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ )(البقرة: 50 ). وفي سورة الأنفال نقرأ ( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ )(الأنفال : 54 ). فهل هؤلاء المغرقون حكموا القبط أو أي بلاد صغيرة أو كبيرة بعد تصريح القرآن بفنائهم مع فرعون نفسه؟! فكيف لنا أن نسميهم فراعنة إذن وهم قوم مغرقون لم يتسن لهم حكم حتى أراضي قبورهم؟ وقد أكد القرآن بصريح العبارة وبما لا يدع مجالاً للتأويل أن بني إسرائيل هم من ورث أرض مصر مباشرة بعد غرق فرعون وآله ( فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ )(الشعراء: 59 ). فهل مر عليك خبر، ولو بشكل عابر، مفاده أن بني إسرائيل اعتلوا وحكموا عرش مملكة القبط العظمى حوالي سنة1300 قبل الميلاد، وهو تقدير تاريخ خروج موسى (ع) من مصر؟ هذا بالنسبة للحقبة التي تلت غرق فرعون مباشرةً، حيث ثبت لنا أنها يجب أن تخلو من لقب فرعون وفراعنة . إضافة لذلك، لم يوجد لقب "فرعون" في مصر أساساً قبل زمن فرعون . ولتأكيد ذلك نرجع إلى القرآن الكريم حيث أكد لنا الوحي أن كبير القوم في عهد النبي يوسف عليه السلام كان ينعت بالملك وليس فرعون، علماً أن زمانه يبعد عن زمن موسى (ع) ما يقارب 150 إلى 200 سنة فقط، والثابت حسب الثقافة السائدة بيننا أنه كان في نفس المنطقة التي سكنها بنو إسرائيل في عهد موسى. كما كان هذا الملك ينعت مساعده بالعزيز كما أخبر العلي القدير في قصة البقرات . مما يعني أن لقب فرعون لم يكن يطلق على كل من استلم زمام الحكم في القبط أو في ما نسميها اليوم "بمصر" كما هو شائع في وعينا اليوم . فلو كان الأمر كذلك للُقب كبير قوم يوسف بفرعون أيضا، وذلك ما لم يصرح به القرآن الكريم وإنما تزعمه التوراة فقط، ونحن كما يبدو نصغي للتوراة أكثر مما نصغي للقرآن المجيد . فما يقوله القرآن في هذا الشأن هو التالي :
( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ )(يوسف: 43 - 50 ) ولما استلم نبي الله يوسف (ع) مسؤولية خزائن الأرض في عهد الملك أصبح له منصب "العزيز" كما جاء في هذه الآية
الشريفة التي تصور لنا دخول إخوة يوسف (ع) عليه إلى مصر : ( فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ )(يوسف: 88 ). فكما يتضح من مجمل الآيات أن هناك فرعوناً واحداً فقط وأن هذا الاسم أو اللقب كان حكراً على الشخص المعني الحاكم في زمان موسى (ع) ولم يكن يطلق على كل من كان يحكم "مصر"، لأن لقب "ملك" هو اللقب الذي كان يحمله حاكم المنطقة في عهد يوسف (ع) كما بين لنا القر آن الكريم . هذا يعني بنص القرآن أنه لم يكن بعد زمن فرعون "فراعنة" كما أنه لم يكن قبل زمن فرعون "فراعنة" أيضا! فعلى أي أساس إذن سطرنا نحن المسلمون والعالم معنا أكثر من 100 ملك من ملوك القبط قبل وبعد زمن فرعون جميعاً تحت لقب "الفراعنة"، خلافاً لما جاء في كتاب الله؟ أهي الثقافة المشاعة مرة أخرى ولو على مستوى عالمي؟ نعم، إنها كذلك ! إنه السراب الذي ( يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا )(النور: 39 )
وإذا تساءلنا من الذي أسس أساس الانحراف والميل عن الجادة فجعل المفرد جمعاً؟ نجد الجواب يشير إلى التوراة المحرفة . فهي التي جاءت بخبر تعددية لقب فرعون خلافاً لما جاء في القران الكريم، فأسقطت بذلك اللقب على ملك يوسف زوراً وبهتاناً كما نقر أ في هذا المقطع التوراتي "وحدث من بعد سنتين من الزمان ان فرعون رأى حلما. واذا هو واقف عند النهر. وهوذا سبع بقرات طالعة من النهر حسنة المنظر وسمينة اللحم. فارتعت في روضة. ثم هوذا سبع بقرات اخرى طالعة وراءها من النهر قبيحة المنظر ورقيقة اللحم. فوقفت بجانب البقرات الاولى على شاطئ النهر. فاكلت البقرات القبيحة المنظر والرقيقة اللحم البقرات السبع الحسنة المنظر والسمينة. واستيقظ فرعون ثم نام فحلم ثانية. وهوذا سبع سنابل طالعة في ساق واحد سمينة وحسنة. ثم هوذا سبع سنابل رقيقة وملفوحة بالريح الشرقية نابتة وراءها. فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السبع السمينة الممتلئة. واستيقظ فرعون واذا هو حلم. وكان في الصباح ان نفسه انزعجت. فارسل ودعا جميع سحرة مصر وجميع حكمائها وقصّ عليهم فرعون حلمه ) وفرعون التوراة المذكور هنا هو عينه ملك يوسف الوارد ذكره في القر آن الكريم . ليس هذا فحسب بل جعلت التوراة فرعوناً آخر في عهد نبي الله إبراهيم وهو ما نقرأه في هذا المقطع التوراتي ( فضرب الرب فرعون وبيته ضربات عظيمة بسبب ساراي امرأة ابرام.) ."(التكوين : 17-12 ) أي الخبرين نصدق وأيهما نجعل الحاكم؟ فردية فرعون القرآنية، أم تعددية فرعون التوراتية؟ ولنا أن نُرجع البصر على واقع المسلمين والعالم اليوم وننظر أي الخبرين انتشر وهيمن على وعي العالم بمن فيه المسلمون؟! وأي الخبرين بقي حبيس كتاب الله لم يبرحه إلى وعي الناس بعد؟!

من جهة أخرى، هل أن وجود مسمى أو لقب "فرعون" كحاكم على الأرض يعني بالضرورة أن كل من يحكم نفس الأرض يلقب فرعون أيضا؟ السبب في إثارة هذه الإشكالية هو أن مفردة فرعون لم تأت في القرآن كنعت للحكام أو الملوك، بل جاءت نعتاً لشخص واحد فقط. وهذا الشخص قد يكون ملكاً أيضاً ولكن ليس العكس صحيحاً بالضرورة . ولتقريب الصورة، فإن الحجاج بن يوسف الثقفي كان معروفًا بين الناس في أيام عهده و إلى اليوم بالحجاج، رغم أنه تولى منصب ولاية الكوفة . فغلبت مع ذلك شهرة اسمه بين الناس على لقب منصبه السياسي . فهل هذا الواقع يعني أن كل من كان يحكم الكوفة يجب بالضرورة أن يلقب أو يسمى بالحجاج أيضا؟ وهل سمي ولاة الكوفة من بعد الحجاج جملةً باسم "الحجاجين " لأن فرداً مشهوراً حكم الكوفة قبلهم كان يعرف بالحجاج؟ بالطبع كلا ! ولكن هذا ما قد حصل مع فرعون كما يبدو . إذ تم إسقاط اسم أو كنية أو لقب شخصية واحدة معروفة تسلمت زمام الحكم بأرض تسمى مصر، لتنطبق على كلّ من ملك الأرض من بعده أو من قبله. وذلك حقاً أمر عجيب! نرجو أن نكون قد حسمنا بهدى الآيات السالفة الذكر في وعينا وإدراكنا أنه ما من "فراعنة" بل فرعون واحد لا غير. حينئذ يصبح لزاماً البحث عن هذا الطاغوت الملقب بفرعون. فأين نبحث عنه؟ في مصر أم في القبط؟


يتبع ( نبوءات الرسول الأكرم (ص) بشأن فتح مصر )

ياسر آل حسن
18-06-2008, 01:06 AM
نبوءات الرسول الأكرم (ص) بشأن فتح مصر

سنسعى في هذا الباب إلى معالجة السؤال الثاني وهو الاعتقاد بأن لرسول الله (ص) نبوءات سجلها تراثنا بشأن فتح مصر، وأن هذه النبؤ ات جاءت بصيغة واضحة تشير إلى أن "مصر" التي قصدها الرسول الأكرم (ص) لفظاً هي عينها القبط . فكيف يستقيم هذا مع طرحنا الذي يميز بين القبط وبين مصر القرآن- مع تمسكنا بهدي الرسول الأكرم (ص) ؟ وجوابنا أيضاً بكل بساطة هل فعلا ربط سيدنا الرسول الأكرم (ص) بين القبط ومصر القرآن؟ أم أن هناك لبساً في فهمنا سبب لنا إرباكاً في إدراك مقاصد خاتم المرسلين (ص)؟

نقطة منهجية

كيف نتعامل مع المرويات المنسوبة إلى الرسول الأكرم (ص) ؟ إن ما يميز القرآن كمصدر معرفي عن قول الرسول (ص) كمصدر معرفي مكمل هو أن القرآن وصل إلينا كما نزل على الرسول الأكرم (ص) بضمان من الله سبحانه وتعالى حيث قال ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (الحجر / 9). ولكن كلام الرسول الأكرم (ص) وصلنا بطرق غير مضمونة أصلاً ومنقولة على الألسن والقراطيس وهي معرضة للخلط مع مفاهيم الناقل لا مقاصد الرسول (ص)، هذا إذا وصلنا الكلام أساساً كما قاله الرسول (ص). وقد اشتكى الصحابة من تبعات هذه الشائكة المنهجية في زمن الإمام علي ابن أبي طالب (ع)، فارتقى علي المنبر وخط لنا ولهم أصولاً نستشف منها منهاجاً للتعامل مع المرويات المنسوبة إلى الرسول الأكرم .
وها نحن نورد الخطبة كاملة كما جاءت في كتاب نهج البلاغة لضرورة التحقيق في هذا البحث وكل بحث يستل استنتاجاته استناداً إلى ما نُقل عن الرسول الأعظم (ص) " ... ومن كلام له عليه السلام وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي الناس من اختلاف الخبر، فقال عليه السلام : " إن في أيدي الناس حقا ً وباطلا ً. وصدقاً وكذبا ً. وناسخاً و منسوخاً وعاماً وخاصا ً ومحكما ً ومتشابها ً وحفظاً ووهماً. ولقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال : "من كذب علي متعمدا ً فليتبوأ مقعده من النار ". و إنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس : ( 1) رجل منافق مظهر للإ يمان، متصنع بالإسلام لا يتأثم ولا يتحرج، يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدا َ، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله رأى وسمع منه ولقف عنه فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده عليه وآله السلام فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال وجعلوهم حكاما ً على رقاب الناس، ( وأكلوا بهم الدنيا. وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله فهو أحد الأربعة ( 2 ) ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد كذبا ً فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه ( 3) ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا يأمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه وآخر ( 4) رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وآله ولم يهم،
بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه ، فحفظ الناسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فجنب عنه ، وعرف الخاص والعام فوضع كل شئ موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه. وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام له وجهان : فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وآله، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله . وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يسأله ويستفهمه حتى أن كانوا ليحبون أن يجئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا. وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه وحفظته . فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم ." 102

نحن في هذا الزمن أكثر ما نخشاه ونحن نتدارس الأحاديث هو ما وصلنا من نقل رجال الفئة الثانية والثالثة الذين اختلطت عليهم المقاصد المحمدية بوهم الناقل أو قصور العلم كما صرح الإمام علي، فتسببوا من دون قصد منهم بانحرافات ثقافية وفكرية ومنهجية امتد بلاؤها إلى زماننا. ففي تدقيقنا هنا سنعمد إلى تفحص المرويات المعنية بقصد تمييز ما قاله الرسول (ص) مما اجتهد فيه الناقل . وقد قسمنا ما ورد من أقوال الرسول (ص) بشأن فتح "مصر" إلى فئات حسب صيغة الرواية فيما يعني تحقيقنا:

1. دون الشيخ أحمد الطبري في كتابه ذخائر العقبى ما نصه "قال أبو عمر وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال إذا دخلتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا ً فإن لهم ذمة ورحما ً. وروى أنّه صلى الله عليه وسلم قال لو عاش إبراهيم لأ عتقت أخواله ولو ضعت الجزية عن كل قبطي." 103 وهذا شبيه لما نقله الشيخ النيسابوري في المستدرك مع حذف الشطر الثاني من المروي :"(أخبرنا ) أبو بكر بن إسحاق أنبأ الحسن بن على بن زياد ثنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام بن يوسف عن معمر عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا ً فإن لهم ذمة ورحما ً قال الزهري فالرحم أن أم إسماعيل منهم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" 104

2. في م قابل هاتين المرويتين نجد مرويات أخرى لا تستقيم مع ما سبق وما هي بهذا الوضوح والحسم، كما أورد مسلم في صحيحه وغيره حيث لم يصدر عن رسول الله (ص) أنه قال "مصر" بل قال "أرض" وإليك المتن : " ( حدثنى ) أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب أخبرني حرملة وحدثني هارون بن سعيد الأ يلى حدثنا ابن وهب حدثنى حرملة ( وهو ابن عمران التجيبى ) عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى قال سمعت أبا ذر يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم ذمة ورحماً ..." 105

3. وفي مروي آخر عن أبى ذر أيضا أخرجه مسلم في صحيحة والبيهقي في سننه والمتقي الهندي في كنز العمال، نجد نفس الحديث ( مع بعض الاختلافات في ما لا يعني تحقيقنا ) ولكن مع ذكر "لأرض ومصر " معاً. وإليك المتن :" ( حدثنى ) زهير بن حرب وعبيد الله بن سعيد قالا حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبى سمعت حرملة المصرى يحدث عن عبدالرحمن بن شماسة عن أبى بصرة عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكم ستفتحون مصر وهى أرض يسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فان لهم ذمة ورحماً أو قال ذمة وصهراً..." 106

4. وفي مرويات أخرى نجد الحديث جاء مطلقا أي يحتوي على "مصر" ولكن من غير "قبط" أو "قيراط" أو أي استدلال يشير إلى وادي النيل كما جاء في تاريخ الأمم والملوك :"حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق عن الزهري عن عبد الرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك الأنصاري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فتحتم مصر فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما ً. حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثنى ابن اسحاق قال سألت الزهري ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم قال كانت هاجر أم إسماعيل.." 107

تلك هي مجمل الأحاديث المروية عن رسول الله (ص)، وهي الروايات التي يتمسك بها الكثيرون للتعويل على أن القبط كانت تسمى مصر على لسان رسول الله (ص)، ومن ذلك خلص المفسرون إلى أن القبط هي مصر المذكورة في القرآن. ونحن ندعو هنا إلى فتح هذا الملف لإعادة النظر في الاستنتاجات التي بناها المفسرون على هذه الأحاديث وذلك بقصد مناقشة ما إذا كان هذا الكلام قد ورد أصلاً عن الرسول الأكرم (ص)، ثم ما إذا كان يقصد من كلامه إثبات أن القبط هي مصر القرآن أم كان له غرض آخر غير هذا الذي ذهب إليه المفسرون؟ وسوف ندرج النقاش في عدة نقاط :

1. هل فعلا روي هذا الخبر عن رسول الله (ص) أم هو من المرويات الموضوعة؟ السبب في هذا التساؤل هو أن المسلمين لم يفتحوا بلاد وادي النيل فحسب بعد وفاة الرسول (ص) بل فتحوا أيضا الشام والعراق و أسبانيا وفارس والمغرب وخراسان ..الخ. ولم يرد عنه (ص) توصية بسكان تلك البلدان كما أوصى بالأقباط خاصة - (فاستوصوا بأهلها خيراً...) ( إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيرا ً...)- أليس هذ ا التخصيص للشعب القبطي بالخير يقابله بالضرورة استثناء للشعوب الأخرى من هذا الخير والترخيص للقادة العسكريين والسياسيين لإنزال الشعوب الأخرى دون منزلة الخير التي اختص بها شعب الأقباط سلفاً، حسبما ينقل أنه جاء على لسان خاتم المرسلين؟

2. بافتراض أن الأقباط كانت لهم خصوصية عند رسول الله (ص) دون باقي الشعوب كما جاء في الأحاديث المذكورة أعلاه، أليس لنا أن نسأل عن الحكمة من هذه الخصوصية؟ والجواب هو كما جاء في الأحاديث المعنية (..فإن لهم ذمة ورحما ً..) (.. فإن لهم ذمة ورحماً أو قال ذمة وصهرا ً) والرحم المذكور هنا هو كما جاء شرحه في أحد الأحاديث(..ما الرحم التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم قال كانت هاجر أم إسماعيل). ألا يعني أخذنا بهذا التبرير لخصوصية الأقباط أن الرسول الأكرم (ص) جعل منطلقه ليس العدل والمبدأ ومصلحة الدين والأمة قدر ماهو علاقة النسب والعرق والأسرة
والعشيرة كأي ملك عشائري أو قبل ي!! فماذا عن الشعوب التي لا رحم لها مع رسول الله إذن؟ هل تنقطع وساطة هؤلاء مع السماء فيقعون بذلك خارج دائرة التميز والوصاية والخير التي اختُص بها شعب القبط مثلاً؟ ! ألا يتصادم هذا التبرير الغريب مع قيم ومبادئ السماء التي دعا إليها الرسول (ص) نفسه وأسس لها من مساواة بين الناس جميعا؟ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )(الحجرات: 13 )

3. لتعزيز ما نرمي إليه من الحاجة إلى النظر في مصداقية مجمل الأحاديث الواردة أعلاه والتي عول عليها البعض في إثبات مصرية وادي النيل، ندعو للتدبر بتجرد في الشق الثاني من أحاديث الفئة الأولى وهو هذ ا الشق تحديداً "..وروى أنّه صلى الله عليه وسلم قال لو عاش إبراهيم لأ عتقت أخواله ولوضعت الجزية عن كل قبطي." هذا الشق واقعاً لا يستحق التحليل لتضاربه الصارخ مع أبسط القيم الفطرية، وهو يهدف إلى تعزيز الأحاديث التي تنسب إلى رسول الله (ص) إطلاق اسم "مصر" على أرض القبط، وذلك من خلال سيناريو توصيته بالأقباط من منطلق الرحم والمصاهرة. فهذا الشق واقعاً لا يخلو من مبالغة تمجها الفطرة السليمة، بيد أنه تمكنه من التسلل إلى بعض كتب المؤرخين العرب يدلّ على أن هناك في الماضي من أراد لـ "تمصير" القبط أن يتوغل في ثقافة الناس لأهداف ستتضح من خلال هذا البحث.

4. وأخيراً لو سلمنا جدلا ً بأن الأحاديث أعلاه صدرت فعلاً عن رسول الله (ص) فهذا لا يعني أن الرسول (ص) قد حسم لنا اسم بلاد وادي النيل لمجرد أنه (ص) أورد مفردة مصر كاسم لوادي النيل في بعض كلامه . فقد ورد أيضا أنه ذكر اسماً أخر لبلا د وادي النيل كما أسلفنا، وهو اسم القبط، وذلك في معرض مكاتباته مع المقوقس حيث نعته بعظيم القبط. ومفردة "القبط" في مكاتبات الرسول (ص) لا تعني كما هو شائع اليوم بأنه كان نعتاً لنصارى وادي النيل وحدهم . ودليل ذلك أن هاجر التي لم تكن مسيحية كانت تُعرف أيضاً بهاجر القبطية مما يدل على أن "القبط" و"الأقباط" هي مفردة تدل على جنسية ولم تكن قط نعتاً لديانة كما هو شأنها اليوم . لذا حق لنا أن نتساءل لماذا وجد من أجزم أن الرسول (ص) أطلق اسم مصر على بلاد وادي النيل وبنى مفاهيمه لآيات القرآن على هذا الأساس وتناسى أنه (ص) أطلق اسم القبط كذلك على نفس البلاد؟

ما نقوله بهذا الصدد هو أن هذه الأحاديث المنسوبة للرسول (ص) وصحابته تحمل في طياتها ما يسيء للقيم الإسلامية وبالتالي لتعاليم الرسول الأكرم (ص) وصحابته الذين تُنسب تلك الأحاديث إليهم . أضف إلى ذلك أن الرسول (ص) لو استخدم مصر اسماً لوادي النيل معرض أحاديثه مع أصحابه في أي حديث ثبتت صحته، فإن ذلك لا يدلّ أبداً على أن الرسول (ص) كان يقصد إثبات أو نفي أو مناقشة تاريخ هذا الاسم وأصله وعراقته وامتداده إلى عصر فرعون أو إلى أي حقبة زمنية سحيقة أو حديثة . بل جلّ ما يعنيه هو أنه (ص) كان يتعاطى بشكل طبيعي وواقعي مع زمانه بما تعارفوا عليه من أسماء للبلدان . أما الرأي القائل بأن مجرد أن الرسول (ص) ذكر اسم مصر يعني الجزم بأنه هو الاسم العريق لبلاد وادي النيل، فإن هذا المعيار يعني أن اسم كل بلد أو مدينة أو قرية أو ضيعة ذكرها الرسول (ص) في
معرض كلامه وحواراته مع قومه في زمانه هو بالضرورة الاسم الأوحد لتلك الأ صقاع عبر الأزمان!! وهذه فرضية مرفوضة متكلفة ولا تستقيم مع الشواهد القائمة، وتنطوي على تكليف لا نعلم لماذا ألزم المفسرون وغير المفسرين أنفسهم به وأقاموا على قواعده صرحاً ثقافيا ً موهوماً؟! ولذلك فإننا في هذا البحث لم نجزم بأن الرسول (ص) أثبت لنا بأن اسم بلاد وادي النيل كان القبط أيام فرعون وذلك لمجرد ورود مفردة القبط في مكاتباته مع المقوقس . بل تركنا هذا الجزم والإثبات للبحث والتدقيق وتقصي الحقائق التي لا بد ستكشف لنا الحقيقة مادمنا نقصدها بتجرد وموضوعية وتحرر من العصبية والانحياز الفئوي أو الطائفي.
لذا نخلص بالقول إنه لم يرد عن الرسول (ص) ما يمكن أن يحتج ويستدل به لإثبات أن اسم مصر كان واقعاً اسم بلاد وادي النيل أيام فرعون، أي قبل 1900 سنة من عهد الرسول (ص). ويتبقى كما ثبت لنا أن القبط هو الاسم الأعرق لبلاد وادي النيل بالمقارنة مع اسم مصر المعروف اليوم كمسمى لهذا البلد.

يتبع

البحث عن فرعون في القبط

ابن قحطان
08-07-2008, 11:58 PM
جميل جميل جدا يا ياسر .. منذ زمن لم أقرأ مواضيع دسمة .
لديّ بعض النقاط أفضل أن أتطرق لها بعد اكمالك الموضوع .

بالمناسبة صورة البرديات الأصل لا تعمل

تحايا عطرة

ياسر آل حسن
09-07-2008, 04:22 PM
العزيز أبن قحطان

شكراً لك للمتابعة وسعيد بنقاطك مسبقاً ( أنا أيضاً لدي نقاط لمناقشتها :) )

الصور كلها ظاهرة لي
هل تقصد بالصورة التي وضعتها أنا ( توضيحية ) للبردية الأصلية ؟
هي أيضاً ظاهرة لدي ومع ذلك سوف ارفعها عن طريق مدونتي :)

معذرة للتقصير في اكمال الموضوع بسبب بعض الظروف الخارجة عن الاراد\ة

محبة

ياسر آل حسن
10-07-2008, 11:50 AM
البحث عن فرعون في القبط

إن الثابت بنص القرآن هو أن فرعون كان بمصر وهو عين ما جاءت به الآيات السابق ذكرها. فهل نبحث عن فرعون بالقبط؟ كلا ! إذ لا يوجد أي دليل لتواجد بني إسرائيل وفرعون بالقبط في أي مصدر قديم سوى ما جاء بالتوراة التي بين أيدينا . ولكن قوة تيار الثقافة المشاعة وعالميتها يصران على ذلك، لذا سوف نستسلم لقهر المشاع حتى حين ونتوجه إلى القبط بحثاً عن فرعون الذي نعلم بنص القرآن أنّه بأرض يقال لها مصر وليس بأرض يقال لها قبط، ولنرى كيف تكون النتيجة !؟ وسوف نبدأ البحث عن فرعون القبط وفق المعطيات والفرضيات التالية:
1 - يفترض أن يكون أحد ملوك القبط؛
2 - عاش في زمن موسى عليه السلام؛
3 - لقبه أو اسمه فرعون.

فمتى عاش موسى (ع)؟ تشير الكثير من المصادر إلى أن عهد موسى عليه السلام كان في الفترة بين 1500 إلى 1200 ق . م ( 108 ) وهناك مصادر أخرى تحدد تاريخ خروج بني إسرائيل من مصر في حوالي 1250 ق.م ( 109 ) ولذلك سنعتبر احتياطاً أن عهد موسى (ع) كان واقعاً خلال الفترة 1500 - 1200 ق.م فنغطي بذلك جميع احتمالات المت خصصين في علوم الأديان. وبالرجوع إلى تاريخ القبط في هذه الحقبة نجدها تتفق مع حكم الأسرة الثامنة عشرة والأسرة التاسعة عشرة الواقعتين ضمن حقبة المملكة الحديثة . ولحسن الحظ يمكننا اليوم قراءة أسماء وألقاب ملوك القبط بعد أن تم حصر وتفكيك أبجديات اللسان القبطي القديم. وتجد أدناه أسماء ملوك الحقبة المعنية وهم كالتالي :
الآسرة الثامنة عشرة : 1580 - 1314 ق.م وتتكون من 14 ملكاُ هم : 1 - أحمس الأول 2- أمنحوتب الأول 3- تحوتمس الأول 4- تحوتمس الثانى 5- حتشبسوت 6 - تحوتمس الثالث 7- أمنحوتب الثانى 8- تحوتمس الرابع 9- أمنحوتب الثالث 10 - أخناتون 11 - سمنخ كارع 12 - توت عنخ أمون 13 - آى 14 - حور ام محب

الأسرة التاسعة عشرة : 1314 - 1200 ق.م وتتكون من 11 ملكاً هم : 1 - رمسيس الأول 2- سيتى الأول 3- رمسيس الثانى 4- مرنبتاح 5- آمون مس 6- مون بتاح سبتاح 7- سيتى الثانى 8- رمسيس سبتاح 9- ستخ نخت 10 - رمسيس العاشر 11 - رمسيس الحادي عشر.

وللمزيد من التأكيد والشمولية فقد أورد جيمس هنري برستد ( 111 ) أسماء وألقاب كل ملك من ملوك الحقبة المعنية مع اختلاف طفيف في تواريخ الحكم والترتيب، كما هو مبين في الجدول التالي:

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/31577.jpg

أمامنا إ ذن أسماء وألقاب 23 ملك اً من ملوك بلاد القبط على مدى فترة زمنية واسعة لنضمن تغطية الحقبة التي عاش فيها نبي الله موسى (ع). فهل ترى في القوائم اسم أو لقب "فرعون"؟ بل هل تستطيع أن تحور أحد الأسماء لتشكل منه لفظة "فرعون"؟ رغم أنك لست مضطراً إلى هذا العناء لأن لفظة فرعون نفسها قديمة والأسماء التي أمامك قديمة . وهنا تجدر الإشارة إلى أن اليهود في كتاباتهم يركزون على الملك رمسيس الثاني بدعوى أنه فرعون موسى. فهل ترى في اسم رمسيس أو لقبه " أوسر – ماعت – رع- ستب – ان – رع" أي تشابه مع اسم أو لقب "فرعون"؟ علماً بأن لفظ ر مسيس ذاته ليس دقيقاً فهو يلفظ عند الأقباط واقعاً رعميس أو رعمسو ويعني "وليد الإله رع". فضلاً عن ذلك، فإن معنى هذا الاسم يحمل معاني الخضوع والتعبد في عقيدة ومفاهيم الأقباط ومثله مثل قول اليهود والمسيح "إننا أبناء الرب"، فهل يعقل أن يحتفظ بهذا اللقب التعبدي وهو القائل " وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ " (القصص: 38 ). وهناك أيضاً من يقو ل إن ابن رمسيس الثاني مرنبتاح هو فرعون موسى حيث وجد أثر كُتب فيه "لقد خربت إسرائيل وقطعت بذرتها " فقفز اليهود سريعاً إلى نتائج يتشبثون بها بعد أن كادت تحاصرهم وطأة الحقيقة وقلة الحيلة، ولكن كما قال مختار السويفي : " .... وقام بعض المؤرخين بتفسير تلك العبارة بالقول بأن الملك "منفتاح " هو "فرعون موسى " الذي طرد بني إسرائيل من مصر في واقعة الخروج والتي ذكرتها التوراة القديمة وكتب العهد القديم .. غير أن هذا القول لا يسنده أي سند من التاريخ المصري
القديم، ومازال فرعون موسى غير معروف حتى الآن على وجه التحديد " 112 . وفي هذ ا الصدد يقول فراس السواح متسائلا " ..أما عن زمن الخروج، فهناك اتفاق على وضعه قرابة عام 1260 ق .م. إبان حكم الفرعون رمسيس الثاني .. إلا أنه رغم الجهود الكبيرة التي بذلها المؤرخون حتى الآن، فقد فشلوا في إيجاد أساس تاريخي لقصة الخروج من مصر، وبقيت النصوص المصرية صامتة صمتاً مطبقاً عن هذا الحدث المركزي في كتاب التوراة .. فمن غير المعقول أن يغادر مصر ستمائة ألف مسخر من أشباه العبيد، وينسحبون من الدلتا في قتال تراجعي نحو برزخ السويس حيث يهزمون الفرعون ويتسببون في مقتله، دون أن تأتي سجلات ذلك العصر، الذي يعتبر من أكثر فترات التاريخ المصري توثيقاً، على ذكرهم." 113
أما زاهي حواس – عالم الآثار المعاصر والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار المصرية- فيؤكد في الكثير من محاضراته أن فرعون موسى لم يتسن تحديده من بين ملوك
المصريين حتى الآن، وأنه لا يستطيع الجزم بأي الملوك قد يكون فرعون موسى ( 114 ) . وفي إجابته على السؤال -هل كان رمسيس الثاني هو فرعون موسى كما نُقل عن الفرنسيين بعد تحليل مومياء رمسيس؟ - قال الحواس " ..أبداً.. فرعون موسى مات غريقاً، وهم لم يجدوا أي دليل على ذلك في المومياء، كذلك تحليل معظم المومياء الملكية لم يثبت أن أياً منها لفرعون موسى، إذن لا يوجد دليل أثري قاطع إلى الآن .." ( 115 ) وإجابة الحواس وغيره من العلماء العرب التي تجزم بالنفي تمثل رداً على طرح موريس بوكاي - الطبيب الفرنسي - الذي أثبت، كما جاء في كتابه "القرآن والتوراة والإنجيل والعلم "، أن مرنبتاح ابن رمسيس الثاني هو فرعون موسى وأدلة إثباته هي : 1- آثار ملح ماء البحر على بدن مرنبتاح . 2 - أظهرت أشعة X كسوراً في العظام دون أثر لتمزق الجلد واللحم مما يدل أن تكّسر العظام كان بسبب ضغط الماء . فأسلم بوكاي لأن بدن فرعون بقي محفوظاً كما جاء في قرآن المسلمين إذ قال تعالى " فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ " (يونس: 92 ). فأخذ بعض من المسلمين المبهورين بإسلام الطبيب الفرنسي الذي أكد لهم إعجاز القرآن وحدد لهم فرعون بقليل من الملح بعد طول انتظار، أخذوا يهتزون فرحاً لما يبدو كأنه نصر للإ سلام. فأسبغوا على بوكاي آيات المديح والتبجيل لا لشيء إلا أنه قال بما قاله القر آن الكريم . وأخذت القصص الدرامية تتكاثر على المواقع الإ سلامية والمنتديات الشبابية الفكرية، رغم ما تحوي في جوهرها من تناقضات ومبهمات واستفهامات اعتبرها المتعاطفون أدلة على سلامة استنتاجات بوكاي . وإليك مقتبساً من أكثر المقالات تداولاً بين المهتمين بشؤون فرعون لتتعرف على سيكولوجية القراء المتعطشين للحقيقة وكيف يمكن ترسيخ ثقافة وحسم عظائم الأمور بسرعة مذهلة وبشكل عاطفي لا عقلاني ولا موضوعي " ... كان المعالجون مهتمين في ترميم المومياء، بينما كان اهتمام رئيسهم (موريس بوكاي) عنهم مختلفاً للغاية، كان يحاول أن يكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني، وفي ساعة متأخرة من الليل .. ظهرت نتائج تحليلاته النهائية.. لقد كان بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غر يقاً..! وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فوراً، ثم أنهم أسرعوا بتحنيط جثته لينجو بدنه ! ولكن ثمة أمر غريب ما زال يحيره وهو كيف بقت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها استخرجت من البحر ! كان ( موريس بوكاي ) يعد تقريراً نهائياً عما كان يعتقده اكتشافاً جديداً في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة، حتى همس أحدهم في أذنه قائلاً لا تتعجل فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء.. ولكنه استنكر بشدة هذا الخبر، واستغربه، فمثل هذا الاكتشاف لا يمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة، فقال له أحدهم إن قرآنهم الذي يؤمنون به يروى قصة عن غرقه وعن سلامة جثته بعد الغرق..فازداد ذهولاً وأخذ يتساءل: .." ( 116 ) هناك العديد من الأسئلة الناقدة لهذا الطرح الدرامي ولكن مادام الملح هو الدليل الأكبر على غرق هذا الملك فنسأل المعتقدين باستنتاجات بوكاي عن هذا الملح . فكم كانت نسبة تركيز هذا الملح على بدن مرنبتاح الذي أنجاه الله ببدنه؟ وفي المقابل كم كان معدل تركيز الملح على باقي مئات المومياءات المحفوظة إلى اليوم والتي لم ينجها الله بأبدانها كما يبدو؟ وذلك لكي نقارن هل فعلاً تميزت مومياء مرنبتاح بزيادة الملح عن غيرها من المومياءات؟ ! فهل يملك المسوقون
لنظرية بوكاي رقماً ذا مصداقية حقيقية؟ ثم هل يعني فعلاً وجود ملح على بدن مومياء أنها جثة غرقت في البحر؟ فهل يوجد الملح في البحر فقط؟ وهل كل جثة غرقت في البحر تعني جزماً أنه "فرعون" موسى؟ وبالنسبة للعظام المكسرة من غير أثر جراح على الجلد والذي استدل به المعتقدون على أثر ضغط الماء على العظام بعد الغرق، فنسأل أولاً هل هناك فعلا عظام مكسرة في جثة مرنبتاح؟ أم هو زعم فحسب؟ ! ثم لو صح ذلك، فهل ضغط الماء فعلا يكسر عظام الجثث فيزيائياً؟ فالجثث تطفو بعد غرق أصحابها إلى أن يخرج معظم الهواء من تجاويف الجثة لتطمس في الماء بعد أن يحل الماء محل الهواء فيتعادل بذلك الضغط الداخلي للجثة مع الضغط الخارجي لتنتج محصلة قوى تكاد تساوي صفراً، فكيف يمكن لقوة صفر أن تكسر العظا م؟ كما أن الجثة لا تطفو ثانية إلا إذا كثرت بها الغازات نتيجة التحلل والتفسخ، فعند ذلك يراها الناس طافية على السطح بعد انتفاخها لينتشلوها ويحنطوها، فهل ورد أن بدن مرنبتاح كان متفسخاً وهو الذي نجاه الله ببدنه؟ في الواقع هناك عشرات من الأسئلة بحاجة إلى أجوبة، بيد أنك لن تجد لها جواباً شافياً ، فهذا السيناري و الدرامي كما جاء في النموذج المقتبس أعلاه، قد انطلى للأ سف ولا يزا ل ينطلي على الكثيرين بحسن نية، فصياغته الدرامية تذكرنا بقصص إسلام الأولين كما تصوره بعض المسلسلات التليفزيونية، فيطربنا تكرار الحدث الذي أصبح يتحقق هذه الأيام ببعدين ظاهر وباطن . فأما الظاهر فهو أن إسلام فرنسي يدل بشكل غير مباشر على أن القرآن الكريم حق، و أن الإ سلام حق، والدليل هو إسلام من اخترنا أن نبجل ونعظم لهذا الغرض . وهذا بحد ذاته مصيبة عقائدية إذ جعلنا إثبات مصداقية كتاب الله ليس منه وفيه وعليه بل رهناً بإسلام الناس أو شهادتهم، ويفضل أن يكون هؤلاء الناس غربيين، وكأن هناك منة على الله ورسوله إذا أسلم هذا أو ذاك " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " ( الحجرات 17 ) أما الباطن، وهو مقصد رجال صيانة التحريف المعاصرين، فهو قبول ما جاء في التوراة من أخبار محرفة متناقضة مع العقل والمنطق بل والقرآن دون نقاش ودون وعي منا وذلك بغية مواصلة مسيرة الإضلال الأممي للمحافظة على المكتسبات وإضافة المزيد إليها.

خلاصة القول أنه لا يوجد ما يستدل به ميدانياً على أن فرعون نفسه ناهيك عن اسم فرعون أو لقب فرعون كان له وجود أصلاً في بلاد القبط أيام موسى علية السلام؟ ! ولو دققت النظر في كل أسماء ملوك القبط منذ نشأة النظام الملكي حوالي سنة 3020 ق .م حين وحد الملك مينا الوجهين إلى سنة 332 ق .م حين انتهى عصر حكم الأقباط باحتلال الإسكندر المقدوني بلاد القبط، فلن تجد لهذا الاسم أدنى إشارة في تراث القبط.

وأخيراً فقد يتبادر إلى ذهن القارئ أن مفردة "فرعون" ربما كانت تعني في ثقافة القبط :
الملك أو الزعيم أو العظيم أو ما شابه من ألقاب . فلعل ذلك يفسر المسّلمات الشائعة في هذا الصدد. ولا بأس أن نعود مرة أخرى إلى التراث القبطي القديم ونبحث عن الألقاب التي كانوا ينُادون بها ملوكهم إذ لم تعد تلك المعلومات حكراً على أحد بل غدت متوفرة لكل من يرومها .
وسنجد بعد البحث أن هناك 5 ألقاباً هي : ( 117 )
1 - حور Horus أو حور Her
2 - نبتي NEBTI
3 - صا - رع SA-RA
4 - حر - نوب HR-NUB
5 - نسو - بيتي NSO-BTO

ولا يضم تراث القبط الملكي غير هذه الألقاب المهيمنة فهل ترى "فرعون" من بينها؟ طبعاً ابتلي المختصون في علوم حضارة القبط بلقب "فرعون" الشهير الذي يقول الناس إنه في بلاد القبط . ومع ذلك فإنهم - أي المختصون - لا يجدون له أثراً لا على الأرض ولا في بطنها ولا في البرديات ولا في الكتابات الحائطية للمعابد والمدافن ! فأخذ المختصون يوضحون أنه لا فرعون في بلاد القبط، وأن شعب القبط لم يناد أحداً من ملوكه قط بهذا اللقب، بل إن هذا اللقب، أي "فرعون"، لا ينتمي إلى التركيبات الصوتية لمقاطع الكلمات القبطية أصلاً؛ أي أنه أجنبي على كلام الأقباط ومنطوق عبارتهم الصوتية، وما هذا اللقب إلا لفظة مستوردة ومحشورة في ثقافة وادي النيل، ولكن ما من مجيب ! وحاول المختصون العثور هنا أو هناك على كلمة قبطية بروتوكولية قريبة من لفظة "فرعون" لعل وعسى يتسنى لهم تفسير مصدر هذه الكلمة اللغز التي لا يجدون لها أثراً في تراث القبط. فتوصلوا بعد جهد جهيد إلى مخرج شرعي يتيم تشبثت به معظم المؤسسات التراثية، وهذا المخرج من اجتهاد جيمس هنري حيث يقول " ..وهكذا وبمرور الزمن أخذ القوم يلقبون الحكومة أولا "بالبيت الكبير" ثم أطلقوا ذلك على الملك . وهذا اللقب تلفظ بالقبطية " بر- عو" ( 118 )وحرفه بعد ذلك الإسرائيليون إلى "فرعون" وبقي مستعملاً كذلك حتى عهدنا هذا . وما أكثر العبارات والمجازات التي كان يستعملها موظفو القصر الفرعوني ( 119 ) في الإشارة إلى مليكهم المقدس" ( 120 ) وبدأ كّتاب كثيرون يتناقلون هذا الرأي منهم ماريا. بارسونس Marie Parsons ولكن مع اختلاف مهم حيث تقول : " .. ويجب التنويه بأن اللقب الشهير "فرعون" والذي يطلق على ملوك القبط ليس كلمة قبطية . بمعنى إن القبطيين لم ينادوا ملوكهم بفرعون حتى عهد متقدم من تاريخ القبط حيث كانوا يشيرون إلى الملك "بالبيت الكبير " وتلفظ "بي - رى أو بي- رعا per-aa " فحورها غير القبطيين من العبرانيين إلى فرعون " ( 121 ) . هنا نجد أن لفظ البيت الكبير عند بارسون هو "بي-رع" وليس "بر- عو " كما لفظه هنري، وذلك أقرب إلى قول زاهي حواس الذي ذكر لفظة "بر- عا " ( 122 ) للدلالة على البيت الكبير . فأين فرعون من بر-عا التي يحتمل العلماء أنها ربما حرفت إلى فرعون لاحقاً . مع ذلك لو وجد القارئ الكريم أن الطرح أعلاه مقبول، أي أن بي - ري أو بر- عو أو بي- رعا هي مصدر اسم فرعون رغم إنه تخمين بحت من العلماء الذين حاولوا التوفيق بين الشائع المبهم والواقع الميداني المحسوس، فنود أن نلفت الانتباه إلى الحقيقة التالية التي نتميز بها نحن أتباع محمد بن عبد الله (ص) لكوننا نهتدي بوحي القرآن، وهي أن مجاز "البيت الكبير " يقابله في تعبيرنا المعاصر الديوان الملكي أو الأميري أو السلطاني أو مكتب الرئاسة أو ما شابه . وما يعنيه ذلك هو أن فرعون تعبير مجازي عن الديوان الملكي الذي من يقصده فهو يقصد صاحبه في الواقع - أي الملك - وإن لم يلفظ اسمه تمجيداً لعلو مكانته وشموخ شخصه وقدسية ساحته . فهل تعتقد أن الله سبحانه وتعالى عندما أمر رسوله موسى عليه السلام بقوله " اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى " ( طه 24 ) كان يعني بذلك اذهب يا موسى إلى الديوان الملكي أنه طغى؟ أم هل المغزى من خطاب الله إلى موسى (ع) بشأن فرعون في كل الآيات السالفة الذكر هو الرجوع إلى شخص هذا الطاغوت وذاته؟ وهل يعقل أنه تعالى انحاز عن ذكر اسم فرعون إلى ذكر ديوانه حفظاً لشموخ هذا الطاغية الذي شاء أن ينسفه على يد رسوله موسى (ع)؟ هل ينادي الله تعالى رسوله باسمه المجرد "موسى" وينادي الطاغوت بتعبير مجازي يوحي بالتعظيم؟ إذن، فإن هذا الطرح مرفوض على ضوء هدى القرآن ولا يستقيم عقلاً ولا منطقاً ناهيك عن أن اللفظ يختلف عن فرعون أصلاً ، وما جاء العلماء بهذا المخرج اليتيم إلا خضوعاً لمسّلمة مشاعة لم يجدوا لها أصلاً على الميدان ورغبةً في التخلص من الضغط المتزايد عليهم من الناس المطالبين بضرورة تعيين فرعون موسى من بين ملوك الأقباط . فإذ لم يجد العلماء لفرعون موسى أثراً في بلاد الأقباط فإنهم عمدوا إلى هذا المخرج المبتور.

وللمزيد من البراهين على عدم وجود فرعون ولا فراعنة بالقبط، دعنا نتفحص معاً ترجمات المتون الهيروغليفية بأنفسنا والتي تمكن علماء الألسن القديمة من فك شفرتها في القرون القليلة الماضية . فهل نجد فيها ما يدلّ على فرعون لفظاً؟ فهذا الأستاذ حسن صابر في كتابه متون مصر قام بترجمة متون الأهرام، وهي مجموعة النصوص التي وجدت مكتوبة باللغة القبطية القديمة وبالخط الهيروغليفي في غرفة الدفن والغرف المجاورة في تسعة من أهرامات المملكة القديمة في الفترة 2375 - 2181 ق . م إلى جانب أحد أهرامات العصر الوسيط الأول في الفترة 2181 - 2055 ق . م فلو قرأت كل المتون الواردة في الكتاب والبالغة 759 متناً، لن تجد أي ذكرٍ لفرعون ولا فراعنة . بل تجد الملك، حور، بيبى أو تيتي وغيرها من نعوت وأسماء الملك المتوفى. فهل يكفي هذا لإثبات أنه لم يكن هناك فرعون ولا فراعنة في القبط؟ ولمزيد من التحقيق يمكن الاطلاع على اللفظ القبطي نفسه . بمعنى أن نستمع أو نقرأ اللغة القبطية القديمة لفظاً ومن ثم نتفحص ما إذا كانت هناك لفظة فرعون في اللغة القبطية القديمة أم لا . وتجد في الجدول التالي نموذجاً لترجمة مقتبسات من اللوحتين 347 و 364 من متون نصوص الأهرامات بالعربية، ويرد فيها ذكر ملك القبط بمسمى تيتي
وآخر باسم حور ( 123 ) وتجد في المقابل اللفظ القبطي ( 124 ) للمقتبس مكتوباً بالإنجليزية وتركناه دون تعريب لأمانة النقل اللغوي.

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/31580.jpg

خلاصة القول أّنه لم يكن هناك قط وجود لكلمة فرعون ولا فراعنة في بلاد القبط التي ندعوها اليوم بجمهورية مصر العربية، ولا ينبغي لذلك أن يكون، وفقاً لنص القرآن الذي كشف لنا أن فرعون ادعى ملكية مصر وليس القبط . ونكاد نجزم أن تراكم الآثار والأدلة الميدانية العلمية عبر العقود القادمة سوف تدفع لا محالة العلماء المنصفين إلى التكتل وإعلان هذه الحقيقة للعالم قاطبة، وسوف يتسابق بعضهم لنيل السبق في الإعلان عن أكبر وهم عاشته الإنسانية. وما أن يستقر هذا الاكتشاف في وعي العالم الحر بعد عناء المقاومة الكارهة للحق، عندها كعادتنا سوف نعلن نحن المسلمون لأنفسنا وللعالم أن ذلك ليس بسبق، بل قد جاءت دلالته في القر آن الكريم قبل 1400 سنة. وستجد حينئذ المقالات والمحاضرات تتكاثر بين الناس معلنةً أن "القرآن صحيح، كما أثبت العلم "! فقد اعتدنا أن نجعل القر آن الكريم مؤشراً على صحة الاكتشافات لا هادياً إليها في حين ينبغي له أن يكون هو منبع كل حقيقة واكتشاف . ولكن أنّى له أن يكون كذلك وهو مكبل بمفاهيم الرجال السالفين.


يتبع

تساؤلات حول التشويش التاريخي

ياسر آل حسن
10-07-2008, 02:05 PM
تساؤلات حول التشويش التاريخي

لقد تبين لك عزيزي القارئ أن جمهورية مصر العربية لم تكن "مصراً " بل كانت "القبط" وأن شعبها لم يكن "المصريين" وإنما الأقباط، وأن حكامها لم يكونوا فراعنة وإنما ملوك. وقد سبب غياب هذه الحقائق إرباكاً انعكس حتى على كتابات المؤرخين الذين حاروا في حقيقة الأمر . فعلى سبيل المثال تحير ابن كثير في جنسية هاجر وأم المؤمنين مارية .
فهناك واقع ملموس ينسبها إلى بلاد القبط وهناك ثقافة مبهمة ولكن مهيمنة تنسبها إلى بلاد مصر. فما كان منه إلا أن نعتهما في بعض الحالات بصيغة "هاجر القبطية المصرية " ( 125 ) و"ماريا القبطية المصرية " ( 126 ) وهذا لحل إشكال وتناقض ابتلي به العرب القدماء ولا يعرف مصدره. ولا نرى هذه الجنسية الثنائية حلاً للتناقض بل استسلاماً للمشاع وهروباً من شواهد تشير إلى حدوث جريمة تزويرٍ للحقائق في التاريخ القديم وليس مجرد الانتماء لبلاد تحمل اسمين كما أشيع بين الناس حتى اليوم . فنحن الآن أمام عدة تساؤلات، من ضمنها ما حكاية هذه الثقافة المشاعة العالمية المنافية للحقيقة؟ من تسبب فيها؟ ومن عبث بالحقيقة وحولها إلى وهم أممي عالمي واسع الانتشار؟ ما هي مصلحة هذا العابث؟ وهل من تبعات لهذا الوهم الذي نعيش آثاره حتى اليوم؟ وأين تقع مصر القرآن إذن؟ ومن هو فرعون؟ وهل البحث عنه سوف يكشف المزيد من الأوهام في مفاهيمنا وثقافتنا التي كنا نحسبها محكمة؟ وأين كان موسى عليه السلام إذن؟ وأين كان يوسف وأبوه يعقوب عليهما السلام الذين يقول القرآن إنهما ذهبا إلى مصر؟ وأين كان بنو إسرائيل ؟ ومتى تغير اسم بلاد وادي النيل العريق من القبط إلى مصر كما بات معروفاً اليوم ، وتحول بذلك شعب وادي النيل من الأقباط إلى "المصريين"؟ مع العلم أن القبط هو اسم بلاد وادي النيل حتى عهد رسول الله (ص) كما أكد لنا المقوقس في رد كتابه لرسول الله (ص). هل جاءت سلطة أخرى إلى بلاد وادي النيل في الحقبة التي تلت الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي واستوطنت البلاد وغيرت اسمها من قبط إلى مصر
فغدا بذلك الأقباط يعرفون "بالمصريين" حتى يومنا هذا؟ هذا ما سوف نطلع عليه في الفصلين التاليين.

ملخص الفصل

1 - إن مصر القرآن ليست هي جمهورية مصر العربية كما هو مشاع بين المسلمين اليوم . فلا يوجد دليل مادي يربط فرعون أو أحداً من الأنبياء عليهم السلام عد ا نبي الله إدريس (ع) ببلاد القبط التي غدت في عهود متقدمة تعرف بمصر؛

2 - إن اسم جمهورية مصر العربية العريق حسب ما أطلقه عليها سكان الوادي الأصليون كان دوماً "قبط" كما تُلفظ باللسان العربي، وكبتو (Kopto) كما تُلفظ باللسا ن الفينيقي القديم (الإغريقي)، وإجبت (Egypt) كما تُلفظ باللسان اللاتيني. ولم تكن بلاد وادي النيل تُعرف بين سكان أهلها بمصر أبداً، وكذلك بقي الحال حتى أيام خاتم المرسلين (ص)؛

3 - إن الأقباط لم يلقبوا ملوكهم بفرعون أو فراعنة . فهذا الاسم أو اللقب غريب على ثقافتهم
وغريب على ألفاظهم؛

4 - إن فرعون لم يكن أحد سكان القبط قط؛

5 - إن موسى عليه السلام لم يكن ببلاد القبط قط؛

6 - إن بني إسرائيل لم يكونوا من سكان القبط؛

7 - إنه لا يوجد "فراعنة" أصلاً بل هو "فرعون "واحد فقط.

الهوامش :

1 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 1, ص 38

2 - البخاري، الصحيح، ج 1، ص 35

3 - الربيع بن حبيب الأزدي البصري، مسند الربيع، ج 1، ص 365

4- The Book of Mormon : I Nephi : 15 ( (كتاب مورمون المقّدس 15:14
http://www.2think.org/hundredsheep/annotated/inep15.shtml

5- BOOK OF MORMON-Another Testament of Jesus Christ- http://scriptures.lds.org/bm/contents

6- What is the Book of Mormon About?
http://www.mormonchallenge.com/bomabout.htm

7- Mormonism's History http://www.carm.org/lds/beginning.htm

8- Joseph Smith and the Gold Plates- http://www.hismin.com/gold_plates.htm

9 - Church of Jesus Christ Latter-day Saints –Utah، USA - http://www.lds.org/

10 - THE BOOK OF ABRAHAM TRANSLATED FROM THE PAPYRUS، BY JOSEPH SMITH http://scriptures.lds.org/abr/contents

11- Church of LDS - FACSIMILE FROM THE BOOK OF ABRAHAM
http://scriptures.lds.org/abr/fac_1

12- The Book of Abraham Papyri and Joseph Smith - http://www.carm.org/lds/ldspapyri.htm

13 - Mormons in Transition http://www.irr.org/mit/pjs1.html

14- Book of Abraham Hoax - http://www.foxgrape.com/deveria.htm

15-Fall of the Book of Abraham http://www.utlm.org/onlineresources/fallofbookabraham.htm

16- Mormons in Transition http://www.irr.org/mit/boamss1.html

17- The Book of Abraham Revisited- http://www.xmission.com/~research/about/abraham.htm

18 - Mormons in Transition http://www.irr.org/mit/Lamanites-DNA-Book-of-Mormon.html

19 - USA Today - http://www.usatoday.com/news/religion/2004-04-26-mormon-usat_x.htm
20- Church Growth-Roger Loomis: http://www.lds4u.com/growth2/Index.htm

21- The Book of Mormon : I Nephi : 18 ( (كتاب مورمون المق  دس- 18:25
http://www.2think.org/hundredsheep/annotated/inep18.shtml

22- National Master Encyclopedia -http://www.nationmaster.com/encyclopedia/Pharoah

23 - في هذا البحث ترد مفردة "أمي وأميين" دوماً بمعني الفرد أو الأمة غير الكتابية وليس بالمعنى الشائع المراد به من لا يفقه الكتابة والقراءة. فكل من يهتدي بعلوم السماء عن طريق اتباع أحد المرسلين فهو كتابي وكل من يهتدي بعلوم تلقفها من أمه وأبيه فحسب فهو أمي.

24- The Bible Unearthed : Archaeology's New Vision of Ancient Israel and the Origin of Its Sacred Texts- by Neil Asher Silberman، Israel Finkelstein
:1999/11/ -25 زئيف هرتسوغ، علم الآثار يكشف زيف الحق التاريخي "الإسرائيلي"، هآرتس 28
http://216.239.59.104/search q=cache:gwceSXuBu30J:www.moqawama.net/arabic/articles/zaif.htm

-26 تجد هنا قائمة بعينة من هذه الكتب:
· Who Wrote the Bible? by Richard E. Friedman
· Who Were the Early Israelites and Where Did They Come From? by William G. Dever
· Who Wrote the New Testament? : The Making of the Christian Myth by Burton L. Mack
· What Did the Biblical Writers Know and When Did They Know It?: What Archaeology
Can Tell Us About the Reality of Ancient Israel by William G. Dever
· The Early History of God: Yahweh and the Other Deities in Ancient Israel (Biblical
Resource Series) by Mark S. Smith
· 101 Myths of the Bible: How Ancient Scribes Invented Biblical History by Gary Greenberg

27 - بيير روسي، مدينة إيزيس - التاريخ الحقيقي للعرب، ص 53

28 - كمال الصليبي، التوراة جاءت من جزيرة العرب، ص 50

29 - محمدي الريشهري، ميزان الحكمة، ج 3 ، ص 2620

30 - الترمذي، السنن، ج 3، ص 246

31 - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 309

32 - الشيباني، الكامل في التاريخ، ج 1، ص 143

33 - الشيباني، الكامل في التاريخ، ج 1، ص 131

http://www.ibs.org/bibles/arabic : -34 سفر أشعياء 19 ، دار الكتاب المقدس الدولية

http://www.ibs.org/bibles/arabic : -35 سفر التكوين 41 ، دار الكتاب المقدس الدولية

36 - ينقل الحميري "إن أسبانيا كانت تعرف بلغة الإغريق بأشبانيا" – الحميري، الروض المعطار في خبر الأقطار ، ص 30

37 - محمد اللواتي، رحلة ابن بطوطة ، ج 1 ، ص 57

38 - كانت أسبانيا تلفظ أشبانيا على بعض الألسن بسبب تبادل حرف السين والشين في اللغة العربية القديمة.

39 - المتقي الهندي، كنز العمال، ج 5، ص 759

40 - الزيعلي، نصب الراية، ج 6، ص 564 ؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 2، ص 383

41 - أحمد بن حنبل، المسند، ج 1، ص 263

42 - ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، ج 2، ص 296

43 - اليوسفي، موسوعة التاريخ الإسلامي، ج 1، ص 573

44 - موقع الإسلام، المملكة العربية السعودية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد
؛islam.com/map-pic.asp?f=pica5
http://www.khayma.com/fahad1390/din/sirh/4.htm : وأنظر أيضاً

45 - وهذا مثال آخر على حجم الخسارة التي يمكن للمتناقل المشاع غير القائم على دليل أن يلحقها بصاحبه. فهنا نجد أن المقوقس على علم بخروج نبي، ووصله وكاتبه هذا النبي الموعود إلا أن شيوع ظهوره بالشام في ذلك الزمان حرم المقوقس وغيره من نعمة اتباع خاتم المرسلين.

46 - الأحمدي الميانجي، مكاتيب الرسول، ج 2، ص 424 ؛ محمد بن سعد، الطبقات الكبرى، ج 1، ص 260

47 - http://www.alwaraq.com : المقدسي، أحسن التقاسيم، ج 1، ص 175 . موقع الوراق

48 - المقرزي، المواعظ والاعتبار، ص 61

49 - جمال الدين الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج 1، ص 18

50 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 1, ص 369

51 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 1, ص 388

52 - مانيتو هو مؤرخ وكاهن سمنودى عاش أيام بطليموس الأول والذي حكم مصر من سنة 305 إلى سنة 285 ق.م. جيمس هنري برستد, تاريخ مصر, ص 17

53 - جيمس هنري برستد, تاريخ مصر, ص 561 :
Digital Egypt http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/chronology/

54 - خارطة العالم القديم للرسام الأسباني (Beato di Liebana ) أصدرها في القرن الثامن أي قريباً من عهد الرسول (ص) وتم نسخه في حوالي سنة 1060 م Gianni ,The Discovery of the Nile –Guadalupi- map 31

55 - جيمس هنري برستد ، تاريخ مصر، ص 18

56 - موقع مصر القديمة : http://www.geocities.com/wally_mo/why_egypt.html

57 - Wisdom of the Egyptians- Brian Brown، p 5 ،New York: Brentano's [1923]- http://www.sacredtexts.com/egy/woe/woe00.htm

58 - تحوير اللفظ من كمت أو كيمت إلى خام يسهل على مروجي الطرح اليهودي دفع اللفظ باتجاه "حام" وهو ابن نبي الله نوح (ع) ليثبتوا أن شعب بلاد وادي النيل (حسب تقسيم كّتاب التوراة لأعراق الناس) حامي وليس سامي وذلك بسبب وجود ذكر حام كاسم لبلاد وادي النيل كدليل تاريخي على طرحهم. وهذا اللفظ أي خام جاء في كتاب إبراهيم لمؤلفه جوزيف سميث وبدأ يشق طريقه في كلام المثقفين الغربيين.

59 - The Origin of the Word, "Egypt" by Nermin Sami and Jimmy Dunn
http://www.touregypt.net/featurestories/kmt.htm.

60 - A Look into David Persuitte's Analysis of the Book of Abraham-by Kerry A. Shirts
http://www2.ida.net/graphics/shirtail/bookof.htm

61 تنفرد أدبيات الدولة الفاطمية بهذا التعبير في التراث العربي، من قبيل"...عثرت من رجال التواضع الخلقي بجماعة في مصر المحروسة وصحبتهم ، وانتفعت بصحبتهم ، منهم شيخ الإسلام الشيخ نور الدين والطرابلسي والحنفي والشيخ..." هذا كما جاء في العهود المحمدية للشعراني، ص 492

62 - The Origin of the Word، "Egypt"-by Nermin Sami and Jimmy Dunn :
http://www.touregypt.net/featurestories/kmt.htm & The Origin of the Name، "Egypt"
http://www.geocities.com/wally_mo/why_egypt.html

63 - الشعراني, العهود المحمدية، ص 402

64 - The Ancient Egypt site
http://www.ancientegypt.org/language/titulary/index.html#Prenomen

65 - موسوعة حكام مصر:
http://www.rainbownet.com.eg/koll%20masry/Egypt%20Governor/Default.htm#7

66 - على سبيل المثال، وبعد أكثر من 200 سنة، أعاد شعب الهند مؤخراً اسم عاصمتهم إلى صيغته القديمة "مومباي" وذلك بعد أن غيره الإنجليز أثناء الاحتلال إلى بمبي.

67 - جيمس هنري برستد، تاريخ مصر، ص 146

68 - يذكر ابن أبي أصبعة أن إضافة حرف السين عند اليونان هو أشبه بالتنوين في اللسان العربي"..قال حدثني ابن غاثون المطران بشوبك وإنه أعلم أهل زمانه بمعرفة لغة الروم القديمة وهي اليونانية إن في لغة اليونان كل ما كان من الأسماء الموضوعة من أسماء الناس وغيرهم، فآخرها سين مثل جالينوس وديسقوريدس وإنكساغورس وأرسطوطاليس ديوجانيس وأريباسيوس، وغير ذلك، وكذلك مثل قولهم قاطيغورياس وباريمينياس، ومثل أسطوخودس، وأناغالس، فإن السين التي في آخر كل كلمة حكمها في لغة اليونانيين مثل التنوين في لغة العرب الذي هو في آخر الكلمة، مثل قولك
زيدٌ وعمرٌ وخالدٌ وبكرٌ وكتابٌ وشجرٌ، فتكون النون التي تتبين في آخر التنوين مثل السين في لغة أولئك"- ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص 70

69 - 69-Akhet http://www.philae.nu/akhet/Nomes.html& The Nomes (Provinces) of Ancient Egypt
:http://www.touregypt.net/featurestories/nomes.htm & THE NOMES OF EGYPT:
http://www.coinsofromanegypt.org/html/library/petrie/petrie_nomes.htm & Map of Egypt - Ancient &
Modern Site Names http://www.kendall-bioresearch.co.uk/egyptmap.htm & The house of life http://www.philae.nu/PerAnkh/mappage.html

70 -
Map of Egypt - Ancient & Modern Site Names http://www.kendall-bioresearch.co.uk/egyptmap.htm.

71 - nome (Egypt) – Wikipedia http://www.answers.com/topic/nome-egypt

72 - Writing in Egypt under Greek and Roman Rule
-http://scriptorium.lib.duke.edu/papyrus/texts/rule.html

73- Henry davis- http://www.henry-davis.com/MAPS/AncientWebPages/106D.html

74- وهناك من يعتقد أن هذا الاسم مشتق من (Ht-ka-Ptah) هات – كا – بتاح الوارد ذكره مسبقاً. ولكن لم نجد طرحهم هذا مقنعا لما يحوي من تكلف ولي للحروف لكي تنتهي بلفظ إجيبتوس. ويمكن للقارئ الكريم أن يرجع لعدة مصادر تتبن ى هذا الطرح بعد أن فشلوا في تحديد منشأ اسم إجبتوس الملازم لوادي النيل منذ القدم. ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
EGYPTIAN LOAN-WORDS IN ENGLISH- Aayko Eymahttp://
www.geocities.com/TimesSquare/Alley/4482/AEloans.html

75 - Henry Davis Consulting http://www.henry-davis.com/MAPS/AncientWebPages/118.html

76-Henry Davis Consulting http://www.henry-davis.com/MAPS/AncientWebPages/109.html

77- Antique Maps http://www.helmink.com/Antique_Map_Gastaldi_Ptolemy_Egypt

78- The Discovery of the Nile-Guadalupi- map 44

79 - اليعقوبي, تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 189

80 - الحموي, معجم البلدان، ج 5، ص 139

81 - حسين مؤنس, أطلس تاريخ الإسلام، ص 17

82 - رغم أن اسم فارس اليوم استبدل باسم قديم أخر هو إيران إلا أن اسم فارس مازال يستخدم إلى اليوم لنعت الإقليم الجنوبي الساحلي لجمهورية إيران الإسلامية حيث لا يزال يسمى رسميا بإقليم فارس كما أن العالم الغربي لا زال يدعوا الخليج العربي باسم خليج فارس.

83 - المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 183

84 - أبو محمد اليافعي، مرآة الجنان، ج 3، ص 43 ؛ صديق القنوجي، أبجد العلوم، ج 2، ص 265 ؛ محمد بن أحمد، سير أعلام النبلاء، ج 17 ، ص 319

85-Papyrus of Ani http://web.ukonline.co.uk/gavin.egypt/papyrus.htm

86 - للتعرف على أهمية الأساطير كنظام لتعليم الشعوب يرجى الرجوع لبحث: الأسطورة- توثيق حضاري، جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية.

87- Legends of the Gods-The Egyptian Texts، edited with Translations- p220- E. A. Wallis Budge-
[1912]. http://www.sacred-texts.com/egy/leg/leg42.htm

88- Temple Ruins In and Near-Qift and Qus by John Watson
http://www.touregypt.net/featurestories/qiftkoptos.htm

89- http://www.koptos.com/background_information.htm

90-Digital Egypt for Universities http://www.digitalegypt.ucl.ac.uk/koptos/index.html

91 - Ancient Egypt Mythology http://www.egyptianmyths.net/mythbookthoth.htm

92 - THE BOOK OF THE DEAD-E. A. WALLIS BUDGE-[1895]- http://www.sacredtexts.com/egy/ebod/

93- Coins of Roman Egypt - http://www.coinsofromanegypt.org/html/topics/maps/danville.htm

94- The Origins Of Greek Tragedy - Dance And Theatre http://www.oldandsold.com/articles06/dance-

16.shtml & Egypt the Birthplace of Greek Decorative Art." by Amelia Ann Blanford Edwards (1831-
1892)
Publication: Pharaohs Fellahs and Explorers. by Amelia Edwards. New York: Harper & Brothers،
1891. (First edition.) pp. 158-192. -
http://digital.library.upenn.edu/women/edwards/pharaohs/pharaohs-5.html & Egypt: origin of the
Greek culture- Philip Coppens - http://www.philipcoppens.com/egyptgreece.html

95 - أوردها المؤرخ الإغريقي "هومر" (Homer) في ملحمته الاوديسية (Odyssey)

96 - The free dictionary http://encyclopedia.thefreedictionary.com/Danaus

97 - جمال الدين الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج 1، ص 61

98 - جمال الدين الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج 1، ص 61

99 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 2، ص 74

100 - College of Charleston http://www.cofc.edu/~piccione/graphics/kinglist.html

101 - سفر التكوين 41 - دار الكتاب المقدس الدولية : http://www.ibs.org/bibles/arabic

102 - الشريف الرضي، نهج البلاغة، ج 2، ص 188

103 - الطبري ، ذخائر العقبى، ص 156

104 - الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج 2، ص 553

105 - ابن حبان، الصحيح، ج 15 ، ص 68 ؛ ابن حنبل، المسند، ج 5، ص 174 ؛ الزبيدي، تاج العروس، ج 5، ص 203مسلم، الصحيح، ج 7، ص 190

106 - البيهقي، السنن الكبرى، ج 9، ص 206 ؛ المتقي الهندي، كنز العمال، ج 11 ، ص 368

107 - ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، ج 1، ص 173

108- Exodus Date Testifies of Christ-by John P. Pratt
http://www.johnpratt.com/items/docs/lds/meridian/2003/exodus.html#2

109- Parthenon Graphics History Timeline Posters http://chaos1.hypermart.net/old/tot.html

110 - موسوعة حكام مصر القديمة والمعاصرة:
http://www.rainbownet.com.eg/koll%20masry/Egypt%20Governor/Default.htm#6
وأيضاً
الحضارة المصرية :
http://www.geocities.com/egyptianempires/kings.htm

111 - جيمس هنري برستد، تاريخ مصر، ص 558

112 - مختار السويفي، أم الحضارات، ج 1، ص 143

113 - فراس السواح، الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، ص 198

114 - زاهي حواس "أسرار الفراعنة "، محاضرة، مركز الشيخ إبراهيم الخليفة الثقافي، المحرق : مملكة البحرين، ابريل 2005

115 - زاهي حواس "رمسيس الثاني هل هو فرعون موسى؟" مقابلة، جريدة الأيام، مملكة البحرين، العدد 5916 ، تاريخ22 مايو 2005

116 - من صور الإعجاز العلمي في القرآن الكريم :
http://www.islamiyyat.com/eigaz.htm

117 - الحضارة المصرية- اسم الملك وألقابه:
http://www.geocities.com/egyptianempires/logos.htm & Egyptology- Pharaoh's Royal Nameshttp://
www.egyptologyonline.com/royal_names.htm & Royal Titles for Kings of Egypt-By Marie
Parsons-http://www.touregypt.net/featurestories/titles.htm.

118 - نقل برستد ترجمة per-aa إلى بر-عو في كتابه تاريخ مصر بينما الترجمة السليمة هي بر-عا كما جاء في مصادر أخرى منها هذا الموقع: الحضارة المصرية- اسم الملك وألقابه:
http://www.geocities.com/egyptianempires/logos.htm

119 - لاحظ أن هنري يصحح خطأ شائعا تسبب به اليهود حسب قوله وفي نفس الوقت هو يستخدم نفس المفردة التي يخطئها وهو من باب الانسياق وراء الشياع بعد أن تحول لثقافة وما أكثر ما تقرأ هذا النوع من التناقض في كتابات المتكلمين بهذا الشأن.

120 - جيمس هنري برستد، تاريخ مصر، ص 84

121- Royal Titles for Kings of Egypt-By M. Parsons-
http://www.touregypt.net/featurestories/titles.htm

122 - زاهي حواس "رمسيس الثاني هل هو فرعون موسى ؟" مقابلة، جريدة الأيام، مملكة البحرين، العدد 5916 ، تاريخ 22 مايو 2005 ؛ وانظر:
Egyptology online:
http://www.egyptologyonline.com/pharaohs.htm.

123 - حسن صابر، متون الأهرام المصرية القديمة، ص 187 ، ص 196

124 - Pyramid Texts:
http://www.pyramidtexts.com/utterance347.htm
&Pyramid Texts :
http://
www.pyramidtexts.com/utterance364.htm

125 - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 175

126 - ابن كثير، قصص الأنبياء، ج 1، ص 198

ياسر آل حسن
27-07-2008, 09:05 PM
سوف نتناول في الفصل الثاني ما يلي :

من حّرف تراث العرب؟

هل حقا فتح المسلمون مصر؟

كيف نشا اسم مصر بجمهورية مصر العربية؟

تمصير الأمصار

جذور الخلل و الشياع الخاطئ القديم

التوراة السبعونية - "نْ * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ\

تبعات جريمة إسقاط أرض مصر على مملكة القبط العظمى

تأثير الثقافة المحّرفة على الأمم العالمية-"السبعونيات" المعاصرة

خلاصة الفصل الثاني

فإلى الملتقى عما قريب :)

ياسر آل حسن
28-07-2008, 12:46 AM
الفصل الثاني

من حرف تراث العرب؟

لازلنا نبحث عن هوية فرعون الحقيقية، حيث لم نصل إلى نتيجة بهذا الشأن بعد ولكننا عازمون على مواصلة البحث حتى تتبلور لنا حقيقته . بيد أننا اصطدمنا بعدة مفاجآت في تحقيقنا واكتشفنا أوهاماً كنا نحسبها مسّلمات . لقد تبلورت لنا حقائق عدة أثناء رحلتنا الجغرافية التاريخية للبحث عن هوية فرعون موسى، وعلمنا أن ثقافتنا العامة كمسلمين يعتريها الكثير من اللبس والوهم، وأن الكثير من الأمم وخاصة الكتابية منها، تلتقي معنا في نفس هذه المفاهيم الخاطئة المزيفة . بيد أن خطورة هذا الوهم المستشري مهما اشتدت لا تبلغ خطورة تبعاته التراكمية الكارثية، وهو ما يجعل من المتعذر علينا تجاهل مسببات شيوع هذا الوهم الأممي أو عدم الاكتراث بها . ومن هذا المنطلق يتوجب علينا أن نواصل السير قدماً في البحث عن هوية فرعون الحقيقية، وهو ما جعلنا نخصص هذا الفصل للنظر في أسباب هذا الوهم القائم ومسبباته قبل أن نواصل رحلتنا لتقصي أصل فرعون وفصله، فمن يدري لعل المزيد من المفاجآت ينتظرنا.

هل حقا فتح المسلمون مصر؟

في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض) وفي سنة 20 هجرية تح ديداً، منّ الله تعالى على المسلمين بفتح "مصر" التي ندعوها اليوم بجمهورية مصر العربية . ذلك ما تورده مجمل كتب التاريخ العربي على مر الحقب السالفة إلى يومنا هذا مع اختلافات طفيفة فيما يتعلق بتحديد سنة الفتح . وهذا ما ندرسه أبناءنا في المدارس حيث جاء هذا الفتح بعد فتح الشام مباشرة كما تنقل كتبنا التراثية . ولكن بناءً على ما سبق تفصيله في الفصل الأول فإننا لم نتعرف ميدانياً على منطقة أو إقليم أو مدينة أو قرية أو كور تدعى "مصر" في بلاد القبط لا قبل ملوك القبط ومملكاتهم ولا أثناءها ولا أيام الاحتلال الفارسي والإغريقي والروماني! فأين تقع "مصر" التي فتحها المسلمون إذن والتي ورد اسمها بكتب التاريخ العربية؟ وأي أرض عرفها أجدادنا على أنها أرض "مصر" التي فتحوها ميدانياً؟ لا بد من الإجابة على هذه الأسئلة كي يتسنى لنا التدقيق في مسمى هذه الأرض التاريخي والتيقن في ما إذا كانت هي فعلا مصر التي ادعي فرعون ملكيتها في زمانه، ومن ثم نخلص إلى تحديد جنسية فرعون القديمة والأرض التي كان فيها بنو إسرائيل وبالتالي يتسنى لنا تحديد معالمها في عهدنا المعاصر .

ولكي يتسنى لنا تحصيل مرادنا، لا بد لنا أن نمتطي الجياد مع جنود المسلمين تحت إمرة القائد عمرو بن العاص ونرافق جيش المسلمين كفرقة كشافة في رحلتهم من الشام إلى بلاد القبط التي كان المسلمون يدعونها آنذاك "بمصر". والهدف من مواكبتنا لهذه الكتيبة هو معرفة أي أرض تحديداً كان يسميها المسلمون "مصر" آنذاك، وهل كان هذا الإسم يطلق على قرية أم مدينة أم وادي أم إقليم؟ ومن ثم علينا أن نسأل قاطنيها الأقباط عن الاسم الحقيقي للأرض التي يسميها المسلمون الفاتحون مصراً . فلعلنا أغفلنا أرضاً ما كان يعرفها المسلمون بهذا الاسم، ومن ثم امتدت التسمية لاحقاً لتشمل كلَّ الأراضي التي نعرفها اليوم بجمهورية مصر العربية. ومن هنا نبدأ رحلتنا التراثية.

أرخ اليعقوبي والحموي هذه الرواية التي تورد نص مكاتبات وحوارات بين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض) وعمرو بن العاص مباشرة بعد فتح الشام :
" ..ووجه عمرو بن العاص فقال له : يا أمير المؤمنين تأذن لي في أن أصير إلى مصر، فإنا إن فتحناها كانت قوة للمسلمين، وهي من أكثر الأرض أموالا، وأعجزه عن القتال، ولم يزل يعظم أمرها في نفسه، ويهون عليه فتحها، حتى عقد له على أربعة آلاف كلّهم من عك، وقال له :
سيأتيك كتابي سريعاً ، فان لحقك كتابي آمرك فيه بالانصراف عن مصر قبل أن تدخل شيئاً من أ رضها، فانصرف، فإن دخلتها ثم جاءك كتابي فامض، واستعن بالله . وسار عمرو مسرعاً، فلما كان برفح، وهي آخر عمل فلسطين، أتاه رسول عمر ومعه كتاب، فلم يفض الكتاب، ونفذ حتى صار إلى قرية بالقرب من العريش، وقرأ الكتاب، ثم قال : من أين هذه القرية ؟ قالوا : من مصر ! قال: فإن أمير المؤمنين أمرني إن أتاني كتابه ، وقد دخلت شيئاً من أرض مصر أن أمضي لوجهي وأستعين بالله ، حتى أتى الفرما.." 127

وبالنظر إلى خريطة الإدريسي (الخريطة رقم 9) نجد أن العريش هي أقرب إلى حدود فلسطين الغربية مما يلي غزة الفلسطينية . وحين أُجيب ابن العاص بأنه في إحدى قرى "مصر"، وهي قرية العريش البعيدة عن نهر النيل حيث تجمعات المدن الرئيسية والقرى المترامية على طول نهر النيل، فإن ذلك يعني، إن صحت هذه الرواية، أن مصر في الوعي المعرفي لابن العاص والمجيب عليه هي أرض شاسعة مترامية الأطراف شبيهة بما هي عليه اليوم تخضع لسلطة سياسية واحدة، أي أنها مملكة أو دولة أو بلد محتلٌ من دولة عظمى . ولا بد أن هذه السلطة كانت قائمة ضمن حدود سياسية معروفة سالفة لعهد ابن العاص، وأنها قد بسطت نفوذها من المركز، المحاذي لنهر النيل، إلى الأ طراف حيث العريش واشتهر بذلك اسم هذه المملكة للعالم فعرف بذلك حدودها العرب وغير العرب . بيد أننا أوضحنا سابقاً أنه لم توجد أي سلطة احتلت أو استوطنت بلاد القبط خلال فترة زمنية طويلة سابقة لعهد الإسلام
غير الأقباط والأوربيين من يونان ورومان . كما بينا أن هذه القوى السياسية التي هيمنت على هذه الأرض لم تُطلق قط اسم "مصر" ولا أي اسم قريب منه على حدود مملكتها أو الأراضي التي احتلتها . وعلمنا أن الاسم الذي أطلقه أول شعب سكن هذه الأرض منذ القدم إلى أن وطأت أ قدام المسلمين العرب أرضها هو القبط (Copto) أو اكبتو، والذي تحول على ألسن الأوربيين إلى "إگبت" (Egypt) ، (Egyptous) . فعلى أي أساس حدد المسلمون في ما بينهم وهم بالعريش حدود بلاد "مصر" وهم في بلاد القبط رغم أنهم لم تكن بعد بيدهم السلطة لتغيير اسم البلاد إلى هذا الاسم الجديد؟ ذلك وحده يكفي لتفنيد الأرضية التي اعتمدها المسلمون لترسيم حدود "مصر". ولكننا سنواصل الرحلة حتى نقطع الشك باليقين.

ينقل الحموي أنّه بعد وصول المسلمين إلى العريش فإنهم تحركوا منها إلى الفرما
" ... فكان أول موضع قوتل فيه الفرما قتالا شديداً نحو شهرين ففتح الله له وتقدم لا يدافع إلا بالأمر الخفيف حتى أتى بلبيس فقاتلوه بها نحواً من الشهر حتى فتح الله عز وجل له ثم مضى لا يدافع إلا بأمر خفيف حتى أتى أم دنين وهي المقس فقاتلوه قتالاً شديد اً نحو شهرين.." ( 128 )
حتى الآ ن لم يرد ذكر أرض محددة تدعى ميدانيا بمصر، ولكن الاسم يبدأ بالظهور في المعركة التالية كما ينقل ابن كثير وجمال الدين الأتباكي من المؤرخين، حيث نقرأ المقولة التالية التي تشير إلى وجود مصر بالقبط وأن لها باباً أيضاً " ...قالوا لما استكمل عمر والمسلمون فتح الشام بعث عمرو بن العاص إلى مصر وزعم سيف أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس و أردفه بالزبير بن العوام وفي صحبته بشر بن أرطاة وخارجة بن حذافة وعمير بن وهب الجمحي فاجتمعا على باب مصر فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأسقف أبو مريم في أهل الثبات بعثه المقوقس صاحب إسكندرية لمنع بلادهم ..." ( 129 )
فهل يمكننا القول إننا قد وقعنا أخيراً على ما كنا نبحث عنه؟ كلا، فهناك من المؤرخين من يطلق اسماً آخر على هذه الأرض التي لها بوابة تُعرف بباب مصر . فالطبري والحموي وغيره يصفون الموقع وصفاً مغايراً يزيح مسمى "باب مصر " من الصورة تماماً كما نقر أ في هذا المقتبس :

" ..خرج عمرو بن العاصى إلى مصر بعد ما رجع عمر إلى المدينة حتى انتهى إلى باب اليون واتبعه الزبير فاجتمعا فلقيهم هنالك أبو مريم جاثليق مصر ومعه الأ سقف..." ( 130 )
واليون هذا هو واقعاً أحد أسماء حصن بابليون. فالأحداث التي ورد ذكرها تتطابق مع حصن بابليون الشهير وهذا ما أوضحه الحموي حيث يقول "..اليون بالضم ثم السكون وآخره نون باب اليون ويقال بابليون وهو أصحهما لأ نهما يحملهما اسم واحد وقد ذكر في بابه وهو حصن كان بمصر فتحه عمرو بن العاص وبنى في مكانه الفسطاط وهي مدينة مصر اليوم." ( 131 ) فعلى أي أساس يطلق بعض المؤرخين اسم "باب مصر " على باب حصن قديم يسمى"اليون" أو بابليون؟

رجوعاً إلى مقتبس الحموي، نجد أنفسنا مضطرين إلى مخاطبة الحموي وغيره من أساطين التأريخ العرب بالقول " يا حموي لا يهمنا ماذا أصبحت بابليون أو اليون تُسمى بعد الفتح، فما يعنينا بوضوح هو ماذا كان اسمها قبل الفتح . ولقد أوضحت مشكوراً كما أوضح باقي المؤرخين الكرام، مثل ابن كثير والطبري والأتابكي وغيرهم، بأن اسمها لم يكن مصر بل بابليون أو اليون . وقد أضفت يا حموي مشكوراً أنه في مكان هذا الحصن المسمى ببابليون بنيت مدينة الفسطاط الشهيرة التي أصبحت تُعرف لاحقًا في عهدك ( 132 ) "بمصر" وبقيت كذلك حتى يوم كتابتك لمؤلفك ". وللمزيد من التحقق بحثنا عن موقع حصن بابليون في خرائط الغرب ( انظر الخريطة 13 ) فوجدناه مؤرخاً في تراثهم تحت هذا الاسم ويقع في نفس موقع مدينة الفسطاط مما يفيد أن الحصن لم يعرف قبل الفتح بمصر.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن "الفرد بتلر" يذكر أن الحصن قد بني في عهد الإمبراطور الروماني تراجان سنة 100 ميلادية ( 133 ) . كما يذكر أن اسم الحصن وقت الفتح الإسلامي كان يلفظ باللسان القبطي (بابلون – ان – خيمي) ( 134 )

وما أشبه لفظة "خيمي" بـ" كيمي" (Keme) التي ورد ذكرها سابقاً في هذا البحث كاسم مقترح لبلاد القبط في العصور السحيقة . ولعل ذلك يفسر اشتباه العلماء المعاصرين حين افترضوا أن كيمي هو اسم عام للقبط . ويضيف بتلر أن هذه العبارة القبطية أي (بابلون - انخيمي) تعني (حصن مصر ). ولا نعلم كيف يمكن أن يترجم اسم علم وهو "كيمي" إلى اسم علم اخر وهو "مصر" في العبارة المعنية، وذلك ما نتساءل عنه في هذا البحث . ولكنه قطعاً يعني أن الأقباط كانوا ينعتون الحصن باسمٍ أو صفة لمدينتهم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض المؤرخين العرب يذكرون أن الاسم العام لديار القبط بلغة القدماء لم يكن مصر بل بابليون، كما يقول الحموي ونقل عنه ابن عساكر والسمعاني
" بابليون: .. هو اسم عام لديار مصر بلغة القدماء. وقيل هو اسم لموضع الفسطاط خاصة..." 135 .

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/32936.jpg

خریطة رقم 13 :اسم وموقع حصن بابلیون على الخرائط الغربیة


وبغض النظر عن صحة هذا الخبر، فإن ما يهمنا هنا هو : أولاً أن المؤرخين العرب يعرفون اسماً عاماً قديماً لبلاد وادي النيل غير اسم "مصر" الشهير بينهم . وثانياً أن اسم "مصر" لا وجود له في تاريخ حصن بابليون بغض النظر عن كون كيمي أو خيمي أو بابليون هو الاسم الحقيقي لبلاد وادي النيل أم لا . فقد أثبتنا سلفاً أن إكبتو أو القبط هو الاسم الذي كان متعارفًا عليه محلياً وعالمياً في العصور القديمة كما جاء في الأ ساطير الشهيرة ومنه اشتق نعت شعب وادي النيل بالأقباط.

فخلاصة القول أن ما ورد أنه "باب مصر " في تراثنا العربي، هو أصلا حصن اليون أو حصن بابليون أو حصن كيمي . لذا نخلص إلى أننا لم نجد أثراً لاسم مصر كأحد أسماء حصن بابليون ولا نعرف بعد ما هي الأسس التي استند إليها مؤرخونا لإ طلاق اسم مصر على حصن بابليون في تراثنا!؟

لن نحسم الأ مر بعد بتثبيت هذه الحقيقة قبل أن نعالج ما ورد في كلام ابن كثير وغيره بشأن عبارة "مصر القديمة " التي يذكر المؤرخون أنها كانت موجودةً في بلاد وادي النيل . فابن كثير وغيره يوردون اسم "مصر القديمة " في سياق ذكر مدينة الفسطاط - التي تحولت اليوم إلى مصر - فها هو يقول
" ..وإنما سميت ديار مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص وذلك أنه نصب خيمته وهي الفسطاط موضع مصر اليوم وبنى الناس حوله وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعاً وهو المنسوب إليه اليوم ..." 136
يفيد كلام ابن كثير بأنه كانت هناك مدينة تعرف بـ "مصر"، ثم أن أهلها هجروها لصالح الفسطاط والتي صارت تعرف ضمناً بمدينة مصر الجديدة في مقابل مدينة مصر الأصلية التي أطلق عليها اسم مصر القديمة لتمييزها عن مصر الفسطاط المستحدثة في عهد عمرو بن العاص . ولكن لم يذكر ابن كثير أين تقع مصر القديمة هذه، وتلك بغيتنا . لذا لزمنا البحث عنها والتنقيب في تاريخ اسمها فلعلها تكون هي مصدر اسم مصر التاريخي المشتهر بين المؤرخين المسلمين الأوائل . ولكن أين تقع مصر القديمة هذه؟ وهذا ما يجيبنا عليه الشيباني حيث يذكر في الكامل
" ... فلما جاء موسى قيل له فرعون قد ركب فركب موسى في أثره فأدركته المقيل بأرض يقال لها منف وهذه منف بفتح الميم وسكون النون مصر القديمة التي هي مصر يوسف الصديق وهي الآن قرية كبير ة" 137
وأخيراً بلغنا مرادنا . فقد ذكر الشيباني تفاصيل قيمة تحدد مصدر اسم مصر بالقبط . فلنبحث في تاريخ هذه المدينة التي كان بها يوسف الصديق (ع)كما أورد الشيباني. فمدينة منف والتي يفيد الشيباني أنها هي مصر القديمة لا توجد على خريطة الإدريسي . ولكن جمال الدين الأتابكي يذكر في كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة " أن منف كانت تسمى في زمانه "منوف" 138 مع العلم أن الأتابكي ولد سنة 813 وتوفي سنة 874 هجرية . ومنوف هذه توجد على خريطة الإدريسي وقد حور الإغريق اسمها الأسبق كما أسلفنا من منف إلى منفس (Memphis)، ومنف أو منفس هي نفسها تحوير للاسم الأصل، أي الاسم القبطي "من - نوفر" كما سبق ذكره. وقد وثق الرسام (G. Long) اسم مدينة منفس مع اسمها السابق تحت مسمى "موف" (Moph) في خريطته ( 139 ) لوادي النيل والتي تعود لسنة 1831 ميلادية (انظر الخريطة رقم 14 ). ومما سبق ندرك أن مصر القديمة التي ذكر وجودها ابن كثير والشيباني ما هي إلا مدينة منف أو منوف أو كما يعرفها الغرب منفس ويعرفها الأقباط بـ "من - نوفر". فهل هذه المدينة هي "مصر القديمة "؟ وهل كانت تعرف عند شعب الأقباط "بمصر " قديمة كانت أم حديثة؟ إن من يبحث في تاريخ هذه المدينة يجد فعلاً إنها قديمة بل عريقة يصل امتداد عمرها إلى حقبة المملكة القديمة وكانت عاصمة الحكم إبان ازدهارها . ولكن ما يعنينا من شأن هذه المدينة هو الأسماء التي عرفت بها حتى عهد الفتح الإسلامي . يصرح المتكلمون في آثار وادي النيل بأن الاسم القديم لهذه المدينة كان "انبو- هدج" (Inbw-hdj)، والذي يعني الجدران البيضاء 140 ثم تحول في عصور لاحقة إلى هات - كا –بتاح (Hwt-ka-pth) ، ثم أصبح بعد ذلك انخ – تاوي (Ankh-tawy) حتى انتهى إلى من - نوفر الذي حوره الإغريق إلى منفس 141 ونطقه المسلمون بمنف الذي تحول أيضا إلى منوف كما جاء في خرائط الإدريسي . تلك مجمل أسماء ما يطلق عليه الشيباني "مصر القديمة ". فهل تجد من بينها اسم "مصر" أو ما يشبهه؟ وليت الشيباني وابن كثير وغيرهما من المؤرخين الكرام ما زالوا أحياء ليوضحوا لنا من أين أتوا بهذه المعلومة القائلة إن منوف هي مصر القديمة، أي "مصر " يوسف وموسى وبني إسرائيل، في حين أن الواقع الميداني ينفي هذه العلاقة؟ ! وعلاوة على ذلك فإن أرض منوف لا تحوي أي أثر تاريخي معتمد يذكر لنبي الله يوسف أو موسى عليهما السلام، ولم يقطنها قط ملك يسمى أو يلقب بفرعون لا من بعيد ولا من قريب؟!

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/32943.jpg

خريطة رقم 14 : منفس أو موف كما جاءت في خريطة G. Long - 1831


فهل نحسم الأمر إذن جازمين أنه لا يوجد دليل ملموس على الأرض يربط بين مصر القرآن وبلاد وادي النيل؟ ليس بعد، فلا تزال هناك إشكالية يجب حلها . وهذه الإشكالية هي أننا رغم إثباتنا عدم وجود أرض ميدانياً تُسمى مصر في وادي النيل قبل الفتح الإسلامي، إلا أن مسمى مصر وجد على الأرض منذ عهد ما بعد الفتح الإسلامي إلى اليوم، وهو اسم منطقة قديمة بضواحي القاهرة تُعرف اليوم بمصر القديمة . وتلك هي المنطقة التي يعرفها المؤرخون المسلمون في كتاباتهم بمصر القديمة كما مر في المقتبسات السابقة الذكر . ولا ندري هل هذا الاسم أصيل أم مستحدث لهذه المنطقة المحدودة . فما هو تاريخ هذا المسمى؟ وكيف نشأ؟ وهل له علاقة بمصر التي ورد ذكرها في كتاب الله ؟ هذا ما سوف نحقق فيه.




الهوامش

127 - اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 147 ؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 262
128 - ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 262
129 - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 7، ص 111 ؛ جمال الدين الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج 1، ص 23
130 - ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، ج 3، ص 197 ؛ البلاذري ، فتوح البلدان ، ج 1 ص 249 ؛ العصقري، تاريخ خليفة بن خياط، ص 100
131 - ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 5، ص 453
132 - توفي الحموي رحمة الله عليه سنة 626 هجرية أي ما يقارب 600 بعد فتح القبط.
133 - الفرد.ج. بتلر، فتح العرب لمصر، ص 273
134 - الفرد.ج. بتلر، فتح العرب لمصر، ص 275
105
135 - ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 44 ، ص 392 ؛ السمعاني، الأنساب، ج 5، ص 310 ؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 1، ص 311
136 - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 7، ص 144
137 - الشيباني، الكامل في التاريخ، ج 1، ص 133
138 - جمال الدين الأتابكي، النجوم الزاهرة، ج 1، ص 49
139- Coins of Roman Egypt- http://www.coinsofromanegypt.org/html/topics/maps/long.htm
140- Memphis of the White Walls By Marie Parsons http://touregypt.net/featurestories/memphis.htm
141- Memphis، A Special Edition http://www.touregypt.net/memphis.htm

ياسر آل حسن
30-07-2008, 09:02 PM
كيف نشأ اسم مصر في جمهورية مصر العربية؟

بالرجوع للمقتبسات السابقة الذكر يتبين أن منشأ اسم مصر المستحدث الذي امتد حتى اليوم يرتبط في الواقع بمنشأ مدينة الفسطاط في عهد عمرو بن العاص . فكل من ذكر تاريخرالفسطاط من المؤرخين الم تأخرين يذكر أنّها موضع "مصر اليوم "- أي الموضع الجغرافي لما تعارفوا عليه على بأرض مصر - كما هو واضح من هذا المقتبس من أقوال الحموي وغيره من المؤرخين "... وكان الروم قد بنوا موضع الفسطاط الذي هو مدينة مصر اليوم حصناً سموه قصر اليون وقصر الشام وقصر الشمع ولما غزا الروم عمرو بن العاص تحصنوا بهذا الحصن وجرت لهم حروب إلى أن فتحوا البلاد كما نذكره إن شاء الله تعالى في الفسطاط.." 142 . أما الفسطاط فموقعها كما فصلنا سابقاً هو حصن اليون أو بابليون، و أثبتنا أن هذا الموقع الجغرافي لم يعرف قط بمصر قبل أن يدخله المسلمون . والفسطاط هو اسم تولد تلقائياً من دون قصد نتيجة تعسكر جيش ابن العاص بجوار الحصن أثناء العمليات العسكرية التي كانت تهدف لفتحه، وظل قائماً حتى عودته من فتح الإ سكندرية حيث اختاره ابن العاص للإقامة و تجنيد المسلمين . ويفصل المسعودي هذه الحقيقة بذكره المكاتبة بين ابن العاص والخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض):
" ... فكتب إلى عمر يستأذنه في ذلك، فسأل عمر الرسول " هل يحول بيني وبين المسلمين ماء ؟ " قال نعم يا أمير المؤمنين النيل، فكتب عمر إلى عمرو " إني لا أحب أن ينزل المسلمون منزلا ً يحول الماء بيني وبينهم في شتاء ولا صيف " فتحول عمرو من الإسكندرية إلى الفسطاط . قال عبد الرحمن وغيره، و إنما سميت الفسطاط لأ ن عمرو بن العاص لما أراد التوجه إلى الإسكندرية لقتال من بها من الروم أمر بنزع فسطاط، فإذا فيه يمام قد فرخ فقال عمرو لقد تحرم بمتحرم، فأمر به فأقر كما هو، وأوصى به صاحب قصر الشمع فلما قفل المسلمون من الإ سكندرية قالوا أين ننزل، فقال بعضهم الفسطاط لفسطاط عمرو الذي كان خلفه، فنزلوا ووضعوا أيديهم في البناء، ولم يزل عمرو قائماً حتى وضعوا قبلة المسجد..." 143

كانت تلك بد اية نشأة مدينة الفسطاط التي تحولت في عهد عمرو بن العاص إلى عاصمة المسلمين ببلاد القبط ومركز الولاية التابع لعاصمة الدولة الإسلامية الكبرى بالمدينة المنورة.
وبقيت هذه العاصمة الفتية تسمى بالفسطاط منذ عهد نشأتها حتى نهاية الدولة الأموية. ثم في سنة 133هجرية استبدلت الدولة العباسية الفسطاط بعاصمة أخرى قريبة من الفسطاط وهي مدينة العسكر . ولا علاقة ميدانية تربط اسم مصر بنشأة مدينة الفسطاط التي كانت تقع شرقي خط يمتد من جامع عمرو إلى قصر الشمع الذي تُعرف بقاياه اليوم بالكنيسة المعلقة . وقد صمدت هذه التسمية حتى آخر القرن السابع الهجري، ثم بد أ اسم الفسطاط ينحسر تدريجياً بعد أن حلّ بها الخراب وذلك بسبب تأسيس عواصم أخرى في حقب متلاحقة . وبعد ذلك حل محلها اسم مدينة مصر التي تُعرف اليوم باسم "مصر القديمة " في إحد ى ضواحي القاهرة. 144 . وهذا ما يذهب إليه جملة من المؤرخين حيث يصرحون بأن " .. مدينة الفسطاط مصر حماها الله، وهى الآ ن حى في مدينة القاهرة ، ويقال لها مصر القديمة ، وهى المدينة التي بناها عمرو بن العاص " 145 وهو ما يتناقض قطعاً مع قول الشيباني السالف الذكر حيث سمى منوف بمصر القديمة . وهكذا تحولت الفسطاط إلى "مصر القديمة " بعد أن قامت علي أنقاضها مصر الكبرى التي تمتد اليوم من البحر الأحمر شرقاً إلى ليبيا غرباً ومن البحر الأبيض شمالا ً إلى السودان جنوباً وهي ما نسميها اليوم بجمهورية مصر العربية . فالفسطاط هي التي أسست اسم مصر في بلاد وادي النيل ومنها نشأ بشكل ميداني، لأول مرة في تاريخ بلاد القبط الممتد في أعماق الزمن.

وذلك يعني أننا نحن المسلمون الذين أدخلنا اسم مصر ميدانياً إلى بلاد القبط ! فالقبط لم تعرف اسم "مصر" قط ولا تربطها به صلة من بعيد ولا من قريب . فدونك كلّ مدونات التاريخ الغربي والشرقي معززة بمكتشفات العلم الحديث، ولك أن تبحث وتفكك وتحلل التراث العربي بتجرد فلن تتوصل إلى غير هذه الحقيقة.

ولكن، لماذا أطلق آباؤنا المسلمون الفاتحون اسم مصر على مدينة الفسطاط ابتداء؟ ومتى حدث ذلك وكيف؟ وما هي المصلحة من هذا الفعل الذي أدخل العالم بأسره في وهمٍ مازلنا نتخبط في تبعاته حتى اليوم؟ بعد البحث في هذه الأسئلة ومدلولاتها وصلنا إلى نتيجة مفادها أن آباءنا المسلمين لم يطلقوا اسم مصر على الفسطاط عن عمد كما قد يبدو لأول وهلة . فليس هناك من سبب عقائدي يدعوهم إلى ذلك، بل على العكس هم أحرص الناس على أن يحددوا البقعة التي يعتقدون أنها مصر الوارد ذكرها في كتاب الله . ولكنهم لم يجدوا آثار "مصر" في بقاع القبط التي كانوا يتوقعون وجودها هناك بناء على الثقافة التوراتية العالقة في الأذهان منذ أيام الجاهلية، وهو أمر سوف نسهب في شرحه لاحقا ً. ولن يجرؤ المسلمون على إطلاق اسم على أرض ليست هي المعنية في كتاب الله، مهما عجزوا عن تحديدها ميدانيا ً. فذلك عين التزوير والتحريف وتلك صفة أئمة اليهود التي يترفع معظم المسلمين عن الوقوع
في حبائلها. ومع ذلك فقد علق اسم مصر بمدينة الفسطاط في عهد المسلمين كما أسلفنا. فكانت تلك بداية رحلتنا في التيه بعد أن تغشت الحقيقة بالوهم. فلو لم يعلق اسم مصر بالفسطاط، لبقي السؤال المّلح - أين تقع مصر التي ورد ذكرها في كتاب الله؟ - قائماً حتى اليوم، خصوصا بعد أن يعجز المسلمون عن العثور على أي أثر لها في بلاد القبط، ولاضطر المسلمون إلى إعادة النظر في هذه المسألة، ولأمكنهم الوصول إلى الإجابة الشافية منذ قرون بعد أن يرجعوا إلى كتاب الله لمزيد من التحقق وبعد أن يرجعوا إلى الائمة الذين وصفهم الله بالراسخين في العلم . ولكن ما كان كان، ووقع المحظور . ولا يسعنا الآن إلا أن نسعى لمعرفة سبب ارتباط اسم مصر بالفسطاط حتى يتبين لنا الخيط الأ بيض من الخيط الأسود. فبعد البحث والتدقيق في هذه المسألة اتضحت الحقيقة التي مفادها أن الفسطاط لم تكن تسمى مصراً في بداية نشأتها، وإنما كانت توصف بمصر، ولم تلبث هذه الصفة أن تحولت إلى اسم . وفيما يلي تفصل ذلك وبيانه .


يتبع ( تمصير الأمصار )


الهوامش :

142 - الشريف الأدريسي، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، ج 1، ص 322 ؛ ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 5؛ ص 140
143 - المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 311
144 - http://www.elmesafer.com/egypt/cairo/data/fostat.htm
145 - محيى الدين النووي، المجموع في شرح المهذب، ج 91 ، ص 143

ياسر آل حسن
01-08-2008, 05:51 PM
تمصير الأمصار

إن المتصفح للمعاجم العربية يجد أن مشتقات مفردة "مصر" كثيرة ومتنوعة 146 . وأسرع ما يتبادر إلى الذهن من هذه المشتقات المعنى الشائع بيننا وهو أن "مصر" اسم علم يطلق على بلاد القبط . فهذا المعنى غير الأصيل، كما سوف يتضح للقارئ، اختزل كل المعاني الأصيلة لمشتقات هذه المفردة العربية "مصر". فمن بين مشتقات مفردة مصر "التمصير "، وفعل التمصير هذا ينطبق على الأماكن بقصد تحويلها من بقاع مجهولة أو عادية إلى مدن معروفة
تُشد إليها الرحال . فيقال " ..مصروا المكان تمصيراً أي جعلوه مصراً فتمصر " 147 . ولقد عرف عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض) بأنه ممصر الأمصار وذلك لأنه مصر العديد من الأراضي أثناء الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام . فها هو الحموي يشرح كيف مصر الخليفة مصر البصرة أو مدينة البصرة فيقول " ... ثم إن عتبة كتب إلى عمر يستأذنه في تمصير البصرة وقال : إنه لا بد للمسلمين من منزل إذا أشتى شتوا فيه وإذا رجعوا من غزوهم لجئوا إليه، فكتب إليه عمر أن ارتد لهم منزلاً قريباً من المراعي والماء واكتب إلي بصفته، فكتب إلى عمر : إني قد وجدت أرضاً كثيرة القضة في طرف البر إلى الريف ودونها مناقع فيها ماء وفيها قصباء ... قال : ولما وصلت الرسالة إلى عمر قال: هذه أرض بصرة قريبة من المشارب والمرعى والمحتطب، فكتب إليه أن انزلها، فنزلها وبنى مسجدها من قصب وبنى دار إمارتها دون المسجد في الرحبة.. ، وكان تمصير البصرة في سنة أربع عشرة قبل الكوفة بستة أشهر " 148 يتجلى واضحاً من هذا المقتبس أن عملية التمصير هي التي أنشأت مدينة البصرة . فلم تكن البصرة ممدنة أو ممصرة قبل عهد الخليفة عمر، بل كانت أرضاً بأطراف البر شأنها شأن أي أرض أخرى عادية لا شأن لها حتى وضع الممصرون أيديهم عليها فأنفقوا واستثمروا وعمروها فغدت وتداً ومحطَّ رحال للركبان والتجار والرحالة . وقد جرت العملية ذاتها على مصر الكوفة في عهد الخليفة عمر، إذ ينقل البلاذري عملية
تمصير الكوفة بقوله " ..ما جاء في ذكر تمصير الكوفة .. إن عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبى وقاص يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة، و أن لا يجعل بينه وبينهم بحراً . فأتى الأنبار وأراد أن يتخذها منزلاً . فكثر على الناس الذباب، فتحول إلى موضع آخر فلم يصلح، فتحول إلى الكوفة فاختطها وأقطع الناس المنازل، و أنزل القبائل منازلهم، وبنى مسجدها وذلك في سنة سبع عشرة .." 149 . أما إمام المتقين علي بن أبي طالب (ع)، فيسمي الكوفة مصراً كما جاء في إحدى خطبه " ..قال بعضهم إن أمير المؤمنين قال هذا الكلام عند ما كان يغير أهل الشام على المؤمنين - إن سرت سرنا معك، فقال عليه السلام : ما بالكم : لا سددتم لرشد، ولا هديتم لقصد، أفي مثل هذا ينبغي لي أن أخرج ؟ إنما يخرج في مثل هذا رجل ممن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم، ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين .." 150 . وما البصرة والكوفة إلا مثالين لعملية تحويل بقاع لا شأن لها إلى أمصار أو مدن معروفة عن طريق التمصير. والتمصير عملية تمارس حتى يومنا هذا، فهي مصطلح اقتصادي معماري تخطيطي هام في سياسات الدول العمرانية . فما من مدينة تنشأ هنا أو هناك اليوم أو في الماضي أو في المستقبل إلا وتقع ضمن عنوان التمصير.

وقد أفرد ابن خلدون باباً موسعاً لتمصير الأمصار وشرح فيه أهمية التمصير ومقومات نجاحه وشروطه و أثره في تقدم المجتمعات و تثبيت دعائم الحكم، ومما يقول في هذا الباب إن " ... في البلد ان والأمصار وسائر العمران وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه سوابق ولواحق الفصل الأول في أن الدول من المدن والأمصار و أنها إنما توجد ثانية عن الملك وبيانه أن البناء واختطاط المنازل إنما هو من منازع الحضارة التي يدعو إليها الترف والدعة كما قدمناه وذلك متأخر عن البداوة ومنازعها وأيضا فالمدن والأمصار ذات هياكل وأجرام عظيمة وبناء كبير وهي موضوعة للعموم لا للخصوص فتحتاج إلى اجتماع الأيدي وكثرة التعاون وليست من الأمور الضرورية للناس التي تعم بها البلوى حتى يكون نزوعهم إليها اضطراراً بل لا بد من إكراههم على ذلك وسوقهم إليه مضطهدين بعصا الملك أو مرغبين في الثواب والأجر الذي لا يفي بكثرته إلا الملك والدولة فلا بد في تمصير الأمصار واختطاط المدن من الدولة.." 151

إذن فالتمصير علم وفن استيطان الأراضي وتخطيط المدن فما إن يتم استصلاح أرض وإنشاء البنى التحتية الضرورية فيها لاستقبال السكان وضمان النمو الاقتصادي والتماسك الاجتماعي حتى نطلق على تلك الأرض بالمدينة أو المعمورة . أما في الماضي فكانوا يطلقون على تلك المعمورات المستحدثة بعد تمصيرها بـ "مصر" كما ورد في قول اليعقوبي نقلا عن الخليفة عمر بن الخطاب " ..و مصر الأمصار في هذه السنة وقال الأمصار سبعة فالمدينة مصر والشام مصر والجزيرة مصر والكوفة مصر والبصرة مصر.." 152
وقد قام عمرو بن العاص بتمصير الفسطاط كما مُصرت البصرة والكوفة وبغداد وسامراء وغيرها من الأمصار المعروفة اليوم . والفسطاط موقع جغرافي كما أسلفنا يقع إلى جانب حصن بابليون أقام جيش المسلمين فيه معسكرهم لأغراض عسكرية لوجستية، ثم لم يلبثوا أن وجدوا فيه مقومات نجاح التمصير لإقامة عاصمة ولاية القبط التابعة لدولة الإسلام الفتية. وينقل عن المسعودي في وصف البقاع التي مصرها الخليفة عمر قوله " .. وكان تمصير عمرو بن العاص فسطاط مصر سنة 20 وكان مسيره إليها وحروبه مع أهلها سنة 19 على ما في ذلك من التنازع .." 153 وكانت نتيجة هذا التمصير الطبيعي تحول مصر الفسطاط تدريجياً إلى عاصمة سياسية يحمل إليها خراج القبط قاطبة . كما تحولت إلى مركز تجاري استثماري بحكم تواجد البنية التحتية العمرانية وملتقي خطوط المواصلات الآمنة .
وصارت كذلك قبلة الناس أو مصيرهم إلى دار الحكم وبيت المال والتجارة . وقد أحسن كاتب المقتبس التالي تفصيل ما آل إليه الوضع الاقتصادي بعد تمصير الفسطاط، إذ يقول " ..كانت الفسطاط مركزاً اقتصادياً عظيماً وسوقا تجارياً كبيراً بالإضافة إلى أنها قصبة الحكم وعاصمة البلاد ولم تفقد شهرتها كسوق تجارى عظيم حتى بعد بناء القطائع والعسكر بل والقاهرة أيضاً فظلت مركز الحركة التجارية والاقتصادية ذلك لسهولة اتصالها بداخلية البلاد وبالعالم الخارجي أيضاً فقد كانت على اتصال وثيق بداخلية البلاد بواسطة النيل فترد إليها الحاصلات والسلع من كلا الوجهين القبلي والبحري وفى ذلك يقول ابن بطوطة الرحالة المشهور ( وإن بنيل مصر من المراكب ستة وثلاثين ألفا للسلطان والرعية تمر صاعدة إلى الصعيد ومنح درة إلى الإسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات والمرافق ) كما ذكر ناصر خسرو إنّه ( كان للباعة [بالقطاعى] دكاكين بمدينة مصر [ الفسطاط] على ساحل النيل وكانت البضائع تفرغ على أبوابهم وكان الازدحام من الشدة بحيث كان يستحيل نقل البضائع على ظهور الدواب ) كانت الفسطاط تغص بالأسواق المليئة بمختلف السلع والمتاجر فقد بنى عبد العزيز بن مروان قيسارية العسل وقيسارية البال وقيسارية الكباش وقيسارية البز [ المنسوجات ] وقد أسهب ناصر خسرو في الكلام عن الفسطاط وعظمتها وبيوتها الشاهقة وجوامعها الكبيرة وحدائقها الغناء وصناعاتها الزاهرة ووصف الثروة في أسواقها والازدحام فيها وقال إن الحوانيت مملوءة بالسلع المختلفة والأقمشة الثمينة والذهب وسائر الحلي حتى أن المشترى لا يجد فيها محلاً يجلس فيه وكان شديد الإعجاب بسوق القناديل بجوار جامع عمرو فقال إنه لم يعرف مثله في أي بلد آخر و إن التحف النادرة والثمينة كانت تحمل إليه من أصقاع العالم كلّه وترجع هذه التسمية إلى أن سكان هذا الحي كان لكل منهم قنديل على باب مسكنه كذلك تفد على الفسطاط السلع والمتاجر من بحر الروم ( البحر المتوسط ) بواسطة النيل أيضا ومن بحر القلزم ( البحر الأحمر ) بواسطة الدواب أو خليج أمير المؤمنين ومما تشتمل عليه سلع بحر الروم الجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفراء والسمور والسيوف ومما تشتمل عليه متاجر بحر القلزم المسك والعود والكافور والدارصينى وغير ذلك مما يحمل من السند والهند والصين" 154

الحركة التجارية كانت بحاج ة إلى موارد بشرية هائلة تُستقدم من جميع أرجاء القبط، كما كان الثراء والسيولة المادية يستقطبان العمال والتجار، ناهيك عن اضطرار معظم الأقباط إلى زيارة المركز لتسليم الضرائب والجزية . فغدت بذلك الفسطاط أحد أهم أمصار القبط بل المصر الأهم في هذا الاقليم الحيوي للدولة الإسلامية. وتعبير مصر الإقليم هو تعبير دارج لدى العرب، كما نقرأ ذلك في شأن الموصل مثلا بالنسبة للعراق " الموصل: هو مصر هذا الإقليم (العراق) بلد جليل حسن البناء طيب الهواء صحيح الماء، كبير الاسم قديم الرسم، حسن الأسواق والفنادق، كثير الملوك والمشايخ لا يخلو من أسناد عالٍ وفقيه مذكور. منها ميرة بغداد وإليه قوافل الرحاب .." 155 فكما أن الموصل غدت مصر العراق كذلك غدت الفسطاط مصراً للقبط . فصارت بذلك مصيراً يصير الناس اليه بشكل منتظم حتى سقط مع الوقت اسم الفسطاط وحل محله اسم مصر، وذلك ما أشار إليه الجاحظ فيما نقل عنه بقوله: " ( ومصروا المك ان تمصيراً جعلوه مصراً فتمصر) صار مصراً وكان عمر رضي الله تعالى عنه قد مصر الأمصار منها البصرة والكوفة وقال الجوهرى فلأن مصر الأمصار كما يقال مدن المدن (ومصر) الكسر فيها أشهر فلا يتوهم فيها غيره كما قاله شيخنا قلت والعامة تفتحها هي (المدينة المعروفة ) الآن (سميت) بذلك ( لتمصرها ) أي تمدنها (أو لأنه بناها المصر بن نوح ) عليه السلام فسميت به قال ابن سيده ولا أدرى كيف ذاك وفي الروض إنها سميت باسم بانيها ونقل شيخنا عن الجاحظ في تعليل تسميتها لمصير الناس إليها وهو لا يخلو عن نظر " 156 ومع مرور الوقت صار الناس يطلقون على الفسطاط "فسطاط مصر" و"المصر" وأخيراً "مصر".

هكذا علق اسم مصر تدريجياً بالفسطاط ولم يطلقه المسلمون عمداً ولا عنوة على هذه المدينة. ولا يوجد منافس لهذا الطرح إلا المقولة التي وردت في المقتبس أعلاه، والتي يسردها التراث كحل لمعضلة عصية على الحل، وهي أن الفسطاط سميت على اسم بانيها "مصر بن نوح". بيد أن هذا الطرح الذي تكتنفه أغبرة يهودية المهب يشوبه من الاستفهامات ما يسقطه في أول مشوار التحقيق . فطوفان نوح عليه السلام وقع في منطقة محددة في بطن الجزيرة العربية تبعد عن القبط عشرات مئات الكيلومترات. والأقباط كانوا في أوج قوتهم في بلاد القبط قبل وقوع الطوفان وبعده ولم يصلهم خبره مثلهم مثل الفرس والهنود والصينيين 157 ، 158 لانحصار نطاقه في الجزيرة العربية . ولم يشر تاريخ القبط إلى مثل هذا الطوفان الذي أفنى حضارتهم عن بكرة أبيها دون علمهم كما أشاعت التوراة في العالم القديم . فكيف يأتي فرد مع نفر قليل مفزوعين من مشهد طوفان عظيم مشياً على الأقدام ما يقارب 1300 كيلومتر من الجزيرة العربية ليبني في بلاد الأقباط مدينة دون علم أهل الأرض تسمى باسمه وهم آنذاك أحوج لخيمة أو خيمتين تؤويهم مما حصل قريباً من موقع رسو السفينة على الجودي. فإذا به يبني مدينة تبعد مئات الكيلومترات عن موقع الحدث . إن هذا المنطق المبني على أفلام اليهود الهوليودية والذي وجد طريقه إلى تراثنا وعقولنا تم تناوله بالتفصيل في أحد أبحاث جمعية التجديد الثقافية تحت عنوان "طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام". ( سيتم طرح هذا الموضوع في سنابس فيما بعد بإذن الله <<<ياسر )

خلاصة القول أن مسمى "مصر" دخل القبط واستقر فيها تدريجياً مع دخول المسلمين واستقرارهم فيها . وإن أول موقع جغرافي نُعت بصفة "مصر" في القبط كان موقع الفسطاط نتيجة تمصيرها على أيدي المسلمين وتحويلها إلى عاصمة لولاية القبط . ولم يتعمد المسلمون إطلاق هذا الاسم على الفسطاط ميدانياً بل جاء ذلك كنتيجة طبيعية لمصير الناس إليها من شتى بقاع القبط لقضاء منافعهم التجارية والتزاماتهم المالية والسياسية . وكان مسمى مصر يتداول بين الناس كصفة للفسطاط أو قبلة أو مصير لقضاء منافع وليس اسم علم . فتحول مع الوقت إلى اسم ودام هذا الأثر حتى يومنا هذا . لذا تجد الأقباط أو من نعرفهم اليوم بالمصريين يقولون فيما بينهم على سبيل المثال إنهم ذاهبون إلى مصر ويقصدون بذلك مدينة القاهرة، ولكنهم ما أن يصلوا إلى القاهرة حتى يسقط اسم مصر من حديثهم كدلالة مكانية للمدينة ويحلّ محله اسم القاهرة. وهي ظاهرة يتميز بها شعب وادي النيل إلى اليوم 159 . وهذا يدلّ على أن القاهرة - التي ما هي إلا امتداد لمدينة الفسطاط جغرافياً وسياسياً - قد ورثت صفة الفسطاط كوجهة ومصير للناس . وهذا ما التفت إليه الجاحظ كما أسلفنا الذكر حيث ينقل المقرزي عنه "وقال الجاحظ في كتاب مدح مصر : إنما سميت مصر بمصر لمصير الناس إليها، واجتماعهم بها. كما سمي مصير الجوف مصيراً ومصراناً لمصير الطعام إليه .." 160 . ومع الوقت حّلت الصفة محلّ الاسم وصارت الفسطاط تُعرف بمصر إلى يومنا هذا مروراً بعصور الكثير من مؤرخينا.


يتبع ( جذور الخلل والأفكار القديمة السائدة )


الهوامش

146 ابن منظور، لسان العرب، ج 5، ص 176 : ( مَصَرَ یَمْصُرُھا مَصْراً تَمَصَّرھا المَصْرُ مَصُور التَّمَصُّرُ یُمْصَرُ تَمْصُرْ ماصِرٌ مَصُورٌ مِصارٌ یُتَمَصَّرُ المَصُورُ مَصَّرَتِ تَمْصِیراً مَصُوراً و مَصَّرَ مُصِرَ المُصارَةُ تُمْصَرُ مُتَمَصِّرة و مُمْصِرَة امَّصَرَ مُصُور مِصْر أَمصار مَصَّروا مِصْراً تَمَصَّرَ لتَمَصُّرِھا مَصَّر مَصارٍ مَصارِيُّ مَصْرِيٍّ مِصْرینَ مَصِّروھا مُمَصَّرٌ التَّمْصِیرُ مُمَصَّران و المَصِیرُ أَمْصِرَة و مُصْران مَصارِینُ المصارین المُصْران مَصِیر الماصِرُ مُصْران).
147 - البستاني، قاموس المحيط
148 - ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 1، ص 432
149 - البلاذري، فتوح البلدان، ج 2، ص 338
150 - الشریف الرضي، نھج البلاغة، ج 1، ص 231
151 - ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 1، ص 342
152 - اليعقوبي, تاريخ اليعقوبي، ج 2، ص 154
153 - المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 309
154 - التطور التاريخي لمدينة القاهرة:
http://www.elmesafer.com/egypt/cairo/data/fostat.htm
155 - المقدسي البشاري، أحسن التقاسيم، ص 48 . موقع الوراق : http://www.alwaraq.com
156 - الزبيدي، تاج العروس، ج 3، ص 543
157 - المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 167 ، 171
158 - المسعودي، أخبار الزمان، ص 100 ، .115 ، 180
159- The Origin of the Word، "Egypt" http://www.touregypt.net/featurestories/kmt.htm
160 - المقرزي، المواعظ والاعتبار، ص 26

ياسر آل حسن
03-08-2008, 01:45 PM
جذور الخلل والأفكار القديمة السائدة

يمكن للقراء أن يستشهدوا بعشرات بل مئات المقتبسات من تراثنا العربي القديم عبر حقبٍ مختلفة ليثبتوا أن آباءنا المسلمين كانوا يعتبرون أن بلاد القبط هي مصر موسى ويوسف عليهما السلام التي ورد ذكرها في محكم الكتاب . ونحن نقول نعم، الأمر كذلك، لأن هذا ما كانت عليه ثقافة ووعي آبائنا التي عليها بنيت ثقافتنا نحن أبناء اليوم . ولكن ما يعنينا هنا هو كيف تمكن هذا المفهوم الذي أثبتنا خطأه وفككنا عناصره من وعي وثقافة مؤرخينا القدماء فأوقعوا أنفسهم و أوقعونا معهم في دائرة التيه اليهودية؟ للجواب نلفت الانتباه إلى أن الجدل حول هذه الحقيقة له عدة جوانب لا بد من تفكيكها قبل الخوض في صلب الموضوع . فالجانب الأول هو الدهشة والعجب والاستنكار من وقوع مثل هذا الخطأ الفادح في فهم أجدادنا لجغرافيا التاريخ القديم رغم وجود من اعتبرناهم حرساً و أمناء على نقل التاريخ وتفسيره لنا، من المتأخرين والمتقدمين من مؤرخين ومفكرين ورجال دين . وإن هذه حالة طبيعية لمن يصدم بوهم كان يحسبه حقيقة . أما الجانب الثاني فهو : إذا كانت أرض القبط تنفي بشدة ما ادعي عليها من أحداث أكد حدوثها القرآن الكريم، فهل يعني ذلك أنه لم يكن هناك وجود لموسى ولا يوسف ولا بني إسرائيل؟ والجانب الثالث هو : كيف وقع هذا الاشتباه الخطير لدى الآباء فأسقطوا مصر القرآن على القبط؟

بالنسبة للجانب الأول، فإننا لا نملك سوى أن نقول إن مصادر المعرفة كما أوصانا رسول الله (ص) محصورة في الثقلين وهما كتاب الله والراسخون في العلم من عترته. وما دون ذلك هي مصادر علم وتعلم واجتهاد تحتمل نتائجها الصحة والخطأ والدقة والوهم، فيصمد منها ما ثبت بالتجربة والبرهان واستساغه العقل والقلب ويندرس منها ما دون ذلك. ولكن ما فعلناه نحن هو اعتبار كلَّ من تحدث في ما قاله الله ورسوله وأمور الوحي والتنزيل والتراث، وخصوصاً إذا كان من السلف، كمصدر معرفي لا كمصدرٍ معلوماتي، فصرنا نتدبر فيه كما نتدبر في كتاب الله ونحمله على الصحة في أكثر الأحيان دون إخضاعه للتحليل والتمحيص. ثم بعد ذلك نتفاجأ ونندهش ونعجب إذا وجدنا فيه خللاً عضالاً أو تضارباً مع الواقع والحقيقة، وذلك منهج وثقافة انتهجهما بعض آبائنا ونحن انتهجنا ما انتهج آباؤنا. وسوف نحصد نتائجه بأشكال مختلفة وفي أوقات متباعدة وذلك أن الآية التالية وشبيهاتها لم يرد أنها منسوخة ولا أن العمل بها قد عطل بل هي سارية المفعول إلى يوم الدين تحذر الجيل تلو الجيل من مغبة التقليد الأعمى والذي ينتهي عادةً بالقول ( حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ..)(المائدة: 104 ) رغم أن رد الله سبحانه على هذا المنهج القائم بين الكثير من الناس هو (.. أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ )(المائدة: 104 ) وتجدر الإشارة هنا إلى أن علماءنا الأفاضل من المتقدمين والمتأخرين يؤكدون على أن المجتهد منهم قد يصيب وقد يخطئ في ما توصل إليه من اجتهاد وتحليل واستنباط، ويذيلون أقوالهم بعبارة "والله أعلم". فإذا أصاب المجتهد فله أجران وإذا أخطأ فله أجر. ولكن الإشكال هنا هو أن المجتهد إذا أصاب ذهب بأجرين وتحصلت الأمة على فائدة الاجتهاد السديد. ولكن في الجهة المقابلة، إذا أخطأ المجتهد ذهب بأجر واحد ولكن ماذا يحدث للاجتهاد الخاطئ نفسه؟ وما أثره على توجهات الأمة وثقافتها التراكمية من بعده؟ هل تعرف جهة معتمدة مسؤولة عن تصفية الاجتهادات والآراء الخاطئة المتراكمة وإزالتها؟ أم يترك الاجتهاد الخاطئ في بطون الكتب ليشكل في الأمد البعيد جزءاً من ثقافة الأمة التي اعتادت أن تثق بكلّ ما جاء في بطون الكتب وخصوصاً العتيقة منها. وما هو إلا جيل أو جيلان حتى تجد هذه الاجتهادات الخاطئة طريقها إلى المناهج الدراسية التي تُدرس لأطفالنا فتتسع بذلك دائرة الوهم الأممية عبر الأجيال. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن المؤرخين القدامى كانوا يكتبون كتبهم بخط اليد ثم تستنسخ عدة نسخ بخط اليد أيضاً وتودع في مكتبة أو مكتبتين في الولايات الإسلامية المترامية هنا وهناك دون حماية حقيقية لفكر الكاتب وآرائه أثناء استنساخها يدوياً أو حفظها. فهل يضمن هذا النظام البدائي عدم دس نسخة مكتوبة باليد تحمل اسم كاتب معتبر بينما تحوي من التزوير والدس والإسرائيليات ما تحويه خدمة لأغراض يهودية، ثم لا تلبث هذه النسخة أن تتكاثر على يد النُّساخ حتى تصل إلى المطابع الحديثة. فقد قيل على الله ورسوله ما قيل حتى عجبت الجن من هذا الفعل الشنيع فقالوا ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا )(الجن: 5). فهل تجد من المغرضين من يتورع عن التقول كذباً أو إبراز نسخة تُنسب مثلاً إلى ابن خلدون الذي تم تحريف كتاباته كما ثبت في أحد بحوث جمعية التجديد الثقافية . فلا بد لنا من اليقظة، فقد وعد الله بحفظ الذكر ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )(الحجر: 9) ولم يعدنا بحفظ أقوال حتى رسوله الكريم (ص) فكيف بكتب المؤرخين. لذا يلزمنا منهج للتحقيق في التراث قبل تحويله إلى مناهج دراسية تاريخية.
وخلاصة القول في هذا الجانب أننا خلطنا بين مصادر المعرفة ومصادر المعلومات . فقد عاملنا المصدرين بنفس الطريقة وأخضعناهما لنفس النظام، ثم نقف الآن مدهوشين مما كسبت أيدينا! فأي عذرٍ لنا؟

أما الجانب الثاني بخصوص صحة ما ورد في القرآن الكريم فيما يتعلق بموسى ويوسف وآل اسرائيل في ظل نفي الأقباط دلائل حدوث ذلك في أرضهم، فنقول إن ما جاء في كتاب الله هو الحق والنور الأوحد وسط غياهب الظلمات . وإن قصص الأنبياء بدقة تفاصيلها كما أنبأ عنها العزيز الحكيم قد وقعت على سطح الكرة الأرضية، وبها من العبر والمناهج ما ينير الطريق للسالكين . ولكن هناك من يريد الظلام لبني آدم من شياطين الجن والإنس كلّ حسب قدرته ونبوغه . فعندما لم يستطيعوا أن يعبثوا بالإرسال المعرفي السماوي إلى الأرض رغم محاولاتهم الخائبة لاستراق السمع إذ جوبهوا بالرصد والرجم، فإنهم عمدوا إلى إفراغ محتوى كلام الله ومقاصده من وعي الناس ما أمكنهم بعد أن استلموه نقياً صافياً من أفواه الأنبياء، وذلك بتحريف الكلم عن مواضعه وتلبيس الحقيقة بالوهم . وقد حذر الله من خطورة هذه العملية واسترعى انتباهنا إليها وإلى فاعليها بقوله تعالى ( مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا )(النساء : 46 ) وذلك تحديداً ما حدث لجغرافيا الأنبياء، فليس من الناس من لم يسمع بأحداث ونتائج ودروس قصص إبراهيم ويوسف وموسى وبني إسرائيل وباقي الأنبياء المرسلين عليهم السلام، فضلاً عن قصص فرعون وقبيله، فلم يكن من المزورين إلا أن عمدوا مع سبق الإصرار والترصد إلى بعثرة المواقع الجغرافية لهذه الأحداث هنا وهناك بشكلٍ مدروس، فأحدثوا إرباكاً على الأرض كما أحدثوه في وعي الموحدين ليجنوا بذلك ثمناً قليلاً ولو بعد حين . وللأسف أن هناك من الكّتاب والمفكرين الشرقيين والغربيين الذين اكتشفوا بفعل تقدم علوم الألسن القديمة وعلوم الآثار تضارب جغرافيا الأنبياء الميدانية مع ما هو قائم في وعي وثقافة الناس، فدفعتهم الحيرة والاستنكار إلى نسف الأحداث والشخصيات الواردة في الكتب السماوية وتكذيبها . فغدوا بذلك من ضحايا هذا العبث اليهودي في التاريخ القديم.

خلاصة القول في ما يخص هذا الجانب أن هناك فرقاً بين الحق الذي جاء به كتاب الله وبين التحريف والتزوير الذي علق بتفاصيل هذه الحقائق ولازم وعي الناس وشكل ثقافتهم العامة. ويجب على الباحث المنصف فصل الحقيقة عن عوالق الوهم . فحينئذ فقط سوف تتراءى أمام عينيه الحقيقة الناصعة ويعي بذلك معنى أن "الحق أبلج".

أما في ما يخص الجانب الثالث، حول كيفية وقوع هذا الاشتباه الخطير لدى الآباء إذ أسقطوا مصر القرآن على القبط، فهو مربط الفرس ومقام المتجردين . فالوضع المتناقض ميدانياً وثقافياً فيما يخص مصر يجرنا إلى التساؤل التالي لأول مرة وهو : من أين أتى المسلمون الفاتحون بهذا الاسم أي مصر؟ ومن أين عرفوه أصلاً؟ وما هي مصادره؟ وكيف دخل وعيهم وثقافتهم وكيف نشأ الارتباط بينه وبين بلاد القبط فانعكس ذلك في أدبياتنا وثقافتنا العامة إلى اليوم؟ وهذا يجرنا إلى دراسة البعد الثقافي المهيمن على فكر الفاتحين المسلمين في ذلك الزمان.
لا يخفى أن المسلمين في أيام الرسول كانوا على علم مسبق بقصة موسى وهارون وفرعون وبني إسرائيل وما جرى من أحداث ومعجزات لبني إسرائيل . كانوا على علم بذلك وبالكثير غيره من أخبار الزمان منذ أيام الجاهلية، أي قبل البعثة المحمدية بقرون عديدة . لذا يمكن القول أن المسلمين في صدر الإسلام عرفوا اسم مصر من مصدرين رئيسين هما:
1. يهود العرب : كانت فلول القبائل العربية اليهودية منتشرة في الجزيرة العربية من اليمن إلى فلسطين . وكان لها وجود طبيعي في بلاد العرب قبل ظهور الإسلام بزمن يمتد إلى أيام موسى (ع). فاليهود هم أصلاً عرب يعيشون في بلاد العرب مثلهم مثل أي عربي آخر يعيش في وطنه ولم يكونوا مهاجرين من روسيا أو الخزر أو دول أوربا الشرقية كما هو حال من يدعي منهم اليوم أنهم يهود ينحدرون من صلب يعقوب (ع). ومن أشهر تلك القبائل خيبر والنضير والمصطلق وقريظة وقينقاع . وذكر السمهودي أن عدد القبائل اليهودية يزيد على عشرين . 161 وكانت هذه القبائل على اتصال دائم تجارياً واجتماعياً وتحالفياً مع باقي القبائل العربية الأخرى الأمية 162 المنتشرة في بلاد العرب. وكان هؤلاء اليهود العرب يدينون بدين يتجاوز عمره 1900 سنة، أي منذ عهد موسى (ع) بغض النظر عما مر به هذا الدين من مراحل تطورٍ انتهت به إلى التحريف. واليهود يحملون معهم كلّ هذه الأساطير والأخبار غثها وسمينها، صحيحها وخطئها، من جيل إلى جيل، فلا عجب أن يتحدثوا بها، ولو من باب الفضول أو التفاخر بتاريخ مجيد، إلى من يحيط بهم من بني جلدتهم من أعراب وعرب أميين . فتراكم بذلك كم من المعلومات العامة لدى العرب الأميين بما تعتقد به قبائل اليهود المتناثرة في جزيرة العرب . فلم تكن أساطيرهم سرية ولا ممنوعة بل على العكس كانوا يثقفون الأميين بها لتحصيل ما يمكن تحصيله تحت غطاء "هذا من عند الله ". فلا عجب إذن أن علم العرب الأميون بهجرة بني إسرائيل إلى منطقة تدعى مصريم 163 وحقيقة ارتقاء يوسف (ع) عرش الملك بعد العبودية، ومعجزة شق اليم لموسى (ع) ..الخ. ولا عجب أن يسأل الأمي العربي المنبهر عن البحر الذي انشق لبني إسرائيل، فيوضح اليهود أنه جاء في التوراة حدوث ذلك في أرض تدعى "مصريم"، وأن البحر المعني هو بحر القلزم (البحر الأحمر) أو النيل، وهي الأرض التي يسكنها الأقباط في بلاد القبط حيث نهر النيل العظيم . فهذه المعلومات البسيطة تكفي لإقناع الأميين في الجزيرة العربية بموقع مصر التوراة حيث مسرح الأساطير اليهودية . وحتى لو استشكل أحد الأميين بأن مصريم هذه تسمى القبط وليس مصريم ! فالرد على هذا الإشكال بسيط وهو أنها كانت أيام موسى ويوسف (ع) تسمى مصريم . فليس من اليسير على عرب الجزيرة أن يدققوا في هذه المرويات ميدانياً في ذلك الوقت، لا سيما بعد أن شهدنا حقيقة أن العربي المعاصر نفسه لم يسع للتحقيق في الأمر حتى الآن رغم توفر الوسائل العلمية والتقنية وتطور العلوم . إن هذا سيناريو مبسط لكيفية انتقال الأساطير بشكل خام من كتابي عربي إلى أمي عربي ليتكون لدي الأخير مخزون من المعلومات المتناثرة التي لم ينقطع سيلها قط مادام اليهود بين ظهرانيهم . فتشكلت بذلك ثقافة بدائية محرفة لدى الأميين قبل قرون من بعثة خاتم الرسل وكانت غايتها أن استقر في وعي الأمي أن القبط العظمى هي عينها مصر التوراة.

2. القرآن الكريم : ما أن أذن الله ببعث خاتم المرسلين ومنار قلوب العالمين محمد بن عبدالله (ص) ليكون للأميين رسولاً وبدأ الوحي الجديد بالنزول، حتى تفاجأ المسلمون بتشابه بعض الآيات الخاصة ببني إسرائيل مع تلك المخزونة مسبقاً في تراثهم وذاكرتهم ووعيهم كما أوردها كهنة اليهود وعوامهم قبل عدة قرون من نزول القرآن . فهم يعرفون من مخزون الذاكرة قصة شق البحر كما جاءت في التوراة "وارفع انت عصاك ومدّ يدك على البحر وشقّه * فيدخل بنو اسرائيل في وسط البحر على اليابسة "(الخروج:14 - 16 ) وإذا بخبر السماء المحمدي يأتي مطابقاً في الظاهر لما قاله اليهود قبل قرون كما جاء في محكم الكتاب ( فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ )(الشعراء: 63 ). هذا إلى جانب أخبار كثيرة من عهد بني إسرائيل، زد على ذلك ورود ذكر فرعون بالاسم في المحكم مقابل اسم "فرهوا" في التوراة، وذكر مصر مقابل أرض مصريم كما جاء في أخبار التوراة . ثم يتوج هذا التشابه الظاهري بآية التصديق ( نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ).( آل عمران 3 - 4 ) فأخذ هذا الكم الهائل من الأخبار المتشابهة ظاهراً مأخذه من كثير من المسلمين حتى أنهم اتخذوا من بعض معلومات التوراة المحرفة التي كانت بين أيدي اليهود كمصدر معرفي لا كمصدر معلوماتي، رغم التحذيرات القرآنية الشديدة من تحريف اليهود للتوراة. ودليل هذا الاستنتاج هو كثرة الإسرائيليات التي تمكنت من التوغل في التراث الإسلامي والتي تنبه الكثير من المتقدمين والمتأخرين لخطورتها وسعوا إلى فرزها وانتزاعها من كتب المسلمين، ولكن ما لم يفلحوا فيه هو انتزاع ما دخل الوعي واستقر فيه.

لقد شكل هذان المصدران السماويان، الجديد المحفوظ والقديم المحرف، ثقافة الفرد المسلم آنذاك . والفرق بين المصدرين هو أن التنزيل المحكم إلى جانب حداثة عهده لم يذكر الكثير من التفاصيل حسب الظاهر، بينما التوراة ومعها التلمود 164 أسهبا كل إسهاب في سرد التفاصيل بغض النظر عن مدى صحتها. فلم يحدد التنزيل ظاهراً الموقع الجغرافي لمصر موسى ويوسف . ولكن ما هو مخزون في الذاكرة من أخبار اليهود قبل التنزيل وبعده كفيلٌ بملء هذا الفراغ تلقائياً، لا سيما أن المسلمين مطالبون بالإيمان بالكتب السماوية كافة ليكتمل إيمانهم بالرسالة المحمدية ( قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ )(البقرة: 136 ). وقد كان رسول الله (ص) على علم بخطورة تشابه الآيات القرآنية مع التحريفات اليهودية للأحداث، فقد جاء عنه (ص) قوله ".. كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله ( ص ) لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا و أنزل إليكم وإلهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون " 165 فألزمنا الرسول (ص) بضرورة التحقيق في ما يقولون للناس ويثقفونهم به من حقائق سماوية قد تكون محرفة حتى دون علم ناقلها من الكتابيين. وفي ظل غفلتنا عن هذا التعليم النبوي، خلص العرب منذ أيام الجاهلية إلى أن مصريم التوراة كما أخبر اليهود هي عينها بلاد الأقباط كما نُقل عن الثقافة اليهودية المهيمنة والمشاعة في مقابل الثقافة القرآنية الجديدة . وبقي الأمر على حاله في عهد المسلمين، فلم ينزل ما يعارض هذا الخبر حسب الظاهر . فما أن تشكلت قوة المسلمين بعد عهد رسول الله (ص) وقويت شوكتهم حتى خرجوا من بطن الجزيرة العربية باتجاه دول وممالك العالم وبيدهم راية الدعوة الإسلامية . ولكن بلاد القبط كان لها خصوصية ثقافية إذ هي في وعيهم الثقافي مسرح لأحداث نبي الله موسى ويوسف ويعقوب وبلاد فرعون . هكذا كانت الأحداث مرتبة في وعيهم. فخرجوا إلى بلاد القبط في سباق مع ثقافتهم المسبقة والمستوحاة من تعاليم التوراة المحرفة التي شاعت بينهم أكثر من 800 سنة وتلفعت بتأكيد القرآن الكريم حسب فهمهم . فالقبط في وعيهم هي مصر التي ورد ذكرها في القرآن . فحملوا بذلك الإسلام إلى بلاد وادي النيل التي كانت تدعى قبطاً منذ أيام نبي الله إدريس (ع) وهم يعتقدون أنها مصر موسى (ع) منذ أن حرف اليهود التوراة قبل 800 سنة من البعثة المحمدية كما سيتضح لاحقاً.

هكذا ربط المسلمون اسم مصر ثقافياً ببلاد القبط من غير قصد ولا تعمد منهم بل تحت تأثير أوهام التوراة المحرفة التي حذر الله منها . وكانت النتيجة أنهم لم يجدوا أي أثر يعتد به في أرض الأقباط ولا في تاريخهم . وكذلك لم يجدوا أي أثر ميداني لا لمصر ولا لمصريم ولا ليوسف ولا ليعقوب ولا لموسى ولا لبني إسرائيل ولا لفرعون إلى يومنا هذا . ولكن، بدلاً من مراجعة المعلومات المعششة في أذهانهم، قاموا بتبرير هذا التناقض بمزيد من المنقولات اليهودية التي زادتهم وزادتنا تيهاً.

خلاصة القول أن جيوش المسلمين في سنة 20 هجرية فتحت القبط ميدانياً تحت شعار فتح مصر القرآن ثقافياً . وهذا يفسر كثرة التفاسير والمرويات في الكتب العربية القديمة التي تُسقط اسم مصر على بلاد القبط ثقافياً حتى يتسنى لفرعون وبني إسرائيل وموسى أن يكون لهم موطئ قدم في أرض القبط، وذلك تمشياً مع الثقافة المسبقة العالقة في الأذهان منذ أيام الجاهلية. وفي عهد المسلمين الذي يمتد إلى اليوم تمكن اسم مصر تدريجياً من بلاد القبط دون قصد كما فصلنا سابقاً، وأصبح اسمها الأ صلي منحصراً في من يعرفون اليوم بالأقباط، وهم الذين اختاروا البقاء على دين المسيحية الذي كان الدين المهيمن على بلاد القبط حين فتحها المسلمون. ومع مرور الزمن واستقرار الإسلام في قلوب الأقباط المؤمنة وتزايد هجرة المسلمين العرب وغير العرب إلى بلاد القبط، فضلاً عن اتساع رقعة الأراضي الإسلامية في العالم القديم بمساهمة فعالة من الأقباط المسلمين، تبلور صراع ثقافي بين القبطي المسلم والقبطي النصراني لتعريف الهوية الجديدة على نحوٍ يتناسب مع الواقع الجديد . والنتيجة هي ما وصلنا إليه اليوم حيث يعتز القبطي المسلم بأنه عربي مقتدياً بتعاليم القرآن ويعتز القبطي المسيحي بأنه قبطي مقتدياً بتعاليم الإنجيل. وفي الحقيقة كلاهما قبطي الجنسية، غير أن أحدهما من أتباع المصطفي محمد بن عبد الله (ص) والثاني من أتباع روح الله عيسى بن مريم (ع) وجميعهم يسلم الأمر لله فهم له مسلمون.

والجدير بالذكر هنا هو أن الأ قباط كان بمقدورهم مقاومة تغيير اسم بلادهم من القبط إلى مصر، فالإسلام لا يلزم المسلمين تغيير هوياتهم وجنسياتهم وخصوصياتهم نتيجة إسلامهم، كما كان الحال مع كل الدول التي اعتنقة الإسلام كسورية و أذربيجان وخراسان وتركيا ..الخ . ولكنهم قبلوا الاسم الجديد وتبّنوه بعد إسلامهم نتيجة تعلمهم القرآن وتفاسيره على أيدي المعلمين المسلمين القادمين من جزيرة العرب . فقد بلغ الأقباط أن بلادهم، حسب تفاسير بعض المفسرين القدماء، كانت محضن موسى ومأوى يوسف وسلطنة فرعون . فتصوروا أن بلادهم كانت تدعى مصر في زمن موسى (ع) كما جاء في القرآن ومن قبله التوراة التي تعلموها من سلطة اليونان الحاكمة، كما أن المدعو فرعون لابد أنه كان أحد ملوكهم الغابرين . فقبلوا الاسم الجديد تيمناً وتشرفاً بذكره في كتاب الله . ولكن الواقع أن تفاسير القرآن كانت شيئاً وما جاء في كتاب الله شئ آخر. فلم يكن مسلمو الجزيرة العربية يعلمون أنهم أخطأوا في تفسير الآيات فيما يخص جغرافيا الأنبياء، ولم يكن الأقباط يعلمون أن معلميهم وقعوا في اشتباه ناجم عن ثقافة مسبقة عششت في ذاكرتهم القديمة مصدرها التوراة . وهكذا التقى الاشتباه مع التسليم لتكتمل حلقة الوهم القائمة حتى اليوم.

وبأية حال فإن الطرح أعلاه يفسر لماذا كان المسلمون يحملون ثقافة خاطئة بشأن"مصرية" القبط التي ملأت كتب التاريخ عندنا وامتد أثرها إلى يومنا، والتي ما انفكت تربط بين القبط ومصر القرآن. وقد آن الأوان لاقتلاع هذا الوهم من الجذور وإرجاع الحقائق إلى نصابها لنكون على بينة من أمرنا، ولكي تتمكن من تتبع النقطة التي بدأ منها الوهم العالمي القديم فيما يخص جغرافيا الأنبياء فامتد أثره الهدام إلى يومنا هذا مروراً بصدر الإسلام وحقبه المتلاحقة، سنضع معنا إصبعنا على بيت العنكبوت حيث محضن أم الفتنة العالمية . وسندلك على نقطة الانفصام التي أُسقطت فيها مفردة "مصر" على "القبط" في التوراة المحرفة، والتي أدت إلى إرباك جغرافيا الأنبياء في وعي أمم العالم القديم وثقافتها، أي قبل بعثة خاتم النبيين بأكثر من 800 سنة بانعكاسات امتدت إلى يومنا هذا.

يتبع ( التوراة السبعينية - "ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ " )

الهوامش :
161 - السمهودي، وفاء الوفا، ص 16
162 - سبق التنبيه إلى أن مفردة أمي في هذا البحث تعني كل من لم يدن بدين سماوي، أي غير الكتابيين، وليس من لا يفقه الكتابة والقراءة كما هو شائع.
163 - اسم مصر في التوراة
164 - كتاب الشرائع اليهودية وهو أشبه بكتب الحديث.
165 - جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج 5، ص 147

ياسر آل حسن
04-08-2008, 01:43 AM
التوراة السبعينية - "ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ

يوجد اليوم، وبالتحديد على شبكة الانترنت العالمية، عشرات الترجمات للتوراة المحرفة وبجميع اللغات الإنسانية الحية وبأسعار رمزية إن لم تكن مجانية . ومعظم تلك الترجمات مبنية بعضها على بعض . ولذلك فإنها جميعاً تحمل في طياتها سموم التحريف الأ ول الذي بني على الترجمة الأولى . فلو وضعنا أيدينا على الترجمة الأولى و أثبتنا أنها تنطوي على تحريف صارخ في ما يخص بحثنا، أي جغرافيا الأنبياء ،عندها نستطيع أن نفهم لماذا يحمل العالم اليوم بشتى أعراقه وأجناسه ثقافة محرفة مغايرة للواقع والحقيقة، وهي ثقافة نشأت وقوي عودها تدريجياً منذ تاريخ الترجمة الأولى . والترجمة الأ ولى هي ما تعرف ب "التوراة السبعينية " Septuagint التي يرمز لها بالمختصر LXX وفيما يلي نبذة مقتضبة عن هذه التوراة قبل أن نضع أيدينا على التحريف الجغرافي الكارثي الذي جاء فيها.

بعد فتوحات الإسكندر الأكبر المتوالية لكثير من بلدان العالم في القرن الرابع قبل الميلاد، ما لبثت مملكته المترامية أن تحولت إلى قوة عظمى مهيمنة على العالم القديم (انظر خريطة 14 أ) ومنها القبط - بابل - غرب الهند - فارس . فكان نتيجة تلك الهيمنة العالمية أن أصبحت اللغة اليونانية متداولة بين شعوب البلدان الواقعة تحت الوصاية اليونانية . وفي ظل هذا الوضع القائم طلب الملك بطليموس فيلودفيس المعروف بملك القبط بطليموس الثاني( 246 - 285 ق . م ) والذي كان مقيماً في الإسكندرية آنذاك، طلب من كهنة اليهود ترجمة التوراة من اللسان السرياني أو ما يعرف اليوم بالعبرية، إلى اللسان العربي الفينيقي القديم أو ما يعرف باليونانية 166 . وقد جاء هذا الخبر في التراث العربي، كما في المقتبس التالي " .. لما مات الإسكندر، ملك بعده بطليموس بن لاغوس عشرين سنة، ثم ملك بعده بطليموس محب أخيه، وهو الذي نقلت إليه التوراة وغيرها من كتب الأنبياء، من اللغة العبرانية إلى اللغة اليونانية. أقول: فيكون نقل التوراة بعد عشرين سنة مضت لموت الإسكندر. ..." 167

لقد ورد كلام أبي الفداء أعلاه في نص وثيقة غربية قديمة مغرضة تهدف إلى تزكية التوراة السبعينية المحرفة في الوعي العالمي آنذاك، وهي لكاتب يهودي ويعود تاريخها إلى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد وتعرف برسالة أريستيس 168 Letter of Aristeas ، حيث يذكر أن وجهاء وكبار اليهود شكلوا فريقاً لتلبية طلب الملك اليوناني . وتألف هذا الفريق من سبعين، ويقال من ثلاثة وسبعين أو ثمانين، كاهناً يهودياً للاضطلاع بهذه المهمة الأولى من نوعها في تاريخ اليهود والتوراة (انظر لوحة رقم 6 ، 7 ) وخلال سبعين يوماً 169 وضع هذا الفريق ترجمة يونانية للتوراة حوت ما حوت من التحريف والتزوير . فوسعوا بذلك دائرة التيه اليهودية لتضم اوربا بشكل اساسي . وقد أساءت تلك الترجمة كثيراً إلى أولئك العرب الآباء المعّلمين وإلى الأنبياء والمرسلين الذين تؤمن التعاليم الإسلامية بعصمتهم . فنسبوا إليهم ما يندى له جبين المؤمن، وزوروا شريعة موسى (ع) وحوروها. ورغم أن العاقل ليرفض هذه الإساءات التي وجهتها بعض مقاطع التوراة للمرسلين إلا أن التجربة أثبتت أنه يمكن تمرير الكثير من المغالطات تحت شعار "هذا من عند الله".

ويذكر بعض الكتاب الغربيين أن تلك الترجمة الأولى كانت تحتوي على مقاطع جديدة لم تكن تحويها التوراة السريانية مثل "خلق المرأة من ضلع آدم " 170 والذي لا أصل له في التوراة السريانية . فحطوا من قيمة المرأة وجعلوها تبعاً للرجل وليس نصفاً مكملاً له . كما يضيف المتكلمون الغربيون أن المجلس الأعلى للمجمع اليهودي في ذلك العصر صادق على هذه الترجمة اليونانية رغم سوء ترجمتها وتوسلوا لمترجميها بأعذار لا يقبلها عاقل 171 . وذكر المسعودي نفس الخبر بشأن مصادقة التوراة الجديدة حيث يذكر في حديثه " ..على ما توجبه التوراة التي نقلها بطليموس الملك إلى اللغة اليونانية اثنان وسبعون حبراً من أحبار اليهود بالإسكندرية من أرض مصر، وأجمعوا على صحتها .." 172 وقد أضفت مصادقتهم ومباركتهم مصداقية على التزوير الذي جاء في تلك الترجمة، لينتشر بسعة انتشار المملكة الإغريقية في ذلك الزمان، وبلغة غدت تدريجياً اللغة العالمية المشتركة بين الشعوب الواقعة تحت مملكة الإغريق كانتشار وهيمنة اللغة الإنجليزية في العالم اليوم 173

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33427.jpg
خريطة رقم أ 14 : المناطق العالمية التي يقال إن الإسكندر المقدوني فتحها في القرن الثالث قبل الميلاد

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33429.jpg
لوحة رقم 6: رسم فني غربي قديم يظهر اجتماع الفريق السبعيني مع بطليموس لتسليمه النسخة التوراتية السبعينية

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33433.jpg
لوحة رقم 7: صورة قديمة لنسخة من قصاصة من أسفار السبعينية الأغريقية

وحيث أن معظم الشعوب التي اطلعت على "التوراة السبعينية " لم تطلع على التوراة السريانية الأصل لتعذر فهم اللغة السريانية أولاً، ولتعذر الحصول على نسخ سريانية في مقابل انتشار النسخ الإغريقية "السبعينية" ثانياً، فإن ذلك أدى تدريجياً إلى الاكتفاء بالمتيسر عوضاً عن المتعسر . فغدت "السبعينية" بذلك المصدر المعلوماتي المنسوب إلى السماء والمعتمد لدى معظم شعوب العالم القديم، وخاصة التي احتضنت الديانة المسيحية منها . كما صارت لاحقاً الكتاب المقدس في الإغريق المقدونية ومن ثم في أوربا برمتها . كما شكلت "السبعينية" القاعدة التي استندت إليها الترجمات الأخرى بلغات لاتينية متعددة، مما أسهم في انتشار التحريف وبث السموم في المزيد من الأقطار العالمية . وليس جميع اليهود اعترفوا بهذه التوراة الإغريقية المحرفة، فكما ينقل ابن حزم " ... فأما اليهود فإنهم قد افترقوا على خمس فرق وهي السامرية وهم يقولون إن مدينة القدس هي نابلس وهي من بيت المقدس على ثمانية عشر ميلاً ولا يعرفون حرمة لبيت المقدس ولا يعظمونه ولهم توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود ..." 174 ويضيف ابن حزم موضحاً سبب هذه الفرقة "... قال أبو محمد رضي الله عنه أول ذلك أن بأيدي السامرية توراة غير التوراة التي بأيدي سائر اليهود يزعمون إنها المنزلة ويقطعون أن التي بأيدي اليهود محرفة مبدلة وسائر اليهود يقولون أن التي بأيدي السامرية محرفة مبدلة إلى آخره ولم يقع إلينا توراة السامرية لأنهم لا يستحلون الخروج عن فلسطين والأردن أصلاً إلا إننا قد أتينا ببرهان ضروري على أن التوراة التي بأيدي السامرية أيضاً محرفة مبدلة.." 175

وقد تم تحريف الكلم عن مواضعه في هذه "التوراة السبعينية" اليونانية، وكذلك يفعلون ( مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ )(النساء: 46 ). وأكبر تحريف وضعوه في "السبعينية" هو استبدالهم كل مفردة "مصر" و"مصريين" واردة في التوراة السريانية الأصل إلى القبط" و"الأقباط". وكثرت النسخ "السبعينية" في مكتبات المملكة اليونانية المترامية بعد أن أزالت من طيات قراطيسها اسم "مصر" ووضعت مكانه اسم القبط الشهير والمعروف عالمياً ( وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ )(الأنعام: 91 ) وتمثلت تبعات هذا الإسقاط والتحريف في نقل الأحداث التي ورد ذكرها في تراث اليهود من موقع جغرافي إلى موقع جغرافي آخر . فأحداث موسى ويوسف وبني إسرائيل وفرعون جميعها حدثت في منطقة تدعى مصر وهي منطقة مجهولة عالمياً . ولكن من خلال هذه الترجمة، قام السبعونيون بكل جرأة وتطاولٍ على الله والإنسانية، بنقل مسرح الأحداث والشخصيات الربانية ومسميات المعالم الجغرافية المصاحبة من مصر المجهولة إلى القبط المرموقة. وانتشر هذا الخبر في العالم القديم فوقع الاشتباه والإرباك وبدأ تفشي الوهم العالمي المستمر إلى اليوم ( فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ )(البقرة: 79 ). ويحق لك أن تسأل كيف يمكننا إثبات أنهم فعلاً ترجموا أو بمعنى أدق حرفوا الكلم من "مصر " إلى "القبط "؟ فلنتدارس معاً النسخ التوراتية والترجمات لنرى بأم أعيننا ماذا كانوا يكتبون . ولسنا بحاجة إلى إتقان اللغة اليونانية وما يسمى بالعبرية كي نتتبع هذا التحريف . بل سنختار أي مقطع مترجمٍ إلى العربية من التوراة المتداولة عالمياً لنجعل منه نقطة انطلاقنا في سبيل إماطة اللثام عن التزوير الجغرافي الخطير، على أن يحتوي هذا المقطع على مفردة "مصر". وليكن هذا المقطع هو التالي كما جاء في سياق سفر التكوين:

وسكن في برية فاران، وأخذت له أمه زوجة من أرض مصر 176

وقد اخترنا هذا المقطع التوراتي دون عشرات المقاطع الأخرى التي ينطبق عليها التزوير فقط لوقوع مفردة "مصر" في نهاية المقطع، مما يسهل البحث عما يقابلها في النسخة السريانية أو ما تسمى اليوم بالعبرية ومن ثم مقارنتها بما جاء في "السبعينية"، لنرى ماذا الذي طرأ على مفردة "مصر" في التوراة السبعينية . والآن لنحدد نفس هذا المقطع الذي يحمل رقم 21:21 من سفر التكوين كما جاء في التوراة "العبرية". فنجد أن المقطع المعني هو:

וישׁב במדבר פארן ותקח ל־ו אמו אשׁה מארץ מצרים

وعليه فإن آخر مفردة من اليسار هي ما نظن أنها توازي "مصر " التي وردت في المقطع العربي المترجم أعلاه، ذلك أن الحرف السرياني أو ما يسمى بالعبري يكتب مثل الحرف العربي من اليمين إلى اليسار . وهو ليس الشبه الوحيد بين اللغتين، فالأصل واحد كما سيتضح لك في الفصل الثالث حين تكتشف أن بني إسرائيل ما هم إلا عشيرة بدوية ميكروسكوبية من عرب الجزيرة العربية، شأنهم شأن قريش والأوس والخزرج وغيرهم .
ولكننا بحاجة إلى معرفة اللفظ الصوتي للمفردة מצרים أي هل تلفظ "مصر" أو "مصريم" كما جاء في التوراة المكتوبة بالسريانية والتي تتوافق مع القرآن في لفظ مكان أحداث فرعون وموسى، أم تلفظ "قبط" أو "أكبتوا" كما جاء في "السبعينية"؟ ورغم أننا وعدد كبير من القراء الكرام لا نتقن "العبرية"، إلا أن ذلك لم يعد معضلة، إذ أصبح من الممكن الحصول على أصوات مقاطع الحروف لكل اللغات العالمية الحية، ومن ضمنها ما يسمى "بالعبرية " وذلك بالاستعانة بجدول الأبجدية المستخدمة في برامج التعليم اللغوي . ولهذا الغرض تجد أدناه الجدول الهجائي للسان العبري 178 الموضوع لغرض قراءة الحروف السريانية الأصل . فبمقارنة حروف مفردة מצרים مع ما جاء في الجدول الهجائي، يمكننا استنطاق المفردة التي يجب أن تلفظ "مصر" أو "مصريم" كما جاءت في القرآن الكريم وكما يلفظها الناطقون "بالعبرية". فمفردة מצרים مكونة من 5 أحرف تقرأ من اليمين إلى اليسار وتنطق حسب الجدول الهجائي كما يلي:

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33436.jpg

الحرف الأول يقع في إحداثيات ب 5 ويلفظ "م".
الحرف الثاني يقع في إحداثيات ت 4 ويلفظ "تز" أي "ص" مخففة.
الحرف الثالث يقع في إحداثيات ت 7 ويلفظ "ر".
الحرف الرابع يقع في إحداثيات ب 1 ويلفظ "ي".
الحرف الخامس يقع في إحداثيات ب 6 ويلفظ "م".
والآن لنجمع الحروف : متزريم = م ص ر ي م = مصريم. وهو نفس اللفظ الذي تقرؤه لمفردة "מצרים" في المعاجم اللفظية للسان العبري 179

حتى هنا لا جدال حول تشابه ما جاء في القرآ ن الكريم مع ما جاء في التوراة السريانية الأصل بهذا الخصوص . ولكن كيف ترجم فريق الكهنة اليهودي مفردة "مصر " أو "מצרים" إلى اليونانية؟ وكيف كتبوها في التوراة السبعينية التي كانت الجسر الذي شقت عبره التوراة طريقها إلى العالم الغربي القديم؟ لتسليط الضوء على التزوير المضلل اللئيم في الترجمة "السبعينية" سنعود إلى استخدام نفس المقطع التوراتي الذي حللناه سابقا ونخضعه إلى نفس المنهج التفكيكي، ولكن هذه المرة وفقاً لما جاء في "التوراة السبعينية ". فقد ترجم الفريق الكهنوتي المقطع رقم 21:21 من سفر التكوين إلى الإغريقية كما يلي :

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33481.jpg

ومرة أخرى، لسنا بحاجة إلى إتقان الحرف اليوناني لقراءة ماذا كتبت أيديهم للعالم، بالإغريقية هذه المرة . فبإمكاننا التحقق من لفظ المفردة التي تعنينا بالطريقة ذاتها . والمفردة المراد فحص لفظها هنا هي الأخيرة في السطر الثاني إلى أقصى اليمين - أي مفردة http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33482.jpg وبالرجوع إلى جدول 181 أبجديات اللسان الإغريقي القديم يمكننا استنطاق حروف المفردة المعنية . وبمقارنة أحرفها بالجدول الهجائي لمفردة http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33482.jpg يمكننا قرا ءة المفردة التي يجب أن تلفظ "مصر " أو "مصريم ". فمفردة http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33482.jpg مكونة من 8 حروف تقرأ من اليسار إلى اليمين كالتالي:

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33483.jpg

الحرف الأول يقع في إحداثيات أ 12 ويلفظ "أ".
الحرف الثاني يقع في إحداثيات أ 4 ويلفظ "أِ".
الحرف الثالث يقع في إحداثيات أ 10 ويلفظ " گ".
الحرف الرابع يقع في إحداثيات ب 5 ويلفظ "ي".
الحرف الخامس يقع في إحداثيات ب 9 ويلفظ "ب".
الحرف السادس يقع في إحداثيات ب 6 ويلفظ "ت".
الحرف السابع يقع في إحداثيات ب 10 ويلفظ "و".
الحرف الثامن يقع في إحداثيات ب 5 ويلفظ "ي"

وعند جمع هذه الحروف نجدها تقرأ : إگيبتوي = إگيبتو. ويثبت بذلك أن نتاج الترجمة كان تحويل اسم علمٍ هو مصر أو مصريم أو מצרים إلى http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33482.jpg أي إگبتو! وإگبتو هذه بلاد عريقة يعرفها الصغير والكبير في العالمين القديم والحديث، كما تُعرف أسماء بلاد الهند والصين وفارس وليبيا وأمريكا وفرنسا . وهي عينها إگبت أو القبط كما ينطقها اللسان العربي أو ما يعرف في الغرب اليوم بإيجيبت أو گبت (Egypt ،Gypte) .

أجل، هكذا نُهبت مملكة القبط أو إگيبتو العظمى وحضارتها العريقة بعد أن أُقحم اسمها عنوة في كتاب كتبه فريق من الكهنة الأقباط بأيديهم ووسموه بأخطر اسمٍ في ذلك الزمان ألا وهو التوراة المقدسة . وهكذا غدت القبط و شعبها وحضارتها وعراقتها ملك ثقافي مقدس لليهود بدون عناء ولا مشقة . فتحققت مكاسب ثقافية سريعة من سمعة راقية وحضارة عريقة وأممية وجيهة وتراث مشرق وأرضٍ شاسعة، كل تلك المكاسب تحققت لعشيرة يهودية، ليس من دون عناء وكدح فحسب بل بمباركة العالم إلى اليوم بعد أن أطلّ هذا التزوير متدثراً بعباءة "هذا من عند الله ". فما أن تم استبدال مفردة "قبط" مكان مفردة "مصر " على لسان توراة الإغريق حتى غدة حضارة القبط كلها في ثقافة العالم الغربي القديم رهينة أحداث موسى (ع) وفرعون وهامان وبني إسرائيل . وقد فعلوا ذلك من قبل بالأسلوب ذاته مع الكلدانيين في العراق وسوريا، كما سيتبين لك لاحقا، وفعلوها بنجاحٍ باهر مع القبط، وهاهم يفعلونها في زماننا هذا مع أمريكا الشمالية كما تبين لك من قصة جوزيف سميث السالف ذكرها في مقدمة هذا البحث . فأينما وجدت قوة عظمى عبر التاريخ تجد هؤلاء المزورين المنتفعين يحومون حولها حتى يمطرونها بسهام المقدسات الإسرائيلية قبل أن يثبوا على خيراتها ثم يصورون أنفسهم للعالم بصورة المضطهد المسكين.

عوداً إلى القبط، نتساءل هل يمكن تسمية الذين فعلوا هذه الفعلة الشنيعة، وهم الفريق المكون من سبعين شخصاً الذي استبدلوا اسم علم هو مصر باسم علمٍ آخر هو إكيبتو، بالمترجمين؟ وهل تصح تسمية نتاج عملهم بالترجمة؟ فماذا إذن يسمى الكذب والتحريف والتزوير والتدليس والفتنة وا لدس المغرض؟ وهل يمكن أن هذا الفريق كان يجهل آثار ما خطت يداه من ثقافة وهمية للعالم الغربي؟ ولك أن تتدبر فيما جرى على ثقافة العالم القديم بعد صدور الإفك "السبعيني". فلا بد أنه تغلغل في وعي الغرب وثقافتهم منذ صدور "التوراة السبعينية" أن أحداث موسى (ع) وبني إسرائيل وفرعون قد وقعت في بلاد وادي النيل، ولم يدخل اسم مصر في ثقافتهم أصلاً بل لم يسمعوا به بعد أن طمست "السبعينية" ذكره بل مسحته من الوجود الثقافي . حدث ذلك دون علم معظم الغربيين بما وقع بهم من تزوير ثقافي إلى اليوم، وذلك بعد أن استُبدل اسم مصر بالقبط عبر هذه الجريمة التي يسمونها ترجمة . وهذا يفسر لنا لماذا لا يعرف الغرب جنسية "مصري" إلى اليوم ! فالجنسية الوحيدة لهذا البلد العربي التي يعرفها الغرب هي "أجيبشن" (Egyptian) . وهكذا اضطر شعب جمهورية مصر العربية العريق، بسبب فعلة "السبعينية"، إلى حمل جنسيتين أثناء مخاطبتهم العالم الشرقي المسلم والغربي المسيحي وهما "مصري" و"قبطي". فالأولى لمخاطبة المسلمين حملة القرآن والتوراة السريانية والأخرى لمخاطبة الغرب حملة "السبعينية" وبناتها . وما هذا إلا غيض من فيض تبعات التزوير القديم، وما هو إلا تزوير وتحريف واحد من ركامٍ لم نتطرق إليه لأنه يقع خارج نطاق بحثنا.

ونتيجة هذا التزوير القديم استندت كل الترجمات التوراتية التي صدرت لاحقاً إلى "السبعينية" وليس من الأصل السرياني، فلو اطلعت على جميع الإصدارات التوراتية التي يتداولها الغرب المعاصر لن تجد اسم مصر بل ستجد القبط . وفيما يلي بعض الأمثلة لنصوص بلغات مختلفة لنفس المقطع الذي حللناه سابقاً لتجد كيف تربعت "إجيبت" مكان مصر: المقطع 21:21 من سفر التكوين في التوراة المترجمة إلى الألمانية:

GLB Und er wohnte in der Wüste Pharan، und seine Mutter nahm ihm ein Weib aus Agypten land. 182

المقطع 21:21 من سفر التكوين في التوراة المترجمة إلى الفرنسية:

FDB Et il habita dans le désert de Paran; et sa mère lui prit une femme du pays d'Egypte.183

المقطع 21:21 من سفر التكوين في التوراة المترجمة إلى الانجليزية:

KJV And he dwelt in the wilderness of Paran: and his mother took him a wife out of the land of Egypt.184


لذا يمكننا القول إن معظم أفراد العالم الغربي لم يسمع بمصر في الماضي البعيد بل أن الكثير منهم لم يسمع بها إلى اليوم لأن التوراة التي قرؤوها ومازالوا يقرؤونها لا تحوي هذا الاسم على المستوى العقائدي التراثي كما أنهم ما زالوا يحتفظون باسم إجيبت (Egypt) العريق كمسمى لبلاد وادي النيل وهذا الاسم موجود إلى اليوم في خرائطهم ووثائقهم الرسمية ويدرس لأطفالهم في المناهج الدراسية.

ولم تُحدث "السبعينية" خللاً في جغرافيا الأنبياء فقط بل امتد تأثيرها إلى العقائد . وقد تنبه الكثير من المؤرخين إلى خطورة "السبعينية"، ومنهم ابن حزم الذي أثار نقاشات حول الكثير من التناقضات التي اكتنفت عقائد المسيحيين بعد أن اعتمدوا ما جاء في "السبعينية " فادخلوا أنفسهم في متاهات كانوا في غنى عنها . وشرح ابن حزم هذه التناقضات المسيحية بقوله "...إنما عولوا فيما عندهم على ترجمة السبعين شيخاً الذين ترجموا التوراة وكتب الأنبياء عليهم السلام لبطليموس فإن قالوا هذا فإنهم لا يخلون ضرورة من أحد وجهين إما أن يكونوا صادقين في ذلك أو يكونوا كاذبين في ذلك فإن كانوا كاذبين في ذلك فقد سقط أمرهم والحمدلله رب العالمين إذ لم يرجعوا إلا إلى المجاهرة بالكذب وإن كانوا صادقين في ذلك فقد حصلت توراتان متخالفتان متكاذبتان متعارضتان توراة السبعين شيخاً وتوراة عزراء ومن الباطل الممتنع كونهما جميعاً حقاً من عند الله واليهود والنصارى كل ّهم مصدق مؤمن بهاتين التوراتين معاً سوى توراة السامرية ولا بد ضرورة من أن تكون إحداهما حقاً والأخرى مكذوبة فأيهما كانت المكذوبة فقد حصلت الطائفتان على الإيمان بالباطل ضرورة ولا خير في أمة تؤمن بيقين الباطل وإن كانت توراة السبعين شيخاً هي المكذوبة فلقد كانوا شيوخ سوء كذاب ين ملعونين إذ حرفوا كلام الله تعالى وبدلوه ومن هذه صفته فلا يحل أخذ الدين عنه ولا قبول نقله وإن كانت توراة عزراء هي المكذوبة فقد كان كذاباً إذ حرف كلام الله تعالى ولا يحل أخذ شيء من الدين عن كذاب ولا بد من أحد الأمرين أو يكون كلاهما كذباً وهذا هو الحق اليقين الذي لا شك فيه لما قدمنا مما فيها من الكذب الفاضح الموجب للقطع بأنها مبدلة محرفة وسقطت الطائفتان معاً وبطل دينهم الذي إنما مرجعه إلى تلك الكتب المكذوبة .." 185 ونحن إذ نوافق ابن حزم على تحليله لمصدر التناقضات التي أحدثتها "السبعينية" اليهودية في المسيحية، فإننا ندعوه أن يلتفت إلى ما أحدثته هذه "السبعينية" في عقائد بني جنسه من المسلمين أيضا، وذلك بعد أن اعتمد بعض المؤرخين المسلمين بحسن نية ما جاء فيها كثقافة عامة، وهو أحدهم حيث يسمي القبط بمصر شأن شأنه باقي المؤرخين وهو لا يعلم أنه تأثر بالسبعينية اليونانية كما تأثر قبله وبعده الكثيرون.


يتبع ( تبعات جريمة إسقاط تسمية مصر على مملكة القبط العظمى )

الهوامش :

166 - The Septuagint Online- http://students.cua.edu/16kalvesmaki/lxx/.
167 - أبو الفداء، المختصر في أخبار البشر، ص 18
168 - The Letter of Aristeas- http://www.sentex.net/~tcc/farist.html.
169 - سميت "السبعينية" لأنها تُرجمت ترجمة في سبعين يوماً أو بواسطة سبعين شيخاً من شيوخ اليهود كما جاء في المصدر أعلاه.
170 - From The Alpha and the Omega - Volume III -by Jim A. Cornwell،"History of the Bible"- The
Septuagint (Greek Translation) http://www.mazzaroth.com/ChapterThree/HistoryOfTheBible.htm
171 -Endtime Ministries-Australian Bible College
Course-http://www.despatch.cth.com.au/BCU/Hebrew1Appendix.html
. 172 - المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 182
173 - كما هو شأن انتشار اللغة الانجليزية عالمياً اليوم، فإن في الحقب التي سبقت وتلت مولد المسيح، كانت هناك لغة واحدة أيضاً متعارفاً عليها كعامل مشترك بين مختلف الأمم للتفاهم في ما بينهم. وكانت هذه اللغة المشتركة تسمى lingua franca ( لغة الإفرنج ) وهي تعبر عن اللغة المشتركة مادامت هي المهيمنة بين شعوب العالم. ويمكن للغة المشتركة أن تتبدل من حقبة إلى أخرى حسب رصيد أصحاب اللغة المعرفي والسياسي. وقد كانت الإغريقية هي اللغة المشتركة عالمياً لحقبة الهيمنة الرومانية كما كانت قبل ذلك الآرامية والفينيقية والافرنجية والعربية في الحقبة الإسلامية انتهاء بالإنجليزية وهي لغة العالم المشتركة اليوم. انظر الموقع التالي:
Wikipedia encyclopedia. Greco-Roman culture
http://en.wikipedia.org/wiki/Lingua_franca
174 - ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ص 58
175 - المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 182
175 - ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ص 58
176 - التكوين : 21 - 21 Smith and Van Dyke – Arabic
177 - التكوين : 21 - 21 .( Hebrow old testemint ( Tanach
178 - Jews veritual Libraryhttp://
www.jewishvirtuallibrary.org/jsource/Judaism/alephbet.html#Transliteration
179 - Genesis 21:21- http://www.hebrewoldtestament.com/index2.htm
180 - Greek old Testement (Septuagint-LXX)-Gen 21:21
181- Omniglot a giud to writing stsyems- http://www.omniglot.com/writing/greek.htm
182 - Gen 21:21-German Luther Bible
183- Gen 21:21-French Darby Bible
184- Gen 21:21- King James Version
185 - ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ص 135

ياسر آل حسن
05-08-2008, 04:04 PM
تبعات جريمة إسقاط تسمية مصر على مملكة القبط العظمى

فيما يلي بعض انعكاسات الجريمة التي ارتكبها فريق "السبعينية" باستبدالهم مفردة مصر بالقبط في كتاب قالوا إنّه من عند الله. وقد يكون لدى القارئ إضافات فاتنا ذكرها:
1 - إدخال فرعون إلى القبط كأحد ملوك المملكة العظمى حيث فرعون هو رأس الهرم في أحداث مصر.
2 - تذويب لقب "الملوك" تدريجياً من حضارة القبط العريقة واستبداله بلقب "الفراعنة " كي ينسجم مع منطلق التزوير، وهو إقحام "السبعينية" اسم فرعون المصري كأحد حكام مملكة القبط العظمى.
3 - إخفاء هوية فرعون الحقيقية، وخصوصاً اسمه، لأنها لا تنسجم مع ما هو معروف من مسميات وألقاب ملوك وادي النيل، خشية أن يثير الريبة نشازها وسط سلسلة ملوك متناغمة الأسماء ومتشابهة السمات، فيفتضح بذلك أمر التزوير. ونضرب مثالاً لتوضيح الصورة، فإن إدراج اسم فرعون الحقيقي وسط سلسلة أسماء ملوك القبط يشبه قولنا "إن ملوك بريطانيا العظمى هم تشارلز الأول وتشارلز الثاني ومعاوية وديفيد وجون " فهل يخفى على السامع هنا أن اسم "معاوية" لا ينتمي لا لبريطانيا ولا لجنسية ملوكها المتقدمين أو المتأخرين.
4 - ترتيب البنية الجغرافية لبلاد القبط بصورة تنسجم مع أحداث مصر، من قبيل إسقاط اليم المذكور في القرآن والتوراة السريانية على نهر النيل.
5 - تشويه سمعة ملوك القبط في الغرب والشرق، إذ أصبحوا حسب الثقافة "السبعينية " المهيمنة "فراعنة"، وعلى رأسهم فرعون الذي ادعى الألوهية ونازل كليم الله موسى (ع). وبذلك أسقطوا كل ما جاء من لعن وطرد من رحمة الله على فرعون وسلالة الفراعنة كما جاء في "السبعينية"، فحّلت هذه النقمة زوراً وبهتاناً على رؤوس ملوك القبط وشعب القبط الموحدين.
6 - إدخال أسماء جملة من الأنبياء عليهم السلام (إبراهيم- موسى- يعقوب - يوسف ) في تراث القبط زوراً وجعلها بذلك أرضاً مقدسة بفضلهم، مما رفع من رصيد مملكة القبط العالمي وانعكس اقتصادياً لصالح الحاكم الإغريقي في الأمدين القريب والبعيد.
7 - إقحام بني إسرائيل في تراث القبط عبر نافذة تاريخية وهمية، لتبرير مطالبتهم بأرض الأقباط مستقبلاً . ولنا في افتراءات جوزيف سميث السالفة الذكر عبرة، وكذلك في قول يهود اليوم إن أجدادهم هم بناة الأهرام وليس شعب القبط.
8 - تحديد أرض موعودة جديدة لليهود يطالبون بها العالم تضم الأراضي الواقعة بين النيل والفرات. وهذا الخطب رغم فداحته فقد نعته القرآن بالقليل قياساً بالضرر الذي أحدثوه في الحضارات الإنسانية السابقة واللاحقة وعلى أصعدة مختلفة.
9 - ترسيخ صورة وثنية للشعب القبطي الموحد في ثقافة العالم، لأن ذلك ما جاءت به "السبعينية".
10 - تأثر ترجمة الآثار القبطية من برديات ونقوش وكتابات محفورة في الأهرامات والمدافن والمعابد بثقافة المترجمين الغربيين المستوحاة من تعاليم "السبعينية"، والتي أشاعت في الغرب أن الأقباط وملوكهم وثنيون . فصار الكثير من ترجمات هذه النصوص يشير إلى تأليه الملك "فرعون" انسجاماً مع ثقافة "السبعينية" في حين أن النصوص القبطية ربما ترسم صورةً مغايرةً تماماًً لمخيلة المترجم.
11 - اختفاء ذكر نبي الله إدريس (ع) وعلمه وتعاليمه المنتشرة في بلاد القبط وتحوله إلى إله معبود وثني حسب ترجمة الكثير من المترجمين.
12 - أما بالنسبة للعالم الشرقي بما يحويه من قبائل يهودية لم يخف عليها أن فرعون كان في منطقة تدعى مصر تقع ببطن الجزيرة العربية ولم يكن في القبط قط، فقد تأثر بمرور800 سنة من تفشي ثقافة عالمية تحملها شعوب الغرب من رومان و اغريق واسبان وافرنجة وغيرهم الكثير ويباركها الكثير من أئمة الكهنة. لقد كان مداً ثقافياً جارفاً يصر على أن أحداث موسى (ع) جرت في القبط كما ألقمتهم ثقافة "السبعينية" وبناتها، فكانت النتيجة أن استسلمت أجيال العالم الشرقي المتلاحقة تحت وطأة المد الثقافي الغربي الطويل الأمد، فتبّنى العالم الشرقي الثقافة السائدة في الغرب محتفظاً مع ذلك باسم مصر
الذي تختزنه ذاكرته . ولم يجد الشرقي أمامه مخرجاً سوى أن يسقط اسم مصر تدريجياً على بلاد القبط . فصار ينظر إلى مملكة القبط مسّلماً بأن اسمها في زمن موسى (ع) كان مصر، حتى لو لم يقم ذلك على دليل بل كان محض وهم شائع مصدره الوحيد هو "السبعينية" ومفتاح انتشاره في العالم هو "هذا من عند الله".
13 - بعد اختراق ثقافة "السبعينية" واستقرارها في وعي الأجيال الشرقية، اختفى مسمى الأقباط من وعي الشرق وذكرهم تباعاً، وحل محله نعت "مصريين" انسجاماً مع الاسم المحفور في ذاكرة الآباء المستسلمين لوهم الثقافة السائدة القادمة من الغرب.
14 - انحسار اسم القبط من الشرق واستبداله تدريجياً بمصر تعارفاً واستمرار هذا الوضع حتى البعثة النبوية وصولاً إلينا.
15 - لحل معضلة استعصاء اسم القبط والأقباط على الاندثار من ذاكرة العرب وتراثهم وكتبهم، تم اختزال هذه الأسماء ثقافياً في من بقي على دين عيسى (ع) من الأقباط . أما السواد الأعظم من الأقباط الذين اعتنقوا الإسلام فتحولوا تدريجياً من نعت الأقباط إلى نعت المصريين انسجاماً مع الاسم الذي كان سكان الجزيرة العربية يدعو نهم به حتى قبل أن يفتحوا بلادهم. وبقي الحال كذلك حتى اليوم. ولتصحيح هذا الجرم المقصود ورفع هذا الإسقاط المتعمد وتبعاته عن كاهل القبط والقبطيين، جاء القرآن الكريم ليعيد إحياء اسم مصر مرة أخرى بعد أن طمره فريق من الكهنة في "السبعينية" ليشتروا بذلك ثمناً قليلا . وكّلف سبحانه وتعالى أتباع محمد بن عبدالله (ص) وحملة القرآن الكريم أن يرفعوا عن كاهل العالم هذا البهتان والوهم الذي امتد 800 سنة منذ صدور "السبعينية" حتى بعثة خاتم النبيين محمد بن عبد الله (ص). ولكن بدلاً من أن يصحح المسلمون هذا الخطأ ويعيدوا الأمور إلى مسارها الطبيعي، فقد ابتلعتهم للأسف دوامة الوهم اليهودي وثقافته المهيمنة لأكثر من 800 سنة على العالم واندست إسرائيلياتهم في تفاسيرنا وأساطيرنا وتراثنا وتبلورت وتحجرت حتى باتت ثقافة نتناقلها من جيل إلى جيل . وأصبحت تلك الإسرائيليات مصدراً معرفياً لنا بدلاً من القرآن الكريم فتمكن محرفو اليهود بذلك من إسكات الخصم الوحيد الذي يمكنه فضح أفاعيلهم وكشف خطورة تحريفهم . ولكن لله أمراً هو بالغه. فلابد من إرجاع الأمور إلى نصابها بتصفية تراثنا من عوالق الوهم اليهودي وإعادة تثقيف أجيالنا بالحقيقة التي طالما تغشت بالوهم . ولسنا ندعي أن الأمر سهل يسير إذا لم يوّفق المسلمون في صدر الإسلام من مقاومة ثقافة سائدة عمرها 800 بعد أن جاءتهم متلفعة بالحق، فكيف حالنا اليوم وقد صار عمر هذه الثقافة المغشوشة 2200 سنة، بل وقد زكاها جملة من المؤرخين العرب المعتبرين بعد أن افتتنوا بألق التهويمات السائدة . ولكن لا بد من إصلاح الخلل مهما طال الأمد.

تأثير الثقافة المحرفة على الأمم العالمية-"السبعينيات" المعاصرة

ليس عجباً أن يتساءل المسلم المعاصر عن صحة ما تكشف لنا من حقائق حتى الآن أثناء رحلتنا للتعرف على هوية فرعون . فهل حقاً يعقل لأ مة محمد بن عبدالله (ص)، منذ صدر الإسلام الأول، أن تتوهم بهذا الشكل الصارخ إلى حد أن تطلق اسماً خطأ على بلاد مجاورة لهم بحجم وعظمة بلاد القبط، ثم يتناقل هذا الخطأ جيلاً بعد جيل !؟ إن هذا التساؤل في مكانه . ولكن بعد التدبر يمكن القول إن أمة الإسلام في أي حقبة كانت ما هي إلا تجمع بشري يخضع لمؤثرات ثقافية وفكرية مثله مثل غيره من الأمم . فمجرد أن المسلمين كانوا في يوم من الأيام قريبين من عهد رسول الله (ص) حين كان اللبس الثقافي الموروث قائماً منذ 800 سنة قبل عهدهم، فإن ذلك لا يعفيهم من مغبة الوقوع في حبائل شياطين الإنس والجن ما لم يكونوا حذرين ويقظين وخصوصاً أنهم حديثو عهد بثقافة الإسلام الجديدة . وإلا فلم يحذرنا كتاب الله جميعاً من تحريف اليهود وتزويرهم في عدة آيات ومناسبات إذا كّنا بمأمن من ذلك؟ فها هو الغرب المستعمر المتحضر قد وقع في حبائل طرح أئمة اليهود بل حتى سواد أتباع اليهودية أنفسهم تم توجيههم بنجاحٍ إلى القبط بدلاً من مصر كما تبين لك . ولن يرضي الكثيرون منهم إذا علموا أن ما تم توجيههم إليه محض سراب، بينما تم احتواؤنا نحن أتباع خاتم الأنبياء كخصم معرفي وتم توجيهنا إلى مصرٍ موهومة في بلاد القبط بعد أن غفل آباؤنا عن تحذيرات الكتاب الكريم من أفاعيل أئمة اليهود . وما زلنا نحن والغرب نعيش نتيجة هذا التقصير إلى يومنا رغم أن مجموع عددنا أكبر بكثير من تعداد المسلمين في صدر الإسلام واطلاعنا المعلوماتي المتراكم يفوق بمئات المرات اطلاعهم، ومع ذلك فقد حدث لنا ما حدث ! فما الغرابة من حدوث ذلك لهم؟ أليس من الإنصاف أن لا نلزمهم بما لا نلزم به أنفسنا؟ ثم أن هناك من كان يحتج على هذه الثقافات المشاعة البالية في صدر الإسلام، وكان هناك من يرد عليها برأي الإسلام . "فالسبعينية" لوثت حقائق وعلوم الجغرافيا والأجناس الإنسانية والأعراق والخلق والتكوين وغيرها من علوم ومعارف . وعلى سبيل المثال كان من المسلمين من يستنكر ما يشيعونه من أن حواء خلقت من ضلع آدم. ولو تتبعت أصل هذا الخبر لأوصلك سراعاً إلى "السبعينية". وعليه فقد كان هناك بين علماء المسلمين من رد على الثقافة "السبعينية" المتفشية ومثال على ذلك ما نقرؤه في هذا المقتبس "سئل (أبو عبد الله الصادق ) عن خلق حواء وقيل له أن أناساً عندنا يقولون أن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى؟ قال سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ، أيقول من يقول هذا أن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجته من غير ضلعه، وجعل لمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام ، يقول إن آدم كان ينكح بعضه بعضاً إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم الله بيننا وبينهم " 186 ونحن نتساءل من هم هؤلاء الناس الذين كانوا منذ عهد الصادق (ع) الحفيد الخامس لرسول الله (ص) يتناقلون ويبثون ثقافة "السبعينية" التي تصدى لها الصادق (ع) وغيره من علماء المسلمين في زمانهم؟ ولماذا وصل صوت هؤلاء الناس إلى مساجدنا اليوم بينما اختفى قول الصادق (ع) عن مسامعنا؟ من الواضح أن زخم ثقافة بالية عمرها 800 سنة أقوى من أن تتغير في 40 أو 200 سنة بعد البعثة المحمدية لا سيما أن المسلمين لم ينشئوا المؤسسات العلمية الجادة لتصفية ثقافتهم المشوبة بالتلبيسات التوراتية التي ورثوها عن أبائهم قبل البعثة، والتي يفترض أن القرآن جاء مصححاً لما أحدثته من ميلٍ عن جادة الطريق ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا )(النساء: 27 ). فحتى يومنا هذا تجد في مساجدنا من يرتقي منبر رسول الله (ص) ليلقن المسلمين بأن حواء خلقت من ضلع آدم الأيسر الأعوج وينسب هذا الخبر لمدينة العلم المحمدية. فلم نعجب من أبائنا ونحن على دربهم سائرون مادمنا ننتهج منهج التقليد الأعمى والنقل من غير تدبر، ثم إذا تدبرنا ووعينا لم نعمل بما تعلمنا وعلمنا؟!
ولكي يكون كلامنا في هذا الشأن ملموساً نورد هذا المثال : القِ نظرة سريعة على الصورة التالية .

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/33627.jpg

أجب على هذا السؤال : ماذا تبادر إلى ذهنك لأول وهلة عندما شاهدت ا لشخصية المعروضة في الصورة؟ هل تبادر إلى ذهنك مثلاً النعت الشائع "الهنود الحمر"؟ وإذا كنت من الحالات الاستثنائية التي لم يتبادر تعبير "الهنود الحمر " في ذهنها فكم تعتقد من الناس على وجه البسيطة لن يقفز هذا الاسم في أذهانهم؟ لقد علق اسم "الهنود الحمر " ثقافياً في وعينا وهو اسم ووصف لا يمت بصلة قريبة أو بعيدة لقبائل الأباتشي وقبائل الأنكي والشايان والكادو والآدوى والعشرات 187 غيرها من سكان أمريكا الأصليين . ولن يرضى أحد من هذه القبائل أن تسميهم أو تنسبهم إلى غير مسمياتهم . ومع ذلك فقد نسفنا نحن بهذه الثقافة الخاطئة التي نحملها في وعينا تاريخ وتراث قبائل إنسانية يبلغ تعدادها أكثر من 112 مليون نسمة 188 كانت تعيش لآلاف السنيين على أرض تعرف اليوم بأمريكا الشمالية رغم أنف سكانها الأصليين . وإن هذا ظلم وبهتان لا ينبغي السكوت عنه، ولكنه مع ذلك تمكن من وعينا وثقافتنا ولن يكون من السهل اقتلاعه بعد أن استقر في لا وعينا إلا بالاستئصال وإعادة التثقيف. وهذا ما تفعله بعض المنظمات التراثية الثقافية المنصفة اليوم التي تروج لنعت من يعرفون باسم الهنود الحمر "بسكان أمريكا الأصليين ". فلو تدبرت في كيف تم إسقاط مسمى "الهنود الحمر " ثقافياً على قبائل الأباتشي وغيرها لتبين لك كيف أٌسقط اسم مصر على القبط في ثقافة المسلمين الأوائل . فقد أقنع الربان كريستوفر كولومبس إمبراطور أسبانيا في سنة 1492 ميلادية بأنه قادر على استكشاف طريق تجاري جديد يمكن أسبانيا من الوصول إلى الهند غرباً بدل الطريق التقليدي المكلف الذي يلتف حول أفريقيا . فأبحر كريستوفر بمباركة الإمبراطور والشعب الأ سباني نحو الغرب . فما إن اصطدم بشواطئ أرض مجهولة – أمريكا – حتى اعتقد تحت هيمنة الثقافة المسبقة التي يحملها في ذهنه أنه وصل إلى شواطئ الهند الشرقية. فأعلن هذا الخبر العظيم في إمبراطورية أسبانيا ومستعمراتها وانتشر الخبر كالنار في الهشيم وأصبح شعب تلك الأرض يعرف من يومها "بالهنود". فكان هذا الاسم نتيجة خطأ ولبس حدث في ذهن القبطان كولومبس بسبب سبقيات ثقافية خاطئة يحملها في وعيه . ثم دخل اللون الأحمر لاحقاً على أيدي الفرنسيين.
فهكذا كُتب ما يشبه "سبعينية" أخرى ولكن كان ضحيتها هذه المرة سكان أمريكا الأصليين. وهكذا صار يطلق عليهم اسم "الهنود" في أوربا . وكالعادة تلقفنا نحن في الشرق هذا الاسم من آلة التثقيف الغربي، وأخذنا نردده في الإشارة إلى سكان أمريكا تعارفاً لا تحقيقاً . فلماذا لا نعجب من أنفسنا لوقوعنا تحت هيمنة ثقافة وهمية تشكلت لدواعٍ تجارية على يد كريستوفر كولومبس، ونعجب من آبائنا لوقوعهم في نفس الخطأ تجاه قضايا تدور في فلك عقائدي مصدرها التوراة المتلفعة بعباءة خطيرة هي "هذا من عند الله". ومن جهة أخرى، في ظل الإعلام الغربي القائم، لو عرضت صورة عربي مسلم اليوم على شخص غربي، فهل تعجب إذا ما تبادر إلى ذهنه نعت أو صفة "إرهابي"!؟ وهل تتأذي من هذا النعت السيئ الذي لا يمثلك ولا تتصف به؟ ومع ذلك فإن ثمة ثقافة هيمنت على الفرد الغربي وتلبست بوعيه ولا حول لك ولا قوة . فمن كتب لهم "سبعينية" الإرها ب الإسلامي الذي نحن ضحيتها اليوم؟

خلاصة الفصل:

1 - بلورت "التوراة السبعينية" جزءاً هاماً من ثقافة الفرد العربي منذ أيام الجاهلية.
2 - ترسخت آثار الثقافة "السبعينية" منذ أيام الجاهلية وبقيت ماثلة في ذهن العرب حتى بعد ظهور ا لإسلام، وامتدت إلى يومنا هذا خاصة بسبب التشابه الظاهر بين ما جاء في التنزيل وما كان سائداً في الثقافة العامة.
3 - كان عرب الجزيرة العربية منذ أيام الجاهلية يتعارفون فيما بينهم على أن القبط هي مصر فرعون. وإن مصدر هذا التعارف هو"السبعينية".
4 - بقيت مصر الوارد ذكرها في القرآن مجهولة الموقع حتى يومنا هذا بعد أن تم إسقاط هذا الاسم على القبط عن سابق إصرارٍ وتخطيط وترصد ( وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )(آل عمران: 78 )
5 - لم يفتح المسلمون مصر سنة 20 هجرية، بل فتحوا القبط في ذلك الزمن، ثم تغير اسم القبط على لسان المسلمين لاحقًا وصارت تدعى مصر مما أدى إلى استفحال الوهم.
6 - إن الفريق الذي وضع التوراة "السبعينية" هو أحد الجماعات الرئيسية التي حرفت الكلم عن مواضعه، فاستبدلوا مفردة مصر والمصريين بمفردة "أجيبت واجيبشن " أي قبط والأقباط. وانتشر هذا التزوير في العالم القديم وامتد إلى اليوم.
7 - إن "السبعينية" تسببت في انقسام العالم ثقافياً إلى قسمين، فالغرب تم تثقيفه بمضامين "السبعينية" المزيفة وتعليم أجياله بأن القبط هي موقع أحداث موسى وفرعون. أما شعوب
الشرق فقد تم احتواؤها وتوجيهها ثقافياً إلى بلاد القبط أيضا ولكن تحت اسم مصر، لأن ذاكرة الشرق تشهد أن الأحداث الفرعونية وقعت في منطقة تدعى مصر وليس القبط، فما كان من أبناء الشرق منذ أيام الجاهلية إلا أن أسقطوا اسم مصر على القبط لحل النزاع الثقافي الذي تبلور لاحقا بين الغرب والشرق . ثم زاد الضلال تجذراً بإسقاط اسم مصر على بلاد القبط ميدانياً وذلك بعد فتح بلاد وادي النيل، فوقعت البلبلة في تراث الشرق وكان الحل المعهود الأمثل هو السكوت وتحاشي المرويات المتناقضة.
8 - ساهم بطليموس بن فيلاذلفوس حاكم القبط أيام إصدار "السبعينية" في انتشار الوهم العالمي لأغراض سياسية اقتصادية . فهو لا شك كان يعلم بأن القبط ليست أرض أنبياء بني إسرائيل كما تدعي "السبعينية"، ولكن تحويلها إلى أرض مقدسة يضفي عليها مكانة أكثر بروزاً وتأثيراً في العالم وهذا ما حدا به إلى تسويق الوهم في العالم القديم.

يتبع الفصل الثالث


الهوامش :
186 - الصدوق، علل الشرائع، ج 1، ص 17
187- Native American Indian Tribes and Languages http://www.nativelanguages.org/languages.htm#alpha
188 - منير العكش، حق التضحية بالآخر- أمريكا والإبادات الجماعية، ص 6

ياسر آل حسن
05-10-2008, 02:49 AM
الفصل الثالث
البحث عن مصر

بعد أن اكتشفنا الوهم التراثي المتعلق بجغرافيا الأنبياء كما فصلنا في الفصل الأول، وحللنا أسباب تمكن هذا الوهم من ثقافتنا وثقافة آبائنا في الفصل الثاني، آن الأوان لتصفية ثقافتنا مما بّث فيها أئمة اليهود من سموم. وذلك كي تتمكن هذه الأمة العظيمة من منابع نهضتها ومكامن عزتها. ولا ملاذ لنا سوى القرآن الكريم لننهل منه عذب ماء الحقيقة المغيبة بعد طول عطش الوهم والتيه اليهودي. فأين تقع مصر التي ورد ذكرها في كتاب الله، والتي ادعى فرعون ملكيتها؟ أين مصر التي كان بها كليم الله موسى عليه السلام وجده الصديق يوسف (ع) والمحتسب يعقوب (ع)، ومعهم بنو إسرائيل واليم والكثير من الأحداث والشخصيات والمعالم ذات الصلة. والأهم من ذلك، هل ثمة المزيد من المغالطات والخفايا التي ستتكشف لنا في طريق البحث عن هوية فرعون؟

عادة التيمن وأثرها في التحقيقات الجغرافية التاريخية

كي نتمكن من البحث عن مصر التي ورد ذكرها في القرآن يجب علينا أن نعي أثر عادة التيمن ومراعاة انعكاساتها في التحقيقات الجغرافية المستوحاة من السجلات التاريخية القديمة. وهذه العادة، أي عادة التيمن، هي عادة قديمة لازمت الإنسان الأول منذ عصر آدم العاقل وامتدت إلى يومنا هذا وهي مرشحة للاستمرار مادام الإنسان موجوداً. وهي تمثل باختصار عملية تكرار مسميات المواقع الجغرافية والأعلام عبر حقب مختلفة من الزمن بقصد تخليد الذكرى والتفاؤل أي "التيمن". بيد أن هذه العادة الإنسانية تسبب إرباكاً في الاستكشافات والتحقيقات الجغرافية-التاريخية ما لم تؤخذ بالحسبان أثناءها. كما يمكن توظيف تبعات هذه العادة بسهولة لإيقاع تزويرات وتحريفات متعمدة وتمريرها، وقد يقع اشتباه غير مقصود أحياناً عند المحققين الجغرافيين بسبب تشابه أسماء مواقع وأعلام مختلفة. ولتقريب الصورة نطرح هذا السؤال: كم شخصاً من أقربائك أو أصدقائك أو معارفك يسمى "محمد"؟ لا بد أنك سوف تحصي أكثر من شخص يحمل هذا الاسم الشريف في محيط المعارف، فلماذا هذا التكرر في هذا الاسم؟ فالجواب الغالب هو تيمناً وتخليداً لذكرى النبي محمد (ص) أو أحد الآباء والأجداد. ولكننا على علم ووعي أن من ندعو محمداً اليوم ليس المقصود به النبي محمد (ص) رغم تشابه الأسماء. وكذلك الحال مع الأسماء التي تُنقل من جد إلى حفيد بقصد تذكر الآباء وتخليد ذكراهم بعد مماتهم.
ولا إشكال في هذه الممارسة في الظروف العادية، ولكن المشكلة تكمن إذا وقع حدث مهم في تاريخ العائلة وفي عهد أحد الأجداد القدامى ثم سميت سلسلة من أحفاد هذا الجد تباعاً باسمه. فهل من المستبعد في غياب التحقيق العلمي أن يقع لبس بعد ألف عامٍ أو ألفي عام في تحديد الجد الذي وقع الحدث المهم في عهده مع تكرار الاسم نفسه في العائلة بصورة متلاحقة ومتقاربة من تاريخ وقوع الحدث؟ فكذلك الحال مع المواقع الجغرافية. فما إن تستقر قبيلة أو عشيرة في مكان ما لحقبة مديدة ثم تضطر للرحيل إلى موقع آخر جديد، فإن أول ما تقوم به هذه القبيلة أو العشيرة هو إطلاق اسم على الموقع الجديد. وانطلاقاً من عادة التيمن، فكثيراً ما يتم إطلاق اسم مكرر على الموقع الجديد مستوحى من الذاكرة المتعلقة بالموطن القديم. وهذا ما نقرؤه بكثرة في التراث العربي ومثال على ذلك "... وأما صنعاء فإنما قيدت في هذه الرواية باليمن، احترازاً من صنعاء التي بالشام. والأصل فيها صنعاء اليمن لما هاجر أهل اليمن في زمن عمر عند فتوح الشام نزل أهل صنعاء في مكان من دمشق فسمى باسم بلدهم ... " ( 189 ) . فلو وصل خبر أن حدثاً ما وقع بصنعاء فإن ما يتبادر إلى الذهن فوراً هو صنعاء اليمن لشهرتها. ولكن قد يكون المقصود صنعاء دمشق التي لا يعلم بوجودها الكثير منا. وهنا يقع إرباك وخلط في تعيين موقع الأحدث بالاعتماد على ذكر الأسماء فقط.

ولم تتوقف هذه العادة في الأزمان الحديثة، فحتى في يومنا هذا توجد أسماء كثيرة مكررة في العالم وخصوصاً في المناطق المستوطنة حديثاً كاستراليا وأمريكا ونيوزيلندا حيث تجد أسماء مدن كبيرة في هاتين القارتين تتشابه مع قرى أو مدن في أوربا حيث أصل المهاجرين إلى الأراضي الجديدة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، مدينة واشنطن الأمريكية تحمل اليوم اسم قرية قديمة تقع إلى جانب مدينة نيوكاسيل البريطانية، فهذا يدل على أن أول من أطلق اسم واشنطن على السهول والمراعي التي تحولت في ما بعد إلى عاصمة أمريكا قد يكونون مستوطنين أوروبيين بريطانيين أتوا من هذه القرية وأطلقوا اسمها على هذه المدينة الأمريكية تيمناً وتخليداً لاسم موطنهم الأصلي وذكراه. وكذلك مدينة "نيو أورلينز" الأمريكية التي تحمل اسم مدينة "أورلينز" الفرنسية الشهيرة، ولا يخفى أن أكثر قاطني هذه المدينة الأمريكية من أصلٍ فرنسي، فهم أيضاً القادمون الفرنسيون إلى الأرض الجديدة، والذي وصلوا إليها محملين بمتاعهم الأصلي من اسم وذكريات وأحلام سعوا لتثبيتها في أصقاع موطنهم الجديد، ابتداء بالاسم. وحتى مكة التي تكتب لاتينيا ( Mecca-Mekkah ) فإن هناك اليوم ثمانية مدن وقرى تحمل هذا الاسم حرفياً في أمريكا الشمالية وحدها 190 تيمناً باسم هذه البقعة المباركة. ولا تقتصر ظاهرة التيمن بالاسم هذه على مسميات المدن والقرى بل تشمل المعالم الأرضية كالأنهار والسهول والوديان والبحيرات. فما إن يصطدم المهاجرون القدامى بنهر في الأرض الجديدة حتى يطلقون عليه اسماً مقتبساً من ذاكرتهم القديمة. فإذا لم يجدوا ما يمكن أن يتيمنوا به استحدثوا اسماً جديداً كخيار أخير. وهذا يفسر لنا تشابه الأسماء لمدن في العالم القديم، أي الجزيرة العربية وما يحيطها من بلدان. فنجد على سبيل المثال لا الحصر أسماء مكررة مثل صيدون ولبنان وصور وبتراء وقانا وصنعاء وظهران وحوران وغزة وغيرها، نجدها في اليمن والجزيرة العربية وسوريا القديمة. وحري بنا أن تتساءل أي هذه المواقع التي تحمل نفس الاسم هو المكان الأصلي، وأيها يحمل اسماً أُطلق عليها للتيمن، ولا سيما عند النظر إلى أحداث ضاربة في الزمن تعود إلى عهد إبراهيم ونوح وآدم. فيوجد مثلا حي بمكة يدعى غزة وتوجد مدينة بفلسطين تدعى غزة فأيهم الاصل وايهم تيمني؟ أما بالنسبة للجزيرة العربية بالذات فتكثر فيها الأسماء المكررة نتيجة هجرة القبائل والعشائر المستمرة من موقع إلى آخر عبر الأزمان السحيقة أي منذ عهد آدم العاقل إلى اليوم، انظر النموذج في الجدول أدناه 191

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/38099.jpg

خلاصة القول أنه كلما ورد حدثٌ تاريخي مهم يستدل عليه باسم ميداني لموقع جغرافي، أي مدينة أو قرية أو نهر أو حتى شخصية ضاربة في القدم، وجب التحقق من الموقع المذكور وعدم الخلط بين الأصل والتقليد أو الاسم الأصلي واسم التيمن. فلعل حدثاً ما وقع في المكان الذي يحمل الأسم الأصل في جزيرة العرب يجر إلى موقع يحمل نفس الاسم في الجزيرة العربية نفسها أو خارجها، كما فعل اليهود عمداً أو كما فعلنا نحن سهواً، وهو ما سيتضح في التحقيقات التالية.

يتبع
رحلات إبراهيم (ع) بين ترهات "السبعينية" والحقيقة

الهوامش

189 - ابن حجر، فتح الباري، ج 11 ، ص 410 .
190- Indocom- http://www.indo.com/cgi-bin/dist?place1=mecca&place2=
191 - زكي محمد علي فارسي، أطلس الخرائط للملكة العربية السعودية، الإصدار- 1

عبدالله آل دعبل
04-12-2009, 01:32 AM
أخي الأستاذ أبا علي
أشكركَ جزيل الشّكر على ماكتبتهُ هنا من بحث ٍ مكثّف ٍ وجُهد ٍ مُضْني
تُحمدُ عليهِ بكلّ حرف ٍ في هذهِ الصّفحة التي تسارعت أحداثُها عندي شوقاً للمعرفةِ أكثر .
إذ كانت لديّ تسآولات كثيرةٌ جدّاً جدّاً .. وأحسبُني وجــــدتُ .. وما اشتفيتُ بعد
للتّوّي انتهيتُ من قرآءةِ الموضوعِ كلّه .. , وعندما كنت في المنتصفْ شعرتُ أنّهُ لمْ ينتهِ بعدْ ..
فهل أكملتهُ في مكان ٍ آخر ٍ مثلاً ؟ أمْ تعتزِمُ بإذنِ اللهِ إتمامه
ننتظرُ بشغف
:rdro:

أمدّكَ الله بطولِ العمر والصّحةِ لكلّ خير

ياسر آل حسن
04-12-2009, 03:02 AM
عزيزي عبدالله

هناك فصل ثالث من المفترض أن اضعه
بعض الصعوبات الفنية واجهتني وبعد ذلك الملل قاتله الله
سوف احاول في الأيام القادمة

عبدالله آل دعبل
05-12-2009, 01:33 AM
عزيزي عبدالله

هناك فصل ثالث من المفترض أن اضعه
بعض الصعوبات الفنية واجهتني وبعد ذلك الملل قاتله الله
سوف احاول في الأيام القادمة

أخي أبا علي يبدو أنّي وضعتُ على كاهِلِكَ ثِقلاً , حين طلبتُ منك إتمامَ الموضوع ..
والذي يعرفُ من قرأهُ ويقرؤه أنّه طويــــــــــلٌ جـــــــــدّاً ..
لمْ أتناسى مشاغِلكْ , أعانك الله
ولكن بعد قرآءتي له - وصدّقني قرأتُهُ كلّه - صرتْ أطلبُ إتمامَ قرآءتِهِ بحماسة ٍ وشغف
وأخافُ مع مرورِ الأيّامْ أنْ تنطفئ الشّعلةُ المُتّقِدة , وإذا ما وضعتهُ بعدها أكونُ مُضطرّاً
لقرآءتِهِ من البدايةِ وذلِكَ كي أربط الأحداثَ ببعضها ..
ولهذا عندي لك مخرجٌ حتّى حين
ما رأيُكَ أنْ تُعطيني ما كتبتهُ كلّهُ لأقرأهُ وأُعيدُهُ لك :) << لا تُحمّل نفسكَ فوقَ طاقتِها

ياسر آل حسن
05-12-2009, 12:22 PM
بل سوف انشره في اقرب فرصة يا عزيزي
فأنا اصلاً لم اكمل قرأته ومتشوق لذلك

عبدالله آل دعبل
05-12-2009, 10:59 PM
أستاذ ياسر وكأنّك تركتَ حانةَ فراغ ٍ بعد كُلّ الذي كتبتهُ
للمُناقشةِ والتّسآؤلاتْ ..
فاستعِدّ لطرحِ ما لمْ يطرحْهُ أحد .. ( استعِدّ ) = إذا فرغت
وذلك ريثما تضعُ الباقي والنقاشُ سيُنعِشُ الذّاكرةَ لِما قُرِءَ سابقاً
:an:

ياسر آل حسن
05-12-2009, 11:10 PM
في الإنتظار :)

ياسر آل حسن
06-12-2009, 12:21 AM
رحلات إبراهيم (ع) بين ترهات "السبعينية" والحقيقة

يمكن تقصي هوية فرعون الشخصية التي مازلنا نتحراها بالتحقيق في رحلات خليل الله إبراهيم (ع) الجغرافية والتي تفنن المحرفون في هندستها حسب مبتغاهم ليؤمنوا لهم أرضاً تمتد عبر القارات تحت سطوة أسطورة الأرض الموعودة "الربانية". ثم يمكن لنا بعد ذلك تعيين الأرض التي انتهى إليها الخليل، وحينئذ يمكننا تحديد وطن ابنيه إسماعيل وإسحاق عليهما السلام وكذلك موطن حفيده يعقوب وأبنائه يوسف (ع) وإخوته الأحد عشر، ومن ثم تعيين مصر التي حمل إليها يوسف (ع)، والتي هي نفس الأرض التي أقام فيها حفيده الثالث موسى في عهد فرعون، حسب فهمنا الحالي.
اسم إبراهيم (ع) ينقل إلى العراق

تفصل التوراة المحرفة رحلة الخليل إبراهيم (ع) منذ أن انطلق من أرض آبائه، حيث توضح أن إبراهيم (ع) كان من سكان العراق في عهد الدولة الكلدانية ( Chaldeans) وفي مدينة أور (Ur ) تحديداً – وهي مدينة تقع قرب الناصرية حالياً- كما جاء في سفري التكوين ونحميا:

( وأخذ تارح أبرام ابنه، ولوطا بن هاران، ابن ابنه، وساراي كنته امرأة أبرام ابنه ، فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان. فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك ) ( التكوين 11 - 31 )

]( وقال له: أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها ) ( التكوين 15 - 7 )

( أنت هو الرب الإله الذي اخترت أبرام وأخرجته من أور الكلدانيين وجعلت اسمه إبراهيم ) ( نحميا 9 - 7 )

( ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور الكلدانيين ) ( التكوين 11 - 28 )

إن هذه المقتطفات التوراتية وأخرى مشابهة لها هي كل ما احتاج أن يزوره ويحرفه فريق "السبعينية" ليتم نقل اسم نبي الله إبراهيم (ع) إلى العراق وجعله عراقياً من مواليد حقبة الدولة الكلدانية. فلننظر في هذا الخبر أهو حقيقة أم وهم آخر دس بليلِ وانتشر في العالم تحت سطوة ادعاء "هذا من عند الله". ومن الجدير بالإشارة هنا أن الدولة الكلدانية عربية خالصة العروبة، مثلها مثل الدولتين البابلية والآشورية، وقد أسسها شيخ عربي كما نقل انستاس ماري الكرملي حيث يقول :
( ان مؤسس الدولة الكلدية في العراق هو شيخ عربي ينتمي الى القبائل العربية اسمه كلده ) ( 192 )
وذلك يتطابق تماما مع نظام التسميات في الدول العربية اللاحقة مثل الدولة الأموية والعباسية والأيوبية..الخ، حيث تُسمى الدول باسم شخصية مهمة في تاريخ عائلة المؤسس أو قبيلته.

وقد ذكرنا سابقاً أن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيل من منطقة تدعى مصر، وهي غير جمهورية مصر العربية، وذلك قرابة سنة 1300 ق.م كما أكد اليهود في مؤرخاتهم، مما حدا بهم لاتهام ملك القبط رعميس الذي حكم القبط في ذلك الزمن بأنه هو فرعون موسى(ع). لذا لا بد أن يكون عهد إبراهيم (ع) متقدماً كثيراً عن سنة 1300 ق.م طالما أن إبراهيم (ع) هو الأب السادس لكليم الله موسى. ويرجع اليهود عهد إبراهيم (ع) إلى 1991-1816 ق . م ( 193 ) والأصح أنه كان حوالي سنة 1700 ق . م فما علاقة الحقبة التي كان فيها الخليل إبراهيم (ع) بمدينة أور في زمن الحقبة الكلدانية؟ لقد أنسى الله المزورين أن العهد الكلداني بدأ في حوالي سنة 626 ق. م وأنتهى في حوالي سنة 539 ق . م ( 194 ) أي أن الدولة الكلدانية نشأت وانتهت بعد عهد نبي الله إبراهيم بما يقارب 1400 سنة فمن أين عرفت التوراة "الحقبة الكلدانية" إذا كان المُفترض أنها نزلت في عهد موسى (ع) أي في حوالي سنة 1300 ق. م ؟
إن تصديق هذا الخلط التاريخي الزمني يشبه تصديق من يؤرخ مدعياً أن جمال الدين الأفغاني كان من جلساء الخليفة الراشد عمر بن الخطاب (رض)! ثم يراد لنا أن نزدرد هذه المرويات ونسّلم بأمرها. ومن الجدير بالذكر أن التوراة "السبعينية" كانت على علم بحقبة الكلدان التي كانت تمثل قوة عظمى في ذلك الزمان، حيث جاءت بعدها بمئتي سنة تقريباً. إن هذا الخبر المستنكر على كل حال طالما حير الكثير من الباحثين الغربيين المتخصصين في العلوم التوراتية، في جملة أخبار، حتى أنهم كتبوا فيه وحاولوا تحليل المآرب اليهودية وراء هذا التزوير الفاضح وخرجوا بنتائج مختلفة منها أن اليهود كانوا يحاولون فرض وجودهم في تاريخ العراق ومن ثم في أرض العراق بعد سقوط الدولة الكلدانية على يد حكام فارس الذين تحالفوا مع كهنة اليهود لإسقاط هذه الدولة وذلك كما يرى العالم التوراتي المعاصر ( Gary Greenberg ) جاري جرينبرك ( 195 ) ولكن يصعب أن تجد أذناً صاغية لهذه الحجج العلمية والموضوعية على مكتشفات التزوير وسط الصخب الإعلامي التوراتي الهائل. وفي المقابل فإن انكشاف هذا التزوير التوراتي الفاضح زاد آخرين تعنتناً وتمسكاً بما ورد في التوراة المتداولة بين أيديهم وهم على علم بما تحمله من تناقضات صارخة كما زادهم تصميماً على نشر هذا الضلال
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ ) ( النساء 44 )
فنجحوا في تمرير هذا التزوير الشنيع حتى اخترق عقول المثقفين الغربيين ناهيك عن العامة التي ألفت مناهج التقليد الأعمى.

وكي نتتبع أصل هذا التزوير ما علينا إلا الرجوع إلى "التوراة السبعينية" كما فعلنا سابقاً كي نكتشف كيف تم تغيير اسم مصر إلى قبط. ففي التوراة السريانية القديمة يذكر اسم لموقع ولادة إبراهيم لا صلة له بمفردة "الكلدانيين" ولكن هذه المفردة ظهرت في "السبعينية" بديلة للكلمة الأصل، تماماً كما ظهرت "قبط" بدلاً لاسم "مصر". ففي المقطع التوراتي التالي المتداول اليوم نقرأ :
( ومات هاران قبل تارح أبيه في أرض ميلاده في أور الكلدانيين ) ( التكوين 11 - 28 )

ويقابلها بـ "العبرية" السريانية الأصل:
http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/58699.jpg

وبالرجوع إلى جدول أبجديات السريانية المعدلة (ما يسمى العبرية) لاستنطاق حروف الكلمة المعنية بقراءتها من اليمين إلى اليسار، نجد أنها تُنطق هكذا: كشديم او (كسديم). وبالرجوع إلى النص المترجم لنفس المقتطع التوراتي كما جاء في "السبعينية"، نجده مكتوباً كما يلي:
http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/58700.jpg


مرة أخرى نراجع جدول أبجديات الحروف الإغريقية الوارد أعلاه، ونقرأ من اليسار إلى اليمين لنجد أن فريق "السبعينية" حول "كشديم" أو "كسديم" ( 196 ) إلى "كالدون" أو "كلدون" ؟!.
فلك أن تحكم على دقة هذه الترجمة التي بدلت ما يفترض أنه اسم علمٍ باسم علم آخر لا صلة له به.
بيد أن هذا التزوير والتحريف لموقع ولادة الخليل إبراهيم لم يلبث أن انتشر في العالم الغربي تحت ظلال سلطة الإغريق المهيمنة على العالم آنذاك كما لو كان اكتشافاً جديداً،واستمر كذلك أكثر من 800 سنة حتى البعثة المحمدية وتعداها إلى يومنا هذا. أما نحن ضحايا آفة التزوير والتحريف فقد تلبست في وعينا وثقافتنا التراثية هذه الأوهام والضبابية والتشويش وتسللت إلى كتبنا التاريخية ومن ثم إلى مساجدنا ومحافلنا القديمة والحديثة وصولاً إلى مناهجنا التعليمية، مما أسهم في توغل هذا الوهم وتجذره في ثقافتنا وتمكنه من وعينا. ويظل المستفيد الأول من هذا الإضلال هم أئمة اليهود الذين نجحوا في إدراج العراق أيضاً ضمن قائمة خريطة "الأرض الموعودة" بعهد"من عند الله". فجعلونا نعترف بل نسوق عقائدياً ادعاءاتهم الباطلة.

ولأن خبر دخول العراق في حياة نبي الله إبراهيم (ع) مزور ومتعسر الهضم، فقد انعكس ذلك على منقولات المؤرخين العرب الذين أسرتهم هيمنة ثقافة وهمية عمرها أكثر من ثمانية قرون قبل البعثة، فأخذوا يعتذرون ويبررون لليهود فضيحة مجئ الدولة الكلدانية في "التوراة المقدسة" رغم أن عهدها بعيد كل البعد عن زمن نزول التوراة ناهيك عن زمن إبراهيم (ع). فبدلاً من مطالبة اليهود بالحقيقة ومعاتبتهم على افترائهم وتقولهم على الله جلَّ وعلا كذباً، أخذ بعضهم يرفع الحرج عن اليهود بزعمه أنهم كانوا يعنون "بابل" عندما ذكروا "الكلدانيين" في التوراة! حيث أن الدولة البابلية تسبق الدولة الكلدانية بقرون كثيرة وتتزامن حقبتها مع عهد موسى (ع). فأسسوا عن حسن نية "مخرجاً شرعياً" لليهود وقاهم شر الفضيحة. وقد انعكست هذه البلبلة والضبابية الناتجة عن التزوير على كتابات المؤرخين العرب، فأدت ببعضهم إلى نقل جميع الأقوال المتضاربة بشأن موضع ولادة إبراهيم (ع)، فيما نقل آخرون عن اليهود أقوالهم دون تعليق وسعى غيرهم للتصحيح والترجيح بحسن نية وحسب اجتهادهم، فأنتجت تبعات نقلهم للتزوير ثقافة وهمية في وعينا نحن أجيال اليوم تتضارب مع شهادة الأرض وعلوم الآثار والعقل والمنطق. وهذه عينة مقتبسة من أقوال مؤرخينا حول موقع ولادة نبي الله إبراهيم (ع). فصاحب المنتظم ينقل لنا صورة عن اختلاف علماء زمانه حول البلاد التي احتضنت مولد أبي الأنبياء وأحد أشهر الشخصيات العالمية في الماضي والحاضر :
"... واختلفوا في المكان الذي ولد فيه فقال بعضهم ولد في بابل من أرض السواد وقال بعضهم بالسواد بناحية كوثى وقال بعضهم ولد بالسوس من أرض الأهواز وقيل كان بناحية كسكر ثم نقله أبوه إلى ناحية كوثى وهي المكان الذي كان به نمرود وقيل كان مولده بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل" ( 197 )
وفي مكان آخر نجد "مخرجاً شرعياً" إضافياً لتزوير كان الأجدر التدبر فيه وتتبع أصوله بدل المرور عليه مرور الكرام:
" وروى ابن عساكر من غير وجه عن عكرمة أنّه قال كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان قالوا ولما كان عمر تارخ خمساً وسبعين سنة ولد له إبراهيم عليه السلام وناحور وهاران وولد لهاران لوط وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل .." ( 198 )

وينقل صاحب الأنس الجليل أقوالاً تم ترجيحها حسب تعبيره لصالح ما جاء في "التوراة السبعينية" دون أن يوضح المعيار الذي تم على أساسه هذا الترجيح
"... وجعله أبا الأنبياء وتاج الأصفياء ونصرة أهل الأرض وشرف أهل السماء وكان مولده عليه السلام بكوثا من إقليم بابل من أرض العراق على أرجح الأقوال" ( 199 )

وإن ما كنا نخشاه من تصدر ثقافة أهل الكتاب الملوثة كمنهل معرفي لأهل القرآن نجده في هذا المقتبس
"... لوط ابن أخي إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور إخوة كما قدمنا ويقال أن هاران هذا هو الذي بنى حران وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب. والله أعلم" ( 200 )


الموقع الحقيقي لمولد نبي الله إبراهيم (ع) والهجرة إلى مكة

بعد أن تبين لنا أن فريق "السبعينية" أخفى الموقع الحقيقي لمولد نبي الله إبراهيم (ع) وحرفه إلى العراق وجب علينا إعادة قراءة "القرآن الكريم كما نزل" بالترافق مع الشذرات المترامية هنا وهناك من الأخبار ذات الصلة في التراث العربي، والتي لم يعرها الكثير من المفسرين أدنى اهتمامٍ لتناقضها مع الثقافة المهيمنة في عهودهم والتي أثبتنا تلوثها بمدخلات "السبعينية". فالآيات 51 -57 من سورة الأنبياء تورد لنا الأحداث التي مر بها نبي الله إبراهيم (ع) أثناء تواجده بين قومه والتي أدت إلى خروجه من ديار آبائه إلى أرض دعاها الله جلَّ وعلا : وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء 71فنقرأ قوله تعالى :
قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ *قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ( الأنبياء 62 -72 )

تؤكد هذه الآيات النورانية أن الخليل انتقل فعلاً من ديار آبائه بعد أن وضع في النار نتيجة مقارعته أئمة الضلال في عصره. فانتقل إلى موقع جغرافي آخر إلى أرض نعتها الله تعالى بالمباركة عالميا. فما هي الأرض التي عرف أنها مباركة وتميزت بمعرفة العالم لها منذ أقدم العصور؟ بالبحث في التراث نجد أن مكة كانت مقصد إبراهيم (ع) بعد خروجه من موطن الآباء، بيد أن هذه الحقيقية خولطت بشبهات وعوالق أثرت حتى على تفسير المفسرين وأحاديث المتكلمين. ولو استعرضنا فهم المفسرين للآية ( الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ ) لوجدنا تبايناً عجيباً وترجيحات أعجب:
"حدثني يونس قال أخبرنا بن وهب قال قال بن زيد في قوله ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين قال إلى الشام وقال آخرون بل يعني مكة وهي الأرض التي قال الله تعالى التي باركنا فيها للعالمين. ذكر من قال ذلك حدثني محمد بن سعد قال ثني أبي قال ثني عمي قال ثني أبي عن أبيه عن بن عباس قوله ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين يعني مكة ونزول إسماعيل البيت ألا ترى أنه يقول إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين. قال أبو جعفر وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام وبها كان مقامه أيام حياته وإن كان قد كان قدم مكة وبنى بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر غير أنه لم يقم بها ولم يتخذها وطنًا لنفسه ولا لوط والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما انجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين" ( 201 ) .

هنا يتبين لنا أن ذاكرة العرب تحوي حقيقة أن مكة هي الأرض التى نُجي إليها إبراهيم، بيد أن ثمة متوارثات سائدة مبهمة كانت مهيمنة آنذاك وهي التي أدت إلى تهميش هذه الحقيقة وطغت على غيرها من أقوال. وإن أمثال أبا جعفر الوارد اسمه في المقتبس أعلاه له أثر في بناء ثقافة أجيال الأمس وأجيال اليوم مثله مثل أي متحدث يرد له رأي في كتب التاريخ. فقد رجح لنا أبو جعفر الشام على مكة لأّنه كما يقول "لا خلاف بين جميع أهل العلم..". هذه المقولة الحاسمة نسمعها حتى اليوم، وهي ذات أثر نفسي فعال في إخماد أي رأي مخالف أو مستفسر، ونسمعها في معرض التراشق على ألسن المختلفين وكأن لكل كتلة مذهبية "أهل علم" يختلفون عن الآخرين. وتكون الغلبة عادة لا لمن جاء بالحجة والبرهان بل لمن مالت إلى رأيه السلطة الحاكمة آنذاك، فتدور آلة الإعلام السلطوية تروج للرأي الذي يناسبها حتى يختفي الرأي الآخر من ثقافة الناس ووعيهم ويبقى في أحسن الحالات رهين صفحات الكتب القديمة في انتظار من يبعث فيه الحياة بعد أن يثبت فساد الرأي الشائع بين الناس. فماذا عن "الآخرين" المذكورين في الكلام أعلاه، والذين قالوا إن إبراهيم (ع) هاجر إلى مكة وليس إلى الشام، هل هؤلاء مصنفون من أهل العلم؟ أم إنهم دون ذلك؟ هذا علماً أن خبر مكة منسوب لحبر الأمة ابن عباس في عدة مواضع ( 203،202 ) . ثم إن هذا الإجماع الذي تم حسمه بين أهل العلم كما صرح أبو جعفر في ذلك الزمن، هل تم بآلية يمكن اعتمادها عبر الأحقاب المتوالية أم هو توافق فريق معين على رأي قام بفرضه على أجيال الأمة بأكملها؟
وما حكاية هذا التبرير الغريب لتفريق إبراهيم (ع) عن عائلته بادعاء أن الله أنجى إبراهيم ولوطاً إلى الأرض المباركة وهي الشام وبعث بهاجر وابنها إسماعيل إلى أرض غير مباركة وهي مكة؟! وماذا عن زوجة إبراهيم (ع) سارة التي لم يرد اسمها أو ضمير عائد إليها في الآية؟ هل هي من أصحاب الشام المباركة؟! أم أرسلت هي الأخرى إلى الأرض غير المباركة مع هاجر وإسماعيل؟ طبعاً لا يجرؤ أحد أن يقول إن القدس هي مبرر بركة الشام المبهمة لأن قدس الشام لم يكن لها وجود هناك في عصر إبراهيم (ع). فجلّ وجودها هناك يعود لزيارة النبي الجليل إلى الشام حسب خط الرحلات الذي رسمته التوراة السبعينية للنبي الجليل وعائلته وغنماته في قارات العالم
ما نود أن نلفت الانتباه إليه، هو ضرورة التحقيق في المرويات ولو نسبت إلى الرسول الأعظم (ص) نفسه لكثرة المتقولين عليه، فما بالك بمن هم دونه. ولو نظرت في كل خبر يلحق إبراهيم (ع) قسراً بالشام لوجدت فيه ثغرات تعجب كيف مرت دون تعليق أو تحقيق حتى على الناقل نفسه. فلو تتبعت المنقولات عن سبب كون الشام "مباركة للعالمين" لوجدت الأسباب محصورة في هذا القول
" وقال الجبائي: أراد أرض الشام. وإنما قال للعالمين لما فيها من كثرة الأشجار والخيرات التي ينتفع جميع الخلق بها إذا حلوا بها. وإنما جعلها مباركة، لأن أكثر الأنبياء بعثوا منها، فلذلك كانت مباركة. وقيل: لما فيها من كثرة الأشجار والثمار.." ( 204 )
من هذا التبرير نفهم أن العراق، موطن أكبر حضارات العرب المتلاحقة منذ حوالي سنة 5000 ق.م إلى عهد رسول الله (ص) من بابليين وآشوريين وأكاديين وكلدانيين وغيرهم، لم يكن بها أنهار ولا ثمار ولا أشجار. فلذلك أنجاه الله من جحود بني قومه ومن نار الحريق إلى الشام حيث الثمار والأشجار؟! وأما عن كثرة الأنبياء في الشام فهذا ما لا يقوله كتاب الله بل هو قول أئمة اليهود القدماء، حتى أن أحفاد اليهود جادلوا خاتم المرسلين (ص) حول هذا الادعاء الذي نجح آباؤهم في ترويجه حتى استقر بين الناس كحقيقة مسلمة يحرم النظر فيها ناهيك عن التشكيك فيها. فنقرأ في التراث هذه المجادلات
"... قال ابن عباس: إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما قدم المدينة حسدته اليهود مقامه بالمدينة ونظام أمره بها فقالوا بأجمعهم: لقد كرهنا قرب هذا الرجل فلا نأمن منه أن يفسد علينا ديننا فاجتمعوا عنده يوماً فقالوا يا محمد أنت نبي ؟ قال : نعم قالوا من عند الله ؟ قال نعم فقالوا: والله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء وإن أرض الأنبياء الشام كان بها إبراهيم والأنبياء بعده فإن كنت نبياً مثلهم فأت الشام فإن الله سيمنعك بها من الروم إن كنت نبي وهى المقدسة وأرض المحشر، وأن الأنبياء لم يكونوا بهذا البلد.." ( 205 )
كما ينقل صاحب التبيان نفس المعنى بقوله
"... وقال المعتمد ابن أبي سليمان عن أبيه: الأرض التي أرادوا استنزلاه منها: هي أرض المدينة، لأن اليهود قالت له: هذه الأرض ليست أرض الأنبياء وإنما أرض الأنبياء الشام.." ( 206 )
فنحن بترديدنا مقولة إن الشام هي أرض الأنبياء إنما نروج لبضاعة ثقافية يهودية قديمة لم يفكر إلا القليل منا في وضعها على محك التحليل والمطالبة بالحجة والبرهان خصوصاً بعد أن بعث الله خاتم الرسل (ص) من أم القرى - مكة – وفيها ليكون رسولاً لكل الأسرة الإنسانية على وجه الأرض. فكيف تكون الشام أرض الأنبياء وخاتمهم يخرج من أم القرى؟! ولابد هنا من التأكيد على حقيقة أنه ما من نبي بعثه الله إلا في مكة - أم القرى- أو حولها فقط لا غير وذلك بنص القرآن نفسه كما سيتبين لك لاحقاً، ثم انتشروا في الأقطار بأمر الله كما كان الحال مع نبي الله إدريس (ع) حيث توجه إلى القبط داعياً إلى الله. ليس هذا وحسب بل حول الله تعالى رسوله الأعظم (ص) من قبلة أهل الكتاب بالشام إلى قبلة يرضاها
( قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) ( البقرة 144 )
وما يرضى الرسول إلا بما يرضى به الرب وعكس الرضا السخط، وقد كان له ما يريد بإذن الله، فجاءه الوحي بخبر هز أركان يثرب ومن بها من عوام أهل الكتاب وخواصهم بل أربك حتى الأميين إذ أمر تعالى رسوله بأمره :
( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) ( البقرة 144 )

كشف الله تعالى عن الغرض من هذا التحويل حيث تبين أنه ما أبقى نبيه على القبلة الموروثة إلا ليمتحن أتباع رسوله بامتحان صعب، وهو الامتحان الذي سقط فيه الكثيرون كما قال تعالى :
( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) ( البقرة 143 )
وبالفعل اكتشف الكثيرون أنهم لم يستطيعوا احتمال تطبيق رضا الله ورسوله بتصحيح القبلة حين تم تحويلها من الشام إلى مكة، فارتد الكثيرون ممن كانوا يرتضون اعتناق دين محمد (ص) شريطة أن يحملوا معهم مقدسات وزينة الماضي في خروجهم إلى الله مع خاتم المرسلين (ص). وعندما امتحنهم الله في هذا الشرط انقلب الكثير منهم على عقبيه وارتد القهقرى، ولا ندري إن كان هذا الامتحان قد انتهى أم ما زال ساري
المفعول في أمة محمد (ص) المعاصرة. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن علماء أهل الكتاب كانوا يعلمون أن القبلة التي يرضاها الله ورسوله لم تكن في الشام قط، بل كانت دوماً المسجد الحرام منذ سكنها آدم أبو البشر :

( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) ( البقرة 144 ) .

بلى، لقد كان الذين يخفون الحقيقة عن الناس من علماء أهل الكتاب يعلمون أن ما فعله محمد (ص) من تحويل القبلة هو عين الحق. فتصحيح القبلة هو أحد أفضال رسالة خاتم المرسلين التصحيحية، والرجوع عن هذا التصحيح هو رجوع إلى ظلمات الهوى

( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ) ( البقرة 145 )
ويمكن للقارئ أن يتصور ما مر به الرسول الأكرم من ضغوط مجتمعية وتسقيط وأقاويل وبهتان بعد أن أشاح بوجهه الكريم وبكل شجاعة محمدية عن قبلة الشام ليتوجه إلى القبلة الربانية الأصيلة. وهو موضوع ذو شجون بأية حال وله بحث خاص

عوداً إلى الأرض المباركة للعالمين وسؤالنا الملح: أين تقع هذه الأرض المباركة للعالمين؟ من يعرف بقعة أرضٍ احتضنتها بركات السماء؟ أي هذه البقاع على الكرة الأرضية عرفت فضلها الأمم باختلاف أجناسها وأطيافها وألسنتها فشدت إليها الرحال براً وبحراً وجواً كل عام يأتون من كلّ فج عميق أمام مرأى العالم السالف والمعاصر؟ أي بقعة عرفت فضلها الأمم منذ أقدم العصور، ومنهم الفرس على سبيل المثال لا الحصر، فحجوا إليها أحقاباً حتى
قبل البعثة المحمدية بمئات السنين؟ ينقل المؤرخون عن الإخباريين في شأن أممية مكة

"...وإن الفرس قد كانت في سالف الدهر تقصد البيت الحرام بالنذور العظام تعظيما لإبراهيم الخليل عليه السلام بابنه وأنه عندهم أجل الهياكل السبعة المعظمة، والبيوت المشرفة في العالم. وأن رجلاً تولاه فأعطاه المدة والبقاء، واستشهدوا بقول بعض العرب في الجاهلية:
زمزمت الفرس على زمزم وذاك في سالفها الأقدم


وقول من قال منهم أن منوشهر الذي ترجع إليه الفرس جميعا في أنسابها هو منشخر بن منشخرباغ ، وهو يعيش ( 207 ) بن ويزك( 208 ) وويزك هو إسحاق بن إبراهيم الخليل واستشهادهم بقول بعض شعراء الفرس في الإسلام مفتخراً

"أبونا ويزك وبه أسامي إذا افتخر المفاخر بالولادة.."( 209 )

ويوضح المقتبس المذكور أعلاه أن مكة كانت مترسخة في ذاكرة الأمم القديمة. كيف لا وقد ورد ذكرها في أحداث أول إنسان جدنا الأكبر آدم وأبناءه مروراً بجميع الأنبياء منذ آدم إلى خاتم المرسلين محمد بن عبد الله (ص)، مما يفسر تجذر العلاقة الأممية بمكة وارتباط بني آدم جميعاً بموطن الأب الأكبر لهذا الجنس الإنساني. فها هو اليعقوبي ينقل أخبار مكة كما جاءت في ذاكرة الإخباريين العرب القدامى الحاملين لتاريخ هذه المنطقة الحيوية من العالمين الحديث والقديم، والذين يعبر عنهم في المقتبس التالي "بالقوم" أو "بعضهم":
"... وأخرج الله آدم وحواء مما كانا فيه، فيما يقول أهل الكتاب، في تسع ساعات من يوم الجمعة، وهبطا إلى الأرض، وهما حزينان باكيان، وكان هبوطهما على أدنى جبل من جبال الأرض إلى الجنة، وكان ببلاد الهند، وقال قوم: على أبي قبيس، جبل بمكة، ونزل آدم في مغارة في ذلك الجبل سماها مغارة الكنز، ودعا الله أن يقدسها. وروى بعضهم أن آدم لما هبط كثر بكاؤه، ودام حزنه على مفارقة الجنة، ثم ألهمه الله سبحانه أن قال: لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم ! فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه واجتباه، وأنزل له من الجنة، التي كان فيها، الحجر الأسود، وأمره أن يصيره إلى مكة، فيبني له بيتا، فصار إلى مكة وبنى البيت، وطاف به، ثم أمره الله أن يضحي له، فيدعوه ويقدسه، فخرج معه جبريل حتى وقف بعرفات، فقال له جبريل: هذا الموضع أمرك ربك أن تقف له به. ثم مضى به إلى مكة، فاعترض له إبليس، فقال: ارمه ! فرماه بالحصى، ثم صار إلى الأبطح، فتلقته الملائكة، فقالت له: بر حجك يا آدم ! لقد حججنا هذا البيت قبلك ألفي عام.. " (210 )
وحيث ذكر اسم جبل أبي قبيس المطل على الكعبة المشرفة في قبالة بلاد الهند وقع التيه والتشتت. ولكن هل ترتفع هذه الغمة إذا علمنا أن هناك أيضا جبلاً محاذياً لبطن مكة يدعى جبل هندى (انظر خريطة رقم 15 ) ( 211 ) فيكون الإشكال بين جبلين محيطين ببطن الوادي المكي وليس جبلاً بمكة وبلاد في شرق الكرة الأرضية. والجدير بالذكر أن المنطقة الواقعة على مقربة من جبل هندى بمكة تسمى إلى اليوم بمنطقة الهنداوية (انظر خريطة 16). فمن ذا الذي استبدل كلمة "جبل" بكلمة "بلد" فحرف الحقيقة بجرة قلم؟ وفتح بذلك الباب لسيل من التكهنات والإسرائيليات مما نجد حتى في كتب المؤرخين كما نقل صاحب الدر المنثور قائلا
"...وأخرج ابن جرير في تاريخه عن ابن عمر قال ابن عمر إن الله أوحى إلى آدم وهو ببلاد الهند أن حج هذا البيت فحج فكان كلما وضع قدمه صار قرية وما بين خطوتيه مفازة حتى انتهى إلى البيت فطاف به وقضى المناسك كلَّها ثم أراد الرجوع فمضى حتى إذا كان بالمازمين تلقته الملائكة فقالت بر حجك يا آدم فدخله من ذلك فلما رأت ذلك الملائكة منه قالت يا آدم إنا قد حججنا هذا قبلك قبل أن تخلق بالفى سنة فتقاصرت إليه نفسه .. " ( 212 )
فأي بيت هذا الذي يحجه آدم أبو الإنسانية وهو ببلاد الهند؟ طبعا كان لا بد من رأب هذا الصدع ولكن بما يزيد الطين بلة، فالإسرائيليات تعشعش في الضبابية والتشويش.[/font]
فنجد آدم هذه المرة ينثر القرى في خط سفره القاري من الهند إلى مكة بخطوات صاروخية.

http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/58701.jpg
خريطة رقم 15 : جبل هندي هو احد جبال مكة يقع مقابل لجبل أبي قُبيس وكلاهما مطلّان على الحرم المكي.


http://ektob.com/uploads/m/Mohanad68/58702.jpg
خريطة رقم 16 : منطقة الهنداوية بمكة المكرمة تقع على سفح جبل هندى المقابل لجبل أبي قبيس.

فهل في أقوال العرب الأميين دقة وعقلانية أم هو صدى لما دسه أئمة اليهود في عقولنا وثقافتنا لينتهي به المطاف في كتب تراثنا؟ أضف إلى ذلك فإن ذاكرة العرب تعلم أين دفن آدم مهما بدت الأحداث المروية مشوشة :

"... ثم إن ساماً خرج ومعه ابنه، فعرض لهما الملك، فلم يزل معهما حتى صار بهما إلى الموضع الذي أمروا أن يضعوا جسد آدم فيه، فيقال إنه بمسجد منى عند المنارة، ويقول أهل الكتاب: بالشام في الأرض المقدسة..." ( 213 )
وأما الطبري فينقل مزيداً من التفصيل :
"... فأما شيث عليه السلام فقد ذكرنا بعض أمره وأنه كان وصى أبيه آدم عليه السلام في مختلفيه بعد مضيه لسبيله وما أنزل الله عليه من الصحف وقيل أنه لم يزل مقيما بمكة يحج ويعتمر إلى أن مات وأنه كان جمع ما أنزل الله عز وجل عليه من الصحف إلى صحف أبيه آدم عليه السلام وعمل بما فيها وأنه بنى الكعبة بالحجارة والطين وأما السلف من علمائنا فإنهم قالوا لم تزل القبة التى جعل الله لآدم في مكان البيت إلى أيام الطوفان وإنما رفعها الله عز وجل حين أرسل الطوفان وقيل إن شيث لما مرض أوصى ابنه أنووش ومات فدفن مع أبويه في غار أبى قبيس .." ( 214 ) .
كما وينقل الأميني :
" .. هو مدفن أول الأنبياء آدم عليه السلام فإنه توفي بمكة ودفن عند الجبل الذي اهبط منه في الهند، وقيل بجبل أبي قبيس بمكة.." ( 215 ) .
فلماذا اندرس قول العرب الإخباريين الأميين حول ما ازدهرت به أرضهم من تاريخ وأحداث وغلب قول أهل الكتاب العرب الذين ماانفكوا يدفعون بآدم إلى الشام أو الهند؟ هل لأن العرب في أيام الجاهلية لم يملكوا سلاح "هذا من عند الله" ؟ فصار كلامهم في ما يخص تاريخ الأرض التي توارثها أباً عن جد ظنوناً ومحلَّ شك.

ومادمنا نتحدث عن مكان تواجد ادم أبي البشر فلابد من ذكر حواء أمنا التي تركت هي الأخرى حتى اليوم موقعاً ينوه باسمها. وهذا الموقع المقصود يقع على بعد 75 كلم من مكة المكرمة ويحمل اسم "جدة" بمعنى أم الأم وقد غدت هذه الصفة اليوم اسماً يطلق منذ زمن بعيد على مدينة جدة الساحلية المعروفة بالمملكة العربية السعودية. فذاكرة العرب تنقل بهذا الخصوص ما اخبر عنه ابن جبير من خلال رحلته في أواخر القرن السادس الهجري :
"... وجدة هذه قرية على ساحل البحر المذكور ..وبهذه القرية آثار قديمة تدل على إنها كانت مدينة قديمة وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم وبها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر انه كان منزل حواء أم البشر صلى الله عليها عند توجهها إلى مكة فبنى ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته وفضله والله اعلم بذلك.." ( 216 )
أما اليوم فيوجد بهذه المدينة مقبرة تسمى "مقبرة أمنا حواء" بسبب الاعتقاد أن قبرها يقع في تلك البقعة التي تعرف حتى وقتنا الحاضر بمحافظة جدة بالقرب من القشلة القديمة حيث المكان الذي دفنت فيه يعرف اليوم بحي العمارية

يتبع


الهوامش

192 - انستاس ماري الكرملي، إبراهيم الخليل نسله وعصره:
http://www.alseyassah.com/alseyassah/opinion/view.asp?msgID=1616
193 - MESOPOTAMIA- http://www.crystalinks.com/meso.html
194 - نشأة الدولة الكلدانية: "في عام 612 ق . م سقطت مدينة نينوى بيد الأمير الكلداني " نبو بلاصر"، بعد أن حاصرها، ودك حصونها.. فأحرق آخر ملوكها " سن شر أشكن " نفسه في قصره.. وهكذا انتهى النفوذ السياسي والعسكرى للآشوريين، وبدأت صفحة جديدة من تأريخ العراق القديم حمل فيها الكلدانيون مشعل الحضارة في وادي لرافدين. أشهر ملوك الكلدانيين " نبوخذ نصر "..حكم 43 سنة قضاها في تعمير بابل... ولعل أعظم أعماله العمرانية، وأوسعها شهرة، الجنائن المعلقة التي عرفت في التاريخ بكونها إحدى عجائب الدنيا السبع.. وهي قصر عجيب بناه نبوخذ نصر لزوجته "أمانيس" بنت" استياكس".ولأنها من سكنة الجبال، فقد أراد نبوخذ نصر أن يوفر لها مناخاً شبيهاً بمناخ المناطق الجبلية، فبنى قصرها هذا من عدة طوابق، وكل طابق فيه مكسو بالحدائق والأشجار، سحب المياه لسقيها بطرق غاية في البراعة والإبداع. ومن الإبداعات العمرانية التي زخرت بها مدينة بابل (باب عشتار)، المحفوظة ألان في متحف برلين. وقد زينت بآجر مزجج وملون بألوان زاهية، تبرز على جدرانها تماثيل جدارية تمثل الأسد والثور والحيوان الخرافي المسمى " مشخشو " وهو رمز الإله مردوك .." منقول عن:
.http://www.iraqiparty.com/pages/history.php
195- Myths of the Bible-How Ancient Scribs Invented Biblical History، Gary Greenberg. P 115-116
196 - كشديم الواردة في التوراة السريانية أيضاً ليست دقيقة حيث هناك بعضاً من علماء الألسن ممن يرى أن أخطاء وقعت في ترجمة التوراة السريانية أثناء تصويت الحروف الساكنة فتم بذلك ترجمة فعل "قصد" إلى اسم "كشد".
197 - أبو الفرج، المنتظم، ج 1، ص 259
198 - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 140
199 - العليمي، الأنس الجليل، ج 1، ص 27
200 - ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1، ص 202
201 - الطبري، التفسير، ج 17 ، ص 47 ؛ وانظر: ابن كثير، التفسير، ج 3، ص 186 . (باختلاف في الألفاظ).
202 - ابن كثير، قصص الأنبياء، ج 1، ص 191
203 - الطبرسي، تفسير مجمع البيان، ج 7، ص 100
204 - الطوسي، التبيان، ج 7، ص 263
205 - الفتال النيسابوري، روضة الواعظين، ص 407
206 - الطوسي، التبيان، ج 6، ص 508
207 - من الواضح أن المقصود كما جاء بألفاظ الألسن القديمة هو يعيص أو عيص بن إسحاق أخ يعقوب عليه السلام.
208 - يلفظ يزك بالألسن القديمة أيضا(يساك/يسحاك/يسحاق/إسحاق).
209 - المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 95 ؛ نقل نفس الخبر ولكن بألفاظ مختلفة: ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج3
210 - اليعقوبي, تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 5
211 - حسين مؤنس، أطلس تاريخ الإسلام، ص 62
212 - جلال الدين السيوطي، الدر المنثور، ج 1، ص 56
213 - اليعقوبي, تاريخ اليعقوبي، ج 1، ص 17
214 - ابن جرير الطبري، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، ج 1، ص 110
215 - الأميني، الغدير، ج 7، ص 189

عبدالله آل دعبل
06-12-2009, 01:59 AM
تمْ .. يا أبا علي
تقولُ يتبعْ , ونقولُ يتبعْ ونتبعْ
:butt::butt::butt::butt::butt::butt::butt::butt::b utt:

ياسر آل حسن
07-12-2009, 09:00 PM
معذرة عبدالله
اخلفت معك موعدي
اشتغلت على جزء كبير ولم احفظه
جئت لتكملة المشوار ووجدت الأخ الفاضل سي كمبيوطر قد اعاد تشغيل نفسه لسبب ما

غداً سوف اعيد الكرة

معذرة

ياسر آل حسن
08-04-2010, 08:24 PM
http://www.4shared.com/file/91291638/31dd91b6/__-___.html

عبدالله آل دعبل
08-04-2010, 09:35 PM
http://www.4shared.com/file/91291638/31dd91b6/__-___.html


شكراً أُستاذ ياسر على التّتمّةُ التي جاءت في وقتها كالهديّة , فقد عوّدتُني في الآونة الأخيرة على قرآءة الكُتُب الإلكترونيّة , شكراً شُكراً;lov; ;hila;
الآن سأُحاولُ أن أعُدّ العُدّةَ للقرآءة
أمّ الغيم مالش شغل هاا ..
وقبل أن أختم أحببتُ أن أقول للبطّات :



















:evt:

عبدالله آل دعبل
25-07-2010, 10:21 AM
على فكرة : استاذ ياسر أنت من أوّل ما حطّيت الرّابط الأخير لِـ اختطاف جغرافيا الأنبياء .. اطّلعت عليه وكان هو هو ما كتبتَهُ أنت سابقاً لم يزِد حرفاً ولم ينقُص ..
قلتُ لعلّك سوفَ تُتبِعُهُ بآخرٍ يكونُ مكمّلاً له .
ولكن يبدو أنّك لم تلتفت لكلّ ذلك .. فعليك بِإتمامِ ما بدأتَهُ مشكوراً
أكملهُ على أقلّ من مهلك وإلاّ طالبناك للعدالةِ فتصيرُ تُهمُكَ أكثرَ مِمّا هيَ عليه :)

ياسر آل حسن
25-07-2010, 05:46 PM
لم افهم ما تقصد
هل تقصد أن الكتاب ناقص ؟

عبدالله آل دعبل
25-07-2010, 09:24 PM
الحقيقة بعد استفسارك رجعتُ على عُجالةٍ للكتاب لِأتأكّد من ذلك .. فلم أقرأهُ منذ زمناً وبذلك ظنّاً منيّ أنّه ناقص .. وأتّضح لي خطاي
ألآن عليّ قرآءته من جديدٍ لأنّ المعومات تداخلت ونسيتُ أكثرها
نُريدُ أن نرى شيئىاً بل أشياءً جديدة ..