المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تحليل النصوص الأدبية


يوسف آل ابريه
20-08-2010, 01:59 AM
تحيةٌ طيبةٌ،

نزولاً عند رغبة بعض الأصدقاء في خوض غمار اللغة وبحارها الزاخرة، والنقد وفنونه كي نرتقي بكتاباتنا ارتأيت أن أقدم لكم نصوصاً من القمم البلاغية لدى العرب بدءً بالعصر الجاهلي مع بعض الشروح الميسرة للجميع. وذلك بحسب توفر الوقت والرغبة في الكتابة.
ولكن يجدر بنا قبل الولوج في عالم شرح الأبيات أن نفضفض قليلاً ونمهّد تسهيلاً لما سيأتي من أبيات مشروحة. نعلم بأنّ اللغة العربية في رحلة التطور التي مرت بها قد انقسمت على نفسها انقساماً اقتضته ضرورة التعلم والتعليم والتأليف, ثم تضاءل نظام الضرورة شيئاً فشيئاً حتى انتهى الأمر إلى استقلالية الأجزاء عن الجسد الواحد, وأصبح هذا الانقسام الذي فرضته الضرورة أمراً مقصوداً لذاته.

فأصيبت هذه الأجزاء بالشلل التام, ولم تعد قادرة على القيام بوظيفة حيوية كما كانت وهي جزء فعّال ومؤثر في البناء الكلي. ثم أصاب الأجزاء المستقلة ما هو شر من التجزئة وذلك حينما أصبحت غاية تقصد لذاتها, لا وسيلة كما كانت في السابق تعين على الفهم والتذوق وتساعد على التوضيح والإبانة.

تشرذمت علوم اللغة العربية إلى نحو وصرف وبلاغة ونقد, بالإضافة إلى ولوجها في عالم الأصوات ومخارج الحروف, بحيث غدا كلّ علم من هذه العلوم قائماً بذاته مستقلاً عن غيره, وأصبحنا نرى الكتب تؤلف في كل علم على حدة, ورأينا من ينفق عمره في بطون الكتب ويقف على أدق أسرار هذا العلم أو ذاك وهو يكاد يكون بمعزل عما سواه من علوم العربية الأخرى, وهو بالتالي بمنأى عن الاستفادة بهذا العلم الاستفادة الكاملة, فلا هو قادر على أن يكتب بياناً رفيعاً, ولا هو قادر على أن يتذوق أنماط اللغة الرفيعة .

إنَّ الواحد منا اليوم لا يقترب من النص إلا بمقدار ما يتصل بتخصصه, فإذا كان لغوياً انشغل بمفرداته وغريبه وأصواته, وإذا كان عروضياً شغله من الشعر أوزانه وقوافيه وزحافاته وعلله, وإذا كان نحوياً شغله في النص المبتدأ والخبر والفاعل والمفعول والمعرب والمبني وما إليه, وإذا كان صرفياً شغله من النص المجرد والمزيد والميزان والموزون والإعلال والإبدال وما إليه, وإذا كان بلاغياً شغله من النص ما فيه من استعارة وكناية وتشبيه وقصر ووصل وما إليه.

وهكذا يضيع النص في هذه النظرات الضيّقة ويفقد رونقه وروحه ولا يبقى منه شيء. بل إنّ هذه النظرات الضيقة جعلت القوانين المعيارية لعلوم اللغة المختلفة تطبق على الكلام كله رفيعه وركيكه بطريقة واحدة, وإذا كان علماء النحو قد وقفوا بالاستشهاد عند حد زمني معين لم يتخطوه فإن تطبيق القواعد لم يفرق بين عصر وعصر وبيان وبيان, ولا غرو في ذلك.

فالفاعل والمفعول والإعلال والإبدال والكناية والمجاز يمكن أن توجد في كلّ نص رفيع أو ركيك, ولن يستطيع هذا المقياس المجرد أو ذاك أن يكشف عن تفوّق هذا النص أو وضاعة ذاك النص, لأنّ ذلك لا يتم مطلقاً بهذه الأساليب المتباعدة والمتشرذمة. بل إنّ الأمر تعدى ما هو أبعد من ذلك, بحيث نجد الكاتب قد اكتفى في النص عن شيء واحد فقط. كأن يبحث فيه عن الفاعل وحده مثلاً, والحال وحدها, والاستعارة وحدها أهي أصلية أو تبعية أو مكنية أو تصريحية, وهذه الطريقة تصلح فقط لضرورة التعليم كما نفعله مع طلابنا, ولكنها يلزم ألا تتخطّى غرفة الدرس بحال من الأحوال .

إنّ المدخل الصحيح لأيّ نصّ من النصوص هو اللغة بمفهومها الواسع الشامل, لا اللغة المتنافرة الأجزاء. إنّ اللغة بناء متكامل تتعدّد أجزاؤه وتتشعّب, ولكنها تظل أجزاء في البناء الكلي, وإذا صحّ أن تتجزأ لضرورة الدرس والتعليم الطلابي, فإنها يجب ألا تتعدى هذا الإطار في نظام التجزئة, وإلا أصبحت خطراً على النصوص, وهي لم توجد إلا لتكون وسيلة من وسائل فهمها وتذوقها. إننا عندما نستخدم نظام اللغة بأجزائها المتعددة في البحث عن أسرار النصوص تتلاشى الحواجز بين هذه الأجزاء المختلفة .

إن النص الذي يستخدم فيه نظام اللغة بكلّ أجزائها لا يكون حينذاك مقوداً للقوانين والقواعد أياً كانت, وإنما يكون النص قبل القواعد والقوانين وبعدها, وبمعنى آخر لا يكون النص في خدمة القاعدة كما يحدث أثناء تعليم الطلاب وإنما تكون القواعد خادمة للنص, فهي لم تنشأ في الأصل إلا لهذا الغرض وحده.

وبناء على هذا الفهم لوظيفة علوم العربية سوف أطلّ عليكم بشرح أبيات معدودة تخيّرتها من معلقة الشاعر العربي "زهير بن أبي سلمى" محاولاً تحليلها تحليلاً لغوياً تكون اللغة هي غايتي إلى عالم النص. طبعاً المعلقة طويلة جداً ولا يسع المجال لشرحها كاملة ها هنا, ولكننا سنقتطف بعضاً من أبياتها كتطبيق لما ذكرناه, وذلك لرغبة الكثير من الأخوة والأخوات في التعرف على شرح النصوص.

أسأل لنا ولكم السداد والتوفيق والفائدة .

يوسف آل ابريه
20-08-2010, 02:01 AM
قال زهير بن أبي سلمى في أوّل معلقته:
أمن أمّ أوفى دمنة لم تَكَلّم ** بحومانة الدراج فالمتثلّمِ
ديارٌ لها بالرقمتين كأنّها ** مَرَاجعُ وَشْمٍ في نواشر مِعصمِ
بها العين والآرام يمشين خِلْفة ** وأطلاؤها ينهضنَ من كلِّ مَجْثمِ
وقفتُ بها من بعد عشرين حِجةً ** فلأياً عرفتُ الدار بعد توهّمِ
أثافيّ سُفعاً في مُعَرّس مِرجلٍ ** ونُؤياً كجذم الحوض لم يتثلّمِ
فلمّا عرفتُ الدار قلتُ لربعها ** ألا أنعم صباحاً أيها الربعُ واسلمِ
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائن ** تحمّلن بالعلياء من فوق جرثمِ

.................................................. .......

1 أمن أمّ أوفى دمنة لم تكَلّم ** بحومانة الدراج فالمتثلّم
افتتح زهير معلقته بالوقوف على آثار "أم أوفى" وهو لم يقف عليها تعمّداً, وإنما مرَّ عليها مع صاحبه, فلم يعرفها لطول العهد بها, وزهير يعرف المنطقة التي كانت تقيم فيها "أم أوفى"وقومها, إنه يعرف حومانة الدراج ويعرف المتثلم إذا مرّ بهما دونما حاجة إلى إطالة فكر نظر, ويعرف كذلك طبيعة المنطقة من حولها, يعرف طرقها وجبالها ومنازل الأقوام من حولها.
إنه يعرف ذلك كله معرفة الخبير, ولكنه في الوقت نفسه لا يرى من آثار "أم أوفى"شيئاً بارزاً فكل ما تبقى من آثار القوم يشبه بعضه بعضاً, وذلك لأن عوامل الطبيعة قد محت الفروق بين مكان "أم أوفى"ومكان غيرها, وزهير لا يبحث عن آثار أي آثار ليقف عليها, ولا يبحث عن آثار قوم "أم أوفى"وإنما يبحث عن آثارها هي وحدها, فهي وحدها التي تفجّر الذكريات في قلبه وتشعلها. ومن هنا صحّ لزهير أن يقول: "أمن أم أوفى دمنة "ولم يقل: "أمن دمن أم أوفى دمنة" فأجرى كلامه على الحذف, لأنّ القضية قضية "أم أوفى "لا قضية الديار ولا الآثار ولا الدمن. ولو لم تكن لذكريات "أم أوفى"حياة في هذه الديار لكانت مواتاً, لا فرق بينها وبين ما يحيط بها من جبال وأحجار.

أما قوله في نهاية الشطر الأول: "لم تكلّم"فأصلها لم تتكلّم بحيث حذفت إحدى التائين تخفيفاً وللحفاظ على الوزن الشعري, ومعناها: لم تبين أو لم يتكلم أهلها, لأنه لم يبقَ منهم أحد, فجعل كلام أهلها كلاماً لها على سبيل المجاز, أما عطف "المتثلم"على حومانة الدراج بالفاء ليفيد بأنّ إقامتها أي "أم أوفى"كانت في هذا المكان ثم ذاك المكان ترتيباً وتعقيباً, فهما مكانان وليسا مكاناً واحداً لها بهما آثار ودمن, فكأنه وقف هنا مرّة وهناك مرّة فلم يجد للدمن كلاماً ولا بياناً ولا صورة, ولم يعرف منها شيئاً مما يعرف عادة من آثار القوم, لأن الدمن المبينة دمن بعينها, وهي دمن "أم أوفى "ولم يكن قد عرفها بعد.

والاستفهام في البيت ليس على حقيقته وإنما يقصد به التوجع والتفجع والتحسر, ولكن برغم ذلك يبقى الاستفهام فيه قائماً لا ينفصل عنه, وقد يكون الاستفهام موجهاً لنفسه, وقد يكون موجهاً إلى شخص كان معه, والذي دعاه إلى بناء كلامه على هذا الأسلوب أنه وقف على ديار "أم أوفى"فلم يعرفها معرفة يقين, إنها أحياناً تبدو له هي بعينها, وأحياناً تساوره الشكوك حول حقيقتها, وديار الأحباب مثيرة للذكرى, باعثة للأشجان, وهذه أمور غائمة في وجدانه. إنها ليست واضحة قاطعة فيتخلص من حيرته وتوهمه, إنّ بناء أسلوبه على السؤال ينبئ بهذه الحيرة والتردد والشك في هذه الديار التي وقف عليها.

يوسف آل ابريه
20-08-2010, 08:05 PM
2 ديارٌ لها بالرقمتينِ كأنَّها ** مراجعُ وشمٍ في نواشرِ مِعصمِ

وقعت "ديار"في هذا البيت خبراً لمبتدأ محذوف وتقديره "هي"وهذا الضمير عائد على الدمن في البيت السابق, فهذه الدمن التي حدّثنا عنها في مفتتح قصيدته قائمة في المنطقة التي تقع بين الرقمتين. والرقمتان موضعان قيل أحدهما قرب المدينة والآخر قرب البصرة ويروى غير ذلك. فزهير يعرف المنطقة التي تقع فيها ديار "أم أوفى"معرفة يقين ويعرف حدودها, ويعرف ما قبلها وما بعدها. إنه كما ذكرنا يعرف ذلك كله معرفة يقين, ولكنه حينما وقف على هذه المنطقة ليتبين آثارها لم يعرف منها أول الأمر شيئاً محدداً يخصّ "أم أوفى"وإنما رأى آثاراً على الأرض لا تكاد تظهر, ولا يتبين فرق بين أثر وأثر, فكلها تحولت إلى خطوط متشابهة.

كالوشم المجدد في الأيدي المعروقة أي ذات العروق البارزة. وزهير لم يشأ أن يشبه ديار "أم أوفى " بالوشم حتى جعله وشماً مجدداً, ولم يكتفِ بذلك حتى جعله في يد عجفاء بادية عروقها. والعروق البادية في نواشر المعصم تعني أن الجلد الذي يكسو اليد قد فقد ملاسته, وهذا كله مما يقرب الشبه بين المشبه والمشبه به ولذلك استخدم "كأنما "ليدل بها على قوة التشبيه بينهما.
ونحن الآن لا نعرف على وجه التحديد مكان الرقمتين, غير أننا لا نستبعد أن يكون هناك مكانان لديار "أم أوفى "على التعاقب بينهما, ودليلنا عطف "المتثلم "على "حومانة الدراج "في البيت السابق فهو يوحي بذلك ويدعمه. عليه فلا مانع أن تكون ديار "أم أوفى "بالرقمتين ", وبذلك يلتقي معنى البيت الثاني بمعنى البيت الأول في يسر وسهولة.

سلطان اليباب
20-08-2010, 11:15 PM
جهد مميز : )

مع أني أستطيع تمييز الكلمات الدالة على المواضع في الشعر في القديم إلا أني لا أجد الحافز الكبير لمعرفة أماكنها إنما يستثيرني ذلك لمعرفة إحالاتها لدى الشاعر أحياناً و أعتقد أن الشاعر في الزمان القديم كان همه تخليد الأماكن بذكرها في شعره... و لهذا أجد معظم الشعر الجاهلي يفتتح بذكر الحبيبة و مكانٍ ما يبكيه الشاعر أو يعرِّج عليه مع صاحبه.

يقلقني عندما أقرأ قصيدة مثل هذه أني أتشتت من كثرة الكلمات التي لا أستطيع فك طلاسمها و معرفة سياقها في الشعر : )

محبتي : فاضل

يوسف آل ابريه
21-08-2010, 03:03 AM
جهد مميز : )

مع أني أستطيع تمييز الكلمات الدالة على المواضع في الشعر في القديم إلا أني لا أجد الحافز الكبير لمعرفة أماكنها إنما يستثيرني ذلك لمعرفة إحالاتها لدى الشاعر أحياناً و أعتقد أن الشاعر في الزمان القديم كان همه تخليد الأماكن بذكرها في شعره... و لهذا أجد معظم الشعر الجاهلي يفتتح بذكر الحبيبة و مكانٍ ما يبكيه الشاعر أو يعرِّج عليه مع صاحبه.

يقلقني عندما أقرأ قصيدة مثل هذه أني أتشتت من كثرة الكلمات التي لا أستطيع فك طلاسمها و معرفة سياقها في الشعر : )

محبتي : فاضل


عزيزي فاضل

شكراً لمرورك وتعقيبك

إنني أوافقك الرأي بأننا نستطيع تمييز الأماكن الدالة على المواضع في

الشعر القديم لا سيما الجاهلي , لكنني أخالفك الرأي عندما قلت بأنك

لا تجد الحافر كبيراً لمعرفة الأماكن , فمعرفة الأماكن لها دلالات

وإيحاءات لدى الشاعر الجاهلي بالذات , وفي خاطري موضوع حول هذا

المعنى , أي قيمة ذكر المكان في القصيدة العربية ولكني سأتركه للوقت ,

أما عن غرابة الكلمات التي تشبه الطلاسم كما تقول , فهي كذلك فطبيعة

القوم هي التي فرضت عليهم هذه اللغة , ولو عاشوا في زمن أبي نواس

لكانت اللغة سلسة رشيقة , كما يقول صاحبنا أبو نواس :

نــبّـــه نـديـمـك قـــد نــعـــس *** يــســقــيـــك كــأســـاً فـي الـغـلـس


كل الود

يوسف آل ابريه
21-08-2010, 03:04 AM
3 بها العينُ والآرامُ يمشينَ خلفةً ** وأطلاؤها ينهضنَ من كلِّ مجثمِ

يستحسن بنا قبل شرح البيت أن نبين معاني الكلمات الواردة فيه, فالعين: هي جمع عيناء وهي البقرة الوحشية, سمّيت بذلك لسعة العينين وحسنهما. والآرام: جمع رئم, وهو الظبي الأبيض الخالص البياض. وأطلاؤها: جمع طلا, وهو ولد الظبي والبقرة والشاة ساعة يولد إلى نصف شهر وقيل إلى شهر أو أكثر. وخلفة : فوج بعد فوج, وقيل هذه مقبلة وتلك مدبرة, هذه صاعدة وتلك نازلة. والمجثم: الموضع الذي يُجثم فيه أي يقام.

الشرح: كان وجود البقر الوحشي والظباء في تلك المنطقة عاملاً من العوامل التي حالت بينه وبين التعرف على مكان "أم أوفى". إنّ هذه المنطقة بعدما خلت من ساكنيها أصبحت مرتعاً لضروب من الوحوش تعيش فيها آمنة مطمئنة, لا ينغص عليها إقامتها إنسان, وهي لا تطمئن إلا حيث تجد الأمان والطعام, وقد وجدتهما في هذا المكان, فعاشت فيه آمنة مطمئنة تأكل وتشرب وتتناسل, وأولادها تتناثر هنا وهناك في أمن ودعة, لا يتعلق الواحد بأمه إذا غدت, ولا يلتصق بها إذا راحت. فلا هو يشكو جوعاً ولا ظمأ, ولا يخاف على نفسه من عدوان إنسان أو حيوان, بل ولا تتقاتل على طعام ولا ماء. ففي المنطقة ما يكفيها ويزيد, فهي من أجل ذلك تمشي خلفة, تذهب وتجيء, وتروح وتغدو, فلا يضيق أحد منها بأحد ولا يكدر وجود قطيع فيها صفو وعيش قطيع آخر. وهذا يعني أن إقامتها إقامة دائمة وليست مؤقتة, ويساعد على هذا تقديم الجار والمجرور في قوله "بها العين والآرام" لأن هذا الجار والمجرور يمكن أن يكون خبراً مقدماً وتكون الجملة كاملة مستقلة على هذه الصورة.

فالعين والآرام مقيمة بها, ألفتها واستراحت إليها واطمأنت إلى المكث فيها, والحياة على هذه الصورة تعني أن المنطقة كانت ممرعة مخصوصبة, وإذا كانت المنطقة على هذه الصورة فإنها تكون مطمعاً للقبائل المختلفة التي تسعى وراء الخصب والماء, فتضرب فيها خيامها وتقيم فيها حتى ينضب الماء ويجف الكلأ, فينتقلون عنها إلى غيرها. فلماذا تركت إذن "أم أوفى "وقبيلتها هذه المنطقة الممرعة إلى غيرها؟ لا بدّ أن هناك أمراً قاهراً هو الذي حملها وأهلها على ترك هذه الديار , أم ترى أن هذه المنطقة أمرعت وأخصبت وأترعت بعد رحيل أم أوفى , ربما. ولكن لماذا لم يعمرها الإنسان وتركها للحيوانات تسرح فيها وتمرح ؟ أم لأمر قهري جعل هذه المنطقة حراماً على الإنسان, حلالاً للبقر والظباء وأولادها؟ إنّ هناك أسئلة كثيرة يفجرها هذا البيت ولا يمكن الإجابة عنها إلا بالنظر في القصيدة كلها.

عبدالله آل دعبل
21-08-2010, 07:17 AM
موضوعكم جدّ قيّمٌ ومهمٌ وغزيز
هكذا اعتدتُ مسامرةَ نصوصي على الأقل .. لا سيما القصيدةُ التي أطلعتكم عليها أستاذ , فلها شرحٌ بهذا الشّكل ..
ربّما بعد رمضان طرحتُ تسآؤلاً أو أكثر حول عمليّة التّحليل الوافيةِ هذه والتي قلّما نراها اليوم
تحيّاتي
نسيتُ شيئاً مهمّاً أقوله لفاضل : الآن أحسبُ أنّك تعذرني يا فاضل فالعمليّةُ كما ترى شاقّةٌ ومتعبةٌ بشكلٍ كبيرٍ و تحتاجُ لجهدٍ لا يُصدّق..

يوسف آل ابريه
21-08-2010, 07:56 PM
موضوعكم جدّ قيّمٌ ومهمٌ وغزيز
هكذا اعتدتُ مسامرةَ نصوصي على الأقل .. لا سيما القصيدةُ التي أطلعتكم عليها أستاذ , فلها شرحٌ بهذا الشّكل ..
ربّما بعد رمضان طرحتُ تسآؤلاً أو أكثر حول عمليّة التّحليل الوافيةِ هذه والتي قلّما نراها اليوم
تحيّاتي
نسيتُ شيئاً مهمّاً أقوله لفاضل : الآن أحسبُ أنّك تعذرني يا فاضل فالعمليّةُ كما ترى شاقّةٌ ومتعبةٌ بشكلٍ كبيرٍ و تحتاجُ لجهدٍ لا يُصدّق..

العزيز عبدالله

أهلاً بك

كثير من الشعراء اليوم ولعلي أحدهم لا يهتمون بهذه الجوانب المتكاملة

في اللغة , وإنما ينظمون شعرهم كيفما أرادوا , ويتوهّم البعض أنّ صنعة

زهير الشعرية فيها تكلّف , ولكن الذي لم يعقلوه بأنه هناك فرق كبير

بين الصنعة العالية والتي يمثلها زهير وأبي تمام مثلاً والصنعة الهابطة ..


كل الود

يوسف آل ابريه
21-08-2010, 07:56 PM
4 وقفتُ بها من بعدِ عشرين حجةً ** فلأياً عرفتُ الدارِ بعد توهّمِ
هنا يعرفنا الشاعر الفترة الزمنية التي مضت عليه منذ آخر عهده بهذه الديار. إنها عشرون عاماً وهي مدة زمنية طويلة. إنها مدة زمنية كافية لتتغير فيها معالم المنطقة وتمحى آثارها, ولا يتبقى منها إلا ما لا يحدد معالمها. ومن هنا نظر الشاعر وأطال النظر, وتأمّل وأمعن في التأمل ليقف على يقين من أمر دار "أم أوفى"بدلاً من التوهم الذي وقع فيه لطول العهد وتشابه الآثار, وكثرة ما فيها من الحيوان الوحشي.

إنه عرف دارها, ولكن لم يعرفها بسهولة ويسر, إنه لاقى في ذلك جهداً ونصباً, واختلط عليه الأمر في أوله, ولم يزل يحقق ويدقق ويتعرف على المعالم الخاصة حتى أدرك أنها هي الدار بعينها حقاً ويقيناً لا ظناً وتوهماً. والملاحظ أنه أفرد "الدار "هنا, وكان قد جمعها في البيت الثاني, وأنه قرن الجهد والمشقة والتوهم بالدار المفردة هنا. ولم يذكر شيئاً من ذلك هناك. وذلك لأنه هناك لم يكن يتحدث عن دار أم أوفى بعينها وإنما يتحدث عن ديار قومها التي تحل حيثما حلوا وترحل أينما رحلوا.

وهذه الديار ديار قومها يعرفها بدون جهد ولا مشقة, فالمنطقة بالنسبة إليه معروفة, ولكن المشكلة في دار واحدة بعينها من بين هذه الديار. المشكلة هي في دار "أم أوفى" وهي دار واحدة لا ديار, وهي التي نصّ عليها هنا, وهي التي وقف عليها وأطال الوقوف, وأدركها توهماً أول الأمر ثم عرفها يقيناً بعد أن بذل الجهد والمشقة والتأمل والنظر.

عبدالله آل دعبل
21-08-2010, 08:58 PM
العزيز عبدالله

أهلاً بك

كثير من الشعراء اليوم ولعلي أحدهم لا يهتمون بهذه الجوانب المتكاملة

في اللغة , وإنما ينظمون شعرهم كيفما أرادوا , ويتوهّم البعض أنّ صنعة

زهير الشعرية فيها تكلّف , ولكن الذي لم يعقلوه بأنه هناك فرق كبير

بين الصنعة العالية والتي يمثلها زهير وأبي تمام مثلاً والصنعة الهابطة ..


كل الود




أستاذ لعلّ عدم اهتمامنا اليوم بكلّ هذا الجمال , ذلك الإهتمام العالي , يعودُ إلى غربتنا عن اللغةِ العربيّةِ الفُصحى .. وإلى ما أوردتهُ في بدايةِ حديثك عن تقسيمِ علومِ اللغة
نحنُ نبرّرُ هذه الغربة بلزوم السّهل .. !! , كنتُ وما زلتُ أقولُ لي : إذا كان شاعرٌ كزُهير وأبي تمّام والمتنبّي يصنعون بقصائدهم كلّ هذا - وهم أهل اللغة - بقربهم من عهدِ الجزالةِ والفصاحة .. فكيف بنا نحن ؟ أَليسَ من الأولى بنا محاولة التّدقيقِ على الأقل ؟
أضربُ المثل أيضاً بالسيّد حيدر الحلّي رحمة الله عليه فكما عُرف عنه أنّهُ يُمحّصُ قصائدهُ تمحيصاً شديداً قبل عرضها بعد عامٍ أو أكثر على أحد الأدباء الذين بمقامه ..
وكان عهدهم أقربُ للفُصحى أيضاً.. , واليوم نحن نكتُبُ ولا نُبالي ..
الصّنعةُ العالية طريقي الذي أتمنّى أن أُثبّتَ قدمي فيه بقوّة
كلّ هذا الكلام لا أُنادي به إلى الكلاسيكيّة , بل على الشّاعر أن يكتُب بكلّ شكلٍ ولونٍ ممكن
أَلا توافقني الرّأي أنّ القصيدةَ الحديثة فقدت الكثير من كلّ تلك الجماليّات إضافةً إلى حُسنِ الابتداء وحسن التّخلّص وحسن الخاتمةِ أيضاً ؟
كنتُ سأخرجُ عن النّص بالحديثِ عن بيتِ أبي نواس الذي ذكرته طرداً للروتينيّةِ ربّما , لكن ليسَ لزاماً
أرجو ألاّ أكون قد ابتعدتُ بموضوعكم كثيراً
تحيّاتي

يوسف آل ابريه
22-08-2010, 01:18 AM
أستاذ لعلّ عدم اهتمامنا اليوم بكلّ هذا الجمال , ذلك الإهتمام العالي , يعودُ إلى غربتنا عن اللغةِ العربيّةِ الفُصحى .. وإلى ما أوردتهُ في بدايةِ حديثك عن تقسيمِ علومِ اللغة

نحنُ نبرّرُ هذه الغربة بلزوم السّهل .. !! , كنتُ وما زلتُ أقولُ لي : إذا كان شاعرٌ كزُهير وأبي تمّام والمتنبّي يصنعون بقصائدهم كلّ هذا - وهم أهل اللغة - بقربهم من عهدِ الجزالةِ والفصاحة .. فكيف بنا نحن ؟ أَليسَ من الأولى بنا محاولة التّدقيقِ على الأقل ؟
أضربُ المثل أيضاً بالسيّد حيدر الحلّي رحمة الله عليه فكما عُرف عنه أنّهُ يُمحّصُ قصائدهُ تمحيصاً شديداً قبل عرضها بعد عامٍ أو أكثر على أحد الأدباء الذين بمقامه ..
وكان عهدهم أقربُ للفُصحى أيضاً.. , واليوم نحن نكتُبُ ولا نُبالي ..
الصّنعةُ العالية طريقي الذي أتمنّى أن أُثبّتَ قدمي فيه بقوّة
كلّ هذا الكلام لا أُنادي به إلى الكلاسيكيّة , بل على الشّاعر أن يكتُب بكلّ شكلٍ ولونٍ ممكن
أَلا توافقني الرّأي أنّ القصيدةَ الحديثة فقدت الكثير من كلّ تلك الجماليّات إضافةً إلى حُسنِ الابتداء وحسن التّخلّص وحسن الخاتمةِ أيضاً ؟
كنتُ سأخرجُ عن النّص بالحديثِ عن بيتِ أبي نواس الذي ذكرته طرداً للروتينيّةِ ربّما , لكن ليسَ لزاماً
أرجو ألاّ أكون قد ابتعدتُ بموضوعكم كثيراً

تحيّاتي


العزيز عبد الله

يسعدني أن أراك ثتري هذه الصفحة بهذا الجمال والكرم ,

طبعاً , بما أننا اتينا على ذكر الشاعر أبي تمام فلابدّ لنا في يوم من

الأيام من وقفة طويلة معه , فهو آية الصنعة وأستاذها وكل الذين جاؤوا

بعده مدينون لعبقريته ..

كل الود

يوسف آل ابريه
22-08-2010, 01:21 AM
5 أثافيَّ سُفْعَاً في مُعرَّسِ مِرجلٍ ** ونؤياً كجذمِ الحوضِ لم يتثلمِ

هذه هي المعالم الأساسية التي تعرف عليها بعد طول نظره وتأمله. وهي المعالم التي صيّرت الظنّ عنده إلى يقين في أمر دار "أم أوفى ". إنه تعرف على بقايا المواقد التي كانت توقد فيها النيران للطهي وتعرف كذلك على ما تبقى من الحواجز التي كانت تحاط بها الخيام لئلا يغرقها ماء المطر. وهذه المعالم يبدو لأول وهلة أنها ليست بذات خطر, فكل خباء يحيطه أصحابه بما يقيه من الغرق. وكل خباء يطبخ أصحابه ليأكلوا. فهذه المعالم ليست خاصة بدار "أم أوفى"حتى تكون فاصلة عنده بين التوهم واليقين.

ولكن الذي يبدو أن "أم أوفى "هذه لا تسكن داراً كالدور، وليس أهلها كعامة الناس. فالذي يبدو أن أهلها سادة في قومهم وأنهم كرماء, يديمون الطبخ ويديمون إحراق الحطب في المواقد لإنضاج الطعام, ليأكل الناس ويشبعوا. ومن أجل ذلك اكتسبت حجارة المواقد هذا اللون المميز الذي اختصت به دون غيرها. ولو كان أهلها يطبخون لإطعام أنفسهم فقط أو يطبخون لعدد من الناس قليل لاكتسبت الحجارة اللون الأسود وحده من تكرار دخان النار.

ولكن لما كثر الوقود وكثرت الطهي، أثّرت الحرارة المستمرة على جرم الحجارة نفسه فأكسبته هذا اللون الأحمر وبقيت آثار الدخان هناك فتركت في الحجارة سواداً، فاختلط هذا اللون بذاك اللون, وأصبحت حجارة مميزة لا تشاركها حجارة القدور الأخرى في هذه الخاصية. ثم إنّ هذه الأثافي احتفظت بهذا اللون عشرين عاماً ولم تغيّر عوامل الطبيعة من هذه العوالم شيئاً. وإن تكن أثرت فيها بعض التأثير بدليل وقوفه وكثرة تأمله وتوهمه أول الأمر. أرأيت كيف كانت هذه المعالم هي الفيصل بين التوهم واليقين في أمر دار "أم أوفى"بعد أن بدا أول الأمر أنها لا تدل على شيء.

عادل دهنيم
22-08-2010, 02:53 AM
مساعدة بسيطة:

أثافيَّ سُفْعَاً في مُعرَّسِ مِرجلٍ ** ونؤياً كجذمِ الحوضِ لم يتثلمِ

أثافي: جمع أثافية وهي الحجرة الصَّماء التي توضع عليها قدور الطبخ وهي ثلاث أثافي. وقالت العرب عندما تأتي مصيبة بعد مصيبتين على التوالي "ثالثة الأثافي"
سعفاً: صفة للأثافي وهو لون سواد حرق الخشب مختلط باللون الأحمر من حرارة النار.
مُعَرَّس: من الفعل أعْرَسَ وهو من يسير في النهار ويُعَرِّسُ أي ينزل أول الليل ليستريح، والمعرَّس موضع التَّعْرِيس.
المرجل: موقد الطبخ
النَّؤْي: حُفرة حول الخِباء لئلا يدخله ماء المطر
الجُذْمُ: القَطْعُ
لم يَتَثَلَّمِ: أي لم يندثر وتختفِ معالمه
بس يوسف أليس غريباً أن لا تتغير ملامح حفرة في أرض صحراوية لمدة عشرين سنة؟

وأثافي هنا محلها النصب بتقدير: لقد عرفتُ أثافيَّ سعفاً.
فهل أثافي ممنوعة من الصرف أم أن الشاعر استخدم الضرورة الشعرية؟

عبدالله آل دعبل
22-08-2010, 02:54 PM
بس يوسف أليس غريباً أن لا تتغير ملامح حفرة في أرض صحراوية لمدة عشرين سنة؟



جميلٌ أبا الحسن هذه المساعدة الثريّة ,,
دعوني أُشارككم بالمحاولة .. , ريثما يُجيبُكَ الأستاذ يوسف
ملامح الحفرة التي في الأرض لم تتغيّر للدلالةِ أنّ تلك الأثافيّ أكثرُ من مجرّدِ حجارةٍ وُضِعت للطّبخ ..
هنا تتّضحُ الرّمزيّةُ في الشّعر العربيّ , والذي يظنّ الأكثريّة العظمى أنّ أهل ذاك الزّمان مِمّن اصطُلِح على تسميتهِ بالجاهلي أنّهم جهّال, فهم ليسوا جُهّالاً بل كانوا على اطّلاعٍ خطير .. وأنّهم ليسوا أهل تهويلٍ ولا كما يُحاولُ تصويرهم البعض بأنّهم قولٌ ولا فعل أو أهل مفاخرةٍ جوفاء وحروبٍ وعنجهيّة , ولم يكن شعرهم كلامٌ موزونٌ ومقفّى وخيالٌ وحنينٌ وانتهى الأمر ..
أقولُ الآن لفاضل من يغوصُ فيه محاولاً فكّ شيفرةِ طلاسمه يتخلّصُ لسرٍّ مكنون .. بل أسرار , وهنا تكمُنُ أهميّةُ الأماكن في الشّعر الذي جاء كالتّدوين لها ..
إذا ترابطت كلّ هذه الحلقات المفقودة وقفنا على أسرار الدِّمَن والدّارات التي تُنيفُ على المئةِ ربّما .. , إلى جانب كلّ هذه الألوان التي يُضفيها الشّاعر على قصيدته من بديع فِكرِهِ وفِكَرِه ..

هل تروي هذه الكأس :an:
أظنّها كذلك إلى رمضانِ القادمِ وما بعده ..
تحيّاتي

يوسف آل ابريه
22-08-2010, 08:05 PM
مساعدة بسيطة:

أثافيَّ سُفْعَاً في مُعرَّسِ مِرجلٍ ** ونؤياً كجذمِ الحوضِ لم يتثلمِ

أثافي: جمع أثافية وهي الحجرة الصَّماء التي توضع عليها قدور الطبخ وهي ثلاث أثافي. وقالت العرب عندما تأتي مصيبة بعد مصيبتين على التوالي "ثالثة الأثافي"
سعفاً: صفة للأثافي وهو لون سواد حرق الخشب مختلط باللون الأحمر من حرارة النار.
مُعَرَّس: من الفعل أعْرَسَ وهو من يسير في النهار ويُعَرِّسُ أي ينزل أول الليل ليستريح، والمعرَّس موضع التَّعْرِيس.
المرجل: موقد الطبخ
النَّؤْي: حُفرة حول الخِباء لئلا يدخله ماء المطر
الجُذْمُ: القَطْعُ
لم يَتَثَلَّمِ: أي لم يندثر وتختفِ معالمه
بس يوسف أليس غريباً أن لا تتغير ملامح حفرة في أرض صحراوية لمدة عشرين سنة؟

وأثافي هنا محلها النصب بتقدير: لقد عرفتُ أثافيَّ سعفاً.
فهل أثافي ممنوعة من الصرف أم أن الشاعر استخدم الضرورة الشعرية؟

عزيزي عادل

شكراً من القلب لإيضاحك معاني الكلمات الواردة في البيت وتجشمك عناء

البحث والمطالعة معنا ..

فقط , أشير إلى أن كلمة " الأثافي " هي جمع " أُثْــفِــيــه " بضم

الهمزة وسكون الثاء وكسر الفاء , و " الأثافي " في البيت هي بدل

من كلمة " الدار " الواردة في البيت السابق الذي قال فيه :

وقـفـت بـهـا مـن بـعـد عـشـريـن حـجـة ** فـلأيـاً عـرفـت الـدارَ بـعـد تـوهـم

فهي بدل بعض من كل منصوب , و" الأثافي " ممنوعة من الصرف

لأنها على صيغة منتهى الجموع كأمنية وأماني , وأضحية وأضاحي .

أما عن استفسارك الذي قلت فيه : أليس غريباً ألا تتغيّر ملامح حفرة

في أرض صحراوية لمدة عشرين سنة ؟

فليس ذلك بغريب ونحن نشاهد اليوم بعض الأماكن لا تزال محتفظة

بملامحها وإن بدا عليها التغيّر قليلاً بحكم عوامل الطبيعة ..


كل الود

يوسف آل ابريه
23-08-2010, 02:05 AM
6 - فلما عرفتُ الدَّارَ قُلتُ لربعها ** ألا أنعمْ صَبَاحَاً أيُّهَا الرَّبعُ واسلمِ



الآن فقط أدرك زهير دار "أم أوفى" يقيناً بعد أن تعرف على أهم المعالم المميزة لهذه الدار، فلم يعد هناك شكّ أو توهّم، وعند ذاك توجّه إلى الدار وحيّاها كما يحيى الناس بعضهم بعضاً. إنّ الدار حينئذ لم تعد حجارةً وآثاراً كمراجع الوشم الخرساء، ولكنها أصبحت ربعاً يفيض بالبشر والتواصل.

إنّ دقّات قلبه زادت في هذه اللحظات وحبل التأمل والتفكير انقطع، ونطق لسانه بالتحية التي كان يحيي بها الدار يوم أن كانت عامرة بأهلها، زاخرة بالحياة، يتصل بها قلبه اتصالاً وثيقاً، ويظل مشدوداً إلى هذه الدار مهما طوّحت بها المفاوز ذات اليمين وذات الشمال.

حيّاها ودعا لها بالسلامة كما كان يحييها في الماضي ويدعو لها بالسلامة. فإذا كانت الدار في الماضي تضم بين جنباتها "أم أوفى" قبلة قلبه ومهبط فؤاده فإنّ آثار الديار هي التي تعيد له هذه الأيام بكل ما فيها من وصل وصد، وقرب وبعد، ونعيم وحرمان، تعيد له هذه الأيام بكل ما لها وما عليها، إنها قطعة من عمره وجزء من شبابه، ستظل حيّة باقية ما بقيت هذهالآثار، فلمَ لا يدعو لها بالسلامة، ولمَ لا يحييها ؟

قد ذكر بعض الشُّرَّاح أنّ الدعاء في الظاهر للربع وفي المعنى لمن كان يسكن الربع ممن يألفه ويحبه، ولكننا نقول بأنّ التحية هنا والدعاء للربع ذاته، فالربع هنا ليس قطعاً من الحجارة المنتشرة التي لا تعني شيئاً ولا تدل على شيء، ولكنه ربع يمثّل إلى الشاعر جزءاً من نفسه وقطعة من فؤاده؛ يتغلغل في وجدانه ويمتزج بمشاعره. فهو قطعة منه لا يمكن أن يفصلها عن نفسه، ولا إرادة له في التنصل منها. وهو لم يحيِّ الدار ساعة وقف عليها لأنه يبحث عن دار خاصة، ولم يدعُ للديار لحظة أن عرفها توهّماً، ولكنه حيّا وسلّم ودعا ساعة أن عرف وتيقن.

حينئذ وجد نفسه في آثار هذا الربع، واستعاد ماضيه، ونطق بالتحية والسلام من حيث أراد أو لم يرد، وقد ربط بين التحية وبين معرفة الدار بأداة الشرط " لما" مما يوحي أن هناك تلازماً بين معرفة الدار يقيناً وبين تحيّتها، فلما تحقق فعل الشرط "عرفت" ترتّب عليه تلقائياً جواب الشرط " قلت لربعها ..... " فليس هناك إرادة ولا حرية ولا اختيار في أمر التحية والدعاء، وإنما هو التلازم بين فعل الشرط وجواب الشرط.




7 - تَبَصَّرْ خليلي هل ترى من ظعائنٍ ** تَحَمَّلنَ بالعلياءِ من فوقِ جرثمِ


هنا وصل زهير إلى الاستغراق في ربع "أم أوفى" بعد أن عرفه يقيناً، وانشغل به الانشغال كله، فقد ملأ عليه وجدانه، ولم يعد قادراً على مواصلة النظر في هذا الطريق أو ذاك تتبعاً "لأم أوفى" نفسها، فطلب من خليله الذي شاركه الرحلة والوقوف على ديار أم أوفى أن يمدّ بصره ناحية العلياء من فوق جرثم، لعله يرى بعض الظعائن المرتحلة، لأن صاحبه ليس شأنه كشأنه، فلا تمثّل له هذه الحجارة شيئاً، ولا تحرّك فيه شعوراً، إنها آثار كغيرها من الآثار الأخرى، وأحجار كغيرها من الأحجار المتناثرة، فموقفه منها كموقفه من غيرها.

ولأنه كذلك طلب منه أن يتبصّر عسى أن يجد للظعائن أثراً، و"من" في قوله: "من ظعائن" تدل على أنه يطلب ولو خيطاً واحداً يصله ببقية الظعائن، إنه يريد ولو ظعينة واحدة. ولعلنا نلاحظ أنه قال لصاحبه " تبصّر"ولم يقل له" انظر أو أبصر" لأنّ الفعل "تبصّر" فيه إدامة النظر وتكراره المرة بعد المرة، وفيه بذل الجهد والمشقة كذلك على عكس "انظر أو أبصر" فإنه يمكن أن يكتفي فيها بالنظرة الواحدة.

ولمّا كانت الظعائن ليست شيئاً تافهاً ولا صغيراً بحيث يحتاج إلى جهد ومشقة في النظر إليه وإدراكه إن كان في مرمى البصر، فإن التبصّر هنا يمكن أن يدل على شيء آخر غير النظر إلى الظعائن ذاتها. إنّ زهيراً بذل جهداً كبيراً حتى تعرف على ربع "أم أوفى" وفي هذا دلالة على طول العهد بفراق أم أوفى لهذه الديار، فالبحث عن الظعائن على مقربة من الديار ضرب من العبث.

ومن هنا قال بعض الشراح أنه قال لصاحبه ما قال لفرط ذهوله وشدة ولهه وذلك لأنّ رؤية خليله لهن بعد مضي عشرين عاماً محال. غير أنني أقول: ليس هناك ذهول ولا شدّة وله ولا تعلّق بمحال. إنزهير كان في وعيه تماماً بدليل أنه وصف طريق رحلة الظعائن في الأبيات التالية كأنه يراها.

والمعنى الذي أراه هنا أنه يطلب من صاحبه أن يمعن النظر ويطيله، لعله يرى أثراً بقي من الظعائن بالعلياء من فوق جرثم، وأصل التركيب على هذا المعنى هو: "تبصّر خليلي هل ترى أثراً من ظعائن" فحذف المفعول به " أثراً" وسلّط الرؤية على الظعائن نفسها، لأنه لا يبحثعن أثر أيّ أثر، وإنما يبحث عن أثر ظعائن بعينها.

والبحث عن الأثر هو الذي يتفق مع قوله "تبصّر" لأنّ البحث عن أثر ظعائن مرتحلة مضى على رحلتها عشرون عاماً ليس بالأمر الهيّن، وإذا كانت هذه السنون فعلت فعلتها في الآثار الصلبة من الأثافي والنؤى حتى عرفها أول الأمر توهّماً ، فما بالك بآثار الظعائن المرتحلة؟ إنه بالتأكيد لن يبقى منها شيء، وهي لن تتحمل البقاء أياماً، فكيف بهذهالأعوام الطوال.

يوسف آل ابريه
27-08-2010, 08:06 PM
تحية طيبة

ليس بخفيّ على القارئ بأنّ هدفنا من هذا العمل هو فتح نافذة ولو بسيطة

لكيفية التعامل مع النص الأدبي شعراً كان أم نثراً , لذا نوصي بقراءة

هذه المعلقة الرائعة والوقوف على جمالياتها والتزوّد من البلاغة المنثورة

بين طيّاتها , وكما بدأنا المعلقة بأبياتها السبعة الأولى , ها نحن نختم

بأبياتها الأربعة الأخيرة التي تقول :


1 - ومن لا يذدْ عن حوضهِ بسلاحهِ ** يُهدَّمْ ومن لا يظلمِ النَّاسَ يظلمِ
2 - سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعشْ ** ثمانينَ حولاً لا أباً لكِ يسأمِ
3 - رأيتُ المنايا خبط عشواءَ من تصبْ ** تُمِتْهُ ومن تُخطئْ يُعَمَّرْ فيهرمِ
4 - وأعلمُ ما في اليوم والأمس قبله ** ولكنني عن علم ما في غد عمي


.................................................. ........................


1 - ومن لا يذدْ عن حوضه بسلاحه ** يهدّمْ ومن لا يظلمِ النَّاسَ يُظلمِ

إنّ الجملة الشرطية الأولى من هذا البيت متصلة بالحسبان الخاطئ القائم على الوهم الذي حسبه المغترب في البيت السابق الذي يقول فيه:

ومن يغتربْ يحسبْ عدواً صديقه ** ومن لا يكرِّمْ نفسه لا يُكرمِ

فالمغترب أيّاً كان يبحث في الأصل عن نصير يحميه ويدافع عنه، وزهير ينبّه إلى أنّ هذا ضرب منالخطأ، فالذي يدافع لابدّ أن يدافع بسلاحه هو لا بسلاح غيره، ومن يريد أن يحمي نفسه فليحم نفسه بسلاحه هو لا بسلاح غيره، ومن لم يستطع أن يدافع عن نفسه وماله وعرضه بسلاحه هو فإنه سيدفع الثمن غالياً. إنه لن يكون حرّ الإرادة، لأنّ الذي يحميه سيكون سيّد إرادته رضي أو كره.

فالنفي هنا لا ينصب على الفعل وحده "يذد" ولا على الفعل والجار والمجرور الأول "عن حوضه" ولكن عليهمامعاً مضافاً إليهما الجار والمجرور الثاني "بسلاحه " وفي هذا الجار والمجرور المغزى والهدف. فمن يبحث عن سلاح غير سلاحه ليدافع به عن حوضه فإنه لن يحمي حوضه، ولابدّ أن يُهدم حوضه، إن لم يكن بسلاح الأعداء فسيكون بسلاح هؤلاء الذين يزعمون مناصرته. لأنهم حينئذ سيكونون هو المنتفعين به حقاً، فكأنه تهدّم أيضاً.

واختار زهير "الحوض" مدافعاً عنه، لأن الحوض فيه حياتهم وحياة أنعامهم. ونقطة الماء في الصحراء أغلى من نقطة الدم. وحروب الصحراء يقوم فيها حبس الماء عن الأعداء بدور أساسيفي إحراز النصر، والإنسان يمكن أن يصبر على أيّ شيء إلا على العطش. فالدفاع عن الحوض هنا دفاع عن الحياة. وإذا هدم الأعداء الحوض فقد هدموا الحياة. وإذا بسط خصمك هيمنته على الحوض فقد بسط سلطانه على حياتك نفسها، وحينئذ تعيش حياة الذليل التابع. ويأتي قوله "يهدّم"بالتضعيف للمبالغة في تصوير الدمار الذي سيلحق الحوض، أي الدمار الذي يلحق بالحياة.

ثم تأتي الجملة الشرطية الثانية "ومن لا يظلم الناس يظلم" لتثير تساؤلاً كبيراً. هل يمكن أن يدعو زهير إلى ظلم الناس إتقاء ظلمهم؟ إنّ الانطباع الأول لقارئ هذا البيت يدعوإلى هذا التساؤل، والذي يعرف زهيراً ويقرأ معلقته هذه يرى غرابة في هذه الدعوة. فهي صوت نشاز في هذا الإيقاع المتسق الجميل الذي يسود القصيدة من أولها إلى آخرها.

غير أنَّ القراءة المتأنية للقصيدة كاملة وربط بعضها بعضاً، وفهم جزئياتها في إطار الفهم الكلي لها ستخبرنا على أنه لا تناقض هناك. فزهير يدعو إلى السلم ويخوف من الحرب ويدعو إلى الوفاء، وإلى الصلح، وإلى عدم البخل بالفضل على القوم، وإلى تكريم النفس وإلى الدفاع عن الحوض.

فما محصّلة هذا كله؟ إنها القوّة والعزة والمنعة لا ريب، وهذا من شأنه أن يبعث الرعب في قلوب الأعداء، ويجعل من يحاول النيل أو الاقتراب من هؤلاء القوم يعيد حساباته مرّات ومرّات. فلا يقدم على شيء من ذلك، وفي ذلك قهر داخلي للناس، قهر لنوازع الشر وكبت لروح العدوان في النفوس في بيئة ألفت العدوان على الناس بالحق والباطل. فكأنّ في ذلك ظلماً للناس، وليس هو بالظلم. وفي المشاكلة البلاغية كثير لأمثال هذه الأساليب مما يخرجها عن الفهم القاصر المباشر كما في قوله تعالى:
)وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(،
)وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ(،
)يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ(



2 - سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ** ثمانين حولاً لا أباً لكَ يسأمِ

يبدأ زهير من هنا في نوع آخر من الارتباط بين جملة الشرط وجملة الجواب، هو ارتباط محتّم لا انفكاك له مثل سابقه. ولكن الفرق بينه وبين ما سبق من جمل شرطية أن فعل الشرط هنا لا إرادة للإنسان فيه، إنه فعل واقع عليه وليس واقعاً منه. والنتيجة المترتبة عليه إذن نتيجة لا قدرة للإنسان من التخلص منها.

فالشرط والجزاء كلاهما قدر محتوم، يخرج عن قدرة الإنسان وطاقته، على عكس الشرط والجواب فيما مضى من أبيات، فإنّ الشرط هناك من فعل الإنسان الإرادي الاختياري. والنتيجة إذن جاءته من فعله الاختياري. ومن شاء أن يتلاشاها فعليه أن يتلاشى فعل الشرط أولاً، وستتلاشى النتيجة بعد ذلك، فهو هناك يدقّ ناقوس الخطر ليتنبه الإنسان ويستخدمإرادته في اتقاء النتائج الخطيرة.

وزهير هنا يلجأ إلى وسيلة أخرى لتنبيه الإنسان لا ليتّقي النتائج بالعدول عن فعل الشرط لأنّ ذلك ليس في مقدرته ولكن لينبهه إلى أن القدر سلطاناً أقوى من سلطانه. فيجب أن يعيد حساباته في كل ما مضى على أساس تصاريف القدر وسلطانه. ولذلك نراه هنا يقدّم النتيجة في صورة خبر مجرد خالٍ من أيّ نوع من أنواع التأكيد. "سئمت تكاليف الحياة" ويعقّب على ذلك بالجملة الشرطية "ومن يعش ثمانين حولاً لا أباً لك يسأم"

فسأم زهير من تكاليف الحياة ليس شيئاً خاصاً به إذن، وإنما هو قدر محتوم على كل من يبلغ الثمانين من العمر. ورقم الثمانين هنا ليس مقصوداً لذاته وإنما الغرض منه طول العمر. فمن يطل عمره يسأم تكاليف الحياة، فقد يسأم في هذه السن وقد يسأم قبلها وقد يسأم بعدها، السأم قادم لا محالة، ولا سلطان للإنسان على اتقاء هذا السأم إذا طالت به السنون.

وإذن فالوحيد الذي يتّقي السأم هو من يموت قصير العمر. وهذه نتيجة ليست أهون من تلك، إنهما أمران أحلاهما مرّ. فما الذي يصنعه الإنسان إذن للتغلب على هذا القدر المحتوم؟ إنه ولا شك أن يجعل المعروف من دون عرضه وأن يعمل كل ما فيه خير وصلاح. إنه حينذاك سيبني له في القلوب مكانة تخفف عنه سأم الحياة وضجرها إذا بلغ أرذل العمر. فما أقسى الحياة حينما يجتمع فيها كبر السن وضعف الجسد وكراهية الناس!

إنّ زهير هنا يضرب على وتر حسّاس يختلف عن الوتر السابق في الأبيات السابقة. إنه هناك يدق على وتر الإرادة لتعدل عن فعل الشرط فتتخلص من النتائج المرعبة. ولكنه هنا يدق على وتر النتائج الحتمية التي لا خيار للإنسان فيها. ثم تأتي الكلمة الجافية "لا أباً لك" وهي في الأصل ضرب من الشتائم لترفع درجة اليقظة والانتباه عند الإنسان لتلقي النتيجة الحتمية وهي التي ساقها قبل جملة الشرط في صورة الخبر عن نفسه كتجربة شخصية خاصة به.

وزهير لم يقل هنا "سئمت الحياة" وإنما قال "سئمت تكاليف الحياة" لأن الحياة وحدها لا يسأم الإنسان منها، وإنما يسأم تكاليفها ومشاقها. وهي أمور لازمة للحياة لا تنفك عنها، وهي مبعث السأم والملل.

عبدالله آل دعبل
28-08-2010, 12:06 AM
جميلٌ كلّ هذا البيت الذي يحرّضُ على الحماسة .. ومعانيه الجليلة
للأمانةِ لم أقرأ بعنايةٍ كلّ ما أتحفت لأنّي مررتُ بهِ منذُ زمن وقرأتُ مثله , لكنّهُ يبعثُ على القرآءة
يُذكّرني ببيت المتنبّي :
لا يسلمُ الشّرفُ الرّفيعُ من الأذى ... حتّى يُراقَ على جوانِبِه الدَّمُ
وجليلٌ الشّرح حين تطرّقتم فيه إلى معاني الظّلم في النّفوس البشريّة .. , وتبيانه وسياقِ الآياتِ حوله
(( والظّلمُ من شِيَمِ النّفوسِ .. ))

يوسف آل ابريه
29-08-2010, 01:13 AM
3 - رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تصبْ ** تُمِتْهُ ومن تخطئ يُعَمَّرْ فَيَهرمِ


هنا يقدّم زهير أيضاً خبراً مجرداً نابعاً من ملاحظته الشخصية على مدى هذا العمر المديد. فيقول: "رأيت المنايا خبط عشواء" إنه لم يسمع ولكنه رأى، وليس الخبر كالعيان، وأصلالتركيب: رأيت المنايا تخبط خبطاً كخبط ناقةٍ عشواءَ، فاختصر التركيب إلى الصورة التيوردت عليه. والتركيب في هذه الصورة يبين لك أن المنية هي نفس الخبط العشواء ولا شيءغيره، ولو ذكر التركيب على ما هو عليه فإنه لن يصل إلى هذه الصورة التي انتهى إليها بعد هذا الحذف الكثير.

ويجئ قوله: من تصب تمته ومن تخطي يعمر فيهرم نتيجة طبيعية لهذاالخبط الأعشى. وأكثر العلماء يرفضون قول زهير ولا يرضون عنه، لأنّ المنايا قدر أزلي محتوم، ولا خبط هناك ولا عشوائية، وأنا أرى أن الاعتراض هنا قائم على منطلق لم ينطلقمنه زهير. إنّ الرسالات السماوية هي التي بيّنت للناس أن الموت قدر محدد، لا يتقدم ولا يتأخر. وزهير لم يكن على عقيدة سماوية حتى نحاسبه عليها. ومعرفته ببعض ما جاءفي هذه العقائد السماوية كالإيمان بالبعث مثلاً لا يعني أنه يصدر عن عقيدة في كل جزئياتها.

ثم إنّ زهيراً يتحدث عن رؤيته "رأيت المنايا خبط عشواء" وقد سجل رؤيته كما رآها، وهو رجل قد عاصر حرب داحس والغبراء. لقد بدأت في حياته وانتهت كذلك في حياته. وهذه الحرب مات فيها من مات وعاش من عاش، ولم يحكم الموت والحياة قانون ثابت في رأي العين. وزهير كما ذكرنا يصدر عن رؤيته. فقد يُضرب إنسانٌ بالسيف فيخطئه السيف، ويقع على رأس من دونه، وهو غير مقصود، فيموت. وقد يطيش سهم فيصيب إنساناً قادهقدره إلى المرور في منطقة الحرب، ولا ناقة له فيها ولا جمل. وقد يتقاعس إنسان عن الحرب فيموت في بيته، ويلقي إنسان بنفسه في التهلكة فيعيش ويبقى. هذه رؤية زهير قد سجّلها كما رآها. فلا تثريب عليه في رؤيته ولا في تسجيله

ثم إنّ هذه الصورة تخدم غرضه الذي بدأه في البيت الماضي حيث انعطف إلى الجمل الشرطية التي يكون فعل الشرط فيها قدراً لا سلطان للإنسان عليه ولا قدرة له على دفعه. والإنسانمعرض أن يموت الآن أو غداً "من تصب تمته" فيحرم لذة العيش ويحرم لذة الحياة. فليحرص حينذاك على أن يبقى في قلوب الناس بالحب بدلاً من أن يلعنوه في قبره. وقد لا يصيبه الخبط الأعشى فيبقى ويهرم وحينئذ يسأم تكاليف الحياة كما ذكر في البيت السابق.

وفي هذا البيت صنع كما صنع في البيت السابق حيث لم يقدم الجملة الشرطية مباشرة،ولكنه مهّد لها بخلاصة تجربته في هذه الحياة، ثم بنى على ذلك التلازم الشرطي بين فعل الشرط وجوابه حيث لا يكون للإنسان إرادة لا في جواب الشرط ولا فعله.

4 - وأعلمُ ما في اليومَ والأمس قبله ** ولكنني عن علمِ ما في غدٍ عمي


هذه البيت هو آخر بيت في المعلقة، وزهير في هذا البيت يحدثنا بحقيقة مألوفة، وهي أنه يعلم الماضي والحاضر، وأما المستقبل فلا علم له به، ولا بما يجري فيه من حوادث. هذه الحقيقة لايجادل فيها أحد ولا يختلف حولها اثنان، ولكن زهيراً حين يثبت لنفسه علم الحاضر والماضي، فإنه يريد أن يخبر أن علمه هذا هو الذي أتاح له أن يكشف أنواع العلاقات بين الأحداث المختلفة، وأنواع الروابط التي تربط بين المقدمات والنتائج، والأسباب والمسببات.

وبهذا يتحولعلم الماضي إلى قوانين مترابطة ومتلازمة تتجرد من إطار الزمان والمكان والملابسات والظروف ويتحوّل المستقبل الذي لا يعلم زهير خبره إلى شيء يمكن التحكم فيه عن طريق الفعل الإراديللإنسان. وذلك على ضوء الجمل الشرطية، وحتى أفعال الشرط التي لا إرادة للإنسان فيها يمكن للإنسان أن يتجنب قدر المستطاع صدمات الأقدار ويخفف منها. المستقبل إذن يمكن التحكم فيه إلى حد ما، فما يكون للإنسان فيه إرادة حرّة مختارة فإن أمره سيكون أسهل.

إنه يستطيع أن يختار الحياة التي يراها مناسبة، ويعمل على ذلك باختيار المقدمات المناسبة للنتائج المرغوبة. محطة النهاية هنا تعطي للإنسان مفتاح مستقبله، وتترك له حرية الاختيار في ضوء العلاقاتالتي كشفها له زهير بين الأحداث المختلفة. علم الحاضر والماضي إذن ليس قضية سهلة، إنّ الكثيرين يعلمون من أخبار الحاضر والماضي مثل ما يعلم، ولكن كم واحداً منهم يستطيعأن يكتشف هذه العلاقات بين الأحداث التي كشف عنها زهير في هذه القصيدة؟

ونلاحظ أن زهيراً يستخدم الفعل المضارع "أعلم" لأمر قد مضى وانتهى، وهو علم الأحداث التي حدثت بالفعل، وهذا الاستخدام يوحي إليك أن أمر تحصيل المعلومات حول هذهالأحداث قد مضى وانتهى، ولكن قراءة هذه الأحداث واستخلاص النتائج منها أمر يحدث الآنوغداً، وكل قراءة جديدة للأحداث قد تعطي شيئاً جديداً وبذلك يكتسب علم زهير أهمية خاصة.

ونلاحظ أيضاً أنه قدّم علم ما في اليوم على ما في الأمس، لأنّ علم ما في اليوم نشأ عن أحداث حيّة حاضرة يعيشها الناس في اللحظة الحالية. وهم قد يشغلون بالأحداث عن نتائجهاالمتوقعة، ولكن زهيراً لا يشغل بالأحداث عن دلالة الأحداث. أما ما قبل ذلك من أحداثفقد يذكر وقد ينسى بحسب أهمية الحدث، ولكن زهيراً يذكره ويعلمه ويقرؤه قراءته الخاصة.

والأحداث التي تعطي النتائج لا بدّ أن يحاط بها إحاطة كاملة ويتغلغل فيها صاحبها تغلغلاً كاملاً حتى يصل إلى ما يريد، وهذا أبعد من علم ما في اليوم وأصعب وهو بذلك يترقى من السهلإلى الصعب. وليس المقصود باليوم هنا هو المدة الزمنية التي تستغرقها دورة الأرض حول نفسها أمام الشمس ، وإنما يقصد باليوم هو الحاضر. وهو قد يشمل مدّة زمنية أبعد من اليوم المعروف، وقد يدخل فيه الأمس القريب.

وبذلك لا يقصد بالأمس اليوم السابق على هذا اليوم، وإنما يقصد بهالماضي الذي قلّ تأثيره على الزمن الحاضر فيشمل الماضي السحيق والماضي القريب غير المتصل باللحظة الحاضرة اتصالاً مباشراً، ومن هنا يكون لكلمة "قبله" في البيت مكانة في هذا التركيب. فلما انفصلت كلمتا اليوم والأمس عن دلالتهما المباشرة أُحتيج إلى كلمة "قبله": لتدل على امتداد الزمان الذي يسبق الزمان الحاضر.
ولا نتصوّر أنّ زهيراً يقصدباليوم الذي نعرفه المكوّن من أربع وعشرين ساعة، والأمس السابق عليه مباشرة.، فهذاأمر لا يتوقف عنده، ولا نعتقد أن زهيراً يقصده لقصور دلالته وضيق أفقه، كيف وهو الرجل الذي أعطانا خبرة ثمانين سنة حافلة بالتجارب والمشاهدات في الحياة المضطربة التي عاشها بحلوها ومرها.

ونلاحظ أنه يقول: ولكنني عن علم ما في غد عمي، ولم يقل ولكنني لا أعلم ما في غد فيثبت ظاهر الكلام أن هناك شيئاً يرى، ولكن زهيراً عمي عنه فلا يراه، والقصد إلىانتفاء الأحداث من أصلها، فأحداث الغد لم تقع بعد حتى يعلمها زهير ولم تحدث حتىيمكن أن يراها. وهذا التركيب يفيدنا من طرف خفي أن علم زهير للحاضر والماضييقوم على أساس الرؤية والمشاهدة. وبذلك يثبت لنفسه أنه متيقظ لكل ما يحدث وغائصفي أعماقه، ويستكشف العلاقات التي تربط بين أجزائه المختلفة.

ذهب
29-08-2010, 08:39 PM
تحليل قمه بالروعه
الله يعطيك العافيه أخي يوسف

رَجَاء أحْمَد
04-10-2010, 10:27 PM
أستاذ يُوسُف ، افتقدنَا قلمكم وَالتَّتِمَّة ....




شُكْرًا نقولهَا بلا انقِطَاع ، ودُمتم فِي رعَاية الله ..



.