سلوان
10-03-2008, 06:37 PM
.
.
في نيسان من عام 1991, تمكّنت من ارتياد مناطق واسعة من الصحراء العراقية التي تتاخم جنوبه ووسطه والتقيت ببعض من بيوتات البدو.
شدّتني لهجتهم بجرسها وإيجازها وإحالاتها الجميلة, ولقد انتبهت في حينها إلى تكرار مفردة (أبي) بمعنى أريد وأرغب. وكنت أظنها مفردة خليجية محضة, بيد أني التقيت لاحقا بأصدقاء عديدين أكدوا لي إن المفردة متداولة ليس بين البدو وحسب, بل وأيضا في القرى و التجمعات البشرية التي تشرف على وادي الأبيّض الذي يربط بادية نجد بباديتي السماوية والشام وهو الطريق الذي كان قائما في أزمان موغلة في قدمها. وعبره انتقلت اللغة الصفرية (نسبة إلى جبل الصفاة ) والثمودية وقبلهما الآرامية إلى مناطق نفوذها الجغرافي المعروفة, وليس اللغة وحسب ما انتقل عبر هذا الطريق بل التجارة والقبائل المتحدّرة من أصول واحدة لتشكّل الدويلات العربية غرب الفرات.
ومن هنا رأيتُ أن أثير موضوع هذه المفردة في المعجمية السامية.
تعني مفردة (أبي) في اللغة: أمتنع ورغب عن الشيء كما في جميع المعجمات العربية كلسان العرب لأبن منظور ومخصّص ابن سيده وصحاح الجوهري وتاج الزبيدي وغيرها.
بيد أن المفردة تعطي معنىً مختلفا تماما عن المعنى الذي يرد في المعجمية العربية, فمفردة (أبى) كما يستعملها البدو لتدلّ على الرغبة في الشيء ورجاء الحصول عليه.لا على الامتناع والرفض .
كيف نجد تفسيرا لذلك؟
وردت هذه المفردة خمس عشرة مرة في القرآن الكريم في أصول تدلّ على الامتناع ولهذا الفعل نظائر في اللغات الجزرية القديمة.
ففي الأكدية آبو بمعنى رغبة, وفي الآرامية أبا بألف مطلقة: أراد, وفي العربية الجنوبية ( السبئية...) أبى: رفض, ويبدو إن الأصل السامي للمفردة يدلّ على الرغبة بمطلقها, ثمّ صار في الأكدية والآرامية والعبرية الرغبة في الشيء, وفي العربية الجنوبية والشمالية الرغبة عن الشيء أي الامتناع والرفض.
.. أجد إن مفردة أبى نشأت في المعجمية السامية من المفردة الأكدية (آبو ) والتي تعني (قصب الماء) ولقد سمّي (آب) الشهر الميلادي الثامن بهذا الاسم لأنه الموسم الذي يجنى فيه القصب وهو يصادف الشهر الخامس في التقويم البابلي الذي يبدأ بشهر نيسان, ومن البابلية أخذت الفارسية لفظة آب لتدلّ على الماء ويظهر هذا من جمهرة واسعة من المفردات المركّبة والتي أخذتها العربية عن الفارسية ويظهر فيها الآب, كما في مفردة سراب وهي فارسية معربة مركّبة من كلمتين هما سير: وتعني مملوء وآب: وهو الماء ولقد دخلت هذه المفردة متن اللغة في زمن مبكّر وأن تمّ توكيد أعجميتها, كما في الآية (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) .
وفي المعجمية العربية, فأن الأباءة تتحدّر من جذر آب.
فالاباءة: البردية, وقيل هي من الحلفاء خاصّة, ويرفع ابن منظور في لسانه إلى ابن جني قوله: كان أبو بكر يشتقّ الأباءة من (أبيت ) وذلك لأن الأجمة تمتنع وتأبى على سالكها.
و أجد في هذا تأكيدًا على التوافق الألسني بين الأكدية بفرعيها البابلي والأشوري ومن ثمّ الآرامية التي أخذت المفردة وورّثتها إلى السريانية (والتي هي جوهريا الآرامية ذاتها ) ثمّ العربية والعبرية ومن ثمّ استقرارها كشهر من أشهر السنة الميلادية عند المشارقة كان معمولا بها إلى جانب الأشهر القمرية العربية المتوارثة .
وتأتي مفردة (أبي) في لهجة بدو العراق وشمال شبه الجزيرة وأهل الخليج على غير استخدامها المعروف في العربية الفصحى, أي الامتناع, ولكنّها متوافقة تماما مع اللغات السامية(الجزريّة) الأخرى, أي الرغبة, لأن اللهجة العربية في الصحراء و الخليج وإن كانت عربية, فأنّها سامية أيضا.
.
في نيسان من عام 1991, تمكّنت من ارتياد مناطق واسعة من الصحراء العراقية التي تتاخم جنوبه ووسطه والتقيت ببعض من بيوتات البدو.
شدّتني لهجتهم بجرسها وإيجازها وإحالاتها الجميلة, ولقد انتبهت في حينها إلى تكرار مفردة (أبي) بمعنى أريد وأرغب. وكنت أظنها مفردة خليجية محضة, بيد أني التقيت لاحقا بأصدقاء عديدين أكدوا لي إن المفردة متداولة ليس بين البدو وحسب, بل وأيضا في القرى و التجمعات البشرية التي تشرف على وادي الأبيّض الذي يربط بادية نجد بباديتي السماوية والشام وهو الطريق الذي كان قائما في أزمان موغلة في قدمها. وعبره انتقلت اللغة الصفرية (نسبة إلى جبل الصفاة ) والثمودية وقبلهما الآرامية إلى مناطق نفوذها الجغرافي المعروفة, وليس اللغة وحسب ما انتقل عبر هذا الطريق بل التجارة والقبائل المتحدّرة من أصول واحدة لتشكّل الدويلات العربية غرب الفرات.
ومن هنا رأيتُ أن أثير موضوع هذه المفردة في المعجمية السامية.
تعني مفردة (أبي) في اللغة: أمتنع ورغب عن الشيء كما في جميع المعجمات العربية كلسان العرب لأبن منظور ومخصّص ابن سيده وصحاح الجوهري وتاج الزبيدي وغيرها.
بيد أن المفردة تعطي معنىً مختلفا تماما عن المعنى الذي يرد في المعجمية العربية, فمفردة (أبى) كما يستعملها البدو لتدلّ على الرغبة في الشيء ورجاء الحصول عليه.لا على الامتناع والرفض .
كيف نجد تفسيرا لذلك؟
وردت هذه المفردة خمس عشرة مرة في القرآن الكريم في أصول تدلّ على الامتناع ولهذا الفعل نظائر في اللغات الجزرية القديمة.
ففي الأكدية آبو بمعنى رغبة, وفي الآرامية أبا بألف مطلقة: أراد, وفي العربية الجنوبية ( السبئية...) أبى: رفض, ويبدو إن الأصل السامي للمفردة يدلّ على الرغبة بمطلقها, ثمّ صار في الأكدية والآرامية والعبرية الرغبة في الشيء, وفي العربية الجنوبية والشمالية الرغبة عن الشيء أي الامتناع والرفض.
.. أجد إن مفردة أبى نشأت في المعجمية السامية من المفردة الأكدية (آبو ) والتي تعني (قصب الماء) ولقد سمّي (آب) الشهر الميلادي الثامن بهذا الاسم لأنه الموسم الذي يجنى فيه القصب وهو يصادف الشهر الخامس في التقويم البابلي الذي يبدأ بشهر نيسان, ومن البابلية أخذت الفارسية لفظة آب لتدلّ على الماء ويظهر هذا من جمهرة واسعة من المفردات المركّبة والتي أخذتها العربية عن الفارسية ويظهر فيها الآب, كما في مفردة سراب وهي فارسية معربة مركّبة من كلمتين هما سير: وتعني مملوء وآب: وهو الماء ولقد دخلت هذه المفردة متن اللغة في زمن مبكّر وأن تمّ توكيد أعجميتها, كما في الآية (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا) .
وفي المعجمية العربية, فأن الأباءة تتحدّر من جذر آب.
فالاباءة: البردية, وقيل هي من الحلفاء خاصّة, ويرفع ابن منظور في لسانه إلى ابن جني قوله: كان أبو بكر يشتقّ الأباءة من (أبيت ) وذلك لأن الأجمة تمتنع وتأبى على سالكها.
و أجد في هذا تأكيدًا على التوافق الألسني بين الأكدية بفرعيها البابلي والأشوري ومن ثمّ الآرامية التي أخذت المفردة وورّثتها إلى السريانية (والتي هي جوهريا الآرامية ذاتها ) ثمّ العربية والعبرية ومن ثمّ استقرارها كشهر من أشهر السنة الميلادية عند المشارقة كان معمولا بها إلى جانب الأشهر القمرية العربية المتوارثة .
وتأتي مفردة (أبي) في لهجة بدو العراق وشمال شبه الجزيرة وأهل الخليج على غير استخدامها المعروف في العربية الفصحى, أي الامتناع, ولكنّها متوافقة تماما مع اللغات السامية(الجزريّة) الأخرى, أي الرغبة, لأن اللهجة العربية في الصحراء و الخليج وإن كانت عربية, فأنّها سامية أيضا.