يوسف آل ابريه
28-02-2008, 04:06 PM
(الراعبيّة)
(الراعبيّة) قصيدة للشيخ حسن بن محمد بن مرهون التاروتي المتوفى في أواسط القرن الثالث عشر ، وقد نظمها في رثاء الإمام الحسين عليه السلام.
وسُميّت القصيدة بالراعبيّة لابتداء مطلعها بقوله:
أللراعبيّة بالأجرعِ ●●● صبابة وجدٍ فلم تهجع
والقصيدة من بحر (المتقارب) وقافيتها (العين المكسورة) ، أما عدد أبياتها فهو محل اختلاف في المصادر التي أدرجتها.
أ. ففي كتاب (أدب الطفّ) للشيخ جواد شبر بلغت سبعينَ بيتًا.
ب. وفي كتاب (رياض المدح والرثاء) للشيخ حسين البحراني بلغت أربعةً وعشرين بيتًا.
ج. وفي كتاب (الروضة النديّة في المراثي الحسينيّة) للشيخ فرج العمران القطيفي بلغت مئة وعشرين بيتًا.
د. وفي كتاب (شعراء القطيف من الماضين) للشيخ علي المرهون بلغت مئة وثمانية عشر بيتًا , وعليه قد اعتمدنا في هذه الإطلالة المباركة.
مع ملاحظة أنّ القصيدة في المصادر الآنفة الذكر قد امتلأت بالأخطاء الإملائية وبعضها في اختلال الوزن الشعري للقصيدة.
وللتاروتي أيضًا قصيدتان تماثلان العينية في جمالها وروعتها.
أمّا الأولى فمطلعها:
لمن القبابُ الطالعات على قبا ●●● كالشهب إلا أنّها فوق الرُّبا
وأمّا الثانية فمطلعها:
لا تذقها على الشحوب لبابا ●●● هي نضوٌ وتلثم الأعتابا
ولم يُعرف له غير هذه القصائد الثلاث ، أما بقية شعره فقد ضاع بسبب (الإهمال أو الحسد).
والقصيدة العينية قد خلّدت شاعرها التاروتي على مرِّ الأيام والليالي ، فهي بحق تعدُّ مفخرة من مفاخر الشعر الحسيني وذلك لجمالها وروعة أسلوبها ودقّة معانيها وحُسن صورها.
وحريٌّ بكلّ بيتٍ شيعيٍّ أن تعلّق فيه ، وأن تبقى شاخصةً أمام الكربلائيين في كلِّ زمانٍ ومكان لإشراقها وتألّقها ، فهي خالدةٌ ما خَلُدَ الإمام الحسين عليه السلام.
وقد قيل إنَّ شاعرين قد جارياها وعارضاها في وزنها (المتقارب) وقافيتها (العين المكسورة) ، وأوّلُ هذين الشاعرين هو الشاعر العربي الكبير (محمد مهدي الجواهري) فقد زعموا بأنّه قد عارضَ قصيدة التاروتي بقصيدته الخالدة (آمنتُ بالحسين) والتي مطلعها:
فداءً لمثواكَ من مضجعِ ●●● تنوَّرَ بالأبلجِ الأروعِ
وقد نظمها الجواهري في الأربعينيات من عمره ، وهي من أروع ما قِيل في الإمام الحسين عليه السلام. وقد كُتِبَ منها خمسة عشر بيتًا على الباب الذهبي في مشهد الإمام الحسين عليه السلام ، وكان الجواهري يعتزّ بها اعتزازًا كبيرًا وكان يقول دائمًا: (إنّها زادي إلى الآخرة).
ويذكر الخطيب السيد داخل حسن في كتابه: (من لا يحضره الخطيب) أنّه قرأها شخصيًّا في احتفالٍ حاشدٍ في بيت الجواهري نفسه في مجلس عزاء فأخذ يهتزّ متفاعلاً معها ويردِّد كلماتها والدموع تنهمر من عينيه.
أما الشاعر الآخر فهو المؤرّخ والعالم (أسد حيدر) فقد ذكروا أيضًا بأنّه عارض قصيدة التاروتي وسار على منوالها ، ومطلع قصيدته:
وقفتُ أُناجي ضريحَ الحسين ●●● ونارُ الفجيعة في أضلعي
وهي قصيدة قصيرة بلغ عددُ أبياتها أربعة عشر بيتًا فقط.
وقبل الخوض في هذا الموضوع يجب علينا أن نقفَ وقفةً تأمّليّة قبل أن نصدر الحكم على هذه المعارضة من عدمها ، وذلك بتعريف واضح لمعنى (المعارضة) وبعدها نصدر حكمنا (بصحة هذا الرأي أو خطئه).
تعريف المعارضة لغة واصطلاحًا:
- المعارضة لغة: هي المقابلة ، فيقال فلانٌ يُعارضني أي يُباريني ، وعارضته في السير إذا سِرتُ حِيالَهُ وحاذيته ، وعارضَ الشيء بالشيء معارضةً قابَلَهُ ، وعارضتُ كتابي بكتابهِ أيْ قابلتُهُ وعارضتُهُ مثل ما صنع.
- المعارضة اصطلاحًا: أن يقول شاعرٌ قصيدةً في موضوع معيّن على بحرٍ من البحور الشعرية وعلى قافيةٍ معيّنة ، فيأتي شاعرٌ آخر فيعجب بهذه القصيدة لجانبها الفني وصياغتها الممتازة فيقول قصيدةً في بحر الأولى وقافيتها.
نماذج للمعارضة : حفظ لنا الأدب العربي كثيراً من المعارضات الشعرية التي لو أتيح جمعها وتبويبها لظهرت لدينا موسوعة ضخمة حولها.
ولعلَّ أبرز شاعرٍ في هذا المجال هو الشاعر العربي (أحمد شوقي) فله قصائد طويلة عارض بها قصائد مشهورة لشعراء سابقين ، ومن معارضاته:
1. معارضته لقصيدة البحتري (السينيّة):
صنتُ نفسي عمّا يدنّسُ نفسي ●●● وترفّعتُ عن جِدا كلِّ جبسِ
فقال شوقي معارضًا إيّاه:
اختلافُ النهارِ والليلِ يُنسي ●●● اُذْكُرَا لِي الصِّبا وأيام أُنْسي
2. معارضته لقصيدة ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلاً مِن تدانينا ●●● ونابَ عن طِيبِ لقيانا تجافينا
فقال شوقي معارضًا إيّاه:
يا نائحَ الطّلحِ أشباهٌ غوادينا ●●● نأسى لوادِيك أم نأسى لوادِينا
3. معارضته لقصيدة الحصري القيرواني:
يا ليلُ الصبُّ متى غَدُهُ ؟ ●●● أقيامُ الساعةِ موعدُهُ ؟
فقال شوقي معارضًا إيّاه:
مضناكَ جَـفَاهُ مَرقدُهُ ●●● وبكاهُ ورحَّم عُـوَّدُهُ
بعد هذا التعريف لمعنى (المعارضة) في اللغة والاصطلاح نعود إلى قصيدة الشيخ حسن التاروتي (الراعبيّة) لنقول:
إنَّ الشيخ التاروتي في قصيدته لم يخرج عن الإطار التقليدي للقصيدة العمودية ، فبمجرد التأمّل في مضامينها تجد أنّه قد تنقّل هنا وهناك على طريقة الشاعر العربي القديم ، ونلاحظ كذلك في قصيدته اعتبارية البيت وحدة القصيدة مما يؤدي إلى تقديم بعض أبياتها وتأخيرها ولا يحدث فيها خللٌ كبير وواضح.
ونجد عنده كذلك أصالة الألفاظ العربية وقوّة العبارات والتأثّر بالخيال القديم وانتزاع الصور من البيئة القديمة وذلك واضح عند قراءتها لأوّل وهلة.
وهو أولاً وأخيرًا قد التزم الوزنَ ووحدة القافية التي هي من أبرز خصائص العمود الشعري.
ونحنُ إذا عرّجنا على قصيدة الجواهري (العينيّة) نجده قد التزم نفس الوزن الشعري والقافية اللذان استخدمهما التاروتي في قصيدته ، ولكن شتّانَ بين القصيدتين في موسيقاهما ومعانيهما وألفاظهما وإيحاءاتهما ، فليس تشابه الوزن والقافية مدعاةً لأن نجزم بوقوع المعارضة.
فكم من القصائد الرثائية التي لا تعدّ ولا تحصر قد التزمت هذا البحر وهذه القافية ولم يتفوّه أحدٌ بقوله: إنّها معارضات لكونها قد التزمت الوزن الشعري والقافية ، لأنَّ مثل هذه الأحكام ناقصة وتحتاج إلى الدليل القوي الذي يدعمها.
فنحنُ عندما نقرأ قصيدة التاروتي يُخيّل إلينا أنّ قائلها شاعرٌ عربيٌّ أصيلٌ قد عاشَ في العصر العباسي أو الجاهلي بألفاظه ومعانيه وصوره المألوفة ، بينما الجواهري وأنت تقرؤه ترى قالبًا جديدًا وإن التزم الوزن التاروتي وقافيته، فالألفاظ والمعاني والصور عند الجواهري هي غيرها عند التاروتي.
فالتاروتي وإن بدت عنده في قصيدته ومضات إبائية هنا وهناك ، ولكنّه في جلّ قصيدته يستدرُّ الدموع ويستثيرُ العواطف ويستمطر المآسي ، بينما الجواهري قد جعل الإمام الحسين عليه السلام في قصيدته ثورةً صارخة ومبدءًا ونهجًا وعزيمةً وعِظةً ونسيمَ إباءٍ ونشيدًا للخلود وصورةً لن تشفع لكونها وِترًا ووحيَ سماءٍ وفيضَ نبوّةٍ وحماسًا واستنهاضًا وملاذًا للنفوس ، كقوله:
ويا عِظة الطامحين العظام ●●● لِلاهين عن غَدِهم قُـنّعِ
تلوذ الدهور فمن سجّدٍ ●●● على جانبـيه ومن رُكّعِ
تعاليت من مُفْزعٍ للحتوف ●●● وبُورِكَ قبركَ من مَفْزعِ
فالحسين عليه السلام عند الجواهري روحٌ ملهمة إلى عالمٍ قد أحاطته المذلّة والمهانة:
كأنّ يداً من وراءِ الضريح ●●● حمراءَ مبتـورةَ الأصبعِ
تـمدّ إلى عالمٍ بالخنـوع ●●● والضيم ذي شرقٍ مترعِ
لِتُبْدِلَ منه جديبَ الضمير ●●● بآخر مُعشوشبٍ مُـمْرِعِ
وتدفع هذي النفوس الصغار ●●● خوفًا إلى حرمٍ أمـنعِ
أمّا التاروتي في عينيته فهو دموع تفور وعيون تهملُ في الأَرْبُع:
ودمعٌ إذا فار تنّوره ●●● دمًا لم أقل ياجفوني اقلعي
بينما الجواهري في عينيته عزم يثور وهـمّة لا تنضب ويدٌ حمراء تُخيف الظالمين:
كأنّ يدًا من وراء الضريح ●●● حمراءَ مبتورة الأصبعِ
تعاليت من فلكٍ قطره ●●● يدورُ على المحورِ الأوسعِ
والتاروتي في مطلعه يسير على خطى الأقدمين في تفجّعه وحنينه وأنينه ويهيّئ لنفسه مدخلاً إلى الإمام الحسين عليه السلام ، بينما الجواهري يُعلنها مدوّية من البداية (تفدية وتبلّج وروعة وتنوّر):
فداءً لمثواك من مضجعِ ●●● تنوّرَ بالأبلجِ الأروعِ
بهذا يتضح لنا الفرق الشاسع بين الشاعرين.
وعليه نستنتج أنَّ الجواهري لم يساير التاروتي في قصيدته إلاّ في الوزن الشعري والقافية فقط لكون المعاني عندهما مختلفة والألفاظ والصور متباينة.
ولو عرّجنا على قصيدة (أسد حيدر) لاستطعنا أن نقول ما قلناه حول القصيدتين السابقتين ، فأسد حيدر قد التزم فقط وزن و قافية التاروتي ولكنه خالفه في المعنى والصورة واللفظ.
ولعلّ أسد حيدر أقرب إلى قصيدة الجواهري منه إلى قصيدة التاروتي ، وإن كانت قصيدة أسد حيدر لا ترقى إلى مستوى قصيدة الجواهري الخالدة في مستواها الفني وبنائها الرائع وصورها الخالدة .
ولعلّ أفضل ما لدى أسد حيدر في عينيته هو قوله:
وذاب فؤادي لهول المصاب ●●● وكاد يذوب مع الأدمع
ولعمري إنّها صورة عادية لا ابتكار فيها ولا تجديد ، فأينه من قول الجواهري:
وحزناً عليك بحبس النفوس ●●● على نهجك النيّرِ المهيعِ
تعاليتَ من صاعقٍ يلتـظي ●●● فإنْ تَدْجُ داجـيةٌ يلمعِ
ولأسد حيدر بيتٌ آخر يُعدُّ من نفائس أبياته في هذه القصيدة وهو قوله مخاطباً الإمام الحسين عليه السلام:
وضحّيتَ للدينِ نفسًا سمتْ ●●● إباءً إلى العـالمِ الأرفعِ
ولكنّه لا يحاذي قول الجواهري:
وخلتُ وقد طارت الذكريات ●●● بروحي إلى عالمٍ أرفعِ
ومن المستحسن لاتمام الموضوع ارتأيتُ أن أنوّه إلى قصيدةٍ سايرت قصيدةَ الجواهري وعارضتها ولكنّها لم تبلغ مداها وشوطها البعيد وهذه القصيدة هي للشيخ (عبدالله نعمة) ويبلغ عدد أبياتها حوالي تسعة وعشرين بيتًا ومطلعها:
وقفتُ على قبـركَ الممرعِ ●●● وقُوفَ أخي شجنٍ مُوجَعٍ
ونحن لو تأملناها لوجدناها صدىً لقصيدة الجواهري العينية.
ولتأكيد ما نقول سوف نعرض أبياتًا من هذه القصيدة ليتبيّن صحة ما ذكرناه من توافقٍ تام في المعارضة.
1. فمن أبيات عبدالله نعمة قوله:
وعفّرت خدّي بأعتابه ●●● أشمُّ شذاكَ ولم أُخدعِ
وهذا المعنى قد أخذه من قول الجواهري:
وعفّرتُ خدّي بحيث استراح ●●● خدٌّ تفرّى ولـم يضرعِ
2. وكذلك قوله:
وطاف بروحي جلال الشهيد ●●● فأخشعُ حتمًا مع الخشّعِ
وقد أخذ هذا المعنى من قول الجواهري :
وخلتُ وقد طارت الذكريات ●●● بـروحي إلى عالمٍ أرفعِ
3. وكذلك قوله:
وأصغيتُ منكَ إلى صيحةٍ ●●● تُدوّي على الدهر في مسمعي
وقد أخذ هذا المعنى من قول الجواهري:
تـمثّلت يومكَ في خاطري ●●● وردّدت صوتك في مسمعي
4. وكذلك قوله:
تعاليت من شامخٍ روحُهُ ●●● تسامى إلى الأرفـع الأرفـع
وهذا المعنى قد أخذه من قول الجواهري:
تعاليت من صاعقٍ يلتظـي ●●● فإن تَدْجُ داجـيةٌ يلمـعِ
ولكن تعالَ معي إلى قصيدة لم يتح لها الظهور والانتشار ، وهي بحسب رأيي أقرب لروح التاروتي في عينيته من جميع النواحي.
وهذه القصيدة هي للشاعر العراقي (حمادي نوح) المتوفى في سنة 1325هـ بالحلة وكان عمره عند وفاته (85) سنة.
وهي قصيدة طويلة بلغ عدد أبياتها ثمانية وأربعين بيتًا وقد جارى بها قصيدة التاروتي وزناً وقافية ومعنى ولفظًا وصورة ، ومطلعها:
أهاتفةَ البانِ بالأجرعِ ●●● مليًّا بفرع الأراك اسجعي
وسوف أقوم بتسليط الضوء على القصيدتين لنرى التوافق بين الشاعرين في المعارضة.
المطلع:
إنّ الشاعرين في مطلعيهما قد بدأ كلٌّ منهما قصيدته بمخاطبة (الراعبية) أيْ (الحمامة) ، فالتاروتي يقول: (أللراعبيّة بالأجرعِ) ، وحمادي نوح يقول : (أهاتفةَ البان بالأجرعِ).
ثم نمضي إلى بيت التخلص عندهما ، فنجد التاروتي يقول:
وقائلة وزعيم الأسـى ●●● يسدِّدُ عن قولها مسمعي
أتعنّف عينيكَ في أرْبُـعٍ ●●● فقلت ومن عَنَفي أربعي
سلي أن جهلت ولما تعي ●●● بأنَّ ابن فاطمة قد نُعي
بينما نجد حمادي نوح يقول:
يقرّ المقيل لذات الهديل ●●● بدور البليل على الـمرتعِ
جزعنا التياعًا ليوم الحسين ●●● فإن كنتِ والهةً فاجزعي
فكلا الشاعرين قد تخلّص إلى رثاء الإمام الحسين عليه السلام من خلال محاورة الحمامة ، وإن كان التاروتي في انتقاله أجمل وفي تخلّصه أفضل.
ثم نأتي إلى أمرٍ آخر وهو عند الشاعرين متشابه أيضًا ، فالتاروتي ينادي ويخاطب الإمام علي عليه السلام ويستنهضه لنصرة ابنه الحسين عليه السلام وذلك في قوله:
فيا راكـبًا ظهر مجدولةٍ ●●● شأت أربع الريح في أربع
إذا لمعتْ نار طور الغري ●●● فأنت بوادي طوى فاخلعِ
وصلّ وسلّم وصِلْ واستلمْ ●●● لقدس أبي الحسن الأنزع
ونادِ وقلْ يا زعيم الصفوف ●●● ويا قطب دائرة الأجمع
إلى أن يقول:
فقم فانتظارك ممــدودة ●●● لـها رغبة العين والمسمعِ
أثِرْ نقعها فحسينٌ قضـى ●●● وغُـلّة أحشاه لم تُنقـعِ
إذا قعدَ الشمر في صدره ●●● فما لقـعودك من موضعِ
ولو جئنا إلى الشاعر حمادي نوح لوجدناه يجعل خطابه إلى النبي بدلاً من الإمام علي عليه السلام ، فيقول:
أيا غـاديًا بذرى جـسرةٍ ●●● متى اتّـقدتْ هضب تقطعِ
إذا جزتَ متّـقد الحرتين ●●● وشـمت سَنَا يثربٍ فاخشعِ
وقبّل ثرى روضة المصطفى ●●● وصَلِّ وسلّم وَلُجْ واصدعِ
سقتك العدى يانبيّ الهدى ●●● بكأس الردى رنق الـمنقعِ
فالتشابه جليٌّ في الخطابين ، في المناداة من كليهما ، فتأمّل عند التاروتي قوله: (فيا راكبًا) وعند حمادي نوح قوله: (أيا غاديًا).
الصور الفنيّة عند الشاعرين:
نلاحظ أنّ الصور الفنيّة عند الشاعرين تلبس لباسًا عربيًا أصيلاً وتنهج على خطاه.
- الصور الفنية عند التاروتي:
1. يقول:
غداة رأى الدين في حاملٍ ●●● يـجرّ قناه ولم يرفع
فالدين هنا محمول وله قناة تُجرّ ولكنّها لم ترفع.
2. يقول:
كأنّ النجوم بهم تهتدي ●●● إذا حلّها البدر في مطلعِ
فما الجديد في هذه الصورة التي أوردها؟
نعم إنّها من المخزون التراثي القديم ، ولكنّ التاروتي عكس ماهو مألوف هنا إذ جعل النجوم هي التي تهتدي بهم بدل الاهتداء بها.
3. يقول:
فوفّى الذمام وأعلى الوفا ●●● نفوسٌ أسيلت على اللّمعِ
فالنفوس هنا تسيل على اللمع كما تسيل المياه.
4. يقول:
يردُّ الكماة كذي لبدةٍ ●●● أغـارَ بسـائمة رتّــع
شبّه التاروتي في هذا البيت الإمام الحسين عليه السلام وهو يردُّ الكماة من الأعداء بالأسد الذي يُغير على الأغنام فتنفر من أمامه.
5. يقول:
أُبيدوا فغصّتْ بـهم بقعةٌ ●●● بها غصَّ منهم فمُ الأبقع
جعل هنا الأرض (البقعة) تغصّ بالأجسام المضرّجة كما يغصّ الإنسان بالماء.
6. يقول:
أجارتنا ليس دعوى الأسى ●●● بأن تخضبي الكفَّ أو تسجعي
الصورة هنا (تشخيص) ، إذ خاطب الحمامة الأعجمية كما يُخاطب الإنسان العاقل.
- الصور الفنيّة عند حمادي نوح:
1. يقول:
وجوه كـشارقة الزبرقان ●●● لها السمر منـزلة المطلع
فالصورة هنا تراثية ، إذ الوجوه تشبه شارقة الزبرقان في تألّقها وإشراقها.
2. يقول:
توارت بها أنجم المكرمات ●●● بأدراع غلبٍ هوت صُرّعِ
جعل الشاعر للمكرمات أنجمًا ، وجعل هذه النجوم تتوارى وتختفي.
3. يقول:
هوت وُقّعًا من ذرى الصافنات ●●● كأقمار تمٍّ هوت وُقِّع
شبّه الشاعر في هذا البيت الشهداء عندما هووا من ذرى الخيول بالأقمار عندما تتهاوى.
4. يقول:
حبيبك بين ذويك الكـرام ●●● أضاحي مِنى بِتْنَ في موضع
شبّه الشهداء من أهل البيت وهم بدمائهم مضرّجون بالأضاحي التي تذبح في مِنى في موسم الحج.
بعد هذا الاستعراض المبسّط للصور الفنيّة عند الشاعرين يمكننا أن نقول: إنّ الشاعر حمادي نوح كان يسير على نهج التاروتي في صوره سير الفصيل في إثر أمّه ، وترتضع من نفس الحليب الذي شربته قصيدة التاروتي التراثية ، ولا يخفى على المتأمل في القصيدتين أنّ التاروتي في صوره كان أرقى وأحسن وأجود من صاحبه حمادي نوح ، الذي حاول إدراكه فلم يبلغ إليه.
المحسنات البديعية عند الشاعرين :
إنّ المحسنات البديعية هي الأخرى متشابهة عند الشاعرين وهي كثيرة في القصيدتين لا سيما في قصيدة التاروتي، وسوف نأخذ (أربعة) من المحسنات البديعية كنموذج للتقارب والتماثل بينهما ، وهي:
أ) الجناس الناقص عند الشاعرين:
أولاً: عند التاروتي:
فأمّا استطعت حنيـنًا له ●●● يلفُّ الحنـايا وإلا دَعي
فالجناس الناقص في كلمتي (حنينًا) و (الحنايا).
سلي أن جهلت ولـمّا تعي ●●● بأنّ ابن فاطمة قد نُعي
فالجناس الناقص في كلمتي (تعي) و (نعي).
فوطّا قـلوب ذويه على ●●● لـقا أروعٍ في تقى أورعِ
فالجناس الناقص في كلمتي (أروع) و (أورع).
ولا شمّر الشمر من جهله ●●● لذبحك عن ساعدٍ أكوع
فالجناس الناقص في كلمتي (شمّر) و (الشمر).
ثانيًا: عند حمادي نوح:
فيا ظاميًا شكرتْ فيضه ●●● ظوامي ثرى الخصب الممرعِ
فالجناس الناقص في كلمتي (ظاميًا) و (الظوامي).
أريقت دماك فلم تنتـقم ●●● وسيقت نساك فلم تـهلعِ
فالجناس الناقص في كلمتي (أريقت) و (وسيقت).
سقتك العدى يا نبي الهدى ●●● بكأس الردى رنق المنقع
فالجناس الناقص في كلمتي (العدى) و (الهدى) و (الردى).
أمونٌ تجانب لمع السراب ●●● إذا عبث اللمع بالألمـعي
فالجناس الناقص في كلمتي (اللمع) و (الألمعي).
ب) ردّ العجز على الصدر عند الشاعرين:
ردّ العجز على الصدر فنّ بديعي معناه أن يكون لفظ القافية قد سبق في الشطر الأول.
أولاً: عند التاروتي:
أتعنّف عينيك في أربُعٍ ●●● فقلت وعن عَنَفِي أربعي
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (أربعي و أربع).
كأن لم يُشَرّع باب الندى ●●● بهنّ أو الدين لم يشرع
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (يُشَرّع وُيشْرَع).
ومن حوله تُبّع إن دعا ●●● فما حمير من دعا تُبّعِ
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (تُبّع وتُبّع).
ملاحظة : ورد في قصيدة التاروتي (ردّ العجز على الصدر) في ثمانية أبيات فراجعها في النسخة التي اعتمدناها ، والأبيات هي: ( 9 , 12 , 13 , 23 , 69 ,89, 91 ,93 ).
ثانيًا: عند حمادي نوح:
جزعنا التياعاً ليوم الحسين ●●● فإن كنتِ والهةً فاجزعي
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (اجزعي وجزعنا).
مروّعة بصدى هجـمة ●●● أطارت لها أعيـن الروّع
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (الروّع و مروّعة).
بمصرعها يصدع الحامدون ●●● ثوت والمكارم في مصرع
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (مصرع و مصرعها).
ملاحظة : ورد في قصيدة حمادي نوح (ردّ العجز على الصدر) في ثمانية أبيات فراجعها في (أدب الطف) لجواد شبر والأبيات هي: ( 4 ، 9 ، 20 ، 22 ، 27 ، 29 ، 30 ، 43).
ج) الطباق (التضاد ) عند الشاعرين:
أولاً: عند التاروتي:
وصارخة إن أراد الـحيا ●●● لها الخفض قال أساها ارفعي
فالطباق في كلمتي (الخفض و ارفعي).
ويا خيلنا قد أعدت الدّجى ●●● فغيبـي بهم تارة واطلعي
فالطباق في كلمتي (غيبي و اطلعي).
ثانيًا: عند حمادي نوح:
وأمْنًا فما ريع سرب القطا ●●● بنافحة الروض من لعلع
فالطباق في كلمتي (أمنًا وريع).
تشـدّ براقـعها خـيفة ●●● فتـغلب قهرًا على البرقع
فالطباق في كلمتي (تشدّ وتغلب).
د) الترادف عند الشاعرين:
أولاً: عند التاروتي:
ويا بطلاً ما مشى للقراع ●●● بنهنهة الوجلِ الهليع
فالترادف في كلمتي (الوجل والهليع) فهما كلمتان لمعنى واحد.
تغيم فتمطر هام الكماة ●●● وترعد في بارق اللمع
فالترادف في كلمتي (بارق واللمع) فهما كلمتان لمعنى متقارب.
ثانيًا: عند حمادي نوح:
ليومٍ به انكسف المشرقان ●●● بغاشية الغسق الأسفع
فالترادف هو (الغسق والأسفع) لكونهما يدلان على الظلام.
قضى عطشًا ولديه الزلال ●●● تدفّق عن طافح ٍ مترع
فالترادف في كلمتي (تدفّق وطافحٍ) فهما تؤديان لمعنى متقارب .
بعد هذا العرض لهذه المحسنات البديعية وشواهدها ، يتضح لنا مدى تقارب الشاعرين فيهما , وهكذا هما في بقية المحسنات البديعية الأخرى التي عزفنا عن ذكرها لكيلا يطول بنا المقام.
والشاعران قد أجادا في استخدامها وتوظيفها وإضفاء الموسيقى الشعرية في القصيدتين من خلالها.
وإن كان التاروتي في ظنّي قد صنعها صنعاً محكماً وتصيّدها تصيدًا بارعًا فاق بها صاحبه حمادي نوح.
النداء عند الشاعرين:
استخدم الشاعران النداء في قصيدتيهما في أكثر من موضع , فحمادي نوح قد استخدم النداء في ستة مواضع تقريباَ , بينما التاروتي فقد تعدّت نداءاته العشرة مواضع.
والذي يهمّنا هنا النداء الذي وجّهه التاروتي لراكب المجدولة ، والنداء الذي وجهه حمادي نوح للغادي بالناقة الجسورة.
ونحن نعلم أنّ من عادة الشاعر العربي القديم وصف رحلته وراحلته لِيُعلمَ الممدوح بالمشقة والتعب الذي لقيه حتى وصوله إليه وما ذاك إلا ليكسب منه الجائزة والهبة التي يتوخّاها.
والشاعران هنا قد انتهجا نفس الطريقة العربية القديمة ولكنّهما غايراها في الغاية , فهناك الجائزة مادية , وهنا الجائزة معنوية ، ولكي يتّضح ما نقوله فلنبدأ بهذين النداءين عند الشاعرين.
يقول التاروتي:
فيا راكباً ظهر مـجدولةٍ ●●● شأت أربع الريح في أربع
تجافي الأباطح حزم الحزوم ●●● وجرّعها حزم الأجـرع
فهو هنا يصف تلك المجدولة بأنّها في مسيرها قد تعرّضت إلى الرياح الأربع ولكنّها مضت متحمّلة وهي تسير على قوائمها الأربع التي تجرّعت حزم الأجرع من المسير, وماذاك إلا ليقول إلى الإمام علي عليه السلام إنّها لاقت المحن والمتاعب حتى وصلت بصاحبها إليك, فأنا وهي نطلب منك الجائزة على هذا التعب والمسير.
بينما حمادي نوح فيقول:
أيا غاديًا بذرى جسرةٍ ●●● متى اتّـقدت هضب تقطع
أمون تـجانب لمع السراب ●●● إذا عبث اللمع بالألمعي
وهي صورة قديمة لتلك الناقة الجسورة التي تقطع الدروب ولا تكلّ ولا تتعب حتى تصل إلى مبتـغاها.
فالنداء عند الشاعرين متشابه , ولعل التاروتي في ندائه كان أبلغ وأليق من حمادي نوح.
التشابه عند الشاعرين:
نجد أنّ الشاعرين متشابهان حتى في الألفاظ والعبارات وهذا يؤيّد ما ذكرناه بأن الشاعرحمادي نوح كان يجاريها في كلّ شيء ، فتأمّل إليهما في هذه الأبيات لترى التشابه واضحًا:
يقول التاروتي:
وصلّ وسلّم وصل واستلم ●●● لقدس أبـي الحسن الأنزعِ
ويقول حمادي نوح وقد أخذ هذا المعنى:
وقبّل ثرى روضة المصطفى ●●● وصلّ وسلّم ولُجْ واصدعِ
ويقول التاروتي مخاطبًا الإمام علي عليه السلام:
قعدت وبالطفّ أمّ الخطوب ●●● تقعقع في ضنك الموقعِ
ويقول حمادي نوح:
أتاحت لأبناك ضنك الفناء ●●● وأفـناهم ضنك الموقعِ
فتأمّل في قوليهما (ضنك الموقع) لترى ما ذكرناه واضحًا.
يقول التاروتي :
وأقمار أوجههن الذراع ●●● منازلـها عوض البـرقعِ
ويقول حمادي نوح آخذًا هذا المعنى:
تشدّ براقـعـها خيفةً ●●● فتغلب قهرًا على البـرقعِ
ويقول التاروتي :
إذا كنتِ ثاكلةً فاصدعي ●●● وإن كنتِ ناكلةً فاهجعي
ويقول حمادي نوح وقد صاغ بيته على غرار بيت التاروتي السابق:
جزعنا التياعاً ليوم الحسين ●●● فإن كنتِ والهةً فاجزعي
البراعة في وصف الحدث:
وصف الشاعران الحدث المأساوي في فاجعة كربلاء وصفاً دقيقاً يبرز فداحة الخطب وعظمته ، فهذا هو التاروتي يستنهض الإمام علي عليه السلام بقوله:
أثِرْ نقعها فحسين قضى ●●● وغلّة أحشاه لم تنقعِ
بل يزيد في عتبه لقعود الإمام علي عليه السلام عن نصرة ولده الحسين عليه السلام وحماية نسائه ، فيقول:
إذا قعد الشمر في صدره ●●● فما لقعودكَ من موضعِ
إلام وأهلوك في مهـلكٍ ●●● وشمل بناتك لم يـجمعِ
أقام القطـيع على رأسها ●●● مقام الملاءة والـملفعِ
وفي موضع آخر من أبيات القصيدة نراه يأمر السماء أن تقع مع داراتها لكون عمدها الذي عليه تقوم قد هوى فيقول:
فقُلْ للسماء وداراتـها ●●● وقد وقع القطب منها: قعي
وفي موضع آخر يصف سلب النساء ومنازعتها نهب حليّها ، بينما السلاسل والقيود لم تنـزع عنها ، فيقول :
ينازع أجيادها ما جمعن ●●● وجامعة الأسر لم تُنـزعِ
ولو مضينا إلى الشاعر حمادي نوح في وصفه لرأيناه يقارب شاعرنا التاروتي في براعة وصفه للحدث المأساوي وما تفرّع منه .
فتأمّله وهو يصف الحرائر من بنات الوحي وهي فزعة مرعوبة وصفاً مشجياً فيقول:
وخائفة فزعت رهبةً ●●● فأهوت على جسد المفزع
وفي موضع آخر يصف ما نال الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه في تلك الواقعة الكربلائية من تمزيق وتقطيع بأيدٍ لئيمة ، فيقول:
تـمزّقها شفرات الضبا ●●● بكفِّ ابن رافثةٍ ألكع
وفي موضع آخر يصف سبي النساء ومسيرها وهي على النياق الهزّل بأسلوبٍ رائعٍ يحمل بين طيّاته الحزن والأسى ، فيقول:
أُسارى يكلّفهنّ الحداة ●●● رسيماً على هزّلٍ ضلّع
ملاحظة حول بيت للتاروتي وبيتين لحمادي نوح:
1. يقول التاروتي:
فبوئي بها كجناج الغراب ●●● بوجهكِ سوداءَ لم تقلع
فهذا التشبيه لا يرتقي إلى المستوى المعهود في القصيدة ، فهو هنا يخاطب بني أمية على جريمتها النكراء فيقول: يا أميّة بوئي بالخزي والعار والمذّلة كجناح الغراب.
والجميع يعلم أنّ جناحي الغراب أسودان ، فما قيمة ذكره لكلمة ( سوداء ) في الشطر الثاني؟
إلاّ إذا كان يريد بذكره لكلمة (سوداء) بعد ذكره (جناح الغراب) بيان أنّ مقصوده ليس جناح الغراب بما هو جناح ، وإنّما يريد لونه الأسود فقط ، وكلنا يعلم أنّ اللون السوداوي الذي في جناح الغراب ليس جزءًا من أجزائه و إنما هو مما اشتمل عليه ، فتخصيصه بني أمية بسواد جناح الغراب هو تأكيد على خستها ومذلّتها وجريمتها السوداء التي لن تزول ولن تمحى.
2. يقول حمادي نوح:
ومرضعةٍ نحرتْ طفلها ●●● من القوس نافذة المنـزع
هذا البيت فيه إيهام ، فقد يظنّ القارئ لهذا البيت بأن تلك المرضعة هي التي نحرت طفلها وليس نافذة المنـزع ولو أردنا توضيح البيت ورفع الإيهام لقلنا نثرًا:
(ومرضعة نحرت نافذةُ المنـزِع من القوسِ طفلَها).
3. يقول حمادي نوح:
ومضنىً يئنّ بثقل القيود ●●● مشالاً على جمل أضلع
إن كلمة (مشالاً) في البيت قد أضعفته لكونها لا تتناسب مع تركيب البيت ودلالته ، وفي رأيي أن الشاعر قد أعوزته الكلمة المطلوبة لاستقامة الوزن الشعري فاضطر إلى هذه الكلمة .
وقفة أخرى مع الشاعرين:
القصيدتان (التاروتيّة و الحمّاديّة) فيهما من الحسنات و النفحات الطيّبة الشيء الكثير الكثير ، وفيهما من الشطحات الشيء القليل القليل.
وهذه وقفة عامة مع الشاعرين في قصيدتيهما نتبيّن من خلالها بعض الأمور التي أجادا أو قصّرا فيها:
أ) الاستهلال عند الشاعرين:
بدأ الشاعران مطلع قصيدتيهما بالتصريع موجّهين خطابهما إلى (الحمامة) بأسلوب تلفّه النجوى الحزينة ، ولعمري إنّه استهلال رائع و ممتع ، فالتاروتي يقول: (أَللراعبيّة بالأجرعِ) ، وحمادي نوح يقول: (أهاتفة البان بالأجرع).
ب) الاقتباس:
- يقول التاروتي:
إذا لمعت نار طور الغري ●●● فأنت بوادي طوى فاخلع
وقد أخذ التاروتي هذا المعنى من القرآن الكريم عن قصة موسى عليه السلام عندما آنس بجانب الطور نارا ، فجاءه النداء الإلهي: (اخلعْ نعْلَيْكَ إنَّكَ بالوادِ المقَدَّسِ طُوَى) ، وقد أجاد التاروتي أيّما إجادة في هذا البيت الرائع.
- يقول حمادي نوح:
أيَا جدُّ صلّى عليك المجيد ●●● ونلت ثنا الأفوه المصقع
صاغ حمادي نوح هذا البيت على لسان العقيلة زينب عليها السلام وهي تخاطب جدّها النبي وهو مأخوذ من قولها عليها السلام إلى جدها: (يا جدّاهُ صلّى عليك مليك السماء ، هذا حسينك بالعراء...).
ج) النظم والابتعاد عن الشاعرية:
- يقول التاروتي:
وإنّـي منكم وفيكم بكم ●●● عليكم إليكم فكونوا معي- يقول حمادي نوح:
أَجلّكم أن أزور القـبور ●●● وحمل ذنوبي غدًا مضلعي
فهذان البيتان يخلوان من الشاعرية وذلك بما يحملاه من تقرير في عبارة مباشرة.
د) التوازن والاتساق بين شطري البيت:
نلاحظ بعض الأبيات في القصيدتين متوازنة في شطريها مما يضفي على النص إيقاعًا موسيقيًا ، ومن هذه الأبيات عند التاروتي قوله:
إذا كنتِ ثاكلةً فاصدعي ●●● وإن كنتِ ناكلةً فاهـجـعي
فما في القرى لك من مطعمٍ ●●● وما في الثرى لك من مشبعٍ
ومنها عند حمادي نوح قوله:
أُريقت دماكَ فلم تنـتـقم ●●● وسيقت نساكَ فلم تسمع
هـ) التلاعب اللفظي:
- نلمح في قصيدة التاروتي بيتين قد تلاعب وأجاد في تلاعبه فيهما ، وهما:
تـنـوح الجياع على الساغبات ●●● وتـبكي السواغب للجوّع
كشكوى الفصال على المرضعات ●●● ونوح الفصيل على الرضّع
- ونلمح هذا أيضاً عند حمادي نوح وإن كان أقلّ تلاعبًا من شاعرنا (التاروتي) وذلك في قوله:
أتاحت لأبناك ضنك الفناء ●●● وأفناهم ضنك الموقع
الخلاصة:
بعد هذه الدراسة المبسّطة لهذه العينيات الشعرية الرائعة يتضح لنا جليًا أنّ الشاعر الأبرز في معارضة التاروتي لقصيدته (الراعبيّة) معارضة تامة محتذيًا حذوه عينًا بعين ، وأثرًا بأثر ، ودمعًا بدمع ، ونداءً بنداء ، وصورةًَ بصورة ، هو الشاعر (حمادي نوح) ، بينما (الجواهري وأسد حيدر وعبدالله نعمة) فقد ابتعدوا عن الشاعرين أيّما ابتعاد وإن كان يجمع الجميع الوزن الشعري (المتقارب) والقافية (العينية).
وأخيرًا نقول: إنَّ القصيدتين (التاروتيّة والحماديّة) قصيدتان مأساويتان تمثلان المدرسة التقليدية (الكلاسيكية) ولكنّهما بلغتا قمة الجودة والرقي مع ملاحظة التفاوت بينهما حسبما ذكرناه ، إذ امتاز التاروتي في قصيدته بأسلوب أخّاذ وساحر ، أسلوب متين ورصين ، أسلوب ينبع من عقيدة صلبة قد تفجرّت أحرفاً من عين باكية.
إنّ التعابير في القصيدة التاروتيّة تدلّ على فحولة شاعرها وبراعته التي يصعب إدراكها ومطاولتها.
إنّ التاروتي شاعرٌ أصيلٌ قد أُوتي خيالاً خصباً وصفاءً وجلاء وينبوعاً لا ينضب.
فالمشاهد التي صّورها التاروتي في قصيدته وإن سيطرت عليها (المادية) ولكنّه حاول تجسيد معانيها تجسيداً تضخيميًا على طريقة القدامى.
لذا يلزم علينا أن نقول: (إنّ التاروتي أعرابيٌ في شعره ، مطبوعٌ على مذاهب الأوائل ما فارق عمود الشعر المعروف).
فهو يستخدم اللغة ليعبّر بها عن المعاني التي تجيش في صدره ويصنع منها الإيقاع المطلوب للشعر.
ولا يفوتني أن أختم بكلمة الدكتور (عبد الله الحامد) التي ذكرها في كتابه القيّم: (الشعر في الجزيرة العربية) عندما استعرض بعضًا من أبيات قصيدة التاروتي (العينية) بقوله: (إذا كان له شعرٌ كثير على هذا النمط فهو بحق شاعرٌ مبدع).
ملحق القصائد:
وهذا مرفق بالقصائد الخمس التي تحدّثنا عنها، أضعها هنا ليتسنّى للجميع قراءتها:
1) قصيدة الشيخ حسن التاروتي (الراعبية) ، وهذه القصيدة بالذات قد أخذت منا وقتًا طويلاً في تصحيح أخطائها الإملائية وضبطها وإقامة وزنها الشعري ، ومن أراد أن يتبيّن ذلك فليراجع المصادر التي ذكرناها:
قصيدة الشيخ حسن التاروتي (في رثاء الحسين عليه السلام)
أللـراعبـيّـة بالأجـرعِ ●●● صبابة وجدٍ فـلم تـهجع
أمِ استوجدت وأتت موردًا ●●● تـمضمضُ منهُ ولـم تجرع
أجارتنا ليسَ دعوى الأسى ●●● بأن تخضبي الكفَّ أو تسجعي
إليَّ حـمامة جرع الحمى ●●● فـليس الشجيّ كمن يدَّعي
فأمَّا اسـتطـعت حنينًا له ●●● يـلـفّ الـحنايا وإلا دَعي
ودمـعٌ إذا فار تـنـورهُ ●●● دمًا لم أقُلْ يا جفوني اقـلعي
عذيريَ من فادحٍ كـلّما ●●● صغى مسمعي شبَّ في أضلعي
وقائـلة وزعـيم الأسى ●●● يُـسدّدُ عن قولـها مسمعي
أَتَعْنفُ عينـيكَ فـي أَربُعٍ ●●● فقلتُ وعن عَنَـفي أربـعي
سلي أن جهلت ولـما تَعي ●●● بأنَّ ابـن فاطمةٍ قد نُـعِي
غداةَ رأى الدينَ فـي حاملٍ ●●● يـجرُّ قناهُ ولـم يـرفع
وداعٍ دعـاه آتـنا للهدى ●●● ولـم يـك هيَّابةً إذ دُعي
ومـن حـوله تُـبّعٌ إن دعا ●●● فما حـميـرٌ من دعا تُبّعِ
كأنَّ النجومَ بـهم تـهتدي ●●● إذا حلّها البدرُ فـي مطلع
فحلًّ بوادي الندى لـم يجد ●●● أخا ثقةٍ فيه لـم يـخدع
فما اسطاع من بينهم مرحبًا ●●● وما كان في الأسر بالمرجع
فقالوا أطـعنا يـزيدًا فكن ●●● له طائـعًا وامض في مهيع
فقال أطعـتم ولـمّا أطع ●●● له وسـمعتم ولـم أسـمعِ
أبـى الله يـخضع جيدي له ●●● وسيفي بكفّي وجدِّي معي
فبات وباتوا ومن بـيـنهم ●●● مواعـدة القرْع بالأقـرع
فوطّا قلوب ذويـه على ●●● لـقا أروعٍ فـي تـقى أوْرع
فمذ دعت الحرب أقرانـها ●●● وقارنـت العضب بالأَخدع
رأيت أولئـك من دارع ●●● يـؤمّ الـهياج ومـن أدرع
دعـوا للرماح ألا فاشـرعي ●●● وبيض الصفاح ألا فاقطعي
ويا خيلنا قد أعدت الدّجى ●●● فغيـبي بـهم تـارة واطلعي
فوفّى الذمام وأعلى الوفا ●●● نـفـوس أسيلت على اللمّع
وظلَّ فـتـى لم تهله الألوف ●●● ولا بالفروقة في الـمجمع
يردُّ الكـمـاة كـذي لبـدةٍ ●●● أغار بـسـائـمةٍ رتّع
فتـهوي عرانيـنها جثّمًا ●●● تـجرّ العرانيـنَ في اليـرمع
ترى ذاك يـمشي على بطنه ●●● وآخر يـمشي على الأربع
فحسبك من رتـبةٍ لـم يكن ●●● لغـيـرك فيهنَّ من مطمع
وان ثـبتوا ساءهم ثـلـمة ●●● يشـيب الزمان ولـم ترقع
فـحسب أعاديهِ من سـيفه ●●● وصـعدتـه ذلّة الأضـرع
بأن كان والـتـاج في رتـبةٍ ●●● وكان من السرِّ في مـوضع
فليت وما لـيت مـن عـلّه ●●● ولا غالك السهم بالـمقنع
ولا شـمّر الشمرُ من جهـله ●●● لذبـحك عن ساعدٍ أكوع
ولا كـرّت الـخيلُ إصدارها ●●● بـمقدسِ صدرك والأضلع
ويا لـيت فارعَ رمـحٍ بـدا ●●● ينـوءُ برأسك لـم يـرفع
متى شابه الجمل العاسلات ●●● بـها الشمس في شَرَفِ المطلع
فـقل للسـماء وداراتـها ●●● وقد وقع القطبُ منـها: قعي
وللشهب إنْ فاخرتك التلاع ●●● فردِّي النقابَ على البـرقعِ
إذا كان نـورك من نـور مَن ●●● تـلألأ فـيها فلا تـلمع
متى أشرق البدرُ في تلـعـةٍ ●●● وقد كان في الفـلك الأرفع
وصارخةٍ إنْ أراد الـحيا ●●● لها الخفضُ قال أسـاها ارفـعي
إذا كنـتِ ثاكلةً فاصـدعي ●●● وإنْ كنتِ ناكلةً فاهـجعي
أتت نـحوهُ وبأحشـائـها ●●● جوىً يُوقِدُ النارَ بالـمدمع
تقولُ أخي يا حـميَّ الثغور ●●● عُـرِيتُ بـعرفِكَ والأربـع
فشـتَّـت أهليهِ من صبيةٍ ●●● عبـاديدَ أو نسـوةٍ ضُـيّـع
ويا دوحةً قد نـحاها الردى ●●● وزعـزعـها بيـدِ الزعزع
وأصحـر من ظلِّـها قائلاً ●●● وأصفـر راحة مسـتـنجع
ويا بطلاً ما مـشى للقـراع ●●● بنـهنـهةِ الوجِلِ الـهليع
أراك جـديلاً ويوم الجـلادِ ●●● بـغيـرِ قِراعِك لـم يقنع
تـغيمُ فـتمطرُ هـامَ الكماةِ ●●● وتـرعدُ فـي بارقِ اللمّع
أُبـيحَ حـماكَ فلا تـمتطى ●●● وبحَّ الـمنادي فلم تسـمع
علام تـرشّـفت من شـفرةٍ ●●● مذاقة كأسِ طِلاً مـنـزع
متى ألِفَ الضيمُ نفسَ الأَبـي ●●● وعـاد الدعـيُّ فلم يُرْدَعِ
متـى طأطأت ذروات العلا ●●● ومـدّت إليها اليدُ الأقـطع
لعلّك حيـنَ هجرت الديار ●●● وآنستَ فَدْفَـدَكَ البلـقـع
وكلتَ بأهليكَ قلبَ العطوف ●●● وأسكنتـهم بـحمى الأمنع
تضيقُ على الدهر أعذاره ●●● وماذا دعـتـك ولـم يـمنع
ويضحي الـملومة فـي فعلهِ ●●● إذا افترَّ سِـنًّا ولـم يُقْرَعِ
حنانـيـك ماردَّ عنك الردى ●●● وحسبانه حسبُ ما قد رُعِي
تعين الـمعالي وعين الفخار ●●● يغصّ بك الهولُ في الـمصرع
فلا سيـف إذ ذاك صلّت أتى ●●● وسابق هاتـيكَ لـم يسرع
فخلّ السرى يا ركابَ الوفود ●●● فخيـرٌ من السير أنْ ترجِعي
فما في القِرى لكِ من مُطْعِمٍ ●●● وما فـي الثرى لكِ من مُشْبِعِ
أهبّ النـزال بـمأوى النـزيل ●●● فأبدِ الجلادةَ أو فاجـزع
كفى حـزنًا دون أن تـبصري ●●● خلوّ الـمعاهد أن تسمعي
كأن لـم يُشَرَّع بـاب الندى ●●● بـهنَّ أو الدين لـم يُشْرَعِ
فيا راكبًا ظـهرَ مـجدولةٍ ●●● شأت أربـعَ الريحِ في أربـع
تـجافي الأباطح حزم الحزومِ ●●● وجرّعـها حـزم الأجـرع
إذا لـمعت نار طورِ الغـري ●●● فأنـت بوادي طِوى فاخلع
وصلِّ وسلّم وصِل واستـلم ●●● لقدس أبـي الحسن الأنـزع
ونادِ وقُـلْ يا زعيـمَ الصفوفِ ●●● ويا قطبَ دائرة الأجـمع
وأقوى ذراعًـا بصـمصـامةٍ ●●● على هامةِ البطلِ الأنـزعِِ
قعدت و بالطفّ أمّ الخـطوب ●●● تقـعقعُ في ضنك الـموقع
جثث فجـثـا بأزاها بـنـوك ●●● على ركّبٍ قطُّ لـم ترفعِِِ
فلمّا تضايـق مـدّ السيـوف ●●● بـمشتبك الأضبعِ الأضبع
أُبيدوا فغصّت بـهم بقـعـةٌ ●●● بـها غصَّ منهم فمُ الأبقع
فقم فانـتـظارك مـمدودةٌ ●●● لـها رغبةُ العين والـمسمع
وقد وسم المجد مـا نـهضت ●●● بـعزمك بالأنـف الأجذع
أثِـر نـقـعها فحسيـن قضى ●●● وغلّةُ أحشاهُ لـم تُـنقع
وقد وتـرتـه أكفُّ التـرات ●●● فأغرقتِ الرميّ بالـمنـزع
إذا قـعـدَ الشمـرُ في صدره ●●● فما لِقـعـودكَ من مَوْضِعِ
إلامَ وأهـلوك في مـهـلكٍ ●●● وشـملُ بناتـكَ لـم يجمع
أقـام القـطيعُ على رأسـها ●●● مـقام الـملاءة والـمِلْفعِ
وأقـمارُ أوجـهـهن الذراع ●●● منازلـها عـوض البـرقع
إذا ما اشتكيـن الظما والطوى ●●● وعزَّ الغياث على الـمفزع
تنـوح الجياع على الساغبات ●●● وتـبكي السواغبُ للجوّع
فلم تك تسـمع فـي صعصعٍ ●●● تداعيـن للحرَبِ الـمفجع
كشكوى الفصال من المرضعات ●●● ونوح الفصيلِ على الرضّع
ألا وأبـاهـا وأيـن الغيـورُ ●●● يراهنَّ فـي السبي كالزيلع
ينازع أجـيادها ما جـمـعن ●●● وجامعة الأسر لـم تُنْـزَعِ
تأنَّ مـن الأيـن والإغـتراب ●●● ينـوءُ بـها غارب الأضلع
أميّة ما ذنـب أشـقى ثـمود ●●● ولا زلّت النـعل من تُـبّعِ
كدمِّ النـبوة لـما صبـغـت ●●● بـها حاقد النابِ والأضلع
وأيدي الإمـامـة هذي أسرتِ ●●● وهاتـيـك آليتِ أنْ تقطعي
فبـوئي بـها كجناح الغـراب ●●● بوجهكِ سوداءَ لـم تـقلع
إذا شـاء أنـفـك من عارها ●●● يـفـكّ الخزامة لـم يسطع
إذا ضحكت عند ثـار الحسين ●●● ظـبًا لاهتـزازِ قَـناًً شُـرَّع
وكـبّر فـيها كأسدِ العريـنِ ●●● رجالٌ وأوشـك أنْ تـسمعي
وقـامَ بـها ملكٌ للقـضـا ●●● بـمقـدمـةٍ قـدمِ الأطـوع
فلم يدعُ ما قالَ ذا أمـضـه ●●● ولـم يـمضِ ما قالَ هذا دعي
فأيـن مـفـرّك مِنْ بـأسـهِ ●●● وقد أصبحَ الـحكمُ للمـدّعي
فحسبك أن قام فـي موقـفٍ ●●● وصلّت به البيضُ أنْ تـركـعي
هنالك ما الغيض ملّ الصدور ●●● ولا جـذوةُ الوجدِ فـي الأضلع
ستـقـفوه منا وأكـرم بـنا ●●● كـرام الـولادةِ والـمـرضع
فـيا صفـوة الله آل الرسـول ●●● وأسـبابـه اللائي لـم تقطع
ويا أصلَ موجودِ هذا الوجـود ●●● ولطـفاً من الـمبدأ الـمُبْدِعِ
وبـاب رضـاه الذي مـن أتى ●●● بـحاجتهِ مـنه لـم يـمـنع
جـعلتكمُ سادتـي وجـهتـي ●●● إذا قـلتُ يا خيـرَ مـولى دُعِي
بلاغ الأمانـي ونيـل الـمنـى ●●● بدنـيايَ والأمـنُ من مفـزعي
فـعبدكُـمُ حـسنُ الظـنِّ في ●●● صـنـايعِ فـضـلِكم الأوسع
وإنّـيَ منـكم وفـيكم بـكم ●●● عـليكم إليكم فـكونـوا معي
كشفتُ قـناعيَ فـي ديـنكم ●●● وما ديـنُ غيـركُـمُ مُـقْنِـعي
رضاكم أمانـي وإن أصبحـتْ ●●● ذنوبـي كرضـوى فلم أجـزع
ألا يا صلاة مـديـم الصـلاة ●●● إذا بـدأت بِـكُـمُ فـارجِـعي
ومـن طـربٍ يا سلامَ السلام ●●● بـروضـةِ أرواحـهِـم رجِّـعي
2) قصيدة الشيخ حمادي نوح :
أهاتـفةَ البـانِ بالأجـرعِ *** ملـيًّا بفرع الأراك اسجعي
وأمـناً فما رِيع سرب القَطا *** بنافحـةِ الروضِ من لـعلع
يقرّ الـمقيل لذات الـهديل *** بدور البليل على الـمرتع
جزعنا التـياعاً ليوم الحسين *** فإن كنت والهـةً فاجزعي
ليومٍ به انكسف الـمشرقان *** بغاشِـيةِ الغسـق الأسفع
وغُودِر في الطفّ سبط الرسول *** صريع الظما بالقنا الشرَّع
سقى حفرًا بثـرى كربلا *** نـمير الحـيا غدق الـمربع
توارت بها أنجم المكرمات *** بأدراع غـلب هوت صُرّع
بمصرعها يصدع الحامدون *** ثوت والـمكارم في مصرع
تعـفّرها سافيات الرياح *** عـصفـن بآفـاقها الأربع
تـحفُّ بعـاقد أعلامها *** وملحـقها بالذرى الأرفـع
قضى عطشًا ولديه الزلال *** تدفّـق عن طافـحٍ متـرع
فياّ ظامياً شكرت فيضه *** ظوامي ثرى الخصب الـممرع
أيا غاديًـا بذرى جسرة *** متى اتّـقدت هضب تـقطع
أمونٌ تجانبُ لمع السراب *** إذا عبـث اللمع بالألـمعي
إذا جزت مـتّقد الحرّتين *** وشـمت سَنا يثربٍ فاخشع
وقبّل ثرى روضة المصطفى *** وصلِّ وسلّم وَلُجْ واصدع
سقتك العدى يا نبيَّ الهدى *** بكأس الردى رنق الـمنقع
أتاحت لأبناك ضنك الفناء *** وأفـناهم ضنك الـموقع
وصمّاء جـعجع فيها بنوك *** نفوساً على أقـتم جعجع
جلتها جسومهم النـيّرات *** مـمزّقـةً بالضـبا اللمّع
هوت وقّعاً من ذرى الصافناتِ *** كأقمارِ تـمٍّ هوت وقّع
تـمزّقها شـفـراتُ الضبا *** بكفِّ ابنِ رافـثةٍ ألـكع
وجوهٌ كـشارقة الزبـرقان *** لها السمر منـزلة الـمطلع
تناديك تحت مهاوي السيوف *** بآخر صوتٍ فـلم تسـمع
أريقت دماكَ فلم تـنـتـقم *** وسيقت نساكَ فلم تـهلع
مروّعة بصدى هـجـمـةٍ *** أطارت لـها أعين الروّع
فأبرزن من خـيم أضـرمت *** بذاكيةِ اللهبِ الـمسفع
تشـدُّ براقـعهـا خـيـفةً *** فتغلب قهراً على البرقع
وخائفة فزعـت رهـبـةً *** فأهوت على جسد المفزع
تلوذ به فَـتُـنَحّـي بـها *** بعنـفٍ يدا لُـكّعٍ أكوع
ومرضعةٍ نحرت طفـلَها *** من القوس نافدةُ الـمنـزع
تلاقى السما بِدما نـحره *** أفـي الله هان دم الرضَّـع
وثاكـلة صرخت حـوله *** تـناديك عن كبدٍ مـوجع
أيا جدُّ صلّى عليك الـمجيد *** ونلت ثنا الأفوه المصقع
حبيـبك بين ذويك الكرام *** أضاحي مِنى بِتْنَ في موضع
تقلِّبها حـلبـاتُ الـخيول *** سليـبة ضافية الـمدرع
ومضنى يئـنُّ بثـقلِ القيود *** مشالاً على جـملٍ أضلع
يرى حرم الوحي إن أرسلت *** مدامـعـها بالقنا تُـقرَع
أُسارى يكـلِّـفهنَّ الحداة *** رسيـمًا على هزّلٍ ضُـلّع
تـجشِّمها ربوات الفلى *** وتـحضرها مجلس ابن الدعي
ويُدني القضيب لـثغر الحبيب *** فإن ضاء مبـسمه يقرع
تسرّع فيك ابن مرجانـة *** فـنال الـمنى أمل المسرع
وساق عـيالك سـوق الإما *** تـجوب فلى مربعٍ مربع
أألله يا غـضب الأنبـياء *** لـهتك الهدى بضبا الوضَّع
فيا صفـوة الله من خلـقه *** ومن لشفاعـتـهم مرجعي
أُجلكم أن أزور القـبور *** وحـمل ذنـوبي غدا مضلعي
أبـى الله يـخزي وليّ الكرام *** ويدعو بها يا كرامُ اشفعي
3) قصيدة محمد مهدي الجواهري :
فِدَاءً لمثواكَ من مَضْــجَعِ ●●● تَنَـوَّرَ بالأبلَـجِ الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنـانِ ●●● رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْـوَعِ
وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ "الطُّفوف" ●●● وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْـرَعِ
وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس ●●● على نَهْجِكَ النَّيِّـرِ المَهْيَـعِ
وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال ●●● بما أنتَ تأبـاهُ مِنْ مُبْـدَعِ
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ ●●● فَـذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَـعِ
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ ●●● للاهينَ عن غَـدِهِمْ قُنَّـعِ
تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ ●●● وبُـورِكَ قبـرُكَ من مَفْـزَعِ
تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ ●●● على جانبيـه ومـن رُكَّـعِ
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ ●●● نَسِيـمُ الكَرَامَـةِ مِنْ بَلْقَـعِ
وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ ●●● خَـدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْـرَعِ
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ ●●● جالتْ عليـهِ ولم يَخْشَـعِ
وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ ●●● بِروحي إلى عَالَـمٍ أرْفَـعِ
وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ ●●● بصومعـةِ المُلْهَـمِ المُبْـدِعِ
كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ ●●● حمراءَ " مَبْتُـورَةَ الإصْبَـعِ"
تَمُدُّ إلى عَالَـمٍ بالخُنُـوعِ ●●● وَالضَّيْـمِ ذي شَرَقٍ مُتْـرَعِ
تَخَبَّطَ في غابـةٍ أطْبَقَـتْ ●●● على مُذْئِبٍ منـه أو مُسْبِـعِ
لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيـبَ الضَّمِيرِ ●●● بآخَـرَ مُعْشَوْشِـبٍ مُمْـرِعِ
وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ ●●● خوفـاً إلى حَـرَمٍ أَمْنَـعِ
تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي ●●● فَإنْ تَـدْجُ داجِيَـةٌ يَلْمَـعِ
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ ●●● لم تُنْءِ ضَيْـراً ولم تَنْفَـعِ
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ ●●● وقـد حَرَّقَتْـهُ ولم تَـزْرَعِ
ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء ●●● ولم تأتِ أرضـاً ولم تُدْقِـعِ
ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِـهِ ●●● وغِـلَّ الضمائـرِ لم تَنْـزعِ
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُـمُ ●●● عليهِ مِنَ الخُلُـقِ الأوْضَـعِ
تعاليتَ من "فَلَـكٍ" قُطْـرُهُ ●●● يَدُورُ على المِحْـوَرِ الأوْسَـعِ
فيابنَ البتـولِ وحَسْبِي بِهَا ●●● ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِـي
ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها ●●● كمِثْلِكِ حَمْـلاً ولم تُرْضِـعِ
ويابنَ البَطِيـنِ بلا بِطْنَـةٍ ●●● ويابنَ الفتى الحاسـرِ الأنْـزَعِ
ويا غُصْنَ "هاشِـمَ" لم يَنْفَتِحْ ●●● بأزْهَـرَ منـكَ ولم يُفْـرِعِ
ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود ●●● خِتَـامَ القصيـدةِ بالمَطْلَـعِ
يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ ●●● مِنْ مُسْتَقِيـمٍ ومن أظْلَـعِ
وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلـودِ ●●● مـا تَسْتَجِـدُّ لـهُ يَتْبَـعِ
تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطـرِي ●●● ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِـي
وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِـبْ ●●● بِنَقْلِ " الرُّوَاةِ " ولم أُُخْـدَعِ
وقُلْتُ: لعـلَّ دَوِيَّ السنين ●●● بأصـداءِ حادثِـكَ المُفْجِـعِ
وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ ●●● من " مُرْسِلِينَ " ومنْ "سُجَّـعِ"
ومِنْ "ناثراتٍ" عليكَ المساءَ ●●● والصُّبْحَ بالشَّعْـرِ والأدْمُـعِ
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَـتْ ●●● على لاصِـقٍ بِكَ أو مُدَّعِـي
وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي ●●● بِحَبْلٍ لأهْلِيـكَ أو مَقْطَـعِ
لعلَّ لِذاكَ و"كَوْنِ" الشَّجِيّ ●●● وَلُوعَاً بكُـلِّ شَـجٍ مُوْلـعِ
يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن ●●● بلونٍ أُُرِيـدَ لَـهُ مُمْتِـعِ
وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَـــرْزَةً ●●● يدُ الواثِـقِ المُلْجَأ الألمعـي
صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً ●●● وكيفَ ومهما تُـرِدْ تَصْنَـعِ
ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ ●●● وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْـدَعِ
أريدُ "الحقيقةَ" في ذاتِهَـا ●●● بغيرِ الطبيعـةِ لم تُطْبَـعِ
وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ ●●● بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ
وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون ●●● لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ
وأنْ تَتَّقِي - دونَ ما تَرْتَئـِي- ●●● ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ
وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ ●●● مِنَ "الأَكْهَلِيـنَ" إلى الرُّضَّـعِ
وخيرَ بني "الأمِّ" مِن هاشِمٍ ●●● وخيرَ بني " الأب " مِنْ تُبَّـعِ
وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ ●●● كَانُـوا وِقَـاءَكُ ، والأذْرَعِ
وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِـلْ ●●● ثِيَـابَ التُّقَـاةِ ولم أَدَّعِ
تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ ●●● يِضِـجُّ بِجُدْرَانِـهِ الأَرْبَـعِ
وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب ●●● عَلَيَّ مِنَ القَلَـقِ المُفْـزِعِ
وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَـاتِ ●●● و" الطَّيِّبِيـنَ " ولم يُقْشَـعِ
إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ ●●● تَأَبَّى وعـادَ إلى مَوْضِـعِ
وجَازَ بِيَ الشَّـكُّ فيما مَعَ ●●● " الجدودِ " إلى الشَّكِّ فيما معي
إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيـلَ ●●● مِنْ " مبدأٍ " بِدَمٍ مُشْبَـعِ
فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَـادَ ●●● وَأَعْطَاكَ إذْعَانَـةَ المُهْطِـعِ
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي ●●● وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِـي
وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَـرَى ●●● سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ ●●● وفَيْضَ النُّبُوَّةِ ، مِـنْ مَنْبَـعِ
تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ ●●● تَنَزَّهَ عن ( عَرَضِ ) المَطْمَـعِ
4) قصيدة الشيخ عبدالله نعمة :
وقفتُ على قبرِكَ الـممرعِ ●●● وقوفَ أخي شجنٍ مُوجَعِ
وعفّرت خدِّي بأعـتـابهِ ●●● أشـمُّ شذاكَ ولـم أُخدعِ
وأحنيتُ هامي بـمحرابهِ ●●● خـشوعًا مع السجّدِ الركّعِ
وطافَ بروحي جلالُ الشهيدِ ●●● فأخشعُ حتمًا مع الخشّعِ
وألثمُ منهُ جدارَ الضـريحِ ●●● وأنشقُ من عطرِهِ الأضوعِ
وأسفحُ دمـعي على أرضِهِ ●●● وأجـثو بـجدرانِهِ الأربعِ
وأقبسُ من ضوئهِ قبـسةً ●●● تضيءُ فؤاديَ فـي أضلعي
وأصغيتُ منكَ إلى صيحةٍ ●●● تدوّي على الدهرِ في مسمعي
وتـحدو بأحـرارنا صيحةٌ ●●● إلى الموقف الأروعِ الأردعِ
وقد أبصروكَ إمـامَ الكرام ●●● فساروا على دربك المهيعِ
فيا صرخةَ الحقّ في الثائرين ●●● تُجلجلُ في مسمع الـهُجّعِ
فيا لكَ حرًا مشى للردى ●●● كمشيِّ السبنتى إلى الـمعمعِ
قرأتُكَ شعرًا خصيبَ الحروفِ ●●● ولحناً يذوبُ على المقطعِ
سـموتَ على الندبِ والأدمعِ ●●● سـموّكَ في كرم المصرعِ
وما ينفعُ الدمعُ إنْ لـم يكن ●●● شواضًا على الظالمِ الأوضعِ
تـجاوزَ يومُك هـذا البكاءَ ●●● إلى الأفُقِ الأرحبِ الأوسعِ
إلـى فكرةٍ حيّةٍ في الضمير ●●● إلـى مَثَلٍ مشـرقٍ أنـصعِ
إلـى رايةٍ هتـفت حولـها ●●● غطاريـف من فتيةٍ خشَّعِ
يطوفُ بـها حولك الثائرون ●●● يعـبّون من روحِكَ المبدعِ
فأنهلتهم من سُلاف الحياةِ ●●● فمالوا نشاوى على الـمصرعِ
يُخـيّرك الوغدُ بين اثنتين ●●● فتأبـى الذي يبتـغيهِ الدعي
وتـختارُ أولاهـما بالكرام ●●● حِمامًا بظلِّ القنا الـمشرعِ
تـحدّيت في دمِكَ الظالمين ●●● وروحكَ كالجـبلِ الأمـنعِ
تـمرّد عزمُك فوق الجروحِ ●●● ومارَ على ألـمِ الـمبضعِ
تعاليت من شامخٍ روحُـهُ ●●● تسامى إلـى الأرفعِ الأرفـعِ
وحرًّا صريعًا هوى في الصفوف ●●● كريمَ الحقيقة لـم يَضْرعِ
وَرَدْتَ مع النفرِ الـمؤمنيـن ●●● على شـرعةٍ ثرّةِ الـمنبعِ
وفجّرت فـي دمكَ الخافقيـن ●●● براكينَ من لـهبٍ مفزعِ
وقدّمت فتيانكَ الصالـحين ●●● قرابينَ فـي الـمذبحِ الأروعِ
5) قصيدة الشيخ أسد حيدر :
وقفتُ أُناجي ضريحَ الحسينِ *** ونارُ الفجـيعةِ في أضلعي
وذَابَ فؤادي لهولِ المصابِ *** وكادَ يـذوبُ مع الأدمعِ
فناديـتُـهُ يابن بنت النبي *** فـديـتك من بطلٍ أروعِ
تذودُ عن الدينِ ذودَ الأسودِ *** وكانوا أماَمـكَ كالأضبعِ
وضحّيتَ للدينِ نفسًا سَمَتْ *** إباءً إلـى العالـمِ الأرفعِ
رفـعت منارَ الهدى عالـيًا *** فلمْ يبقَ للشركِ من موضعِ
تـمثّـلتُـهُ وهْـوَ بينَ العدا *** إلى الحقِّ يدعو فلم يُسمعِ
وصرختُـهُ للهدى لـم تزلْ *** يرنُّ صداها على مسمعي
يناديـهـمُ معلناً نـهجَـهُ *** إلى الله يا قـومُ هـيّا معي
لقدْ ساءني جورُ حكّـامِكم *** وقضَّ خضوعكمُ مضجعي
لقد جاوزوا الحدَّ في ظلمهم *** ولم يبقَ للقوسِ من منـزعِ
تأنّـيـتُ في ردّهم مدّةً *** لأنَّ العـثـارَ معَ الـمسرعِ
فيا أمّةَ السوءِ كم تلتوي *** بكمْ طـرقٌ لاتّـبـاعِ الدعي
فلمْ يسمعوا منهُ بلْ قابلوهُ *** وكانَ جوابُ القناَ الشُّـرَّعِ
(الراعبيّة) قصيدة للشيخ حسن بن محمد بن مرهون التاروتي المتوفى في أواسط القرن الثالث عشر ، وقد نظمها في رثاء الإمام الحسين عليه السلام.
وسُميّت القصيدة بالراعبيّة لابتداء مطلعها بقوله:
أللراعبيّة بالأجرعِ ●●● صبابة وجدٍ فلم تهجع
والقصيدة من بحر (المتقارب) وقافيتها (العين المكسورة) ، أما عدد أبياتها فهو محل اختلاف في المصادر التي أدرجتها.
أ. ففي كتاب (أدب الطفّ) للشيخ جواد شبر بلغت سبعينَ بيتًا.
ب. وفي كتاب (رياض المدح والرثاء) للشيخ حسين البحراني بلغت أربعةً وعشرين بيتًا.
ج. وفي كتاب (الروضة النديّة في المراثي الحسينيّة) للشيخ فرج العمران القطيفي بلغت مئة وعشرين بيتًا.
د. وفي كتاب (شعراء القطيف من الماضين) للشيخ علي المرهون بلغت مئة وثمانية عشر بيتًا , وعليه قد اعتمدنا في هذه الإطلالة المباركة.
مع ملاحظة أنّ القصيدة في المصادر الآنفة الذكر قد امتلأت بالأخطاء الإملائية وبعضها في اختلال الوزن الشعري للقصيدة.
وللتاروتي أيضًا قصيدتان تماثلان العينية في جمالها وروعتها.
أمّا الأولى فمطلعها:
لمن القبابُ الطالعات على قبا ●●● كالشهب إلا أنّها فوق الرُّبا
وأمّا الثانية فمطلعها:
لا تذقها على الشحوب لبابا ●●● هي نضوٌ وتلثم الأعتابا
ولم يُعرف له غير هذه القصائد الثلاث ، أما بقية شعره فقد ضاع بسبب (الإهمال أو الحسد).
والقصيدة العينية قد خلّدت شاعرها التاروتي على مرِّ الأيام والليالي ، فهي بحق تعدُّ مفخرة من مفاخر الشعر الحسيني وذلك لجمالها وروعة أسلوبها ودقّة معانيها وحُسن صورها.
وحريٌّ بكلّ بيتٍ شيعيٍّ أن تعلّق فيه ، وأن تبقى شاخصةً أمام الكربلائيين في كلِّ زمانٍ ومكان لإشراقها وتألّقها ، فهي خالدةٌ ما خَلُدَ الإمام الحسين عليه السلام.
وقد قيل إنَّ شاعرين قد جارياها وعارضاها في وزنها (المتقارب) وقافيتها (العين المكسورة) ، وأوّلُ هذين الشاعرين هو الشاعر العربي الكبير (محمد مهدي الجواهري) فقد زعموا بأنّه قد عارضَ قصيدة التاروتي بقصيدته الخالدة (آمنتُ بالحسين) والتي مطلعها:
فداءً لمثواكَ من مضجعِ ●●● تنوَّرَ بالأبلجِ الأروعِ
وقد نظمها الجواهري في الأربعينيات من عمره ، وهي من أروع ما قِيل في الإمام الحسين عليه السلام. وقد كُتِبَ منها خمسة عشر بيتًا على الباب الذهبي في مشهد الإمام الحسين عليه السلام ، وكان الجواهري يعتزّ بها اعتزازًا كبيرًا وكان يقول دائمًا: (إنّها زادي إلى الآخرة).
ويذكر الخطيب السيد داخل حسن في كتابه: (من لا يحضره الخطيب) أنّه قرأها شخصيًّا في احتفالٍ حاشدٍ في بيت الجواهري نفسه في مجلس عزاء فأخذ يهتزّ متفاعلاً معها ويردِّد كلماتها والدموع تنهمر من عينيه.
أما الشاعر الآخر فهو المؤرّخ والعالم (أسد حيدر) فقد ذكروا أيضًا بأنّه عارض قصيدة التاروتي وسار على منوالها ، ومطلع قصيدته:
وقفتُ أُناجي ضريحَ الحسين ●●● ونارُ الفجيعة في أضلعي
وهي قصيدة قصيرة بلغ عددُ أبياتها أربعة عشر بيتًا فقط.
وقبل الخوض في هذا الموضوع يجب علينا أن نقفَ وقفةً تأمّليّة قبل أن نصدر الحكم على هذه المعارضة من عدمها ، وذلك بتعريف واضح لمعنى (المعارضة) وبعدها نصدر حكمنا (بصحة هذا الرأي أو خطئه).
تعريف المعارضة لغة واصطلاحًا:
- المعارضة لغة: هي المقابلة ، فيقال فلانٌ يُعارضني أي يُباريني ، وعارضته في السير إذا سِرتُ حِيالَهُ وحاذيته ، وعارضَ الشيء بالشيء معارضةً قابَلَهُ ، وعارضتُ كتابي بكتابهِ أيْ قابلتُهُ وعارضتُهُ مثل ما صنع.
- المعارضة اصطلاحًا: أن يقول شاعرٌ قصيدةً في موضوع معيّن على بحرٍ من البحور الشعرية وعلى قافيةٍ معيّنة ، فيأتي شاعرٌ آخر فيعجب بهذه القصيدة لجانبها الفني وصياغتها الممتازة فيقول قصيدةً في بحر الأولى وقافيتها.
نماذج للمعارضة : حفظ لنا الأدب العربي كثيراً من المعارضات الشعرية التي لو أتيح جمعها وتبويبها لظهرت لدينا موسوعة ضخمة حولها.
ولعلَّ أبرز شاعرٍ في هذا المجال هو الشاعر العربي (أحمد شوقي) فله قصائد طويلة عارض بها قصائد مشهورة لشعراء سابقين ، ومن معارضاته:
1. معارضته لقصيدة البحتري (السينيّة):
صنتُ نفسي عمّا يدنّسُ نفسي ●●● وترفّعتُ عن جِدا كلِّ جبسِ
فقال شوقي معارضًا إيّاه:
اختلافُ النهارِ والليلِ يُنسي ●●● اُذْكُرَا لِي الصِّبا وأيام أُنْسي
2. معارضته لقصيدة ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلاً مِن تدانينا ●●● ونابَ عن طِيبِ لقيانا تجافينا
فقال شوقي معارضًا إيّاه:
يا نائحَ الطّلحِ أشباهٌ غوادينا ●●● نأسى لوادِيك أم نأسى لوادِينا
3. معارضته لقصيدة الحصري القيرواني:
يا ليلُ الصبُّ متى غَدُهُ ؟ ●●● أقيامُ الساعةِ موعدُهُ ؟
فقال شوقي معارضًا إيّاه:
مضناكَ جَـفَاهُ مَرقدُهُ ●●● وبكاهُ ورحَّم عُـوَّدُهُ
بعد هذا التعريف لمعنى (المعارضة) في اللغة والاصطلاح نعود إلى قصيدة الشيخ حسن التاروتي (الراعبيّة) لنقول:
إنَّ الشيخ التاروتي في قصيدته لم يخرج عن الإطار التقليدي للقصيدة العمودية ، فبمجرد التأمّل في مضامينها تجد أنّه قد تنقّل هنا وهناك على طريقة الشاعر العربي القديم ، ونلاحظ كذلك في قصيدته اعتبارية البيت وحدة القصيدة مما يؤدي إلى تقديم بعض أبياتها وتأخيرها ولا يحدث فيها خللٌ كبير وواضح.
ونجد عنده كذلك أصالة الألفاظ العربية وقوّة العبارات والتأثّر بالخيال القديم وانتزاع الصور من البيئة القديمة وذلك واضح عند قراءتها لأوّل وهلة.
وهو أولاً وأخيرًا قد التزم الوزنَ ووحدة القافية التي هي من أبرز خصائص العمود الشعري.
ونحنُ إذا عرّجنا على قصيدة الجواهري (العينيّة) نجده قد التزم نفس الوزن الشعري والقافية اللذان استخدمهما التاروتي في قصيدته ، ولكن شتّانَ بين القصيدتين في موسيقاهما ومعانيهما وألفاظهما وإيحاءاتهما ، فليس تشابه الوزن والقافية مدعاةً لأن نجزم بوقوع المعارضة.
فكم من القصائد الرثائية التي لا تعدّ ولا تحصر قد التزمت هذا البحر وهذه القافية ولم يتفوّه أحدٌ بقوله: إنّها معارضات لكونها قد التزمت الوزن الشعري والقافية ، لأنَّ مثل هذه الأحكام ناقصة وتحتاج إلى الدليل القوي الذي يدعمها.
فنحنُ عندما نقرأ قصيدة التاروتي يُخيّل إلينا أنّ قائلها شاعرٌ عربيٌّ أصيلٌ قد عاشَ في العصر العباسي أو الجاهلي بألفاظه ومعانيه وصوره المألوفة ، بينما الجواهري وأنت تقرؤه ترى قالبًا جديدًا وإن التزم الوزن التاروتي وقافيته، فالألفاظ والمعاني والصور عند الجواهري هي غيرها عند التاروتي.
فالتاروتي وإن بدت عنده في قصيدته ومضات إبائية هنا وهناك ، ولكنّه في جلّ قصيدته يستدرُّ الدموع ويستثيرُ العواطف ويستمطر المآسي ، بينما الجواهري قد جعل الإمام الحسين عليه السلام في قصيدته ثورةً صارخة ومبدءًا ونهجًا وعزيمةً وعِظةً ونسيمَ إباءٍ ونشيدًا للخلود وصورةً لن تشفع لكونها وِترًا ووحيَ سماءٍ وفيضَ نبوّةٍ وحماسًا واستنهاضًا وملاذًا للنفوس ، كقوله:
ويا عِظة الطامحين العظام ●●● لِلاهين عن غَدِهم قُـنّعِ
تلوذ الدهور فمن سجّدٍ ●●● على جانبـيه ومن رُكّعِ
تعاليت من مُفْزعٍ للحتوف ●●● وبُورِكَ قبركَ من مَفْزعِ
فالحسين عليه السلام عند الجواهري روحٌ ملهمة إلى عالمٍ قد أحاطته المذلّة والمهانة:
كأنّ يداً من وراءِ الضريح ●●● حمراءَ مبتـورةَ الأصبعِ
تـمدّ إلى عالمٍ بالخنـوع ●●● والضيم ذي شرقٍ مترعِ
لِتُبْدِلَ منه جديبَ الضمير ●●● بآخر مُعشوشبٍ مُـمْرِعِ
وتدفع هذي النفوس الصغار ●●● خوفًا إلى حرمٍ أمـنعِ
أمّا التاروتي في عينيته فهو دموع تفور وعيون تهملُ في الأَرْبُع:
ودمعٌ إذا فار تنّوره ●●● دمًا لم أقل ياجفوني اقلعي
بينما الجواهري في عينيته عزم يثور وهـمّة لا تنضب ويدٌ حمراء تُخيف الظالمين:
كأنّ يدًا من وراء الضريح ●●● حمراءَ مبتورة الأصبعِ
تعاليت من فلكٍ قطره ●●● يدورُ على المحورِ الأوسعِ
والتاروتي في مطلعه يسير على خطى الأقدمين في تفجّعه وحنينه وأنينه ويهيّئ لنفسه مدخلاً إلى الإمام الحسين عليه السلام ، بينما الجواهري يُعلنها مدوّية من البداية (تفدية وتبلّج وروعة وتنوّر):
فداءً لمثواك من مضجعِ ●●● تنوّرَ بالأبلجِ الأروعِ
بهذا يتضح لنا الفرق الشاسع بين الشاعرين.
وعليه نستنتج أنَّ الجواهري لم يساير التاروتي في قصيدته إلاّ في الوزن الشعري والقافية فقط لكون المعاني عندهما مختلفة والألفاظ والصور متباينة.
ولو عرّجنا على قصيدة (أسد حيدر) لاستطعنا أن نقول ما قلناه حول القصيدتين السابقتين ، فأسد حيدر قد التزم فقط وزن و قافية التاروتي ولكنه خالفه في المعنى والصورة واللفظ.
ولعلّ أسد حيدر أقرب إلى قصيدة الجواهري منه إلى قصيدة التاروتي ، وإن كانت قصيدة أسد حيدر لا ترقى إلى مستوى قصيدة الجواهري الخالدة في مستواها الفني وبنائها الرائع وصورها الخالدة .
ولعلّ أفضل ما لدى أسد حيدر في عينيته هو قوله:
وذاب فؤادي لهول المصاب ●●● وكاد يذوب مع الأدمع
ولعمري إنّها صورة عادية لا ابتكار فيها ولا تجديد ، فأينه من قول الجواهري:
وحزناً عليك بحبس النفوس ●●● على نهجك النيّرِ المهيعِ
تعاليتَ من صاعقٍ يلتـظي ●●● فإنْ تَدْجُ داجـيةٌ يلمعِ
ولأسد حيدر بيتٌ آخر يُعدُّ من نفائس أبياته في هذه القصيدة وهو قوله مخاطباً الإمام الحسين عليه السلام:
وضحّيتَ للدينِ نفسًا سمتْ ●●● إباءً إلى العـالمِ الأرفعِ
ولكنّه لا يحاذي قول الجواهري:
وخلتُ وقد طارت الذكريات ●●● بروحي إلى عالمٍ أرفعِ
ومن المستحسن لاتمام الموضوع ارتأيتُ أن أنوّه إلى قصيدةٍ سايرت قصيدةَ الجواهري وعارضتها ولكنّها لم تبلغ مداها وشوطها البعيد وهذه القصيدة هي للشيخ (عبدالله نعمة) ويبلغ عدد أبياتها حوالي تسعة وعشرين بيتًا ومطلعها:
وقفتُ على قبـركَ الممرعِ ●●● وقُوفَ أخي شجنٍ مُوجَعٍ
ونحن لو تأملناها لوجدناها صدىً لقصيدة الجواهري العينية.
ولتأكيد ما نقول سوف نعرض أبياتًا من هذه القصيدة ليتبيّن صحة ما ذكرناه من توافقٍ تام في المعارضة.
1. فمن أبيات عبدالله نعمة قوله:
وعفّرت خدّي بأعتابه ●●● أشمُّ شذاكَ ولم أُخدعِ
وهذا المعنى قد أخذه من قول الجواهري:
وعفّرتُ خدّي بحيث استراح ●●● خدٌّ تفرّى ولـم يضرعِ
2. وكذلك قوله:
وطاف بروحي جلال الشهيد ●●● فأخشعُ حتمًا مع الخشّعِ
وقد أخذ هذا المعنى من قول الجواهري :
وخلتُ وقد طارت الذكريات ●●● بـروحي إلى عالمٍ أرفعِ
3. وكذلك قوله:
وأصغيتُ منكَ إلى صيحةٍ ●●● تُدوّي على الدهر في مسمعي
وقد أخذ هذا المعنى من قول الجواهري:
تـمثّلت يومكَ في خاطري ●●● وردّدت صوتك في مسمعي
4. وكذلك قوله:
تعاليت من شامخٍ روحُهُ ●●● تسامى إلى الأرفـع الأرفـع
وهذا المعنى قد أخذه من قول الجواهري:
تعاليت من صاعقٍ يلتظـي ●●● فإن تَدْجُ داجـيةٌ يلمـعِ
ولكن تعالَ معي إلى قصيدة لم يتح لها الظهور والانتشار ، وهي بحسب رأيي أقرب لروح التاروتي في عينيته من جميع النواحي.
وهذه القصيدة هي للشاعر العراقي (حمادي نوح) المتوفى في سنة 1325هـ بالحلة وكان عمره عند وفاته (85) سنة.
وهي قصيدة طويلة بلغ عدد أبياتها ثمانية وأربعين بيتًا وقد جارى بها قصيدة التاروتي وزناً وقافية ومعنى ولفظًا وصورة ، ومطلعها:
أهاتفةَ البانِ بالأجرعِ ●●● مليًّا بفرع الأراك اسجعي
وسوف أقوم بتسليط الضوء على القصيدتين لنرى التوافق بين الشاعرين في المعارضة.
المطلع:
إنّ الشاعرين في مطلعيهما قد بدأ كلٌّ منهما قصيدته بمخاطبة (الراعبية) أيْ (الحمامة) ، فالتاروتي يقول: (أللراعبيّة بالأجرعِ) ، وحمادي نوح يقول : (أهاتفةَ البان بالأجرعِ).
ثم نمضي إلى بيت التخلص عندهما ، فنجد التاروتي يقول:
وقائلة وزعيم الأسـى ●●● يسدِّدُ عن قولها مسمعي
أتعنّف عينيكَ في أرْبُـعٍ ●●● فقلت ومن عَنَفي أربعي
سلي أن جهلت ولما تعي ●●● بأنَّ ابن فاطمة قد نُعي
بينما نجد حمادي نوح يقول:
يقرّ المقيل لذات الهديل ●●● بدور البليل على الـمرتعِ
جزعنا التياعًا ليوم الحسين ●●● فإن كنتِ والهةً فاجزعي
فكلا الشاعرين قد تخلّص إلى رثاء الإمام الحسين عليه السلام من خلال محاورة الحمامة ، وإن كان التاروتي في انتقاله أجمل وفي تخلّصه أفضل.
ثم نأتي إلى أمرٍ آخر وهو عند الشاعرين متشابه أيضًا ، فالتاروتي ينادي ويخاطب الإمام علي عليه السلام ويستنهضه لنصرة ابنه الحسين عليه السلام وذلك في قوله:
فيا راكـبًا ظهر مجدولةٍ ●●● شأت أربع الريح في أربع
إذا لمعتْ نار طور الغري ●●● فأنت بوادي طوى فاخلعِ
وصلّ وسلّم وصِلْ واستلمْ ●●● لقدس أبي الحسن الأنزع
ونادِ وقلْ يا زعيم الصفوف ●●● ويا قطب دائرة الأجمع
إلى أن يقول:
فقم فانتظارك ممــدودة ●●● لـها رغبة العين والمسمعِ
أثِرْ نقعها فحسينٌ قضـى ●●● وغُـلّة أحشاه لم تُنقـعِ
إذا قعدَ الشمر في صدره ●●● فما لقـعودك من موضعِ
ولو جئنا إلى الشاعر حمادي نوح لوجدناه يجعل خطابه إلى النبي بدلاً من الإمام علي عليه السلام ، فيقول:
أيا غـاديًا بذرى جـسرةٍ ●●● متى اتّـقدتْ هضب تقطعِ
إذا جزتَ متّـقد الحرتين ●●● وشـمت سَنَا يثربٍ فاخشعِ
وقبّل ثرى روضة المصطفى ●●● وصَلِّ وسلّم وَلُجْ واصدعِ
سقتك العدى يانبيّ الهدى ●●● بكأس الردى رنق الـمنقعِ
فالتشابه جليٌّ في الخطابين ، في المناداة من كليهما ، فتأمّل عند التاروتي قوله: (فيا راكبًا) وعند حمادي نوح قوله: (أيا غاديًا).
الصور الفنيّة عند الشاعرين:
نلاحظ أنّ الصور الفنيّة عند الشاعرين تلبس لباسًا عربيًا أصيلاً وتنهج على خطاه.
- الصور الفنية عند التاروتي:
1. يقول:
غداة رأى الدين في حاملٍ ●●● يـجرّ قناه ولم يرفع
فالدين هنا محمول وله قناة تُجرّ ولكنّها لم ترفع.
2. يقول:
كأنّ النجوم بهم تهتدي ●●● إذا حلّها البدر في مطلعِ
فما الجديد في هذه الصورة التي أوردها؟
نعم إنّها من المخزون التراثي القديم ، ولكنّ التاروتي عكس ماهو مألوف هنا إذ جعل النجوم هي التي تهتدي بهم بدل الاهتداء بها.
3. يقول:
فوفّى الذمام وأعلى الوفا ●●● نفوسٌ أسيلت على اللّمعِ
فالنفوس هنا تسيل على اللمع كما تسيل المياه.
4. يقول:
يردُّ الكماة كذي لبدةٍ ●●● أغـارَ بسـائمة رتّــع
شبّه التاروتي في هذا البيت الإمام الحسين عليه السلام وهو يردُّ الكماة من الأعداء بالأسد الذي يُغير على الأغنام فتنفر من أمامه.
5. يقول:
أُبيدوا فغصّتْ بـهم بقعةٌ ●●● بها غصَّ منهم فمُ الأبقع
جعل هنا الأرض (البقعة) تغصّ بالأجسام المضرّجة كما يغصّ الإنسان بالماء.
6. يقول:
أجارتنا ليس دعوى الأسى ●●● بأن تخضبي الكفَّ أو تسجعي
الصورة هنا (تشخيص) ، إذ خاطب الحمامة الأعجمية كما يُخاطب الإنسان العاقل.
- الصور الفنيّة عند حمادي نوح:
1. يقول:
وجوه كـشارقة الزبرقان ●●● لها السمر منـزلة المطلع
فالصورة هنا تراثية ، إذ الوجوه تشبه شارقة الزبرقان في تألّقها وإشراقها.
2. يقول:
توارت بها أنجم المكرمات ●●● بأدراع غلبٍ هوت صُرّعِ
جعل الشاعر للمكرمات أنجمًا ، وجعل هذه النجوم تتوارى وتختفي.
3. يقول:
هوت وُقّعًا من ذرى الصافنات ●●● كأقمار تمٍّ هوت وُقِّع
شبّه الشاعر في هذا البيت الشهداء عندما هووا من ذرى الخيول بالأقمار عندما تتهاوى.
4. يقول:
حبيبك بين ذويك الكـرام ●●● أضاحي مِنى بِتْنَ في موضع
شبّه الشهداء من أهل البيت وهم بدمائهم مضرّجون بالأضاحي التي تذبح في مِنى في موسم الحج.
بعد هذا الاستعراض المبسّط للصور الفنيّة عند الشاعرين يمكننا أن نقول: إنّ الشاعر حمادي نوح كان يسير على نهج التاروتي في صوره سير الفصيل في إثر أمّه ، وترتضع من نفس الحليب الذي شربته قصيدة التاروتي التراثية ، ولا يخفى على المتأمل في القصيدتين أنّ التاروتي في صوره كان أرقى وأحسن وأجود من صاحبه حمادي نوح ، الذي حاول إدراكه فلم يبلغ إليه.
المحسنات البديعية عند الشاعرين :
إنّ المحسنات البديعية هي الأخرى متشابهة عند الشاعرين وهي كثيرة في القصيدتين لا سيما في قصيدة التاروتي، وسوف نأخذ (أربعة) من المحسنات البديعية كنموذج للتقارب والتماثل بينهما ، وهي:
أ) الجناس الناقص عند الشاعرين:
أولاً: عند التاروتي:
فأمّا استطعت حنيـنًا له ●●● يلفُّ الحنـايا وإلا دَعي
فالجناس الناقص في كلمتي (حنينًا) و (الحنايا).
سلي أن جهلت ولـمّا تعي ●●● بأنّ ابن فاطمة قد نُعي
فالجناس الناقص في كلمتي (تعي) و (نعي).
فوطّا قـلوب ذويه على ●●● لـقا أروعٍ في تقى أورعِ
فالجناس الناقص في كلمتي (أروع) و (أورع).
ولا شمّر الشمر من جهله ●●● لذبحك عن ساعدٍ أكوع
فالجناس الناقص في كلمتي (شمّر) و (الشمر).
ثانيًا: عند حمادي نوح:
فيا ظاميًا شكرتْ فيضه ●●● ظوامي ثرى الخصب الممرعِ
فالجناس الناقص في كلمتي (ظاميًا) و (الظوامي).
أريقت دماك فلم تنتـقم ●●● وسيقت نساك فلم تـهلعِ
فالجناس الناقص في كلمتي (أريقت) و (وسيقت).
سقتك العدى يا نبي الهدى ●●● بكأس الردى رنق المنقع
فالجناس الناقص في كلمتي (العدى) و (الهدى) و (الردى).
أمونٌ تجانب لمع السراب ●●● إذا عبث اللمع بالألمـعي
فالجناس الناقص في كلمتي (اللمع) و (الألمعي).
ب) ردّ العجز على الصدر عند الشاعرين:
ردّ العجز على الصدر فنّ بديعي معناه أن يكون لفظ القافية قد سبق في الشطر الأول.
أولاً: عند التاروتي:
أتعنّف عينيك في أربُعٍ ●●● فقلت وعن عَنَفِي أربعي
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (أربعي و أربع).
كأن لم يُشَرّع باب الندى ●●● بهنّ أو الدين لم يشرع
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (يُشَرّع وُيشْرَع).
ومن حوله تُبّع إن دعا ●●● فما حمير من دعا تُبّعِ
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (تُبّع وتُبّع).
ملاحظة : ورد في قصيدة التاروتي (ردّ العجز على الصدر) في ثمانية أبيات فراجعها في النسخة التي اعتمدناها ، والأبيات هي: ( 9 , 12 , 13 , 23 , 69 ,89, 91 ,93 ).
ثانيًا: عند حمادي نوح:
جزعنا التياعاً ليوم الحسين ●●● فإن كنتِ والهةً فاجزعي
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (اجزعي وجزعنا).
مروّعة بصدى هجـمة ●●● أطارت لها أعيـن الروّع
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (الروّع و مروّعة).
بمصرعها يصدع الحامدون ●●● ثوت والمكارم في مصرع
فردّ العجز على الصدر في كلمتي (مصرع و مصرعها).
ملاحظة : ورد في قصيدة حمادي نوح (ردّ العجز على الصدر) في ثمانية أبيات فراجعها في (أدب الطف) لجواد شبر والأبيات هي: ( 4 ، 9 ، 20 ، 22 ، 27 ، 29 ، 30 ، 43).
ج) الطباق (التضاد ) عند الشاعرين:
أولاً: عند التاروتي:
وصارخة إن أراد الـحيا ●●● لها الخفض قال أساها ارفعي
فالطباق في كلمتي (الخفض و ارفعي).
ويا خيلنا قد أعدت الدّجى ●●● فغيبـي بهم تارة واطلعي
فالطباق في كلمتي (غيبي و اطلعي).
ثانيًا: عند حمادي نوح:
وأمْنًا فما ريع سرب القطا ●●● بنافحة الروض من لعلع
فالطباق في كلمتي (أمنًا وريع).
تشـدّ براقـعها خـيفة ●●● فتـغلب قهرًا على البرقع
فالطباق في كلمتي (تشدّ وتغلب).
د) الترادف عند الشاعرين:
أولاً: عند التاروتي:
ويا بطلاً ما مشى للقراع ●●● بنهنهة الوجلِ الهليع
فالترادف في كلمتي (الوجل والهليع) فهما كلمتان لمعنى واحد.
تغيم فتمطر هام الكماة ●●● وترعد في بارق اللمع
فالترادف في كلمتي (بارق واللمع) فهما كلمتان لمعنى متقارب.
ثانيًا: عند حمادي نوح:
ليومٍ به انكسف المشرقان ●●● بغاشية الغسق الأسفع
فالترادف هو (الغسق والأسفع) لكونهما يدلان على الظلام.
قضى عطشًا ولديه الزلال ●●● تدفّق عن طافح ٍ مترع
فالترادف في كلمتي (تدفّق وطافحٍ) فهما تؤديان لمعنى متقارب .
بعد هذا العرض لهذه المحسنات البديعية وشواهدها ، يتضح لنا مدى تقارب الشاعرين فيهما , وهكذا هما في بقية المحسنات البديعية الأخرى التي عزفنا عن ذكرها لكيلا يطول بنا المقام.
والشاعران قد أجادا في استخدامها وتوظيفها وإضفاء الموسيقى الشعرية في القصيدتين من خلالها.
وإن كان التاروتي في ظنّي قد صنعها صنعاً محكماً وتصيّدها تصيدًا بارعًا فاق بها صاحبه حمادي نوح.
النداء عند الشاعرين:
استخدم الشاعران النداء في قصيدتيهما في أكثر من موضع , فحمادي نوح قد استخدم النداء في ستة مواضع تقريباَ , بينما التاروتي فقد تعدّت نداءاته العشرة مواضع.
والذي يهمّنا هنا النداء الذي وجّهه التاروتي لراكب المجدولة ، والنداء الذي وجهه حمادي نوح للغادي بالناقة الجسورة.
ونحن نعلم أنّ من عادة الشاعر العربي القديم وصف رحلته وراحلته لِيُعلمَ الممدوح بالمشقة والتعب الذي لقيه حتى وصوله إليه وما ذاك إلا ليكسب منه الجائزة والهبة التي يتوخّاها.
والشاعران هنا قد انتهجا نفس الطريقة العربية القديمة ولكنّهما غايراها في الغاية , فهناك الجائزة مادية , وهنا الجائزة معنوية ، ولكي يتّضح ما نقوله فلنبدأ بهذين النداءين عند الشاعرين.
يقول التاروتي:
فيا راكباً ظهر مـجدولةٍ ●●● شأت أربع الريح في أربع
تجافي الأباطح حزم الحزوم ●●● وجرّعها حزم الأجـرع
فهو هنا يصف تلك المجدولة بأنّها في مسيرها قد تعرّضت إلى الرياح الأربع ولكنّها مضت متحمّلة وهي تسير على قوائمها الأربع التي تجرّعت حزم الأجرع من المسير, وماذاك إلا ليقول إلى الإمام علي عليه السلام إنّها لاقت المحن والمتاعب حتى وصلت بصاحبها إليك, فأنا وهي نطلب منك الجائزة على هذا التعب والمسير.
بينما حمادي نوح فيقول:
أيا غاديًا بذرى جسرةٍ ●●● متى اتّـقدت هضب تقطع
أمون تـجانب لمع السراب ●●● إذا عبث اللمع بالألمعي
وهي صورة قديمة لتلك الناقة الجسورة التي تقطع الدروب ولا تكلّ ولا تتعب حتى تصل إلى مبتـغاها.
فالنداء عند الشاعرين متشابه , ولعل التاروتي في ندائه كان أبلغ وأليق من حمادي نوح.
التشابه عند الشاعرين:
نجد أنّ الشاعرين متشابهان حتى في الألفاظ والعبارات وهذا يؤيّد ما ذكرناه بأن الشاعرحمادي نوح كان يجاريها في كلّ شيء ، فتأمّل إليهما في هذه الأبيات لترى التشابه واضحًا:
يقول التاروتي:
وصلّ وسلّم وصل واستلم ●●● لقدس أبـي الحسن الأنزعِ
ويقول حمادي نوح وقد أخذ هذا المعنى:
وقبّل ثرى روضة المصطفى ●●● وصلّ وسلّم ولُجْ واصدعِ
ويقول التاروتي مخاطبًا الإمام علي عليه السلام:
قعدت وبالطفّ أمّ الخطوب ●●● تقعقع في ضنك الموقعِ
ويقول حمادي نوح:
أتاحت لأبناك ضنك الفناء ●●● وأفـناهم ضنك الموقعِ
فتأمّل في قوليهما (ضنك الموقع) لترى ما ذكرناه واضحًا.
يقول التاروتي :
وأقمار أوجههن الذراع ●●● منازلـها عوض البـرقعِ
ويقول حمادي نوح آخذًا هذا المعنى:
تشدّ براقـعـها خيفةً ●●● فتغلب قهرًا على البـرقعِ
ويقول التاروتي :
إذا كنتِ ثاكلةً فاصدعي ●●● وإن كنتِ ناكلةً فاهجعي
ويقول حمادي نوح وقد صاغ بيته على غرار بيت التاروتي السابق:
جزعنا التياعاً ليوم الحسين ●●● فإن كنتِ والهةً فاجزعي
البراعة في وصف الحدث:
وصف الشاعران الحدث المأساوي في فاجعة كربلاء وصفاً دقيقاً يبرز فداحة الخطب وعظمته ، فهذا هو التاروتي يستنهض الإمام علي عليه السلام بقوله:
أثِرْ نقعها فحسين قضى ●●● وغلّة أحشاه لم تنقعِ
بل يزيد في عتبه لقعود الإمام علي عليه السلام عن نصرة ولده الحسين عليه السلام وحماية نسائه ، فيقول:
إذا قعد الشمر في صدره ●●● فما لقعودكَ من موضعِ
إلام وأهلوك في مهـلكٍ ●●● وشمل بناتك لم يـجمعِ
أقام القطـيع على رأسها ●●● مقام الملاءة والـملفعِ
وفي موضع آخر من أبيات القصيدة نراه يأمر السماء أن تقع مع داراتها لكون عمدها الذي عليه تقوم قد هوى فيقول:
فقُلْ للسماء وداراتـها ●●● وقد وقع القطب منها: قعي
وفي موضع آخر يصف سلب النساء ومنازعتها نهب حليّها ، بينما السلاسل والقيود لم تنـزع عنها ، فيقول :
ينازع أجيادها ما جمعن ●●● وجامعة الأسر لم تُنـزعِ
ولو مضينا إلى الشاعر حمادي نوح في وصفه لرأيناه يقارب شاعرنا التاروتي في براعة وصفه للحدث المأساوي وما تفرّع منه .
فتأمّله وهو يصف الحرائر من بنات الوحي وهي فزعة مرعوبة وصفاً مشجياً فيقول:
وخائفة فزعت رهبةً ●●● فأهوت على جسد المفزع
وفي موضع آخر يصف ما نال الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه في تلك الواقعة الكربلائية من تمزيق وتقطيع بأيدٍ لئيمة ، فيقول:
تـمزّقها شفرات الضبا ●●● بكفِّ ابن رافثةٍ ألكع
وفي موضع آخر يصف سبي النساء ومسيرها وهي على النياق الهزّل بأسلوبٍ رائعٍ يحمل بين طيّاته الحزن والأسى ، فيقول:
أُسارى يكلّفهنّ الحداة ●●● رسيماً على هزّلٍ ضلّع
ملاحظة حول بيت للتاروتي وبيتين لحمادي نوح:
1. يقول التاروتي:
فبوئي بها كجناج الغراب ●●● بوجهكِ سوداءَ لم تقلع
فهذا التشبيه لا يرتقي إلى المستوى المعهود في القصيدة ، فهو هنا يخاطب بني أمية على جريمتها النكراء فيقول: يا أميّة بوئي بالخزي والعار والمذّلة كجناح الغراب.
والجميع يعلم أنّ جناحي الغراب أسودان ، فما قيمة ذكره لكلمة ( سوداء ) في الشطر الثاني؟
إلاّ إذا كان يريد بذكره لكلمة (سوداء) بعد ذكره (جناح الغراب) بيان أنّ مقصوده ليس جناح الغراب بما هو جناح ، وإنّما يريد لونه الأسود فقط ، وكلنا يعلم أنّ اللون السوداوي الذي في جناح الغراب ليس جزءًا من أجزائه و إنما هو مما اشتمل عليه ، فتخصيصه بني أمية بسواد جناح الغراب هو تأكيد على خستها ومذلّتها وجريمتها السوداء التي لن تزول ولن تمحى.
2. يقول حمادي نوح:
ومرضعةٍ نحرتْ طفلها ●●● من القوس نافذة المنـزع
هذا البيت فيه إيهام ، فقد يظنّ القارئ لهذا البيت بأن تلك المرضعة هي التي نحرت طفلها وليس نافذة المنـزع ولو أردنا توضيح البيت ورفع الإيهام لقلنا نثرًا:
(ومرضعة نحرت نافذةُ المنـزِع من القوسِ طفلَها).
3. يقول حمادي نوح:
ومضنىً يئنّ بثقل القيود ●●● مشالاً على جمل أضلع
إن كلمة (مشالاً) في البيت قد أضعفته لكونها لا تتناسب مع تركيب البيت ودلالته ، وفي رأيي أن الشاعر قد أعوزته الكلمة المطلوبة لاستقامة الوزن الشعري فاضطر إلى هذه الكلمة .
وقفة أخرى مع الشاعرين:
القصيدتان (التاروتيّة و الحمّاديّة) فيهما من الحسنات و النفحات الطيّبة الشيء الكثير الكثير ، وفيهما من الشطحات الشيء القليل القليل.
وهذه وقفة عامة مع الشاعرين في قصيدتيهما نتبيّن من خلالها بعض الأمور التي أجادا أو قصّرا فيها:
أ) الاستهلال عند الشاعرين:
بدأ الشاعران مطلع قصيدتيهما بالتصريع موجّهين خطابهما إلى (الحمامة) بأسلوب تلفّه النجوى الحزينة ، ولعمري إنّه استهلال رائع و ممتع ، فالتاروتي يقول: (أَللراعبيّة بالأجرعِ) ، وحمادي نوح يقول: (أهاتفة البان بالأجرع).
ب) الاقتباس:
- يقول التاروتي:
إذا لمعت نار طور الغري ●●● فأنت بوادي طوى فاخلع
وقد أخذ التاروتي هذا المعنى من القرآن الكريم عن قصة موسى عليه السلام عندما آنس بجانب الطور نارا ، فجاءه النداء الإلهي: (اخلعْ نعْلَيْكَ إنَّكَ بالوادِ المقَدَّسِ طُوَى) ، وقد أجاد التاروتي أيّما إجادة في هذا البيت الرائع.
- يقول حمادي نوح:
أيَا جدُّ صلّى عليك المجيد ●●● ونلت ثنا الأفوه المصقع
صاغ حمادي نوح هذا البيت على لسان العقيلة زينب عليها السلام وهي تخاطب جدّها النبي وهو مأخوذ من قولها عليها السلام إلى جدها: (يا جدّاهُ صلّى عليك مليك السماء ، هذا حسينك بالعراء...).
ج) النظم والابتعاد عن الشاعرية:
- يقول التاروتي:
وإنّـي منكم وفيكم بكم ●●● عليكم إليكم فكونوا معي- يقول حمادي نوح:
أَجلّكم أن أزور القـبور ●●● وحمل ذنوبي غدًا مضلعي
فهذان البيتان يخلوان من الشاعرية وذلك بما يحملاه من تقرير في عبارة مباشرة.
د) التوازن والاتساق بين شطري البيت:
نلاحظ بعض الأبيات في القصيدتين متوازنة في شطريها مما يضفي على النص إيقاعًا موسيقيًا ، ومن هذه الأبيات عند التاروتي قوله:
إذا كنتِ ثاكلةً فاصدعي ●●● وإن كنتِ ناكلةً فاهـجـعي
فما في القرى لك من مطعمٍ ●●● وما في الثرى لك من مشبعٍ
ومنها عند حمادي نوح قوله:
أُريقت دماكَ فلم تنـتـقم ●●● وسيقت نساكَ فلم تسمع
هـ) التلاعب اللفظي:
- نلمح في قصيدة التاروتي بيتين قد تلاعب وأجاد في تلاعبه فيهما ، وهما:
تـنـوح الجياع على الساغبات ●●● وتـبكي السواغب للجوّع
كشكوى الفصال على المرضعات ●●● ونوح الفصيل على الرضّع
- ونلمح هذا أيضاً عند حمادي نوح وإن كان أقلّ تلاعبًا من شاعرنا (التاروتي) وذلك في قوله:
أتاحت لأبناك ضنك الفناء ●●● وأفناهم ضنك الموقع
الخلاصة:
بعد هذه الدراسة المبسّطة لهذه العينيات الشعرية الرائعة يتضح لنا جليًا أنّ الشاعر الأبرز في معارضة التاروتي لقصيدته (الراعبيّة) معارضة تامة محتذيًا حذوه عينًا بعين ، وأثرًا بأثر ، ودمعًا بدمع ، ونداءً بنداء ، وصورةًَ بصورة ، هو الشاعر (حمادي نوح) ، بينما (الجواهري وأسد حيدر وعبدالله نعمة) فقد ابتعدوا عن الشاعرين أيّما ابتعاد وإن كان يجمع الجميع الوزن الشعري (المتقارب) والقافية (العينية).
وأخيرًا نقول: إنَّ القصيدتين (التاروتيّة والحماديّة) قصيدتان مأساويتان تمثلان المدرسة التقليدية (الكلاسيكية) ولكنّهما بلغتا قمة الجودة والرقي مع ملاحظة التفاوت بينهما حسبما ذكرناه ، إذ امتاز التاروتي في قصيدته بأسلوب أخّاذ وساحر ، أسلوب متين ورصين ، أسلوب ينبع من عقيدة صلبة قد تفجرّت أحرفاً من عين باكية.
إنّ التعابير في القصيدة التاروتيّة تدلّ على فحولة شاعرها وبراعته التي يصعب إدراكها ومطاولتها.
إنّ التاروتي شاعرٌ أصيلٌ قد أُوتي خيالاً خصباً وصفاءً وجلاء وينبوعاً لا ينضب.
فالمشاهد التي صّورها التاروتي في قصيدته وإن سيطرت عليها (المادية) ولكنّه حاول تجسيد معانيها تجسيداً تضخيميًا على طريقة القدامى.
لذا يلزم علينا أن نقول: (إنّ التاروتي أعرابيٌ في شعره ، مطبوعٌ على مذاهب الأوائل ما فارق عمود الشعر المعروف).
فهو يستخدم اللغة ليعبّر بها عن المعاني التي تجيش في صدره ويصنع منها الإيقاع المطلوب للشعر.
ولا يفوتني أن أختم بكلمة الدكتور (عبد الله الحامد) التي ذكرها في كتابه القيّم: (الشعر في الجزيرة العربية) عندما استعرض بعضًا من أبيات قصيدة التاروتي (العينية) بقوله: (إذا كان له شعرٌ كثير على هذا النمط فهو بحق شاعرٌ مبدع).
ملحق القصائد:
وهذا مرفق بالقصائد الخمس التي تحدّثنا عنها، أضعها هنا ليتسنّى للجميع قراءتها:
1) قصيدة الشيخ حسن التاروتي (الراعبية) ، وهذه القصيدة بالذات قد أخذت منا وقتًا طويلاً في تصحيح أخطائها الإملائية وضبطها وإقامة وزنها الشعري ، ومن أراد أن يتبيّن ذلك فليراجع المصادر التي ذكرناها:
قصيدة الشيخ حسن التاروتي (في رثاء الحسين عليه السلام)
أللـراعبـيّـة بالأجـرعِ ●●● صبابة وجدٍ فـلم تـهجع
أمِ استوجدت وأتت موردًا ●●● تـمضمضُ منهُ ولـم تجرع
أجارتنا ليسَ دعوى الأسى ●●● بأن تخضبي الكفَّ أو تسجعي
إليَّ حـمامة جرع الحمى ●●● فـليس الشجيّ كمن يدَّعي
فأمَّا اسـتطـعت حنينًا له ●●● يـلـفّ الـحنايا وإلا دَعي
ودمـعٌ إذا فار تـنـورهُ ●●● دمًا لم أقُلْ يا جفوني اقـلعي
عذيريَ من فادحٍ كـلّما ●●● صغى مسمعي شبَّ في أضلعي
وقائـلة وزعـيم الأسى ●●● يُـسدّدُ عن قولـها مسمعي
أَتَعْنفُ عينـيكَ فـي أَربُعٍ ●●● فقلتُ وعن عَنَـفي أربـعي
سلي أن جهلت ولـما تَعي ●●● بأنَّ ابـن فاطمةٍ قد نُـعِي
غداةَ رأى الدينَ فـي حاملٍ ●●● يـجرُّ قناهُ ولـم يـرفع
وداعٍ دعـاه آتـنا للهدى ●●● ولـم يـك هيَّابةً إذ دُعي
ومـن حـوله تُـبّعٌ إن دعا ●●● فما حـميـرٌ من دعا تُبّعِ
كأنَّ النجومَ بـهم تـهتدي ●●● إذا حلّها البدرُ فـي مطلع
فحلًّ بوادي الندى لـم يجد ●●● أخا ثقةٍ فيه لـم يـخدع
فما اسطاع من بينهم مرحبًا ●●● وما كان في الأسر بالمرجع
فقالوا أطـعنا يـزيدًا فكن ●●● له طائـعًا وامض في مهيع
فقال أطعـتم ولـمّا أطع ●●● له وسـمعتم ولـم أسـمعِ
أبـى الله يـخضع جيدي له ●●● وسيفي بكفّي وجدِّي معي
فبات وباتوا ومن بـيـنهم ●●● مواعـدة القرْع بالأقـرع
فوطّا قلوب ذويـه على ●●● لـقا أروعٍ فـي تـقى أوْرع
فمذ دعت الحرب أقرانـها ●●● وقارنـت العضب بالأَخدع
رأيت أولئـك من دارع ●●● يـؤمّ الـهياج ومـن أدرع
دعـوا للرماح ألا فاشـرعي ●●● وبيض الصفاح ألا فاقطعي
ويا خيلنا قد أعدت الدّجى ●●● فغيـبي بـهم تـارة واطلعي
فوفّى الذمام وأعلى الوفا ●●● نـفـوس أسيلت على اللمّع
وظلَّ فـتـى لم تهله الألوف ●●● ولا بالفروقة في الـمجمع
يردُّ الكـمـاة كـذي لبـدةٍ ●●● أغار بـسـائـمةٍ رتّع
فتـهوي عرانيـنها جثّمًا ●●● تـجرّ العرانيـنَ في اليـرمع
ترى ذاك يـمشي على بطنه ●●● وآخر يـمشي على الأربع
فحسبك من رتـبةٍ لـم يكن ●●● لغـيـرك فيهنَّ من مطمع
وان ثـبتوا ساءهم ثـلـمة ●●● يشـيب الزمان ولـم ترقع
فـحسب أعاديهِ من سـيفه ●●● وصـعدتـه ذلّة الأضـرع
بأن كان والـتـاج في رتـبةٍ ●●● وكان من السرِّ في مـوضع
فليت وما لـيت مـن عـلّه ●●● ولا غالك السهم بالـمقنع
ولا شـمّر الشمرُ من جهـله ●●● لذبـحك عن ساعدٍ أكوع
ولا كـرّت الـخيلُ إصدارها ●●● بـمقدسِ صدرك والأضلع
ويا لـيت فارعَ رمـحٍ بـدا ●●● ينـوءُ برأسك لـم يـرفع
متى شابه الجمل العاسلات ●●● بـها الشمس في شَرَفِ المطلع
فـقل للسـماء وداراتـها ●●● وقد وقع القطبُ منـها: قعي
وللشهب إنْ فاخرتك التلاع ●●● فردِّي النقابَ على البـرقعِ
إذا كان نـورك من نـور مَن ●●● تـلألأ فـيها فلا تـلمع
متى أشرق البدرُ في تلـعـةٍ ●●● وقد كان في الفـلك الأرفع
وصارخةٍ إنْ أراد الـحيا ●●● لها الخفضُ قال أسـاها ارفـعي
إذا كنـتِ ثاكلةً فاصـدعي ●●● وإنْ كنتِ ناكلةً فاهـجعي
أتت نـحوهُ وبأحشـائـها ●●● جوىً يُوقِدُ النارَ بالـمدمع
تقولُ أخي يا حـميَّ الثغور ●●● عُـرِيتُ بـعرفِكَ والأربـع
فشـتَّـت أهليهِ من صبيةٍ ●●● عبـاديدَ أو نسـوةٍ ضُـيّـع
ويا دوحةً قد نـحاها الردى ●●● وزعـزعـها بيـدِ الزعزع
وأصحـر من ظلِّـها قائلاً ●●● وأصفـر راحة مسـتـنجع
ويا بطلاً ما مـشى للقـراع ●●● بنـهنـهةِ الوجِلِ الـهليع
أراك جـديلاً ويوم الجـلادِ ●●● بـغيـرِ قِراعِك لـم يقنع
تـغيمُ فـتمطرُ هـامَ الكماةِ ●●● وتـرعدُ فـي بارقِ اللمّع
أُبـيحَ حـماكَ فلا تـمتطى ●●● وبحَّ الـمنادي فلم تسـمع
علام تـرشّـفت من شـفرةٍ ●●● مذاقة كأسِ طِلاً مـنـزع
متى ألِفَ الضيمُ نفسَ الأَبـي ●●● وعـاد الدعـيُّ فلم يُرْدَعِ
متـى طأطأت ذروات العلا ●●● ومـدّت إليها اليدُ الأقـطع
لعلّك حيـنَ هجرت الديار ●●● وآنستَ فَدْفَـدَكَ البلـقـع
وكلتَ بأهليكَ قلبَ العطوف ●●● وأسكنتـهم بـحمى الأمنع
تضيقُ على الدهر أعذاره ●●● وماذا دعـتـك ولـم يـمنع
ويضحي الـملومة فـي فعلهِ ●●● إذا افترَّ سِـنًّا ولـم يُقْرَعِ
حنانـيـك ماردَّ عنك الردى ●●● وحسبانه حسبُ ما قد رُعِي
تعين الـمعالي وعين الفخار ●●● يغصّ بك الهولُ في الـمصرع
فلا سيـف إذ ذاك صلّت أتى ●●● وسابق هاتـيكَ لـم يسرع
فخلّ السرى يا ركابَ الوفود ●●● فخيـرٌ من السير أنْ ترجِعي
فما في القِرى لكِ من مُطْعِمٍ ●●● وما فـي الثرى لكِ من مُشْبِعِ
أهبّ النـزال بـمأوى النـزيل ●●● فأبدِ الجلادةَ أو فاجـزع
كفى حـزنًا دون أن تـبصري ●●● خلوّ الـمعاهد أن تسمعي
كأن لـم يُشَرَّع بـاب الندى ●●● بـهنَّ أو الدين لـم يُشْرَعِ
فيا راكبًا ظـهرَ مـجدولةٍ ●●● شأت أربـعَ الريحِ في أربـع
تـجافي الأباطح حزم الحزومِ ●●● وجرّعـها حـزم الأجـرع
إذا لـمعت نار طورِ الغـري ●●● فأنـت بوادي طِوى فاخلع
وصلِّ وسلّم وصِل واستـلم ●●● لقدس أبـي الحسن الأنـزع
ونادِ وقُـلْ يا زعيـمَ الصفوفِ ●●● ويا قطبَ دائرة الأجـمع
وأقوى ذراعًـا بصـمصـامةٍ ●●● على هامةِ البطلِ الأنـزعِِ
قعدت و بالطفّ أمّ الخـطوب ●●● تقـعقعُ في ضنك الـموقع
جثث فجـثـا بأزاها بـنـوك ●●● على ركّبٍ قطُّ لـم ترفعِِِ
فلمّا تضايـق مـدّ السيـوف ●●● بـمشتبك الأضبعِ الأضبع
أُبيدوا فغصّت بـهم بقـعـةٌ ●●● بـها غصَّ منهم فمُ الأبقع
فقم فانـتـظارك مـمدودةٌ ●●● لـها رغبةُ العين والـمسمع
وقد وسم المجد مـا نـهضت ●●● بـعزمك بالأنـف الأجذع
أثِـر نـقـعها فحسيـن قضى ●●● وغلّةُ أحشاهُ لـم تُـنقع
وقد وتـرتـه أكفُّ التـرات ●●● فأغرقتِ الرميّ بالـمنـزع
إذا قـعـدَ الشمـرُ في صدره ●●● فما لِقـعـودكَ من مَوْضِعِ
إلامَ وأهـلوك في مـهـلكٍ ●●● وشـملُ بناتـكَ لـم يجمع
أقـام القـطيعُ على رأسـها ●●● مـقام الـملاءة والـمِلْفعِ
وأقـمارُ أوجـهـهن الذراع ●●● منازلـها عـوض البـرقع
إذا ما اشتكيـن الظما والطوى ●●● وعزَّ الغياث على الـمفزع
تنـوح الجياع على الساغبات ●●● وتـبكي السواغبُ للجوّع
فلم تك تسـمع فـي صعصعٍ ●●● تداعيـن للحرَبِ الـمفجع
كشكوى الفصال من المرضعات ●●● ونوح الفصيلِ على الرضّع
ألا وأبـاهـا وأيـن الغيـورُ ●●● يراهنَّ فـي السبي كالزيلع
ينازع أجـيادها ما جـمـعن ●●● وجامعة الأسر لـم تُنْـزَعِ
تأنَّ مـن الأيـن والإغـتراب ●●● ينـوءُ بـها غارب الأضلع
أميّة ما ذنـب أشـقى ثـمود ●●● ولا زلّت النـعل من تُـبّعِ
كدمِّ النـبوة لـما صبـغـت ●●● بـها حاقد النابِ والأضلع
وأيدي الإمـامـة هذي أسرتِ ●●● وهاتـيـك آليتِ أنْ تقطعي
فبـوئي بـها كجناح الغـراب ●●● بوجهكِ سوداءَ لـم تـقلع
إذا شـاء أنـفـك من عارها ●●● يـفـكّ الخزامة لـم يسطع
إذا ضحكت عند ثـار الحسين ●●● ظـبًا لاهتـزازِ قَـناًً شُـرَّع
وكـبّر فـيها كأسدِ العريـنِ ●●● رجالٌ وأوشـك أنْ تـسمعي
وقـامَ بـها ملكٌ للقـضـا ●●● بـمقـدمـةٍ قـدمِ الأطـوع
فلم يدعُ ما قالَ ذا أمـضـه ●●● ولـم يـمضِ ما قالَ هذا دعي
فأيـن مـفـرّك مِنْ بـأسـهِ ●●● وقد أصبحَ الـحكمُ للمـدّعي
فحسبك أن قام فـي موقـفٍ ●●● وصلّت به البيضُ أنْ تـركـعي
هنالك ما الغيض ملّ الصدور ●●● ولا جـذوةُ الوجدِ فـي الأضلع
ستـقـفوه منا وأكـرم بـنا ●●● كـرام الـولادةِ والـمـرضع
فـيا صفـوة الله آل الرسـول ●●● وأسـبابـه اللائي لـم تقطع
ويا أصلَ موجودِ هذا الوجـود ●●● ولطـفاً من الـمبدأ الـمُبْدِعِ
وبـاب رضـاه الذي مـن أتى ●●● بـحاجتهِ مـنه لـم يـمـنع
جـعلتكمُ سادتـي وجـهتـي ●●● إذا قـلتُ يا خيـرَ مـولى دُعِي
بلاغ الأمانـي ونيـل الـمنـى ●●● بدنـيايَ والأمـنُ من مفـزعي
فـعبدكُـمُ حـسنُ الظـنِّ في ●●● صـنـايعِ فـضـلِكم الأوسع
وإنّـيَ منـكم وفـيكم بـكم ●●● عـليكم إليكم فـكونـوا معي
كشفتُ قـناعيَ فـي ديـنكم ●●● وما ديـنُ غيـركُـمُ مُـقْنِـعي
رضاكم أمانـي وإن أصبحـتْ ●●● ذنوبـي كرضـوى فلم أجـزع
ألا يا صلاة مـديـم الصـلاة ●●● إذا بـدأت بِـكُـمُ فـارجِـعي
ومـن طـربٍ يا سلامَ السلام ●●● بـروضـةِ أرواحـهِـم رجِّـعي
2) قصيدة الشيخ حمادي نوح :
أهاتـفةَ البـانِ بالأجـرعِ *** ملـيًّا بفرع الأراك اسجعي
وأمـناً فما رِيع سرب القَطا *** بنافحـةِ الروضِ من لـعلع
يقرّ الـمقيل لذات الـهديل *** بدور البليل على الـمرتع
جزعنا التـياعاً ليوم الحسين *** فإن كنت والهـةً فاجزعي
ليومٍ به انكسف الـمشرقان *** بغاشِـيةِ الغسـق الأسفع
وغُودِر في الطفّ سبط الرسول *** صريع الظما بالقنا الشرَّع
سقى حفرًا بثـرى كربلا *** نـمير الحـيا غدق الـمربع
توارت بها أنجم المكرمات *** بأدراع غـلب هوت صُرّع
بمصرعها يصدع الحامدون *** ثوت والـمكارم في مصرع
تعـفّرها سافيات الرياح *** عـصفـن بآفـاقها الأربع
تـحفُّ بعـاقد أعلامها *** وملحـقها بالذرى الأرفـع
قضى عطشًا ولديه الزلال *** تدفّـق عن طافـحٍ متـرع
فياّ ظامياً شكرت فيضه *** ظوامي ثرى الخصب الـممرع
أيا غاديًـا بذرى جسرة *** متى اتّـقدت هضب تـقطع
أمونٌ تجانبُ لمع السراب *** إذا عبـث اللمع بالألـمعي
إذا جزت مـتّقد الحرّتين *** وشـمت سَنا يثربٍ فاخشع
وقبّل ثرى روضة المصطفى *** وصلِّ وسلّم وَلُجْ واصدع
سقتك العدى يا نبيَّ الهدى *** بكأس الردى رنق الـمنقع
أتاحت لأبناك ضنك الفناء *** وأفـناهم ضنك الـموقع
وصمّاء جـعجع فيها بنوك *** نفوساً على أقـتم جعجع
جلتها جسومهم النـيّرات *** مـمزّقـةً بالضـبا اللمّع
هوت وقّعاً من ذرى الصافناتِ *** كأقمارِ تـمٍّ هوت وقّع
تـمزّقها شـفـراتُ الضبا *** بكفِّ ابنِ رافـثةٍ ألـكع
وجوهٌ كـشارقة الزبـرقان *** لها السمر منـزلة الـمطلع
تناديك تحت مهاوي السيوف *** بآخر صوتٍ فـلم تسـمع
أريقت دماكَ فلم تـنـتـقم *** وسيقت نساكَ فلم تـهلع
مروّعة بصدى هـجـمـةٍ *** أطارت لـها أعين الروّع
فأبرزن من خـيم أضـرمت *** بذاكيةِ اللهبِ الـمسفع
تشـدُّ براقـعهـا خـيـفةً *** فتغلب قهراً على البرقع
وخائفة فزعـت رهـبـةً *** فأهوت على جسد المفزع
تلوذ به فَـتُـنَحّـي بـها *** بعنـفٍ يدا لُـكّعٍ أكوع
ومرضعةٍ نحرت طفـلَها *** من القوس نافدةُ الـمنـزع
تلاقى السما بِدما نـحره *** أفـي الله هان دم الرضَّـع
وثاكـلة صرخت حـوله *** تـناديك عن كبدٍ مـوجع
أيا جدُّ صلّى عليك الـمجيد *** ونلت ثنا الأفوه المصقع
حبيـبك بين ذويك الكرام *** أضاحي مِنى بِتْنَ في موضع
تقلِّبها حـلبـاتُ الـخيول *** سليـبة ضافية الـمدرع
ومضنى يئـنُّ بثـقلِ القيود *** مشالاً على جـملٍ أضلع
يرى حرم الوحي إن أرسلت *** مدامـعـها بالقنا تُـقرَع
أُسارى يكـلِّـفهنَّ الحداة *** رسيـمًا على هزّلٍ ضُـلّع
تـجشِّمها ربوات الفلى *** وتـحضرها مجلس ابن الدعي
ويُدني القضيب لـثغر الحبيب *** فإن ضاء مبـسمه يقرع
تسرّع فيك ابن مرجانـة *** فـنال الـمنى أمل المسرع
وساق عـيالك سـوق الإما *** تـجوب فلى مربعٍ مربع
أألله يا غـضب الأنبـياء *** لـهتك الهدى بضبا الوضَّع
فيا صفـوة الله من خلـقه *** ومن لشفاعـتـهم مرجعي
أُجلكم أن أزور القـبور *** وحـمل ذنـوبي غدا مضلعي
أبـى الله يـخزي وليّ الكرام *** ويدعو بها يا كرامُ اشفعي
3) قصيدة محمد مهدي الجواهري :
فِدَاءً لمثواكَ من مَضْــجَعِ ●●● تَنَـوَّرَ بالأبلَـجِ الأروَعِ
بأعبقَ من نَفحاتِ الجِنـانِ ●●● رُوْحَاً ومن مِسْكِها أَضْـوَعِ
وَرَعْيَاً ليومِكَ يومِ "الطُّفوف" ●●● وسَقْيَاً لأرضِكَ مِن مَصْـرَعِ
وحُزْناً عليكَ بِحَبْسِ النفوس ●●● على نَهْجِكَ النَّيِّـرِ المَهْيَـعِ
وصَوْنَاً لمجدِكَ مِنْ أَنْ يُذَال ●●● بما أنتَ تأبـاهُ مِنْ مُبْـدَعِ
فيا أيُّها الوِتْرُ في الخالدِينَ ●●● فَـذَّاً ، إلى الآنَ لم يُشْفَـعِ
ويا عِظَةَ الطامحينَ العِظامِ ●●● للاهينَ عن غَـدِهِمْ قُنَّـعِ
تعاليتَ من مُفْزِعٍ للحُتوفِ ●●● وبُـورِكَ قبـرُكَ من مَفْـزَعِ
تلوذُ الدُّهورُ فَمِنْ سُجَّدٍ ●●● على جانبيـه ومـن رُكَّـعِ
شَمَمْتُ ثَرَاكَ فَهَبَّ النَّسِيمُ ●●● نَسِيـمُ الكَرَامَـةِ مِنْ بَلْقَـعِ
وعَفَّرْتُ خَدِّي بحيثُ استراحَ ●●● خَـدٌّ تَفَرَّى ولم يَضْـرَعِ
وحيثُ سنابِكُ خيلِ الطُّغَاةِ ●●● جالتْ عليـهِ ولم يَخْشَـعِ
وَخِلْتُ وقد طارتِ الذكرياتُ ●●● بِروحي إلى عَالَـمٍ أرْفَـعِ
وطُفْتُ بقبرِكَ طَوْفَ الخَيَالِ ●●● بصومعـةِ المُلْهَـمِ المُبْـدِعِ
كأنَّ يَدَاً مِنْ وَرَاءِ الضَّرِيحِ ●●● حمراءَ " مَبْتُـورَةَ الإصْبَـعِ"
تَمُدُّ إلى عَالَـمٍ بالخُنُـوعِ ●●● وَالضَّيْـمِ ذي شَرَقٍ مُتْـرَعِ
تَخَبَّطَ في غابـةٍ أطْبَقَـتْ ●●● على مُذْئِبٍ منـه أو مُسْبِـعِ
لِتُبْدِلَ منهُ جَدِيـبَ الضَّمِيرِ ●●● بآخَـرَ مُعْشَوْشِـبٍ مُمْـرِعِ
وتدفعَ هذي النفوسَ الصغارَ ●●● خوفـاً إلى حَـرَمٍ أَمْنَـعِ
تعاليتَ من صاعِقٍ يلتظي ●●● فَإنْ تَـدْجُ داجِيَـةٌ يَلْمَـعِ
تأرّمُ حِقداً على الصاعقاتِ ●●● لم تُنْءِ ضَيْـراً ولم تَنْفَـعِ
ولم تَبْذُرِ الحَبَّ إثرَ الهشيمِ ●●● وقـد حَرَّقَتْـهُ ولم تَـزْرَعِ
ولم تُخْلِ أبراجَها في السماء ●●● ولم تأتِ أرضـاً ولم تُدْقِـعِ
ولم تَقْطَعِ الشَّرَّ من جِذْمِـهِ ●●● وغِـلَّ الضمائـرِ لم تَنْـزعِ
ولم تَصْدِمِ الناسَ فيما هُـمُ ●●● عليهِ مِنَ الخُلُـقِ الأوْضَـعِ
تعاليتَ من "فَلَـكٍ" قُطْـرُهُ ●●● يَدُورُ على المِحْـوَرِ الأوْسَـعِ
فيابنَ البتـولِ وحَسْبِي بِهَا ●●● ضَمَاناً على كُلِّ ما أَدَّعِـي
ويابنَ التي لم يَضَعْ مِثْلُها ●●● كمِثْلِكِ حَمْـلاً ولم تُرْضِـعِ
ويابنَ البَطِيـنِ بلا بِطْنَـةٍ ●●● ويابنَ الفتى الحاسـرِ الأنْـزَعِ
ويا غُصْنَ "هاشِـمَ" لم يَنْفَتِحْ ●●● بأزْهَـرَ منـكَ ولم يُفْـرِعِ
ويا واصِلاً من نشيدِ الخُلود ●●● خِتَـامَ القصيـدةِ بالمَطْلَـعِ
يَسِيرُ الوَرَى بركابِ الزمانِ ●●● مِنْ مُسْتَقِيـمٍ ومن أظْلَـعِ
وأنتَ تُسَيِّرُ رَكْبَ الخلـودِ ●●● مـا تَسْتَجِـدُّ لـهُ يَتْبَـعِ
تَمَثَّلْتُ يومَكَ في خاطـرِي ●●● ورَدَّدْتُ صوتَكَ في مَسْمَعِـي
وَمَحَّصْتُ أمْرَكَ لم أرْتَهِـبْ ●●● بِنَقْلِ " الرُّوَاةِ " ولم أُُخْـدَعِ
وقُلْتُ: لعـلَّ دَوِيَّ السنين ●●● بأصـداءِ حادثِـكَ المُفْجِـعِ
وَمَا رَتَّلَ المُخْلِصُونَ الدُّعَاةُ ●●● من " مُرْسِلِينَ " ومنْ "سُجَّـعِ"
ومِنْ "ناثراتٍ" عليكَ المساءَ ●●● والصُّبْحَ بالشَّعْـرِ والأدْمُـعِ
لعلَّ السياسةَ فيما جَنَـتْ ●●● على لاصِـقٍ بِكَ أو مُدَّعِـي
وتشريدَهَا كُلَّ مَنْ يَدَّلِي ●●● بِحَبْلٍ لأهْلِيـكَ أو مَقْطَـعِ
لعلَّ لِذاكَ و"كَوْنِ" الشَّجِيّ ●●● وَلُوعَاً بكُـلِّ شَـجٍ مُوْلـعِ
يداً في اصطباغِ حديثِ الحُسَيْن ●●● بلونٍ أُُرِيـدَ لَـهُ مُمْتِـعِ
وكانتْ وَلَمّا تَزَلْ بَـــرْزَةً ●●● يدُ الواثِـقِ المُلْجَأ الألمعـي
صَناعَاً متى ما تُرِدْ خُطَّةً ●●● وكيفَ ومهما تُـرِدْ تَصْنَـعِ
ولما أَزَحْتُ طِلاءَ القُرُونِ ●●● وسِتْرَ الخِدَاعِ عَنِ المخْـدَعِ
أريدُ "الحقيقةَ" في ذاتِهَـا ●●● بغيرِ الطبيعـةِ لم تُطْبَـعِ
وجَدْتُكَ في صورةٍ لـم أُرَعْ ●●● بِأَعْظَـمَ منهـا ولا أرْوَعِ
وماذا! أأرْوَعُ مِنْ أنْ يَكُون ●●● لَحْمُكَ وَقْفَاً على المِبْضَـعِ
وأنْ تَتَّقِي - دونَ ما تَرْتَئـِي- ●●● ضميرَكَ بالأُسَّـلِ الشُّـرَّعِ
وأن تُطْعِمَ الموتَ خيرَ البنينَ ●●● مِنَ "الأَكْهَلِيـنَ" إلى الرُّضَّـعِ
وخيرَ بني "الأمِّ" مِن هاشِمٍ ●●● وخيرَ بني " الأب " مِنْ تُبَّـعِ
وخيرَ الصِّحابِ بخيرِ الصُّدُورِ ●●● كَانُـوا وِقَـاءَكُ ، والأذْرَعِ
وقَدَّسْتُ ذِكراكَ لم انتحِـلْ ●●● ثِيَـابَ التُّقَـاةِ ولم أَدَّعِ
تَقَحَّمْتَ صَدْرِي ورَيْبُ الشُّكُوكِ ●●● يِضِـجُّ بِجُدْرَانِـهِ الأَرْبَـعِ
وَرَانَ سَحَابٌ صَفِيقُ الحِجَاب ●●● عَلَيَّ مِنَ القَلَـقِ المُفْـزِعِ
وَهَبَّتْ رِياحٌ من الطَّيِّبَـاتِ ●●● و" الطَّيِّبِيـنَ " ولم يُقْشَـعِ
إذا ما تَزَحْزَحَ عَنْ مَوْضِعٍ ●●● تَأَبَّى وعـادَ إلى مَوْضِـعِ
وجَازَ بِيَ الشَّـكُّ فيما مَعَ ●●● " الجدودِ " إلى الشَّكِّ فيما معي
إلى أن أَقَمْتُ عَلَيْهِ الدَّلِيـلَ ●●● مِنْ " مبدأٍ " بِدَمٍ مُشْبَـعِ
فأسْلَمَ طَوْعَا ً إليكَ القِيَـادَ ●●● وَأَعْطَاكَ إذْعَانَـةَ المُهْطِـعِ
فَنَوَّرْتَ ما اظْلَمَّ مِنْ فِكْرَتِي ●●● وقَوَّمْتَ ما اعْوَجَّ من أضْلُعِـي
وآمَنْتُ إيمانَ مَنْ لا يَـرَى ●●● سِوَى العَقْل في الشَّكِّ مِنْ مَرْجَعِ
بأنَّ (الإباءَ) ووحيَ السَّمَاءِ ●●● وفَيْضَ النُّبُوَّةِ ، مِـنْ مَنْبَـعِ
تَجَمَّعُ في (جوهرٍ) خالِصٍ ●●● تَنَزَّهَ عن ( عَرَضِ ) المَطْمَـعِ
4) قصيدة الشيخ عبدالله نعمة :
وقفتُ على قبرِكَ الـممرعِ ●●● وقوفَ أخي شجنٍ مُوجَعِ
وعفّرت خدِّي بأعـتـابهِ ●●● أشـمُّ شذاكَ ولـم أُخدعِ
وأحنيتُ هامي بـمحرابهِ ●●● خـشوعًا مع السجّدِ الركّعِ
وطافَ بروحي جلالُ الشهيدِ ●●● فأخشعُ حتمًا مع الخشّعِ
وألثمُ منهُ جدارَ الضـريحِ ●●● وأنشقُ من عطرِهِ الأضوعِ
وأسفحُ دمـعي على أرضِهِ ●●● وأجـثو بـجدرانِهِ الأربعِ
وأقبسُ من ضوئهِ قبـسةً ●●● تضيءُ فؤاديَ فـي أضلعي
وأصغيتُ منكَ إلى صيحةٍ ●●● تدوّي على الدهرِ في مسمعي
وتـحدو بأحـرارنا صيحةٌ ●●● إلى الموقف الأروعِ الأردعِ
وقد أبصروكَ إمـامَ الكرام ●●● فساروا على دربك المهيعِ
فيا صرخةَ الحقّ في الثائرين ●●● تُجلجلُ في مسمع الـهُجّعِ
فيا لكَ حرًا مشى للردى ●●● كمشيِّ السبنتى إلى الـمعمعِ
قرأتُكَ شعرًا خصيبَ الحروفِ ●●● ولحناً يذوبُ على المقطعِ
سـموتَ على الندبِ والأدمعِ ●●● سـموّكَ في كرم المصرعِ
وما ينفعُ الدمعُ إنْ لـم يكن ●●● شواضًا على الظالمِ الأوضعِ
تـجاوزَ يومُك هـذا البكاءَ ●●● إلى الأفُقِ الأرحبِ الأوسعِ
إلـى فكرةٍ حيّةٍ في الضمير ●●● إلـى مَثَلٍ مشـرقٍ أنـصعِ
إلـى رايةٍ هتـفت حولـها ●●● غطاريـف من فتيةٍ خشَّعِ
يطوفُ بـها حولك الثائرون ●●● يعـبّون من روحِكَ المبدعِ
فأنهلتهم من سُلاف الحياةِ ●●● فمالوا نشاوى على الـمصرعِ
يُخـيّرك الوغدُ بين اثنتين ●●● فتأبـى الذي يبتـغيهِ الدعي
وتـختارُ أولاهـما بالكرام ●●● حِمامًا بظلِّ القنا الـمشرعِ
تـحدّيت في دمِكَ الظالمين ●●● وروحكَ كالجـبلِ الأمـنعِ
تـمرّد عزمُك فوق الجروحِ ●●● ومارَ على ألـمِ الـمبضعِ
تعاليت من شامخٍ روحُـهُ ●●● تسامى إلـى الأرفعِ الأرفـعِ
وحرًّا صريعًا هوى في الصفوف ●●● كريمَ الحقيقة لـم يَضْرعِ
وَرَدْتَ مع النفرِ الـمؤمنيـن ●●● على شـرعةٍ ثرّةِ الـمنبعِ
وفجّرت فـي دمكَ الخافقيـن ●●● براكينَ من لـهبٍ مفزعِ
وقدّمت فتيانكَ الصالـحين ●●● قرابينَ فـي الـمذبحِ الأروعِ
5) قصيدة الشيخ أسد حيدر :
وقفتُ أُناجي ضريحَ الحسينِ *** ونارُ الفجـيعةِ في أضلعي
وذَابَ فؤادي لهولِ المصابِ *** وكادَ يـذوبُ مع الأدمعِ
فناديـتُـهُ يابن بنت النبي *** فـديـتك من بطلٍ أروعِ
تذودُ عن الدينِ ذودَ الأسودِ *** وكانوا أماَمـكَ كالأضبعِ
وضحّيتَ للدينِ نفسًا سَمَتْ *** إباءً إلـى العالـمِ الأرفعِ
رفـعت منارَ الهدى عالـيًا *** فلمْ يبقَ للشركِ من موضعِ
تـمثّـلتُـهُ وهْـوَ بينَ العدا *** إلى الحقِّ يدعو فلم يُسمعِ
وصرختُـهُ للهدى لـم تزلْ *** يرنُّ صداها على مسمعي
يناديـهـمُ معلناً نـهجَـهُ *** إلى الله يا قـومُ هـيّا معي
لقدْ ساءني جورُ حكّـامِكم *** وقضَّ خضوعكمُ مضجعي
لقد جاوزوا الحدَّ في ظلمهم *** ولم يبقَ للقوسِ من منـزعِ
تأنّـيـتُ في ردّهم مدّةً *** لأنَّ العـثـارَ معَ الـمسرعِ
فيا أمّةَ السوءِ كم تلتوي *** بكمْ طـرقٌ لاتّـبـاعِ الدعي
فلمْ يسمعوا منهُ بلْ قابلوهُ *** وكانَ جوابُ القناَ الشُّـرَّعِ