المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإشتغال على الأسطورة وتوظيفها شعرياً


مالك القلاف
07-02-2008, 12:09 AM
الإشتغال على الأسطورة وتوظيفها شعرياً
قراءة نقدية في ديوان (جنيات شومان) للشاعر زكي الصدير


http://up.x333x.com/uploads/3021a43682.jpg (http://up.x333x.com)

لم تكن مجرد وساوس ألقاها على كاهلنا لنتدثر بها, وليست أيضاً مجرد أصواتاً هارمونيكية تشبعت بها أرواحنا, كانت أساطيراً فاحشة اللذة ترنم بها دفء الحرف لتبحث عن نهاية شاعر تاه ولم يعد .. شاعرٌ امتطى صهوة الشعر, وخطت جنياته عوالمه المؤتلقة, عوالم (سيريالية) توسدت أصوات (عوان) وصوت (قلوص) وصوت (قعود) وأربع رغبات مجنونة لتحيك الخيوط الأولى للوجدان الشعري المكابد حتى لب العظم من رفضه المطلق للواقع, وفيها التحول اللاحق من تلك القصيدة الوجدانية المكتوبة على جدار زنزانة (13), إلى النفس الملحمي في البناء الشعري المتشبث بإصرار ثوري يمازج النفري بالحسين بن علي, يرينا النهايات سراباً, وليس ثمة نهاية .. يرينا جيوش العون ضباباً, وليس ثمة مدد غير ملايين تزرع في قلبه الخرافات, أيهم يمنع جثمانه أن ينهض في المرآب .. أيهم يزرع في قلبه الكمنجات..!!

أجد نفسي ضالاً بين دفتي هذا الديوان, أحاول أن أصنفه تصنيفاً أدبياً فلا أفلح, (جنيات شومان) الديوان الأول للشاعر السعودي (زكي الصدير) من إصدارات دار (فراديس) للنشر, يحوي مزيجاً من القصائد الغرائبية التي تلبست (الصدير) في لحظة ضائعة على التخوم بين الشعور واللاشعور فأخذت تتشكل لقارئها بشكل مألوف حيث المدخل والخاتمة بينهما متن يتفاوت في الطول وتأخذ الحروف فيه بعضها بأعناق بعض, زئبقية هاربة, مترادفة أو معطوفة, متلاطمة حيناً, ومتعانقة أحياناً أخرى, ولست هنا في صدد وضع تعريف جديد أو حكم وصفي لما سار عليه (الصدير) في ديوانه (جنيات شوان) كونها تماهت مابين (النثر) و (التفعيلة) و (العمودي) وصولاً إلى (النبطية) كإستحضار شعبي وإسقاط تراثي, إلا أن البعض قد يتذوق صنفاً شعرياً ولا يرى في غيره أي ثيمة (شعرية).

هنا في ديوان (جنيات شومان) حاول الشاعر (زكي الصدير) الطرق على جميع صنوف الشعر بما فيها النثر موافقاً بذلك الإضافة الجوهرية التي أظهرتها الشعرية الحديثة والتي تتمثل في إظهارها بطريقة أكثر فعالية بأن اللغة النثرية أو ما يسمى بعد ذلك بقصيدة النثر يمكن أن ترتفع بنفسها إلى أن تكون شعراً ليس فقط على صعيد بناء الصورة الشعرية ذات الطبيعة الدلالية، وإنما أيضاً على صعيد الإيقاع والمظهر الصوتي. فالشعر، كما يقول (بودلير)، يمسُّ الموسيقى عن طريق عروض تمتد جذورهُ عميقة في النفس البشرية بقوة أشد من تلك التي تشير إليها أية نظرية كلاسيكية, وقد نشأت التقاليد الخاصة بقصيدة النثر التي يفضل أصحابها الحديث عن إيقاع داخلي يقوم بين الكلمات والجمل الشعرية وفقاً لعلاقات خفية وغير واضحة دوماً في النصوص التي يتحدثون عنها.

من المعروف أن لكل شاعر مفهومه الخاص الذي يختلف كثيراً أو قليلاً عن غيره. فليس هناك مقاييس ثابتة تحدد الشعر تحديداً نهائياً، هكذا أرى أن لكل فترة شعرها الخاص، ولكل بيئة شعرها المتميز, بل كل قصيدة تختلف عن غيرها لدى الشاعر الواحد, ومن ثم يبقى مفهوم الشعر نسبياً باختلاف المنطلقات والتصورات، فبعضهم يعرفه انطلاقاً من مصدره وآخر انطلاقاً من وظيفته وثالث من طبيعته وهلم جرا, بل قد يختلف اثنان في تحديد الشعر مع اتفاق المنطلق, ويذكر شكلوفسكي "أن عملاً أدبياً يمكن أن يعتبر نثراً بالنسبة لكاتب بينما هو نص شعري بالنسبة لكاتب آخر" .. هكذا انبرى الشاعر (زكي الصدير) في ديوانه (جنيات شومان) ليثبت انفراده بمفهوم خاص يعايش به كل الفترات ويطعمها ببيئات محيطة وأخرى مختلفة الأبعاد.

وقد يرى البعض في قصائده أفكاراً خاصة يحاول أن يبثها للذات الفاعلة فيجد (الصدير) نفسه بذلك شاعراً (مؤدلجاً) وأقصد بذلك بعض القصائد كـ (النفري في حضرة الحسين) وبعض الأبيات المستخدمة في هذا النص وأيضاً بعض المفردات المستعملة في قصائد تالية (كالعجل العجل .. الساعة الساعة) وهي كلمات مقتبسة من دعاء مناجاة الأمام المهدي (حسب تصورات الطائفة الشيعية) وأيضاً (قلبي محجوب .. نفسي معيوب .. عقلي مغلوب .. و هواي غالب) أيضاً هي (حسب أراء الطائفة الشيعية) كلمات مقتبسة من دعاء الصباح للإمام علي (كرم الله وجهه), بالتالي فإن الناظر لهذه المفردات بعين ضيقة سيجد في (الصدير) شاعراً ذو ايدولوجية صرفة, ولكن لو أمعنّا النظر أكثر سنستشف ماوراء هذه المفردات لتتضح لنا معالم تلك القصائد والمفردات (سيميائياً) وقد تتكشف لنا رؤى أوسع للمنظور الشعري حسب تصور (زكي الصدير) وهو مالا يحده حد ولا يقف فقط عند توجه دون غيره وإنما هي اقتباسات من ثقافات وحضارات وأفكار تصب في مصلحة النص دون أن تشي بأي أفكار يمكن أن نصم بها (الصدير) ايدولوجياً.

اربعة عشر قصيدة ابتدأها بقصيدة (هوس المرايا) والتي أراها مدخلاً للديوان صاغه (الصدير) بشكل ومضات (سردية) مكثفة اللغة وتعج بالإشارات الدلالية, ثم أعقبها بقصيدة الموت المؤنث, هذه القصيدة التي كان مستهلها إضاءة اسطورية عن الكلب (سربروس) وهو من كان يحرس مملكة الموت في الأساطير اليونانية. قصيدة (الموت المؤنث) تحكي قصة (سفروس) وهو يناجي صديقه (سند) وينعاه إذا ما أدارت الدنيا له ظهرها. قصيدة تفعيلية تلامس شغاف الروح بشفافية دون تكلف, ونرى (الصدير) هنا يحكم على الأطر (التراجيدية) في النص بقبضة من حديد وبشكل مونولوجي جميل.

تعمدت هنا أن أسهب في تحليل قصيدة (الموت المؤنث) دون غيرها كونها أنموذجاً مقارباً يواكب موضوع قراءتي تطبيقياً, وهي دلالة الأسطورة ودلالة الرمز ودورهما في بناء القصيدة, فنرى بداية قصيدة (الموت المؤنث) شرح موجز لرمز (يوناني) أراد به (الصدير) تحقيق الصورة الكلية عن طريق التكثيف الذي يحقق للقصيدة وحدتها العضوية ويجعلها لمحاً, وأقتبسُ هنا ماذهب إليه (خليل الحاوي) في أن الأسطورة "هي تولي الشاعر القدرة على الإشارة السريعة إلى الأحداث دون سرد أو تقرير فتستحيل إلى رمز وصورة كلية تشيع في مفاصل القصيدة وأجزائها وتضمن لها صفة التماسك الحتمي والوحدة العضوية، كما تيسر للقارئ سبيل المشاركة في تجارب الشاعر فتضيف إلى حسّه بالدهشة والغرابة حسّه بالألفة حين يدخل عوالمه".

إن الأسطورة في عالم (زكي الصدير) أداة وليست غاية في حد ذاتها، ومن ثمَّ فالصورة الشعرية بداخل (جنيات شومان) ليست صورة جاهزة تورد الأسطورة كما هي وإنما توظفها لغاية شعرية. فالغرابة من صفة الصورة الشعرية لا الأسطورة الشعبية التي ألفها الناس, وإذا كانت الأسطورة في (الموت المؤنث) أداة لتحقيق صفة الكلية للصورة الشعرية وتوفير الوحدة العضوية للقصيدة وإدهاش القارئ، فإن الرمز فيها يجسِّد المجردات, لذلك اصبحت الصورة الشعرية ليست صورة مجردة من حيث كونها كلية, وإنما هي صورة حسيَّة.

ولو انتقلنا للقصيدة التالية (يحدو لغيمة) سنجد مستهلها أيضاً صورة تلقي الضوء على ثقافة لأسطورة تكشف الغطاء عن معتقد عربي قديم, وهذا ماستنتجت من خلاله منهاج (الصدير) في شغفه و ولعه بالمزج بين ماهو حديث وماهو أسطوري لهذا نراه دائماً ما يذهب إلى ضرورة إعادة صياغة الرموز التاريخية بحسب ما تقتضيه التجربة الشعرية. فهو لا يأخذ الشخصية أو الأسطورة كما هي إنَّما دائماً ما يبحث عن السمات الدالة في الشخصية أو الأسطورة، ويحاول أن يربط ربطاً موفقاً بينها وبين ما يريد أن يعبر عنه من أفكار، وأكثر ما شدني هنا عند (الصدير) هو مراعاته في ذلك (الحداثة) و(السمة المتجددة) التي تحملها الشخصيات التاريخية أو الأسطورية. فبعض الشخصيات التاريخية أو الأسطورية لا تصلح موضوعاً معاصراً على الإطلاق وذلك لانعدام السمة الدالة.

ويؤكد يوسف الخال الوظيفة التجسيدية للأسطورة فيقول: "وفضل الأساطير على الشعر أنها لا تعظ بل تجسّد، والتجسيد تجربة حيّة ترفض النظر والكلام المبين". هكذا كانت القصيدة في عرف (زكي الصدير) تتّخذ من الأسطورة أداة تجسد بها المجرد. إنه يرفض التجريد ويبث الحياة في الكلمات والأشياء والأفكار. والشعر هنا ليس تابعاً للأسطورة لأنَّه يتخذها وسيلة فنية ليحقق ذاته وشعريته.

إن الرمز والأسطورة وسيلتان وليسا غايتين في ذاتيهما، ورجوع (الصدير) إليهما لم يكن إلا من خلال التجربة الشعرية. فالشعر ليس حشداً للأساطير أو الرموز، وإنما هو رؤيا قبل كل شيء. وهو (الصدير) عندما يستدعي أسطورة قديمة إنَّما يأخذ منها ما يمكن أن يعينه على تجسيد فكرة أو تنظيم تجربة أو نقل خاص إلى عام أو غير ذلك. فنراه يتصرف في الرمز أو الأسطورة بحسب ما تتطلبه تجربته الشعرية كما يخلق أساطيره ورموزه الخاصة به. من المهم الإشارة هنا إلى أنه ومع كثافة الدلالة الرمزية وتطعيمه قصائدة بالثيمة الأسطورية إلا أنه لم يكن مجرد سرد فارغ وغير منمق لهذه الرموز والأساطير وهذا ما قوى النفحة الشعرية في (جنيات شومان) ولم يفقدَ (الصدير) طبيعته الشعرية.

أعتقد أن قصيدة (جنيات شومان) هي أكبر دليل على تعلق (الصدير) بهذه السمة, وقد بين في بداية ديوانه المعنى الحقيقي لهذا الأسم حيث ذكر أن (شومان) هو أبو الجن وقد خُلِقَ من مارجٍِ من نار, في هذه القصيدة تتكشف نظرة (زكي الصدير) إلى الرمز والأسطورة في مرحلته الأولى وعلاقتهما بالشعر في بناء الصورة الشعرية. فهو ينطلق منهما ليصل إلى الشعر، و يوشح قصيدته بهما لاعتقاده أنهما شعريان بذاتيهما. فالنص الشعري هنا لا يتلاشى في الأسطورة (كما يفعل البعض) إنما يوظفها شعرياً ولا ينداح في دائرتها بل نراه يتملكها جمالياً.

إن الشعرية لا تكمن في العودة إلى الأسطورة ولكن في كيفية توظيفها في الشعر, هكذا بنى (الصدير) قصيدته وهكذا رسم الأسطورة عبرها, ليشق طريقاً لن أقول أنه غير مسبوق, إنما قلة هم من عبروه بنجاح, فعندما نتكلم عن (شومان) لا أجزم أبداً أن (الصدير) أول من صاغه أدبياً إلا أنه تميز في صياغته عبر منظوره الخاص, فلشللي مثلاً تفسيره الخاص لأسطورة (برومثيوس)، ولملتون فهمه الخاص لأسطورة (شمشون)، ولكامي أيضاً فهمه المتميز لـ (سيزيف). ولكل شاعر نقاط معينة تستهويه وتثيره. كان هنا ايضاً (للصدير) مفهومه الخاص والمتميز لشومان ذلك المخلوق من مارج من نار.

من المهم القول بأن الشاعر (زكي الصدير) يملك لغة صارخة القوة, ويعرف كيف يمازج المفردة المستحدثة أو المعربة بالمفردة العربية الأصيلة دون تكلف أو وقوع في التشظي اللغوي. فقوة المفردة العربية الأصيلة أعطت قوة للقصيدة وجاءت المفردة المستحدثة لتأنق النص وتعطيه طابعاً حداثياً جميلاً, لاسيما مع الكم الهائل من الرموز والأساطير التي تدل على مدى اطّلاع (الصدير) وتعلقه بالميثولوجيا كعلم قائم بحد ذاته ومزجه بالنص الشعري دون الإلتفات لمطالب المتعصبين والمطالبين بعودة الثيمة (الإمبريقية) للنص الشعري.

يختم (الصدير) ديوانه بقصيدة (الجو مشمس) ليبين من خلالها قوة نفسه الشعري ومدى تمسكه بجمالية اللغة وأيضاً مدى قوة سبكه للجمل وتوظيفه للرموز بشكل جميل, هكذا نرى الشاعر (زكي الصدير) عندما يتوحد مع القصيدة، نرى التحول الكيميائي الذي يطرأ على خلايا تلك القصيدة لتجعل منها كائناً نورانياً شفافاً يمتلك قدرات خارقة، يتمكن معها من رؤية الكون وقد استكان إلى دفء اللغة فراحت الأرض بجلالها ترمي معاطفها عليها، والسماء تجند يواقيتها الخضر لتحرس معصميها، والنجوم تتعلق بذيل ثوبها، والطيور تحوم على يديها. ويصبح امتلاك القصيدة امتلاكاً للعالم بأسره، بسواحله وجروده العالقات على الجبال، وبشمسه التي تشع بغبطة الذهب المذاب. ومن هنا تنبع تلك الفلسفة التي اعترت (الصدير) في جل قصائده، وذابت عندما امتطى صهوة الشعر وأضاع الطريق إلى رئته, شاعر تاه ولم يعد ..!!


مالك القلاف
3/2/2008

Corazon mia
07-02-2008, 10:48 PM
اهلا مالك .. قراءة جميلة


تمنيت لو حصلت على الديوان الآن لأتشارك معك في القراءة ..

.
.

لا أعلم

هل هو متوفر في مكتبة معينة ؟؟

أزهار بريه
11-02-2008, 03:04 AM
اللعنة هنا ، أنْ يشدّني استفهام بِـ لمَ .. استفهام هو الآخر لطيف ولا مرئيّ مثل جنيات هذه القراءة
الشومانية المميزة ..في هذا الليل الوحيد .. وسأقول المخيف وأعنيّ الاستفهام لا الليل وجنياته
وأعنّي القراءة ، لا القارئ وهو أنا

تنقلْتُ في هوس المرايا ،الموتُ المؤنث ،يحدو لغيمة ،الجو مشمس
بخيالي .. ومثلي يجمحُ بهم
التفكير فوق رغبة الامتطاء ، للبراعة فيها ..
سقطتُ عند ثنائية القصائد عند مداخلها ، أبوابها ، وبكلمة ٍ مملّة ( عناوينها )
لا أعلم .. قد نترك هذا في هامشٍ ما .. إذ بعضه جموح كيبورد لا أكثر ، في محاولة للقفز على رائع وجميل
كلّ هذا الترحال البعيد .. لم يثنيني عن استفهام ٍ استنكاريٍّ ترصدني مذ بدء ... لِمَ
لمَ قد يستخدم أحدهم الأُسطورة ويوظفها في الشعر ؟:o
لكأنّي أستشعر كمية الصراع خلفها ومداه ، وكأنّي بطريقته نبوءة استنهاض للخفيّ الماثل فينا
،
لا أعلم .. أنا أسقط ُ بإرادتي كي ينطلق متحرراً مني / حصاني ..
:wf:

سلطان اليباب
26-02-2008, 09:25 PM
أهلا مالك،

اسمتعتُ لزكي في بعض الأمسيات و خصوصاً الجنيّات و " يا سند " و أعجبني الإيقاع المتمسك به الصدير و تركيباته الجمالية النافذة للقلب ... لكني لم أحظ برؤية كل ما في المجموعة !

سألني بعض الأصدقاء عن نقاط بيع المجموعة، إن أمكن الاستيضاح لأني لم أجد شيئاً من الأصدقاء حول هذه النقط الآن.

محبتي / فاضل