المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : إحتِفالية و إحتِفائية


حسن علي
01-10-2007, 02:29 PM
إحتِفالية و إحتِفائية


تَتَقدمُ الجموع منتشيًا و أنت تسيرُ على رأسها، كُنتَ تعرف أن هذه اللحظةُ كانت خاصةً بك. كل ما فيها ، مِن الكحل الذي رُسم خطه تحت عينيها ، إلى الشموع التي أتقدت مرفوعةً إلى جانبك. تنصتُ إلى الضحكات التي ألتفتْ حولك ، و التي تحاول أن تعبر عن مشاركتها لك فرحتك ، أو جزءا منها. كم كنتَ تعشق هذه اللحظة عندما تأتيك مداعبة في أحلامك. ترتجي أن تتحقق و تراها تتراقص أمامك كالشمعة التي بغمرك دفئها.

هل هو خيالك ، أم أنك ما زلت تشم رائحة الحناء المنقوش على يديها ما بين الحينة و الأخرى ؟ هل كانت هي أم اللحظة أشبه بالحلم ؟ كمًا من الأسئلة يجتاح عقلك و أنت تُوجّه نحوها. كانت لحظاتها أشبه بالبحر ، و هي تنساب على رمالك. تُغمض عينيك لتبحث في ذاكرتك عنها ، عن اللحظات الأخرى التي أغرقتك أمواجها.

كنت تتسلل من منزلك ليلاً و تتجه إلى البحر ، و ما أن تقترب منه حتى تخلع نعليك و تقف على (السيف) مطالعا القمر المنعكس على صفحة البحر ، و تهمس باسمها عندما تستحضر صورتها في ذاكرتك لعلها تأتي. يمتد بصرك إلى نهاية البحر الذي اكتسى بالسواد ، و تشعر بالخوف كلما فشلتَ في إيجاد خط الأفق هناك بعيدا في اللانهاية. هل تساءلت عن السر الذي يدفعك أن تولي بنظرك تجاه الشاطئ نهاراً ، كلما مررت بطريق التلة المشرف على البحر ؟

ربما كنت تتمنى لحظتها أن تكون واقفةً على (السيف) تطالع البحر ، تهمس باسمك مناديةً لحظات الشوق. تتأمل الخط الفاصل ما بين زرقة البحر وَ زرقة السماء ، و تصِل إلى كل ما عجِزتَ عن إيجاده. تدعوك لترك التأمل ليلاً و البحث معها تحت أشعة الشمس.

كنت تردد دائما في نفسك ، أن النهار لها ، و الليل لك. لم تجرؤ على ترك كبريائك و تلحقها. كنت تعتقد أن البحر في الليل سيهديك إليها.

تتواصل ضربات الطبل بشكل جنوني ، و صوتًا بحريًا ينهّم من خلفك بلوعة. تتناثر قطرات ماء الورد هنا و هناك ، تزداد صيحات الناس خلفك كلما أمعنوا في الرقص ثملين .. كانوا يحتفلون بك ، و من أجلك يرقصون.

تفتح عيناك فجأة ، و بقوة. يعميك ذلك الضوء الذي يحيط بك من كل جانب . ما زالت الهمهمات حولك ، و ما زلت تشعر بأنفاس المحيطين بك و هي تحرقك.

"لا إله إلا الله .."
تشعر وكأنهم قد توقفوا عن دق الطبول ، لكنهم ما زالوا يرددون أهازيجهم ..

"لا إله إلا الله ، لا حول و لا قوة إلا بالله .. ما دائم إلا وجهه "

تشعر بالفراغ الإيقاعي و كأن الأصوات توقفت عن الترديد بصوتٍ واحد ، لتتداخل بشكل عشوائي.
تُطفأ الشموع فجأة ، يعم الظلام ، و يخيم الصمت. تقف متجمدا لا تعرف ما يحصل حولك ، فجأة يعود الضوء مرة أخرى ، كانت الشمس هذه المرة هي صاحبة الضوء الساطع بأشعتها من قلب السماء ، يعميك نورها للحظات ؛ لكنك سرعان ما تبدأ باسترجاع حواسك تدريجيا. تعود تلك الأصوات العشوائية ، و يعود بصرك يرحل باحثا عن أصحابها.

كانت الجموع الغفيرة أمامك ، تتجه نحوك .. تزاحمك و ترشك بقطرات عرقها ، و تتعداك ! تلتفِتُ بجسمِكَ بحدة إلى الوراء ، و تستمع إلى تلك الأصوات المنطلقة من تلك الحناجر و التي تتواصل فيما بينها معبرة عن احتفائية نادبة ؛ فيما كنُتَ تمخر الشارع خلف تلك الحلقة البشرية التي ارتسمت تلقائيا حول الكفن المرفوع على الأعناق.

"لا حول الله ، كانت في عز شبابها"

كنتَ تدركُ أنك لن تحافظ عليها رغم محاولتكَ اليائسة ، سيغرقكَ البحرُ و ستُرغم على الرجوع من عالمك الذي رسمته. لم تكن تسبحُ ببصركَ في أرجاء البحر ليلاً ، و لكنكَ وجدتها محمولةً في الهواء على بعد أمتار منك. و لم تملك إلا أن تتبعَ بخطاك جثمانها.

سلطان اليباب
02-10-2007, 04:41 PM
و رغم الاحتفال الكبير و رائحة ماء الورد التي تعبق في أجواء النص إلا أني منذ الكلمة الأولى رأيت شبح الموت يرفرف على النص

اللغة هنا جميلة حسن...

غادة
04-10-2007, 03:22 AM
خطٌ فاصلٌ دقيق بين الحياة والموت
أستطعتَ الإمساك به بمهارة وطوعته كما شئت..

حسن:
نصّك هذا، أكثر نصوصك التي أحبها..
استمر فقط.
:rflow:

حسن علي
04-10-2007, 11:54 PM
العزيز فاضل ؛

فعل الولادة و إنبعاث الحياة غير منفصل أبدًا عن الموت ؛ الفرح و الحزن كمظهرين متماهيين.

ما يذهلني هي جميع تلك الأشياء التي تقف في الوسط ، تمضي من طرفٍ إلى آخر.


دمتَ في الفرح يا فاضل